أمريكا البيضاء تتجمل بالأسود
كتبه/ عبد المنعم الشحات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فعادة ما تستحوذ الانتخابات الأمريكية على اهتمام كثير من الناس في كل أنحاء العالم حيث أصبح الرئيس الأمريكي رغم إرادة الشعوب -ربما بما فيها الشعب الأمريكي نفسه- رئيس مجلس إدارة العالم، وكل شعب يريد أن يعرف ماذا يضمر له الرئيس الجديد للعالم.
وفي ظل ذلك الوضع يتمنى كل فريق أن يصل الرئيس الأفضل بالنسبة له، ويتساءل الكثيرون عن العوامل التي ترجح كفة مرشح على آخر، إلا أن المتابع لأحوال السياسة الأمريكية يدرك جيدا أن هناك نوعا من الساسة الأكاديميين أو من يمكن تسميتهم بفلاسفة السياسة يرسمون السياسة الأمريكية، ويساهمون بشكل كبير في دفع الرئيس المناسب للمرحلة المناسبة.
ومنذ أن ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية عظمى وتكون لديها رغبة في قيادة العالم وهي تتبنى سياسة الشراكة الإستراتيجية مع حلفائها وإن لم تكن مع ذلك تخفي رغبتها في الحصول على نصيب الأسد من أي كعكة تحصل عليها بمشاركة بعض حلفائها.
ساعد على ذلك وجود قوة أخرى مناوئة هي الاتحاد السوفيتي، إلا أن الولايات المتحدة قد استثمرت جنون القوة الذي أصاب الاتحاد السوفيتي، لاسيما عندما استخدم الاتحاد السوفيتي تلك القوة في مواجهة المسلمين في أفغانستان مع ما يملكه المسلمون من طاقة إيمانية غيرت موازين القوى.
استثمرت أمريكا جرح الكرامة الذي أصاب القوات السوفيتية المهزومة في أفغانستان، واستطاعت أن توجه ضربات تحتية -"مخابراتية"- للدب الجريح الذي هوى سريعا فاقدا لكل مقومات هويته الخاصة.
هذا النصر الحاسم احتاج إلى سنوات طويلة لكي يحصل؛ وجاء حصوله في عهد رئاسة رجل مخابرات سابق هو "جورج بوش" -الأب-، تأكيدا على النظرية القائلة بأن مفكري السياسة الأمريكية يحسنون اختيار الرئيس المناسب في الزمن المناسب.
ولم يتوانى "جورج بوش" -الأب- عن تطوير الهجوم على العدو الذي كان المفكرون الأمريكيون ما زالوا في طور التسخين للحرب معه، وهو الإسلام بصفة عامة أو ما أسموه هم بالإسلام الأصولي على وجه الخصوص، ولم يحتج "جورج بوش" إلى كبير عناء ليأتِ إلى قلب بلاد المسلمين في الجزيرة العربية بمسرحية هزلية ما زالت بعض فصولها لم تنته بعد.
ولكن "جورج بوش" قد تملكه شعور بقدرته وحده على القيادة؛ بالإضافة إلى حدته في تحذير إسرائيل من الاشتراك ولو إعلاميا في حربه في الشرق الأوسط، فأخرجوا له "بيل كلينتون" الذي قال عنه "جورج بوش" في أول مناظرة بينهما: "بأن كلبه يفهم في السياسة أكثر منه".
ومع ذلك فاز "بيل كلينتون" بدورتين متتاليتين، وعلى الرغم من أنه قد ترك إسرائيل تخوض حروبها بنفسها إلا أنه كسب ودها بالدعم المادي والسياسي الضخم الذي أعطاها إياه، وفي نفس الوقت اتجه إلى الإصلاحات الداخلية مما أكسبه رضا اليهود ورضا عموم الأمريكيين في ذات الوقت، وفي هذه الأثناء كان المفكرون الأمريكيون قد انتهوا تماما من تهيئة الأجواء لصدام الحضارات والحرب الصليبية على الإسلام، وكانوا قد أعلنوا نهاية التاريخ، وأعلنوا أن القرن القادم وكل القرون التي بعده قرون أمريكية خالصة.
واستغنوا عن فكرة الشراكة الإستراتيجية مع أوروبا؛ فضلا عن غيرها من دول العالم الثالث، وفرضوا مفهوما للعولمة مفاده قيادة أمريكا للعالم، مع تنازل الشعوب عن هويتها، والحكومات عن قيادتها لشعوبها في كل دول العالم.
ولأن هذا التغير "الدراماتيكي" لا يستطيع أي شخص أن يدافع عنه أو يبرره، فقد وقع الاختيار على "جورج بوش" الابن مع نائبه الذي كان وزير دفاع أبيه "ديك تشيني".
