ضَرُورَةُ الْعَمَلِ عَلَى الدِّفَاعِ
عَنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ وَ دُعَاتِهَا


بسم اللّه الرّحمان الرّحيم، و الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على أشرف المرسلين. و بعد.
أخذ كثير كلامنا من أيّامنا القليلة أعزّ الأزمنة و السّاعات؛ أيّام هي زهرة شبابنا و تاج أعمارنا، و ليت آخذها إنّما أخذها في الدّلالة على الخير أو الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، و إلاّ فنِعم الآخذ و المأخوذ، بل كلامٌ بضدّ ذلك و قليل منه هو ذلك؛...
قيل و قال و كثرة السّؤال مع قلّة الأعمال؛ خُلقٌ في لبوس الشّريعة و بغلاف الدّعوة، ذلك هو ديدن الكثير مِن أشباه المُلتزمين و تلك هي ميزتهم، و لم يكتف هؤلاء بهذا و لم يقفوا عنده، بل تعدّوه معتدين على العاملين الأخيار، و المخلصين الأبرار، و الأمّارين بالمعروف و النهّائين عن المنكر الأغيار؛ فذهبوا يروّجون ضدّهم الإشاعات، و يختلقون حولهم الافتراءات، و يظاهرون عليهم دعاة المنكرات، يسعى أولئك للبناء و لا مُعين، بل يبنون و يسعى هؤلاء هادمين، و للّه درّ الشّاعر حين قال:
و لو ألف بان خلفهم هادم كفى ـــــ فكيف ببان خلفه ألف هادم ؟!
هل عملوا مثل عملهم؟ هل دعوا مثل دعوتهم؟ هل أمروا بالمعروف مثل أمرهم؟ هل نهوا عن المنكر مثل نهيهم ؟...، لا شكّ أنّ الجواب هو لا و (لا) هي الجواب. فكان الجدير بهم إذن معرفة قدْر أنفسهم إذا كان ثمّة قدْر لديها، ثمّ معرفة قدْر غيرهم مِن ذوي التّقى و الفضل، ليعرفوا بالمقارنة بعد ذلك هل يصحّ أنْ يُقال إنّ السّيف أمضى من العصا !!
و ما أحسن و أبلغ ما قاله الأوّل في أمثال هؤلاء:
أقِلّوا عليهم لا أبًا لأبيكُم مِن اللَّوم ـــــ أو سُدّوا المكان الّذي سَدّوا

و ممّن أظهرهم اللّه في هذا الزّمان، و ذاع صيتهم بين الأنام، فأحبّهم القريب و البعيد؛ علماء و مشايخ عاليّي القدْر، شامخي القامة، غزيري العِلم، سالمي المُعتقد، سديدي الرّأي، صِباح الوجوه؛ اشتهروا بدروسهم و محاضراتهم القيّمة الّتي عالجت مختلف المسائل و القضايا، سواء كانت علمية دعوية، أو واقعية عصرية، و كثيرا ما عُقدت عبر سلاسل في موضوع واحد يتطرّق فيها هؤلاء طرْقا، مِن أبواب عِدّة و جوانب شتّى، كلّّ ذلك يخرجونه في أحسن حلّة؛ جامعين فيه بين فصاحة اللّغة، و عذْب الكلام، و زينة الشِّعر، و براعة الأسلوب، و تسلسل الأفكار، و سهولة العبارة؛ تتجلّى من خلالها غزارة علمهم و قوّة ذكائهم، أمّا لقاءاتهم المفتوحة، و برامجهم المصوّرة، و كتبهم المؤلّفة؛ فهي الوجه المطابق تماما لمحاضراتهم و دروسهم.
