(دفع الصائل على أهل السنة بالباطل)

الشيخ حمد العثمان.

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد اطلعت على المقالات التي خطها خليل حيدر ضد دعوة أهل السنة والجماعة عموما، ودعوة شيخي الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب رحمهما الله خصوصاً، وكنت كتبت من قبل رداً مختصراً عليه بشأن الدولة السعودية، وأوردت بالحقائق الدامغة ما يظهر للقارئ أن خليل حيدر أسس نقده لدعوة أهل السنة والجماعة والدولة السعودية بالظلم فحاص عن الحقائق التي أوردتها عليه، والتفت عما أوردناه، والحيدة شأن المنقطع، فانتقل إلى مسائل أخرى ليفرج بها مضايق انقطاعه وليلبس على الجهال، فأوجب ذلك أن ندفع باطله وأن نشير إلى تهافت نقده.

ما وراء هذا العدوان

واضح جدا للعيان أن البعض اهتزت نفوسهم لتنامي القوة الإيرانية في المنطقة، كما أنه واضح جداً أن دولة الخميني تأسست على قاعدة تصدير الثورة، ولذلك تناصر معهم من اجتذبه شعور الانتماء لإيران فصار يمتدح دولة الثورة الخمينية ويشن الغارة على الدولة السعودية لتكون محصلة هذا العمل تكريس الهيمنة الإيرانية في المنطقة، ومحاولة إضعاف الدولة السعودية، وهذا عجيب جداً أن يصدر من مواطن كويتي يفترض أن يكون ولاءه لوطنه الكويت ولحمته الخليجية، فعجيب جداً أن ينصب مواطن خليجي نفسه مدافعاً عن إيران ومحارباً لأشقائنا السعوديين.
يقول خليل حيدر منتقدا أهل الكويت والسعودية فيما يذكرونه من تكفير حكومة إيران لأهل السنة : «وهذه بلا شك تهمة غير صحيحة»، ونقول لخليل حيدر : هذه أوضح معالم حكومة ملالي إيران، إذ يقول مؤسسها عن أهل السنة ناعتا إياهم بالناصبة: «الأقوى إلحاق الناصب -يعني السني- بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد وبأي نحو كان!!!»، تحرير الوسيلة «1/352»،
فواضح عند مؤسسي دولة إيران أن السني مباح الدم والمال حيث سنحت لهم الفرصة، وهنا لابد لنا من استحضار جهود إيران الخبيثة لزعزعة أمن الشقيقة السعودية، وهذا واضح من خلال إيواء إيران لعناصر القاعدة وتوفير الحماية لهم والأرضية المريحة التي تسمح لهم بترتيب صفوفهم وتنسيق خططهم وتنفيذ اعتداءاتهم وتفجيراتهم في الشقيقة السعودية.
ولعلنا هنا نذكر بما ذكره رئيس المركز العربي للدراسات الإيرانية في لندن د. علي نوري زادة أن إيران تدعم التيارات السنية الراديكالية، وتريد تجنيد بعض مواطني الخليج لضرب المصالح الأميركية في المنطقة، انظر صحيفة السياسة عدد 13304 تاريخ 26/11/2005م، وفوق هذا فقد أنشأت إيران «فيلق مكة» جنوب العراق على مقربة من الحدود مع السعودية لنقل الفوضى والاضطرابات للسعودية وزعزعة أمنها. انظر صحيفة السياسة عدد 13713، تاريخ 9/1/2007م.

وما تخفي صدورهم أكبر

الهجوم الشنيع الذي شنه خليل حيدر على دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ما هو إلا غيض من فيض ونظير ذلك ما فعله أشباهه من أهل الحنق مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث بادر هؤلاء في صحيفتهم في أول أعدادها في الطعن والنيل من الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وكذلك فعل شيخ الإحساء الصفار حيث قال مفاخراً: «نحن الذين قتلنا عثمان بن عفان رضي الله عنه!!!!!»، فإذا كان هذا حنقهم ضد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرة خلق الله، فماذا سيكون حالنا معهم إذا صارت لهم الدولة؟!

