(درء التعارض

محمد الحبر يوسف
التخصص في الجزئيات سمة من سمات عصرنا، ذلك لأن المعارف التي كانت بالأمس فنا واحدا،غدت اليوم شُعَبا كثيرة وأقساما شتى يأخذ منها كل مريد بطرف. ولذلك فلا عجب أن يقل فينا من يمكن أن يصفه الناس بأنه عالم متبحر أو متقن متفنن.

والتخصص الذي يؤثره أهل زماننا لا بأس به، إذا كان مصحوبا بسعة أفق، وإلمام عام ، وإلا استحال داء تتحجر بسببه العقول، وتتبلد الأذهان. وقد رأينا أناسا كثيرين قصروا معارفهم على جزء ضئيل من أجزاء المعرفة لا يحسنون غيره ، ولا يهتدون لسواه، فخرجوا من هذه الدنيا دون أن يسمع بهم أحد.

والصيغة المثلى التي ينبغي أن نعززها في مناهج تفكيرنا ، هي أن يكون التخصص في العلم أو العمل أمرا مرغبا فيه، على أن لا يعني ذلك إلغاء الآخر أو الاستخفاف به .كما أن التخصص المعرفي لا يعني أن تقدم المعارف للناس وكأنها أمور متعارضة . فالمعرفة الصحيحة تتكامل ولا تتناقض ، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابه الذائع درء تعارض العقل والنقل ، وأبان فيه أن العقل لا يكمل إلا بالوحي ، وأن الوحي لا يفهم إلا بالعقل.

ولا شك أن المشكلة التي عالجها ابن تيمية قديما لا تزال مشكلة من أعقد مشكلات العقل الإسلامي المعاصر الذي انقسم حول كثير من القضايا والمفاهيم انقساما حادا.

وقد شهدت الساحة الإسلامية منذ أمة صراعا بين مدارس إسلامية كان الأولى بها أن تتعانق لتكتمل الحلقة المفقودة ، وينهض البناء المنشود ، ولكنها آثرت الصراع حول مفاهيم كان يمكن أن تؤلف بينها بقليل من الحوار الهادئ ، فهناك صراع شهدناه في باب الفقه بين أهل(المقاصد) وأصحاب(الفروع)، وصراع في أسبقيات العمل بين رجال(السياسة) ومشايخ (التربية)، وصراع في المرجعيات بين دعاة (التجديد)، أهل(الأثر)،وصراع في الفهم بين (الأصالة) و(المعاصرة).

والحقيقة أن هذه الأجزاء التي تتصارع -أو يراد لها ذلك- مأخوذة كلها من الإسلام، ويستطيع كل فريق أن ينتصر لرأيه بحجة يستند عليها، فلا معنى إذا أن تتحول الروافد التي تنبع من أصل واحد وتتجه إلى مصب واحد إلى دعوات تفرق القلوب وتبلبل الأفكار.

إن درء التعارض بين الأجزاء التي تكمل الصورة ،أمر مطلوب في حياة الأمة ، ذلك لأن هداية الله لا تتم لها إلا بذلك ، والأمة المسلمة ينقص رشدها بقدر نقصها من الصفات التي يجب أن تتمثلها في حياتها، ولربما قادها هذا النقص في الرشد إلى حالة ارتداد والعياذ بالله ، وقد قال تعالى- في سورة المائدة- محذرا المؤمنين من هذه العاقبة السيئة(يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)..