فلا غرابة بعد ذلك أن يَظهر لمثل هؤلاء الأعلام الأفذاذ، مَن يغمسون ألسنتهم في ركام مِن الأوهام و الآثام، ثمّ يبسطوها بإصدار الأحكام عليهم، و التّشكيك فيهم، و خدشهم، و إلصاق التّهم بهم، و طمس محاسنهم، و التّشهير بزلاّتهم الّتي لا يسلم منها عالم، و لا شكّ أنّ هذا من سنن اللّه عزّ و جلّ الّتي قدّرها على أهل الحقّ إلى يوم الدّين، فيُبتلون و يُمتحنون و يصبرون، فيبادلهم اللّه على ذلك رِفعة و تمكينا، قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه عليه الصّلاة و السّلام: [[ ما يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ]] (سورة فصّلت: الآية 43). نعم إنّها سنّة من اللّه ماضية لكلّ من سلك سبيل الأنبياء و الرّسل و اقتفى آثارهم، و القرآن العظيم قد حوى قصصهم مع أممهم و ما نالهم منهم من الأذى و البلاء.
و مِن باب حفظ كرامة العالم، و الذبّ عن عِرضه و تعظيم حُرمته، تحتّم علينا معاشر الكِرام و الكريمات ضرورة و لِزاماً؛ أنْ نفي بحقّ علمائنا و نردّ شيئا مِن جميلهم بالعمل الدّؤوب و السّعي الحثيث، على دفع ما مِن شأنه أنْ يخدش كرامتهم، أو ينتهك حرمتهم، أو ينتقص عِرضهم، أو يُقلّل شأنهم؛ ندفع الشّبهة بالدّليل، و الضّلالة بالهدى، و الظنّ باليقين، و الجهل بالعِلم...، كلّ ذلك مُحتسبين عظيم الأجر، مُتحلّين بجميل بالصّبر. نعمل واضعين في الحسبان أنّ الغالطين في حقّ العلماء قسمان؛ قِسم مِن الحثالة الحسدة المعاندين، و قِسم مِن الضّحايا المُضلَّلين، و لكلّ قِسم قِسمته مِن التّعامل.
عمل ترتفع به الجهالة عن البعض بهؤلاء العلماء و الأسياد الأفاضل، و المشايخ و الدّعاة الأكارم؛ من خلال التّرجمة لهم، و التّعريف بمشايخهم...
عمل يُبرز أقوال الأكابر في هؤلاء، جامعاً مِن أنوار الهدى جاعلا منها سراجا يأخذه طالب الحقّ بقوّة شامخا غير مستحيي، و يعود من زَيّن له الشّيطان سوء عمله إلى جادّة الصّواب و حظيرته، قبل أن يكون حاله غدا كحال القائلين إذا عُرضت الأعمال و نُصبت الموازين: [[ وَ قَالُـوا مَا لَنَا لاَ نَرَىَ رِجَـالاً كُنّا نَعُـدّهُمْ مّنَ الأشْـرَارِ () أتّخَذْنَـاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَـارُ ]] (سورة ص: الآيتين: 62-63)...
عمل يُروي الغليل، و يشفي العليل، و يطمْئن الحيران؛ من خلال ردود هؤلاء و أجوبتهم عمّا قيل و كُتب فيهم و حولهم...
عمل يمحي تلك الصّورة الزّائفة المزيّفة، القاتمة المُغيَّمة؛ المُشوِّهة لعلاقة هؤلاء الأفاضل بكبار العلماء الّتي قيل فيها و قيل...، فيرسم بدلها لوحة ربيعية الواقع، نسيمية الهواء، مُشرقة الأنوار، فوّاحة الأزهار، لتتجلّى حقيقة تلك العلاقة، الّتي ملؤُها الحبّ و الوفاء و التّقدير و الاحترام و التّواصل...
عمل يكشِف جانب من هموم هؤلاء الّتي يحملونها في الدّعوة إلى اللّه، و انشغالهم بها عن حظوظ أنفسهم، رغم ما أحيط حولها من تشكيكات و تشويهات...
عمل يسلِّط الضّوء على المنهج الأصيل لهؤلاء الأفاضل، و يُجلّي عقيدتهم المُستمدّة مِن سلفهم الصّالح، و يبيِّن مدى تمسّكهم بالسنّة و استماتتهم في دفاعهم عنها، فيُبَرّؤون ممّا نُسب إليهم ظلما، براءة الذّئب من دم يوسف عليه السّلام...