خباثة في قالب إنصاف

حاول خليل حيدر أن يتحذلق ويتدثر بدثار العدل والإنصاف وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم إذ قال: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» رواه البخاري، فكان من مظاهر الخبث الذي قدمه للقراء في قالب العدل والإنصاف محاولة اصطناع التجرد بنقد علماء أهل السنة وأهل البدع سواء فيقول: «مشايخ نجد وقم» هكذا يوهم القراء بأنه ناقد للجميع، مع أن جُلّ أو كُلّ غضبه وطعونه إنما كانت لأهل السنة خصوصا علماء نجد ولا يلتبس على عارف بالشرع المنزل من السماء الفرق بين علماء نجد علماء أهل السنة، وبين شيوخ قم!!
فأين من جرد التوحيد خالصاً لله ممن استغاث بغير الله وسأل غير الله مالا يقدر عليه إلا الله من النصر والرزق وسؤال الذرية وشفاء الأسقام؟!!
وأين من تولى الصحابة والآل جميعا، ممن سب الصحابة وكفّرهم؟!
إلى غير ذلك مما نرى أن مجرد المقارنة انتقاص لمشايخنا، كما قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

الكفار أعدل من حيدر

من قرأ المقالات التي سطرها خليل حيدر ضد دعوة أهل السنة، يعرف أن حقيقة الحنق الذي يحمله يفوق في شدته ما يحمله بعض الكفار الأصليين من أهل الكتاب لأهل السنة والجماعة، بل وجدنا من أهل الكتاب من أنصف دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وحكم عليها بما يوافق الواقع دون شطط ولا وكس، فهذا «ديفيد كوبر» أحد المستشرقين يقول عن دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: «لم يكن في دعوة الشيخ جديد لأنه كان يرى علاج المشكلات جميعا في العودة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من السلف الصالح».
travelers Accounts AS asource for the study of nineteenth century wahhabism

محض افتراء

لما كانت عقيدة أهل السنة والجماعة محجة بيضاء أساسها الكتاب والسنة بفهم الصحابة والتابعين أعيت الحجة خليل حيدر أن يظهر أي مضادة للسلفيين للكتاب والسنة، ففزع إلى الفرية ليفرج بها مضايق عجزه عن محاجة أهل السنة، فكان مما افتراه قوله: «وقد قمع السلفيون في الجزيرة العربية كما هو معروف بقية المذاهب الإسلامية السنية وغير السنية، وعادوا على نحو خاص مذهب أهل الرأي أي الأحناف، وفسحوا المجال واسعا لمذهب أهل الحديث والحنابلة»، فهذا إفك مفترى فهذا العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله من علماء المذهب المالكي من دولة موريتانيا منحته الدولة السعودية الجنسية، وجعلته يدرس في المسجد النبوي والجامعة الإسلامية، وكذلك الشيخ عطية سالم رحمه الله من مصر منحته الدولة السعودية الجنسية، وجعلته يُدرس في المسجد النبوي موطأ الإمام مالك رحمه الله، وكذلك علامة باكستان الشيخ بديع الدين الراشدي السندي رحمه الله جعلته الدولة السعودية يدرس صحيح البخاري في الحرم المكي، والكل يعرف أن أحمد بن حنبل رحمه الله تلميذ الشافعي رحمه الله وأفاد الشافعي أيضا في علم الحديث، والشافعي تلميذ مالك، فكيف يقول خليل حيدر ان السلفيين يحاربون سائر المذاهب؟!
هذا إن دل فإنه يدل على جهل فاضح لم يحسن معه خليل حيدر صناعة الافتراء على وجه يمكن رواجه.

الحق لا يُطلب من خصوم الامام ابن عبد الوهاب

خليل حيدر نقد دعوة الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بما اورده من النقد لخصوم أهل السنة والجماعة، وعلى رأس أولئك الذين استعان بأراجيفهم «البوطي» فأنى لخليل حيدر ان يهتدي للحق وينصف دعوة الامام محمد بن عبدالوهاب وقد جعل اعداءها عياراً عليها.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: «إنّ الإنسان إنْ لم يتعمد أن يلوي لسانه بالكذب أو يكتم بعض ما يقوله غيره، لكن المذهب الذي يقصد الانسان افساده لايكون في قلبه من المحبة له ما يدعو إلى صوغ أدلته على الوجه الأحسن حتى ينظمها نظما ينتصر به، فكيف إذا كان مبغضا لذلك» نقض تأسيس الجهمية «2/344».

