خاص بموقع ( لـُجينيات )
العلامتان ابن جبرين والقرضاوي.. حين تسمو القيم

أمير سعيد 11/11/2008
amirsaid@gawab.com
أهل البيان وحملة المشاعل وعناوين العلم وشارات الهداية حين يختلفون؛ فلأنهم يتحرون الحق ويتلمسون آثاره، وحيث يتفقون لا يستنكفون عن إبداء التناصر والتلاحم والغفران.
لا سواء بين مريد حق مسترشد بما يبلغه من علم، وآخر يتبع نفسه هواها، بين أهل الإنصاف، وأقران الانتصار للآراء والاعتداد بما أوتوا من العلم.
وعلماؤنا المخلصون من الصنف الأول الذي يريد الحق فيصيبه أو يخطئه، وهم ما بين صواب وخطأ مأجورون، إذ حاذوا مجامع العلم وارتشفوا من معين الآيات والسنن يقدمونها على أقوالهم وآرائهم، بل يجعلون أهواءهم تبعاً لها، وهم إذ ذاك يختلفون بألسنتهم لكن لا تختلف قلوبهم، وفي الشدائد والنوازل هم كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضاً.
علامتانا نحسبهما من هؤلاء ولا نزكيهما على مولاهما؛ فمن بين كم هائل وبحر هادر من المحاضرات والفتاوى والكلمات لا تجدهما إلا بأدب الإسلام متحلين في نقدهم للآخرين، عارفين لمن سواهم بالأقدار والأوزان.
ولقد توقفت قبل ساعات عند البيان الصادر عن ثلة سامية من علمائنا الأجلاء لنصرة الشيخ العلامة القرضاوي أمام الهجمة الموتورة من أهل الإسفاف والإسفال التي بلغت بنهايتها عند تكفير الشيخ وإغراء سفهاء الأحلام به سباً ولعناً وإطلاقاً لسيل من الاتهامات، من بينها حديثه بلسان الحاخامات اليهود!!
وأكثر ما يلفت النظر في البيان ليس هذا التداعي الذي بدا للعلماء الكرام نصرة لأخيهم، ومن قبل نصرة لدينهم ولصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، رحمة الله عليهم وبركاته ورضوانه؛ فهذا الواجب المحتوم، وهذا المأمول من المسلمين عموماً والعلماء في صدارة المشهد والموقف، وإنما اللافت هو تضمن أسماء الموقعين لاسم الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن ابن جبرين، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء معطيات لا يفهمها الصغار عن واجبات النصرة والبيان.
إن الخلاف لا يعني الشقاق، وإذ تخالف رأيا الشيخين حول الموقف من "حزب الله" إبان حرب يوليو 2006 حين تصدرت فتوى د.ابن جبرين عن الحزب لموقعه تدعو إلى عدم الدعاء لـ"حزب الله" (رغم أنها لم تكن فتوى آنية)، ما استدعى رفضاً ممن لم يقرءوا الحرب إلا في إطار "مقاومة وعدوان" من دون أن يفسحوا قليلاً السبيل لفهم سياسي آخر يطرح العقيدة إلى جوار الاستراتيجية، والتاريخ إلى جانب المصالح من قبل من لم يؤتوا من العلم حظاً وفيراً، أو اعتراضاً ـ بخلاف الأولين ـ من علماء ومفكرين يأخذون بهذه الأدوات الإدراكية جميعاً لكنها تقودهم عند رؤية مغايرة إلى الخلوص إلى نتائج مغايرة، كتلك التي حكمت فتوى وتنبيهات الشيخ القرضاوي، وبدرجة أخرى ثالثة الشيخ سلمان العودة.
في تلك اللحظة، بدا الشيخان ابن جبرين والقرضاوي مختلفين، وعلى مساحة بعيدة نوعاً ما في الموقف، للحد الذي جعل الشيخ القرضاوي ينتقد تلك الفتوى القديمة للشيخ ابن جبرين، ويكرر موقفه هذا حتى في معرض بيانه للرد على وكالة "مهر" والمراجع الشيعية، لكن أمر الخلاف بعيد كل البعد ـ فيما نحسبه ـ عن حظوظ النفس وتقديس الذات، وليس أدل على ذلك من هذا البيان الذي أيد فيه الشيخ ابن جبرين ـ مع سائر الموقعين ـ أخاه القرضاوي ودعا إلى نصرته، وعاتب فيه تلاميذ الأخير، لأن موقفهم كان منه سلبياً وخذلوه في ساعة وجوب النصرة.
إنها المعادن تتبدى في الشدائد، وإنها المدرسة التي لابد وأن يدخلها الدعاة وطلاب العلم، مدرسة الحق وإعلائه عما سواه، والارتفاع بالنفس فوق الخلافات المعتبرة، والانخراط تحت لواء كلمة التوحيد الجامعة التي كما تستلهم منها العقيدة، تستقى منها الأخوة الإيمانية الرائدة.
فليست الاختلافات الفقهية مسرحاً لتصفية الحسابات الشخصية، ولا الولاءات والأفكار إلا تابعة لجادة الحق، والحيدة عنها في التشاحن والتدابر والتخاصم، وليست هذه هي شيمة العلماء العاملين الأوفياء لمنهج الرحمن.
وأبهى ما رأيناه آنفاً، يحدونا أن نوجه للشباب المتحمس كلمة تدعوه لأن يستقيم على منهاج هؤلاء الذين يرتفعون حينما يترفعون عن حظوظ ذواتهم، ويتصدقون على شانئيهم بالإحسان، أوليس في هذا سمو العارفين الحكماء؟! أوليست الدنيا تهرول لزاهديها؟! بلى، إن ثبات هذا في الحق، وصنائع المعروف من ذاك؛ لتشعر أنها هذه هي عين الحقيقة.. فلقد تكلم المبطل في رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوء؛ فتنزلت "إن شانئك هو الأبتر" ورفع الله في العالمين له ذكره، واليوم كم يقف المبطلون حزانى لرفعتهم لعدوهم د.القرضاوي من حيث لا يريدون وتداعي العلماء نصرة له في موقفه، وكم يعلي موقف الترفع عن الخلاف في المسألة ذاتها يوماً ما د.ابن جبرين لتسجل له موقفاً رائداً، حُق للعارفين أن يذكرونه لتلاميذهم على الدوام..