عمل يزيدنا حماسا إليه و حِرصا عليه؛ آلامنا على واقع الأمّة المكسورة الجناح، المثخنة بالجراح في سائر بلاد الإسلام الواسعة؛ أمّة قد اجتمع عليها الأعداء من كلّ حدب و صوب اجتماع الأكلة على القصعة...، أمّة عادت لإبليس فيها بضاعة الشّرك ليجد فيها سوقا و تسويقا؛ فدُعي غير اللّه، و ذُبح لغير اللّه، و نوزع اللّه في ربوبيته...، أمّة يُستنزَف دمها و يُبقَر بطنها بأيادي بعض الخارجين مِن رحمها، فضاقت دنياها بوسعها، و تزعزع الأمن في ديارها، حتّى أطلّ الخوف مِن أعين الرّجال!...، و هل يُضمد الجراح الدّامية، و يكسِر الرّماح المترامية، و يوحّد الأمّة على الأحزاب المتعالية؛ إلاّ العالِم العامل المُستنير المخلص؟؛ إنّه العالم الربّاني الّذي يذكّر أمّته بحقّ اللّه على العبيد، و يزيل ركام الجهل عنها إزالة الصّدأ عن الحديد، و ينفخ فيها روح العزّة من جديد...، فمَن لهذه الأمّة بعد اللّه عزّ و جلّ إذا أفلت شمس العالم، و انطفأ سراجه، و سقط قدره، و ضعف شأنه؟!.
عمل ننتصر به للحقّ على الباطل في معركة مِن معارك الحرب بينهما...، مع علمنا الّذي لا يراوده شكّ أنّه ليس بالضّرورة أن يكون الوقوع في هذا الباطل مقصد للكثير من إخواننا أو سمة فيهم، و إن كانوا واقعين فيه جهلا منهم أو وهما، جهل و وهم لا يبقى معهما عذر بعد معرفة الحقّ و قيام الحجّة، و إنّما الخَطْب في ظهور الباطل و الشّأن كلّ الشّأن في ردّه، و ليس الشّأن في امتحان قلوب الواقعين فيه و معرفة مآربهم فهذا ينفرد به من يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصّدور سبحانه و تعالى.
عمل يدلّ إلى الخير على الخير، و (( مَن دلّ على خير كان له مِثل أجر فاعله )) (رواه مسلم و غيره عن أبي مسعود الأنصاري رضي اللّه عنه)...
عمل ننسج به حجابا من النّار، طامعين راجين اللّه عزّ و جلّ أن يعتقنا به منها؛ قال عليه الصّلاة و السّلام: (( من ردّ عن عِرض أخيه؛ كان له حجابا من النّار )) (أخرجه الخرائطي في (مكارم الأخلاق) و ابن عساكر عن أبي الدّرداء رضي اللّه عنه، و إسناده لا بأس به في الشّواهد و المتابعات؛ كما في (غاية المرام) تحت حديث رقم 431. أنظر: (الغيبة و أثرها السيّئ في المجتمع الإسلامي، للشّيخ حسين العوايشة: ص36)، و قال: (( من ذبّ عن عِرض أخيه بالغيبة؛ كان حقّا على اللّه أن يُعتقه من النّار )) (أخرجه أحمد عن أسماء بنت يزيد رضي اللّه عنها، و هو صحيح بشواهده و طرقه؛ كما في (غاية المرام): 431. أنظر: المرجع السّابق).
عمل نمضي به متأسّيين و قائلين؛ بما ذكره أحد كبار علماء أمّتنا الغالية الرّاحلين عنّا حديثا، فضيلة الشّيخ العلاّمة بكر بن عبد اللّه أبو زيد -رحمه اللّه- في مقدّمته على كتابه النّفيس (تصنيف النّاس بين الظنّ و اليقين) قال رحمه اللّه:
"فأنتخب من مزدَحَم الحياة: العلماء الهداة في مثالهم: العالم العامل بعلمه في خاصة نفسه، ونصحه لله، و لرسوله، ولإمامه، ولعموم أهل الإسلام، فما أن يُذكر اسم ذلك العالم إلاّ و يُرفع في العلماء العاملين، فعلمه و عمله متلازمان أبداً، كالشّاخص والظلّ سواء، و الله يمنّ على مَن يشاء.