إذا عرف السبب بطل العجب

دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله عالمية تلقاها المنصفون بالقبول، فالإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله كتب أصول دعوته وعقيدته في وثيقة وأودعها في مكة وأقرها علماء المذاهب جميعا في مكة والمدينة وقتها، وهذه الوثيقة مطبوعة ضمن «الدرر السنية «1/ 314- 317»، ومازالت تحتفظ بها الدولة السعودية، ولعل خليل حيدر أن ينسق مع السفارة السعودية ليتسنى له زيارة المملكة العربية السعودية للاطلاع على الوثيقة، وحسبي هنا أن أنقل كلام الأستاذ خير الدين الزركلي -وهو ليس سعوديا!- وهو يتحدث عن عالمية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وتلقي علماء الامصار لها بالقبول حيث قال: «محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب، وكانت دعوته، وقد جهر بها سنة 1143هـ – 1730م، الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله، إذ تأثر بها رجال الإصلاح في الهند، ومصر، والعراق، والشام، وغيرها» الأعلام «6/257».
وقال علامة العراق محمود الآلوسي -رحمه الله- مبينا عقيدة أهل نجد عموماً وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب خصوصاً:«وجميع أهل نجد على اختلافهم في القبائل كما أنهم يعتقدون ما سبق كذلك يعتقدون في الآل والأصحاب ما وردت به السنة والكتاب، ويؤمنون بما ورد في شأنهم من الفضائل، وما روي عنهم من الشمائل، غير أنهم طووا بساط المماراة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتركوا العصبية التي هي من أوكار الباطل وأطنابه، فأولئك الآل الكرام هم الذين يتميز بحبهم المرء من نفاقه، والذين ورثوا النور المبين عمن خصه الله بإشراقه، فالصلاة بهم تمامها وبالصلاة عليهم ختامها، ورحمهم موصولة برحم المكارم، وذمامها، وأولئك السادات من الأصحاب الذين خلطهم بجلدته، وألظّ بهم في شدته، أحبوا فيه وبغضوا،وأنفقوا له واقرضوا، وفرض عليهم الصبر معه على البأساء فما أعرضوا، ولكل من هذين الفريقين مقام معلوم، وسهم في السبق والفضيلة غير مسهوم، ولم يزل أمراؤهم وعلماؤهم يأمرون بالأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض فيما شجر بين آل النبي وأصحابه، وإظهار العصبية التي تزحزح الحق عن نصابه، وترجعه على أعقابه، وليس مستندها إلا مغالاة ذوي الجهل، وربما نشأ منها فتنة، والفتنة أشد من القتل، فأولئك السادات هم النجوم الذين كان بهم الاقتداء، وبهم كان الاهتداء، وقصارى المسلم في هذا الزمان أن يتعلق منهم سببا، ويأخذ عنهم دينا وأدبا، لا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهبا، نعم: لا يغالون في حبهم فذلك الذي ما أنزل الله به من سلطان ولا اقتضته الرسالة». تاريخ نجد للآلوسي ص 88- 89.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن استدلال خليل حيدر بطعون الصوفية في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ما هو إلا نظير الجهود الإيرانية التي دأبت على الاستثمار المعنوي للصوفية للغلو في القبور والمزارات واختراق أهل السنة من خلال جامع البدعة بينهما كما صنعوا بشكل واضح في سوريا ومصر والسودان، وانظر الدراسة التفصيلية لذلك في الدراسة التي أعدها الاستاذ محمد أبو الفضل في صحيفة السياسة بتاريخ 8/1/2007م، ص 39.