وبدأ عهده بكارثة 11 سبتمبر التي كانت هذه الإدارة في حاجة ماسة إليها لتمثل دور "الأسد الجريح" و"الثور الهائج" و"الفيل الغاضب"، فانكمشت أوروبا وتلعثمت روسيا وانبطح الجميع، إلا المسلمون الذين ظل منهم من يردد بلسانه عقيدة الولاء والبراء، وعقيدة: "إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ"، وأن المسلم لا يرضى بأن يحكم بغير شرع الله ولو بالتأويلات الفاسدة التي يتذرع بها بعض بني جلدتنا من ادعاء أن القوانين الوضعية المعاصرة أخذت القوانين الأوروبية، ولكن بعد إخضاعها لروح الشريعة الإسلامية، أو غير ذلك من العلل، فضلا عما تريده أمريكا من أن تحكم بنفسها وبشريعتها الخاصة بكل ما فيها من كفر وإلحاد، وزنا وشذوذ، وخمر، وميسر وربا(1).
كما قامت فصائل إسلامية كثيرة بمواجهة أمريكا وربيبتها إسرائيل عسكريا في أفغانستان والعراق وفلسطين، بل حتى الشيعة الذين كانوا وما زالوا موالين للأمريكان أمام أهل السنة إلا أنهم لم يسلموا للمشروع الأمريكي وقاوموه، تمثل ذلك في مواجهة إيران أمريكا، وحزب الله إسرائيل(2).
ويبدو أن المفكرين الأمريكان قد أدركوا أنهم اتخذوا خطوة إعلان القرن الحادي والعشرين قرنا أمريكيا خالصا مبكرا.
ومن هنا بدأوا في التفتيش عن وجه سياسي جديد يعيد الحراك في الديمقراطية الأمريكية التي كادت أن تنهار داخليا بانصراف معظم طوائف الشعب الأمريكي عن الانتخابات قناعة منهم بأن الانتخابات قد أتت إليهم بالأسوأ، وليس الأحسن -لاسيما داخليا- فضلا عن الوجه القبيح الذي ارتدته في الخارج.
وكان في حكم المؤكد أن النجاح هذه المرة سيكون حليف المرشح الديمقراطي، ولذلك قام الحزب الجمهوري بتقديم مرشح كان من الصعب أن يفوز ولو نافس نفسه، بينما أجرى الحزب الديمقراطي منافسة بين وجهين جديدين ينتميان الى شريحتين لم يصل أحد منهما إلى منصب الرئيس من قبل "هيلاري كلينتون" و"باراك حسين أوباما".
أما الأولى فكانت أبرز مؤهلاتها أنها زوجة لرئيس أمريكي سابق، لاسيما أن سكوتها على فضائح زوجها الجنسية يمثل بالنسبة للإعلام الأمريكي بطولة، ويبدو أن القوى المحركة للإعلام الأمريكي كانت تعد هيلاري لذلك منذ ولاية زوجها.
وأما الثاني فشاب يتوقد ذكاء وطموحا، متعدد الدراسات الأكاديمية مع بعض الممارسة السياسة العملية، وإن كانت طموحاته السابقة لم تتعدى أن يكون نصير السود المهمشين حتى أنه استبعد تماما في أن يفكر في الترشيح للرئاسة في وقت لاحق، إلا أنه يبدو وقد علم أو أعلم أن أمامه فرصة جيدة للمنافسة على الأقل.
وكان أمام "باراك حسين أوباما"، عدة عوائق أولها وأخطرها اسم أبيه "حسين"، بل قد ذهب خصومه إلى أنه نفسه كان مسلما، بل ربما زعموا أنه ما زال على إسلامه إلا أنه يتخفى.
إلا أنه تجاوز ذلك بالتأكيد على أنه لم يكن مسلما في بداية حياته، وإنما كان علمانيا ثم تنصر وإن كان الكثيرون لم يغفروا له أن أباه مسلم(3).
والقضية الثانية لونه البني الداكن لكونه من أب زنجي وأم بيضاء إلا أن كل هذه العقبات كانت هي بعينها الأمور التي دفعت صانعي القرار إلى اختياره ليغسل العار الذي خلفه اختيارهم الخاطئ في المرحلة السابقة، وليجد المبررات الأخلاقية التي يستطيع معها أن يلين الكلام مع كل الأطراف التي ركلتها الإدارة السابقة خارج حلبة النقاش، ولأمر آخر أكثر خطورة بالنسبة إليهم وهو أنه يسهم في خلق هوية أمريكية تنتمي للأرض الأمريكية، وتدين بالولاء للعلم الأمريكي بغض النظر عن تعدد الأعراق والأجناس والأديان(4) -طبعا باستثناء الإسلام الذي فضَّـل أوباما أن ينسب ماضيه إلى الإلحاد عن أن ينسبه إلى الإسلام-.
وبالفعل فاز "باراك حسين أوباما" وفرح كثير من المسلمين بنجاحه من جميع الشرائح: الساسة والمفكرين، والعامة الذين بلغ الفرح ببعضهم إلى حد توزيع الحلوى!!