فأنتصر له حسبةً لله، لا دفاعاً عن شخصه فحسب، بل وعن حرمات علماء المسلمين و منهم دعاتهم، و رجال الحِسبة فيهم؛ إذْ بدا لقاء ما يحملونه من الهدى و الخير و البيان: اخْتِراقُ: (ظاهرة التجريح) لأعراضهم بالوقيعة فيهم، و فَرْي الجرّاحين في أعراضهم، و في دعوتهم، ولما صَنعَه (سُعاةُ الفِتنة) مِن وقائع الافتراء، وإلصاق التّهم، وألوان الأذى، و رمي الفتيل هنا و هناك، ممّا لا يخفى في كلّ مكان وَ صَلَته أصواتُهم البَغيضَة.
و لِعِظَم الجناية على العلماء، صار من المعقود في أصول الاعتقاد: (و مَن ذكرهُم بسوء فهو على غير سبيل).
و على نحوه كلمات حِسان لعدد من علماء الأمة الهداة في العلم و الدّين.
لذلك، و لما لهم على العامّة و الخاصّة من فضل في تعليم النّاس الخير، ونشر السّنن، و إماتة الأهواء و البدع، فهم قد أوتوا الحكمة يَقضون بها، و يعلّمونَها الناس، و لم يتخلّفوا في كُهوف (القَعَدَة) الذين صرفوا وجوههم عن آلام أمتهم و قالوا: "هذا مغتسل بارد وشراب"، و كأنّما عناهم شوقي بقوله:
و قد يموت كثير لا تُحِسُّهم ـــــ كأنّهم مِن هَوَان الخطب ما وُجدوا

بل نزلوا ميدان الكفاح، و ساحة التّبصير بالدّين، و هم الّذين يُنبؤن عن مقياس العظمة (العِصَامِيَّة) التاريخية في أشباحهم المغمورة، لا العظمة (العِظَامِيَّة) الموهومة، كما لبعض أصحاب الرُّتب، و الشّارات، المفَرِّغين لأنفسهم عن قَرْن العِلم بالعَمَل.
إنّ القيم، و الأقدار، و آثارها الحِسان، الممتدّة على مسارِب الزمن لا تُقَوَّم بالجاه، والمنصب، و المال، و الشّهرة، و كيل المدائح، و الألقاب، و إنّما قَوامها و تقويمها بالفضل، و الجهاد، و ربط العلم بالعمل، مع نُبْل نفس، و أدَبٍ جمٍّ، و حُسْن سَمْت، فهذه، و أمثالها هي الّتي تُوزن بها الرّجال و الأعمال.
و إلى هذا الطّرازِ المبارك تَشْخُصُ أبصارُ العالَم، و لكلّ نبأٍ مستقَرّ.
لهذا كلّه، صار من الواجب على إخوانهم، الذبّ عن حُرماتهم و أعراضهم بكلمات تَجْلو صدأ ما ألصقه (المنشقّون) بهم من الثّرثرة، و تَكْتِم صَدَى صياحهم في وجه الحقّ. و إيضاح السبيل الآمن الرَّشَد، العدلِ الوسَط" (تصنيف النّاس بين الظّنّ و اليقين: ص 05-06-07).انتهى كلامه رحمه اللّه رحمة واسعة.
و في الأخير أسأل اللّه عزّ و جلّ أن يغفر لمَن سبقني بالإيمان و أنْ لا يجعل في قلبي غِلاّ للّذين آمنوا، و أن يهديني و إخواني إلى الحقّ، في جليّ الأشياء و خفيّها، و يثبّتنا عليه، و يجمعني و إيّاهم عنده في جنّات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع الأنبياء و الصدّيقين و الشّهداء و الصّالحين و العلماء المتّقين، و أسأله الغفور التوّاب؛ السّداد و الإخلاص و الصّواب، و حُسن الخاتمة و المغفرة و الثّواب؛ في القول و العمل، كما أناشد إخواني الدّعاء لي و لوالدي و لكلّ من له عليّ فضل، و لي منّي إليهم مقدّما المحبّة في اللّه و السّلام مع رحمته و بركاته و مغفرته.
و سبحانك اللّهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك و أتوب إليك.


أخوكم محمّد بن حسين حدّاد الجزائري
tarekzyad@gmail.com
ليلة الأربعاء 11 ربيع الأوّل 1429هـ، الموافق لـ: 19 مارس 2008م