خذ الصياح بصياح تسلم

خليل حيدر عجز عن الإجابة عن سؤالنا الذي كررنا إيراده عليه وعلى زملائه، وهو أن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ولي الخلافة ست سنوات فائتونا بالدليل على أنه أظهر دينا غير الدين الذين كان عليه الخلفاء الراشدون الثلاثة قبله؟ وأنى لهم أن يأتوا بذلك؟!! بل قد قام الدليل على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمر الناس بلزوم سنة الخلفاء الثلاثة قبله، حيث قال رضي الله عنه: «اقضوا كما كنتم تقضون فأني أكره الخلاف» رواه البخاري.
وقصدنا بإيراد هذا السؤال بيان أنهم لا يأتمون بآل البيت المتقدمين، فتحذلق خليل حيدر وأراد أن يجارينا في ذلك وزعم أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب والسلفيين غير متوارثة عن الأولين، وهذا جهل صارخ إنما يفزع إليه من لا يعرف حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فهذا أشهر كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب كتاب «التوحيد» شاهد بلزومه عقيدة الصحابة وآل البيت المتقدمين، فمثلا في باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد استدل بآثار آل البيت المتقدمين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، فقد ذكر عن علي بن الحسين رحمه الله أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم». رواه الضياء المقدسي في «المختارة».
وفي باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين استدل بقول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت»، رواه البخاري
وفي باب من الشرك لبس الحلقة والخيط استدل الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بأثر حذيفة رضي الله عنه: أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}.
وهذا غيض من فيض من لزوم الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لدين السابقين الأولين.
ثم إن خليل حيدر نفسه متناقض فتراه حينا يستدل بكلام البوطي في الفرية على الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في زعمه أن دعوته محدثة غير موصولة بالسابقين الأولين، وفي موضع آخر ينقم على الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وأهل السنة رد الرأي المذموم مستدلين بزجر الصحابة والتابعين عن ذلك كما نقل عن عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما، والشعبي رحمه الله وغيره، كما أنه وصف أهل السنة بأن عقيدتهم ودعوتهم متوارثة عن أهل الحديث كما في مقاله في صحيفة «الوطن» بتاريخ 29/7/2008م، وفي مقاله بتاريخ 12/8/2008 ذكر عن أهل السنة تمسكهم بمأثورات السنة وطرائق السلف فيبدو أن خليل حيدر لا يدري ماذا يخرج من رأسه، ويهرف بما لا يعرف فهكذا الجهل يورد صاحبه موارد التناقض والظلم، عافانا الله.

