السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إخــواني الكرام سوف أسرد لكم حادثة خالد بن الوليد رضي الله عنه مع مُـجَّاعة بن مرارة سيد من سادات بني حنيفة.
فقد رأيت بعض المخالفين يستدلون بهذه الحادثة على تكفير عوام المسلمين القاطنين في بلدانهم التي يحكمها الطواغيت وتعلوها أحكام الكفر بدعوى أن مجرد سكوتهم هو دليل على رضاهم بالكفر حتى وإن لم يروا منهم الكفر البواح وينسبون قولهم هذا المضحك المبكي إلى بعض أئمة الدعوة النجدية كالشيخ حمد بن عتيق رحمه الله الذي أورد هذه الحادثة مختصرة في رسالته (النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) حيث قال رحمه الله :( لما سار خالد بن الوليد إلى اليمامة لقتال المرتدين بعث قبله مائتي فارس ، وقال من أصبتم من الناس فخذوه فأخذوا (مجاعة) في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه فلما وصلوا إلى خالد قال له : يا خالد ، لقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فبايعته على الإسلام وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس ، فإن يك كاذباً قد خرج فينا فإن الله يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى ) فقال خالد : يا مجاعه تركت اليوم ما كنت عليه أمس وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة وقد بلغك مسيري إقراراً له ورضاءً بما جاء به فهلا أبديت عذراً وتكلمت فيمن تكلم ؟ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر ، وتكلم اليشكري . فإن قلت : أخاف قومي . فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولاً؟ فقال : إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله ؟ فقال خالد : قد عفوت عن دمك ، ولكن في نفسي حرج من تركك ) إهـ ( بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك ) للشيخ حمد بن عتيق .
أقــول : رغــم أن الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله قــد أورد هــذه الحادثة مختصرة كما سوف ترى إلا أن الظاهر أن خالد رضي الله عنه لم يحكم على مجاعة بالـردة كما يدعي المخالفين بدليل أنه قــد عفى عن دمــه .. وهــذا لا يجوز في حق المرتد إلا بالإستتابة .
وإليكم الأن الحادثة بطولها دون اختصار حتى يتضح خطأ فهم المخالف وفساد تمسكه بهذه الحادثة.
وسوف أنقلها من كتاب ( الإكتفا في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء " للإمام المحدث أبو ربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي رحمه الله " المطبوع ضمن كتاب الخلافة الراشدة والبطولة الخالدة في حروب الردة تحقيق الدكتورأحمد غنيم .) .
فقــد قــال الإمام الكلاعي رحمه الله في سرده هذه الحادثة مفصلة:( ولمــا سار خالد بن الوليد من البطاح ، ووقع في أرض بني تميم قدّم أمامه مائتي فارس ، عليهم معن بن عدي العجلاني ، وبعث معه فرات ابن حيان العجلي دليلاً، وقدّم عينين له أمامه ، مكنف بن زيد الخيل الطائي وأخاه . .
وذكر الواقدي : أن خالد لما نزل العض قدّم مائتي فارس وقال : " من أصبتم من الناس فخذوه " . فانلقوا حتى أخذوا مجَّـاعة بن مرارة الحنفي في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه قد خرجوا في طلب رجل من بني نمير أصاب فيهم دماً ، فخرجوا وهم لا يشعرون بمقبل خالد ، فسألوهم : ممن أنتم ؟ قالوا : من بني حنيفة . فظن المسلمون أنهم رسل من مسيلمة إلى خالد ، فلما أصبحوا وتلاحق الناس جاءوا بهم إلى خالد ، فلما رآهم ظن أيضاً أنهم من رسل مسيلمة ، فقال : " ما تقولون يا بني حنيفة في صاحبكم ؟ " فشهدوا أنه رسول الله ! فقال لمجاعة : " ما تقول أنت " ؟ فقال : والله ما خرجت إلا في طلب رجل من بني نمير أصاب فينا دماً ، وما كنت أقرب مسيلمة ، ولقد قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ، وما غيرت ولا بدّلت " فقدّم القوم فضرب أعناقهم على دم واحد ، حتى إذا بقي سارية بن مسيلمة بن عامر قال : " يا خالد إن كنت تريد بأهل اليمامة خيراً أو شراً فاستبق هذا ! " يعني : مجّـاعة ، فإنه لك عًوان على حربك وسلمك ! " .
