مع أن الانتخابات الأمريكية تعد نزيهة من حيث الفرز والاقتراع..على الأقل مقارنة بانتخابات الدول العربية
إلا أن ذلك لا يعني أن نتيجة هذه الانتخابات ليست معروفة سلفا..كما يتوهم بعض المفتونين بالثقافة الأمريكية..
وإذا كان هذا متصورا في السياسة مطلقا حيث تكون مصلحة مجموعة متنفذة تصب في تيار ما
فإن اختيار رئيس دولة هي في الواقع شرطي العالم..من باب أولى أن يكون كذلك..وهذا من البداهة بمكان..
ففي هذه الدولة ثمة مجموعات تتألف من خبراء في السياسة الإستراتيجية والاقتصاد ذات ميول صهيونية في أكثرها
إضافة لممثلي اللوبي اليهودي وشركات النفط والسلاح وغيرها..كلها تشكل منظومة متكاملة في اختيار الرئيس الأمريكي المناسب لكل مرحلة بحسب ما تقتضيه الظروف الدولية..وأجندة هذه المجموعات لا تعمل بالضرورة لمصلحة أمريكا الصرفة من حيث هي بلد مستقل..
بل هي مجموعات لها اعتبارات تربطها بالكيان اليهودي في فلسطين ..ضمن أهم أولويات خطوطها العريضة الحمراء ولهذا فإن اختيار رئيس دون رئيس لا يؤثر كثيرا على السياسة الخارجية العامة فيما يتعلق بأمريكا..
لأن الخطوط الحمراء المذكورة رسمتها هذه المجموعات..ومن يخرج عن النص فسرعان ما يلفقون له أي تهمة فساد..أو قضية أخلاقية
أو غير ذلك للقضاء على تاريخه السياسي
ثم لا أسهل بعد ذلك من توجيه آلة الإعلام..لحمل المصوتين الأغبياء على الاختيار طواعية
ومن ذلك مثلا في توجيه الدفة أن غاب بوش عن حملة الانتخابات التي يخوضها حزبهوهذا من أبلغ ما أضعف حملة ماكين فأوباما لم يدخر فرصة لبيان أن اختيار ماكين يعني استمرارا لسياسات بوش

وفي هذه المرحلة الحساسة جدا كان من المناسب أن يغيروا طعم الهمبرغر قليلا و الذي اعتادوا أن يبعثوا به إلينا مع القنابل "الذكية طبعا!" في سلة واحدة
لأن ماكين..لن يكون غير بوش مكرر فكلاهما أعضاء فريق عمل واحد ضمن تيار المحافظين الجدد ومن نفس الحزب..ولطالما سكروا طويلا أثناء لعبهم بجهاز التحكم عن بعد..والذي على إشاراته المنبعثة يرقص عملاؤهم على جراحات الأمة..
ووفقا لنتائج الدراسات الأمريكية فإن الداء النفسي العضال الذي تشكو منه الإدارة وهو الكره المتنامي ضد كل ما هو أمريكي بلغ حدا مرعبا بالنسبة لهم ولم تفلح كل محاولات "التقريب" كقناة الحرة وغيرها
والإحصاءات سجلت نتائج غير مسبوقة في هذا الصدد..
وقد ورّث بوش الصغيرلـ"أبي حسين!" تركة ثقيلة
من حرب العراق وأفغانستان والملف النووي الإيراني وعدم وفاء بوش بتحقيق أكاذيبه المتعلقة بالقضية الفلسطينية..إضاف ة للكارثة الاقتصادية التي عصفت بهم مؤخرا..
وهذه الملفات وغيرها تطلبت منهم اختيار رئيس أصوله مسلمة..ليكون الكذب الأمريكي أسلس في البلع..وأما أصوله الأفريقية فستعينهم في تهميش الدور الفرنسي في أفريقيا..
ومع أن كثيرا من المثقفين ومعهم الجالية المسلمة هناك سارعت باختيار أوباما..فإن المتوقع عكس ما يتوهمونه لأن هذا الرئيس سيكون أكثر حرصا على إثبات ولائه الأمريكي وعنصريته..من رئيس أمريكي الأصل
فأي عمل يقوم به قد يشم منه أي رائحة لمصلحة المسلمين أو الدول العربية..ستكون التهمة الجاهزة تنتظره...بأنه منحاز بسبب أصوله..
(مع العلم أن المرتد في حكم الشارع أشد على الإسلام من الكافر الأصلي )
ولم يكن للمجموعات المتنفذة أن تختاره لولا ضمانات قدمها لهم بهذا الخصوص..فلست أشك أنه سيكون أكثر إيغالا في مسلسل الجرائم الأمريكية..ولكن بطرائق مبتكرة جديدة
والتي ستؤول بها إلى الهاوية لا محالة..
ومن الواضح أن المأزق الذي تمر به أمريكا غير مسبوق لدرجة التخلي عن العُرف العنصري في عدم اختيار السود..
مما يعني أن "أمريكا" تغيرت..وهذا له مدلوله في السنن الإلهية..فكما أن الله لا يغير حالنا إلا إذا تغيرنا..كذلك إذا تغير العدو..
وعن التغيير الموعود يقول أوباما "ان ما بدا منذ 21 شهرا في اعماق فصل الشتاء، لا ينبغي ان ينتهي هذه الليلة الخريفية. هذا الانتصار ليس هو التغيير الذي نسعى اليه، انه فقط الفرصة التي نريدها لاحداث التغيير. وذلك لا يمكن ان يحدث اذا تعاملنا مع الامور بنفس الطريقة الماضية. التغير لا يمكن ان يحدث بدونكم"

ومن آخر علامات هذا التغير أنها عرضت مؤخرا الحوار على الطالبان..الأمر الذي كان مستحيلا قبل أشهر في تصريحاتهم
وسواء وضع أوباما خطة للانسحاب من العراق أو لم يفعل..فالنتيجة ستصب في تعجيل انهيارها
لأن جدولة الانسحاب مع تخليف العملاء..سيكون له أثره البالغ في انهزام الروح المعنوية المنهزمة أصلا عند أمريكا والذي سينعكس على سياستها إيذانا بسقوطها
مع أن ظاهر هذا الانسحاب الذي وعد به أوباما التخفيف من التكاليف الباهظة والتي قاربت بلغ نحو ثلاثة تريليونات! حتى الآن ..مما يعني انتعاشها الاقتصادي الظاهري
لكن تبعات الأزمة الحالية أكبر من ذلك خصوصا مع بروز بعض الدول كأقطاب عالمية كبرى مثل الصين وأي انسحاب سيكلف الأمريكان الكثير لأنه لا يعني الهزيمة المعنوية الساحقة فحسب ولا انتصارا كبيرا للمسلمين والمجاهدين فقط..بل المزيد من السقوط الحضاري بشقيه الثقافي والمادي
ولعل ما تنبأ به العالم الرباني سفر الحوالي شفاه الله وعافاه في كتابه القيم "يوم الغضب" من كون بداية نهاية إسرائيل عام 2012..
يفسره فوز أوباما ويمهد له..بإذن الله عز وجل