الجاهل المرتاب لا يكون حكما على أهل السنة

من المعلوم أن المرتاب الذي لا يعرف الحقائق وجاهل بالعلم الشرعي لا يجوز له أن يطلق لسانه بنقد أهل السنة وعلمائها، لأن الشهادة لا تكون إلا بعلم كما قال تعالى«إلا من شهد بالحق وهم يعلمون»، وكما قال تعالى«فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك».
فخليل حيدر جاهل جهلا مركبا بآكد أحكام الشريعة وأهم مهمات العقيدة فما كان له ولأمثاله أن يطلقوا العنان لأقلامهم في نقد دعوة أهل السنة وعلمائها، ومجازفته في النقد دليل الهوى، وإلا فإن متين الإيمان لا يتكلم بما ليس له به علم كما قال تعالى«ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا».
قال أبو الوليد الباجي رحمه الله:«وقد نطق الكتاب المنع من الجدل لمن لا علم له والحظر على من لا تحقيق عنده، فقال تعالى«ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم»«آل عمران:66»، المنهاج بترتيب الحجاج ص8.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله:«والرد على من خالف أمر الله ورسوله لا يُتلقّى إلا عمن عرف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وخبره خبرة تامة»، الحكم الجديرة بالإذاعة ص38-39.
وسأضرب مثالين صريحين يظهر من خلالهما نقد خليل حيدر لأهل السنة بالجهل والظلم، وإنما هو ناقل لكلام البوطي دون تحقيق أو تمحيص:
المثال الأول: يقول خليل حيدر في صحيفة«الوطن» بتاريخ 16 رمضان 1429 هـ مستدلا بالبوطي«إن ابن تيمية وحده هو الذي فرق بين التوسل بالأنبياء والصالحين في حال حياتهم والتوسل بهم بعد موتهم فأجاز ذلك بهم في الحالة الأولى وحرمه في الحالة الثانية، ولا ندري لهذا التفريق أي مستند يرجع إلى عصر السلف، بل إننا – في زعمه طبعا – لم نعثر على أي بحث أو نقاش أو خلاف بين علماء السلف في هذه المسألة»، انتهى كلام حيدر والبوطي.
وهذا الكلام وحده كاف في الدلالة على جهل خليل حيدر والبوطي، وهو كاف في إسقاط نقده كله إذ أساسه الجهل والعدوان والقول بغير علم.
فإن منع الاستغاثة بالموتى والاستسقاء بهم هو إجماع الصحابة وآل البيت المتقدمين، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها ولم يدخل أحد من الصحابة وآل البيت المتقدمين إلى حجرة قبره للاستسقاء به أو الاستغاثة به أو طلب الرزق والذرية والشفاء من الأسقام.
وهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا«تستر» وهي مدينة بإقليم خوزستان فتحها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووجد أبو موسى وسائر الصحابة رضي الله عنهم الذين معه أهل تستر يستسقون بنعش فيه رجل ميت صالح وقيل هو نبي اسمه«دانيال»، فحفر الصحابة بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، ودفنوه بالليل وسووا القبور كلها لتعمية قبر دانيال على الناس حتى لا يستسقوا به، قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية:«إسناد صحيح».
والمثال الثاني: في صحيفة«الوطن» بتاريخ 26 أغسطس 2008 عاب خليل حيدر متأسيا بـ«البوطي» على أهل السنة والجماعة خصوصا السلفية والوهابية تبديع فرق المسلمين وأنهم جعلوا الناس شطرين: سلفيا وبدعيا، وكأن هذا ليس من صميم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أن أهل السنة يبدعون من ليس بمبتدع.
وهذا طبعا كلام جاهل من خليل حيدر، ومحاولة فاشلة من«البوطي» لإيهام القراء أن أهل السنة والجماعة الذين نعتهم البوطي بالسلفية والوهابية لا يأتمون بالكتاب والسنة وأنهم مقطوعون عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين.
والبوطي وخليل حيدر لم يحسنا اصطناع الفرية فهذا الأمر الذي رموا به أهل السنة هو من آكد وأصح علاماتهم على الائتمام بالكتاب والسنة، قال تعالى«ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»، رواه مسلم.
وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه«اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم»، رواه الدارمي.
وقال حذيفة رضي الله عنه:«استقيموا معشر القراء، فإن أخذتم يمينا وشمالا فقد ضللتم ضلالا بعيدا»، رواه البخاري.
والعمل على إبراز السنة وصيانتها ورد البدع وتصنيفهم بما ابتدعوه حتى يغتر بهم المسلمون ولا يفسد الشرع ولا يتغير ولا يتبدل هو إجماع الصحابة والتابعين، فقد قام السلف بذلك من حين نجم ناجم البدعة، فقد صاح السلف بالخوارج أول ما ظهروا من حين ما خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحوا بالرافضة من حين أظهروا السب للصحابة والطعن فيهم، وصاحوا بالناصبة من حين ما أظهروا سب آل البيت المتقدمين، وصاحوا بالمعتزلة من حين ما كفّروا صاحب الكبيرة لما اعتزل عمرو بن عبيد المبتدع مجلس التابعي الجليل الحسن البصري، وأنكروا على الكلابية والأشاعرة من حين حرفوا صفات الله لما أظهر ذلك ابن فورك وابن كلاب حتى رجع أبو الحسن الأشعري رحمه الله إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
فما يقوم به أهل السنة هو واجب حفظ الدين وصيانته من تحريف الجاهلين وتغيير المبتدعين، وهو واجب النصيحة لعموم المسلمين كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«الدين النصيحة، (قال الصحابة): لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وخاصتهم»، رواه مسلم
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله:«ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله وهو ما يختص بالعلماء رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة»، جامع العلوم والحكم ص58.
فالشمس يا«حيدر» لا يحجبها غبار الذين فرقوا الجماعة بمضادة السابقين الأولين كما قال تعالى«ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا»، وقال تعالى«إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء»،«الأنعام:159 »، قال البغوي، رحمه الله:«هم أهل البدع والأهواء»، شرح السنة«1/210»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:«البدعة مقرونة بالفُرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفُرقة»، الاستقامة«1/42».