وكان مجَّــاعة شريفاً فلم يقتله ، وأعجب بسارية وكلامه فتركه أيضاً ، وأمر بهما فـأُوثقـا في جوامع حديد ، وكان يدعو بمجـاعة وهو كذلك فيتحدث منه ، ومجاعة يظن أن خالداً يقتله ! فبينما همـا يتحدثان قال له : " يا ابن المغيرة ، إن لـي إسلامـاً ! والله مـا كفرت ، ولقد قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت من عنده مسلماً وما خرجت لقتال وأعـاد ذكر خروجه في طلب النميري ، فقال خالد : " إن بين والقتل والترك منزلة وهي الحبس حتى يقضي الله في حربنا ما هو قاض ." ودفعه إلى أم متمم امرأته التي تزوجها لمـا قتل زوجها مالك بن نويرة ، وأمرها أن تحسن إساره ،
فظن مجاعة أن خالد يريد حبسه لان يشير عليه ويخبره عن عدّوه فقال : " يا خالد إنه من خاف يومك خاف غَــدَك ! ومن رجاك رجاهما ، ولقد خفتك ورجوتك ، ولقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعته على الإسلام ثم رجعت إلى قومي ، وأنا اليوم على مـا كنت عليه أمس ، فإن يكن كذّاب خرج فينا فإن الله يقول : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ، وقـد عجلت في قتل أصحابي قبل التأنّي بهم ، والخطأ مع العجلة " فقال خالد : " يا مُـجَّـاعة ، تركت اليوم ما كنت عليه أمس ، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتُك اليوم عنه وأنت أعـزّ أهل اليمامة ، وقد بلغك مسيري إقراراً له ورضاً بما جاء به فهلا أبليت عذراً فتكلمت فيمن تكلم ، فقد تكلم ثمامة بن أثال فـرد وأنكر ، وقد تكلم اليشكري ، فإن قلت أخاف قومي ، فهلاّ عمدت إلىّ تريد لقائي ! وكتبت إليّ كتاباً ، أو بعثت إليّ رسولاً ! وأنت تعلم أني قد أوقعت بأهل بزاخة ، وزحفت بالجيوش إليك " . فقال مجاعة : " إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كلّه فعلت ! " فقال خالد: " قـد عفوت عن دمك ، ولكن في نفسي من تركك حَـوجـاء بعدُ ! " فقال مجاعة : " أما إذ قد عفوت عن دمـي فلا أبالي ! " . وكان خالد كلما نزل منزلاً واستقرّ به دعا مجاعة فأكل وحدثه ، فقال له ذات يوم : " أخبرني عن صاحبك - يعني مسيلمة - ما الذي يقرئكم ؟ هل تحفظ منه شيئاً ؟ " قال : " نعم . " فذكر له شيئاً من رَجَـزه ! فقال خالد - وضرب بإحدى يديه على الأخرى - : " يا معشر المسلمين ، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن ! " ثم قال : " ويحك يا مجاعة ! أراك رجلاً سيداً عاقلاً اسمع كتاب الله عزوجل ثم انظر كيف عارضه عدوُّ الله ." فقرأ عليه خالد : " سبح اسم ربك الأعلى " فقال مجاعة : " أما إن رجلاً من أهل البحرين كان يكتب أداناه وقربه حتى لم يعد له في القرب عنده أحد ، فكان يخرج إلينا فيقول : وَيَحكم يا أهل البمامة ! صاحبكم والله كذّاب ! وما أظنكم تتهموني عليه ، إنكم تعلمون منزلتي عنده وحالي ، هو والله يَكذِبكم ويأتيكم بالباطل ! " قال خالد : " فما فعل البحراني ؟ " قال : " هـرب منه ! كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه ، فخافه على نفسه فهرب فلحق بالبحرين " . قال خالد : " فما كان في هذا نـاه ولا زاجـر ! " قال : " هات ، زدنا من كذب الخبيث " فقال مجاعة : " أخرج لكم حنطة ورؤانا . ورطباً وتمراناً " في رَجَـز له . قال خالد : " وهذا كان عندكم حقاً وكنتم تصدقونه ! " قال مجاعة :" لو لم يكن عندنا حقاً لمـا لَقِيَتك غـداً أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل ! " . قال خالد : " إذن يكفيناهم الله ويعـرُّ دينـه ، فـإياه تقاتلون ، ودينـه تريدون ) إهــ كتاب : الإكتفا في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء ( 91/95 ) للإمام المحدث أبو ربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي .
وواضح جداً أن خالد رضي الله عنه لم يحكم عليه بالــردة وغاية أمره أنه حبسه حتى يأمن من شره لا سيما وهو سيد في قومــه ، وخالد رضي الله عنه كان مقدم على حرب مع قوم مجاعة .
ويقوم الإمام الكلاعي رحمه الله عن قدوم وفد اليمامة مع خالد على أبي بكر رضي الله عنهما : ( ثم أقبل - يعني أبو بكر - على مجاعة فقال : " يا مجاعة ، أنت خرجت طليعة ً لمسيلمة حتى أخذك خالد أخذاً ؟ " فقال :" يا خليفة رسول الله ، والله ما فعلت ! خرجت في طلب رجل من بني نمير قد أصاب فينا دماً ، فهجمت علينا خيل خالد ، ولقد كنت قدمت على رسول الله ، فلما ذكر رسول الله قال أبو بكر : " قل : صلى الله عليه وسلم " فقال : " صلى الله عليه وسلم " ثم رجعت إلى قومي ، فوالله ما زلت معتزلاً أمر مسيلمة حتى كان أوان مقدمي عليك هذا ، ثم لم آلُ لخالد فيما استشارني إلى اليوم ، وقد جئناك لترضى عمّن أساء وتقبل ممن تاب ، فإن القوم قد رجعوا وتابوا " فقال أبو بكر : " أما إني قد كتبت إلى خالد كتاباً في إثر كتاب ، آمره أن لا يستبقي من بني حنيفة أحداً مرّت عليه الموسَى ! قال مجاعة : " الذي ضنع الله لك ولخالد خير ، يفئ الله بهم إلى الإسلام " قال أبو بكر : " أرجو أن يكون ما صنع خالد خيراً ، . يا مجاعة أنّى خُدعتم بمسيلمة ! " قال : " يا خليفة رسول الله ، لا تدخلني في القوم فإن الله يقول : " لا تزر وازرة وزر أخرى " ... ) إهـ المصدر السابق (143) .
وواضح هنـا أن أبو بكر رضي الله عنه لم ينكر على مجاعة لما برأ نفسه من الردة .. ولم يقل له إن سكوتك كان رضاً بكفــر مسيلمة الكذاب والله أعلـم .
هـذا ما ظهر لي في الحادثة و ننتظر من الأخوة التعليق ... ونرجو أن يكون التعليق متعلق بنقاش هذه المسألة ( هل حكم خالد رضي الله على مجاعة بالردة أو لا ؟!! )
وأما من أراد أن يناقش مسألة كيف يحكم على عموم الناس في الديار التي تعلوها أحكام الكفر ويتسلط عليها الطواغيت فليدخل إلى هذا الروابط ... وجزاكم الله خيراً .
تفضلوا هذه الروابط :
ما تأويل كلام الشيخ حمد بن عتيق في مسألة إكفاره لأهل بلد ما ؟
أو
سؤال يهمني في العقيدة (أرجو المساعدة)