والذي نريد أن ننوه عليه أن نؤكد على أن حرب الهوية ما زالت قائمة، وأن حلم أمريكا بقيادة العالم ما زال قائما، وأن الذي يمكن أن يتغير هو التكتيك فقط، حتى وإن كانت بعض صور التكتيك أهون شرا من الأخرى فهي رحمة من الله -عز وجل-، إلا أن التكتيك الناعم غالبا ما يحتاج درجة يقظة أعلى؛ لاسيما وقد ابتليت أوساط الصحوة فضلا عن غيرها بحمى التقارب، بل الذوبان في الغير.
نسأل الله أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
(1) يبدو أن الاستخدام المفرط للقوة قد آتى نتائجه لدى بعض "الغيورين" الذين ظنوا أن أمريكا بوش بوسعها أن تحول كل بلاد الدنيا إلى عراق أخرى؛ فأخذوا يحذرون الدعاة من تناول قضية الحاكمية أو إبراز الرفض لنظم الغرب إلى الدرجة التي صرح فيها بعضهم بأن المسلم لو حكم بواسطة كافر أصلي يطبق فيه ما يشاء من تشريعاته؛ فإنه يلزمه شرعا طاعته، وهذه سقطة لا يشفع لأصحابها نواياهم الحسنة، ولأن هذا غاية ما أرادته إدارة بوش! ففشلت فيه -بحمد الله-.
والأخطر من ذلك أن بعض "المتسلقين" ركب موجة هذه الدعوة بحيث قامت دعوات لا هم لها إلا ذلك وإن كان بعضها يسمى بالسلفية.
(2) غني عن الذكر التنبيه أن هذا من باب سرد الواقع مع أننا نعلم أن الشيعة لهم أجندتهم الخاصة، كما أن عقيدة الولاء والبراء لدينا أن الرجل الواحد يجتمع فيه ولاء وبراء. فنقول: إن الشيعة المبتدعين أقرب إلينا من الكفار.
(3) تعمد "أوباما" عدم الخوض في تفاصيل المرحلة المبكرة من حياته، ومن ثمَّ كثرت حولها الأقاويل، ولكن الأمر في مجمله يدور حول أنه ولد في الرابع من أغسطس 1961م في هاواي، من أب مسلم أسود من كينيا وأم نصرانية بيضاء من ولاية "كنساس" إلا أنهما انفصلا وعمر باراك عامان فتزوجت أمه من إندونيسي مسلم، وانتقلت إلى العيش معه عام 1967م في جاكرتا؛ حيث انضم باراك إلى مدرسة علمانية غالبية تلامذتها من المسلمين لمدة سنتين قبل أن ينتقل إلى أخرى كاثوليكية، قبل أن يعود في العاشرة من عمره إلى "هونولولو" حيث عاش حياة مرفهة مع جديه لأمه.
ومع أنه لم ينشأ نشأة مسلمة إلا أنه ظل يعتبر مسلماً حتى اعتنق المسيحية رسمياً لدى كنيسة الثالوث الأقدس الموحدة للمسيح -"بروتستانتية"- في أوائل التسعينات من القرن الماضي، وقد أشار بعضهم إلى أن هذا كان بوازع من زوجته حتى أن جدته لأبيه أرخت لنصرانيته بعقد زواجه في الكنيسة.
مستفاد من:
منتديات همة المسلم.. من هو باراك أوباما؟
البيان.. 19 نوفمبر 2008، 21 ذو القعدة 1429هـ العدد 10381
الجريدة.. يوم في مسقط رأس أوباما

(4) المجتمع الأمريكي يعاني من افتقاده لأبسط مقومات الأمة فلا دين واحد، ولا لغة مشتركة، ولا لون واحد، وكون أن أمريكا صارت "بروتستانتية -أنجلو ساكسونية- بيضاء" فهذا ليس إلا نوعا من استعلاء طائفة على سائر الطوائف، وسماح هذه الطائفة لرجل ليس كذلك بالصعود إلى قمة السلطة لا يعني تغير هذه النزعة العنصرية، ولكنه لا يعدو أن يكون كما يختار مسئولي الهيئات الدولية من العالم الثالث، ولكنهم مع ذلك لا يرون إلا العالم الأول.
ومن المفارقات العجيبة أن يتمكن هذا "المجتمع" الذي لم يمثل في تاريخه دور الأمة من قيادة أمم عريقة عندها مقومات الأمة، وأما خير أمة أخرجت للناس فلم ولن ترضى بأن تقاد كيف وهي إنما خرجت لتقود، بل لتسود؟! لأن قوامها هو الدين الحق الذي يستطيع كل أحد أن ينتمي إليه في لحظة دون أي اعتبار لجنسه، ولا لوطنه، ولا لتاريخه.
وأما ما تراه من مسارعة كثير من المنتسبين إلى الأمة من المسارعة في الذين كفروا فغثاء يزيله الله إذا ثبت أهل الحق عليه، واستمروا في الدعوة إليه.
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف