ميكي ماوس .. وأزمة الإعلام العربي


جمال سلطان : بتاريخ 21 - 10 - 2008
اندهشت كثيرا وأنا أقرأ بعض الصحف المصرية الأسبوع الماضي وأفاجأ بها وهي تنتقد في صفحتها الأولى ما أسمته "فتوى إهدار دم ميكي ماوس" ، كنت أظن أن الكلام في هذه الحكاية استنزف وقتا من الغثاثة والاستخفاف بالعقل إلى حد أنه لم يعد يليق بأي إعلام محترم أن يعيد ويزيد فيها ، ولكن ما حدث ويحدث حتى الآن في هذه المسألة يكشف عن أزمة مركبة في الإعلام والثقافة العربية أعتقد أنها تحتاج إلى بعض الكشف ، المسألة ـ كما اتضح ـ لا صلة لها بالفتوى ، وإنما بحوار تليفزيوني مع الداعية السوري الشيخ محمد صالح المنجد تحدث فيه عن أثر الصورة على الوعي الديني خاصة لدى الأطفال ، واستشهد بأفلام الكرتون الغربية التي "تطبع" نفسية الصغار مع حيوانات أو كائنات مستقذرة شرعا وفطرة ، مثل الفئران والخنازير ، وبعضها يقتل في الحل والحرم كما الفئران لضررها الشديد صحيا وبيئيا واقتصاديا (الصين كانت ترصد مكافأة مالية لمن يقتل أكبر عدد من الفئران) ، وضرب مثلا بأفلام "ميكي ماوس" التي تروج لحب الفئران وأعمال فنية أخرى تروج لحب الخنازير والكلاب مما يخالف الرؤية الثقافية الإسلامية ، هذه الإشارة الثقافية العادية التقطها موقع "صهيوني" بالولايات المتحدة معروف بترصده للإعلام العربي من أجل التشويه والإساءة ، فقدمه على أنه "فتوى" دينية إسلامية بإهدار دم ميكي ماوس ، طبعا الصياغة كان مقصودا منها الإثارة وجذب الانتباه ، غير أن الفضيحة الحقيقية أن صحفا كبيرة ووسائل إعلام أمريكية وأوربية كبيرة نقلت ما اعتبرته "فتوى" على الفور وحولتها إلى مادة للتندر والسخرية من الإسلام والمسلمين والعرب ، على النحو المعتاد هناك في آلاف الأفلام والمسلسلات التي تختلق الأكاذيب على المسلمين والعرب للإساءة والسخرية العرقية والدينية ، وكان المذيعون في بعض البرامج يطلقون قصة "إهدار دم ميكي ماوس" ليطلقوا بعدها موجة من الضحك والتنكيت ، وحدث ذلك حتى في نشرات أخبار ، الفضيحة هنا أن أيا من وسائل الإعلام الغربية هذه لم يفكر في العمل وفق ألف باء الخبرة المهنية ، وهي التحقق من الخبر ، بالاتصال بالجهة المنسوبة إليه ، خاصة عندما يكون بهذا القدر من الغرابة وصعوبة التصور مما يحتاج إلى التحقق والتأكد من صدوره بالفعل ، وهو أمر لن يكلف أكثر من دقائق معدودة من أي مكان في الأرض ، ومع ذلك لم يفعل أحد منهم ذلك ، وهذا الموقف لو حدث في أي واقعة أخرى لا يكون العرب والمسلمون طرفا فيها ، لخضع كل من نشر هذا الخبر للتحقيق الإداري والفني من المؤسسة الإعلامية التابع لها ، لأن هذا يمثل سقوطا مهنيا لا يمكن تجاوزه ، ولكن لأن السخرية جاءت على ما يهوى الجميع هناك ، فإن أحدا لم يسأل ولن يسأل عن القواعد المهنية للتحقق ، غير أن المصيبة الأكبر حدثت في الإعلام العربي حيث فوجئت ببعض الصحف وبعض الفضائيات تعلق بنفس السخرية ، مضافا إليها غضبا مصطنعا وغيرة متكلفة على الفتوى والدين ، من غير أن يكلف أحدهم نفسه دقائق معدودات للتحقق من القصة أصلا ، أو سؤال صاحبها المنسوبة إليه ، وكأن هذا "البعض" في الإعلام العربي كان ينتظرها بلهفة وشوق ، رغم عدم معقوليتها ، حتى أن "الضجة" عندما وصلت إلى مصدر الكلام الأصلي المنسوبة إليه ، الشيخ المنجد ، أصيب بالذهول من غرابة الكلام وقال "وهل ميكي ماوس له دم حتى أطالب بإهداره" ؟! ، وأكد أن أي طفل يستطيع أن يستسخف الحكاية ويستغرب الكلام ، وهو محق في ذلك ، ولكن الإعلام العربي فيما يبدو لم يشأ أن يرقى حتى إلى مستوى الوعي الطفولي .
gamal@almesryoon.com

• بالاتفاق مع "الإسلام اليوم"