الاستدلال بسليمان بن عبدالوهاب

شنع خليل حيدر على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بما نقله من معارضة أخيه سليمان بن عبد الوهاب،
وهذا الجواب عنه من وجوه:
أولاً: لابد لكل إمامٍ عالمٍ من معارض من أهل الباطل ، وهذا شأن النبيين عليهم السلام جميعا وورثتهم كما قال تعالى «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا»، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ما كان بدعا من الرسل، فسيرة الأنبياء عليهم السلام معلومة للجميع فمنهم من عارضه والده ومنهم من عارضه زوجه ومنهم من عارضه قومه، فلا يضر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله معارضة أخيه سليمان له، لاسيما وقد أقر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على دعوته علماء المذاهب جميعا كما أشرت..
ثانياً: أئمة الدعوة وعلماء نجد أعلم بما جرى بينهم من خليل حيدر، فسليمان بن عبد الوهاب نفسه تراجع عن معارضة أخيه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأقر على نفسه بالخطأ.
ورسالة إقرار سليمان بن عبد الوهاب على نفسه بالخطأ موجودة محفوظة ذكرها العلامة المجدد عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله في كتابه «مصباح الظلام» ص105 ــ 108، حيث جاء فيها: «من سليمان بن عبد الوهاب إلى الإخوين: حمد بن محمد التويجري، وأحمد ومحمد ابني عثمان بن شبانة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته «وبعد»:..، ولكن يا إخواني معلومكم ما جرى منا من مخالفة الحق، واتباعنا سبل الشيطان، ومجاهدتنا في الصد عن اتباع سبل الهدى.
والآن معلومكم لم يبق من أعمارنا إلا اليسير والأيام معدودة، والأنفاس محبوسة، والمأمول منا أن نقوم لله ونفعل مع الهدى أكثر مما فعلنا مع الضلال، وأن يكون ذلك لله وحده لا شريك له، لا لما سواه، لعل الله يمحو عنا سيئات ما مضى وسيئات ما بقي.. الخ الرسالة».
وقد جاءه الجواب من الشيخين حمد التويجري وأحمد بن عثمان الشبانة على النحو الآتي: «الأخ سليمان بن عبد الوهاب، زادنا الله وإياه من التقوى والإيمان، وأعاذنا من نزغات الشيطان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعد إبلاغ الشيخ وعياله وعبدالله وإخوانه السلام.
وبعد: فوصل إلينا نصيحتكم جعلكم الله من الأئمة الذين يهدون بأمره، الداعين إليه وإلى دين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فنحمد الله الذي فتح علينا وهدانا لدينه..، إلى أن قالا: فالمأمول والمبغي منا ومنكم ومن جميع إخواننا التبيين الكامل الواضح، لئلا يغتر بأفعالنا الماضية من يقتدي بجهلنا، وأن نتمسك بما اتضح وابلولج من نور الإسلام، وما بين الشيخ محمد رحمه الله من شريعة النبي صلى الله عليه وسلم». مصباح الظلام ص108 ــ 112.
ثالثا: لو قُدر أن سليمان بن عبد الوهاب لم يتراجع، فإن نقده للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يجب أن يوزن بموازين الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وإذا فعلنا ذلك تبين خطأ سليمان بن عبد الوهاب وصواب الإمام محمد بن عبد الوهاب ولزومه للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولنضرب لذلك بمثل مما استدل به خليل حيدر.
ففي صحيفة «الوطن» بتاريخ 30 رمضان 1429 هـ، نقل خليل حيدر عن سليمان بن عبد الوهاب قوله: "إن أهل البدع الذين قالوا بـ«خلق القرآن»، رد عليهم العلماء وبينوا باطلهم من الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، ولكن ما كفروهم".
فهذا برهان واضح على خطأ سليمان بن عبدالوهاب، وأن الحق في جهة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وهو دليل على جهل خليل حيدر بمقالات المذاهب وحقائقها ومقالات العلماء فيها.
فالقرآن كلام الله، وكلام الله صفته ، فالقائل: بأن القرآن مخلوق حقيقة قوله إن الله مخلوق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وحقيقته إلغاء الدين كله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «القول بأن كلام الله مخلوق منفصل عنه قول باطل، وهو شعار الجهمية، وهو في الحقيقة تكذيب للرسل».
الاستقامة «1/137».
وأما الإجماع بتكفير القائل بخلق القرآن فلا يجهله إلا خليل حيدر، قال عمرو بن دينار رحمه الله: «أدركت تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر» أصول أهل السنة «2/252» وهذا النقل عن هذا القدر من الصحابة لأن بدعة خلق القرآن ظهرت في آخر عهدهم.
قال عبدالله بن المبارك رحمه الله: «سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاما يقولون: من قال القرآن مخلوق فامرأته طالق ثلاثا بتة، لأن امرأته مسلمة، والمسلمة لا تكون تحت كافر». أصول أهل السنة «2/270».
قال اللالكائي رحمه الله: «فأي إجماع أقوى من هذا».
وقال أبو محمد يحيي بن خلف المقري: كنت عند مالك بن أنس سنة ثمان وستين فأتاه رجل فقال: يا أبا عبدالله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ قال كافر زنديق. شرح أصول اعتقاد أهل السنة «2/275».
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر». شرح أصول اعتقاد أهل السنة «2/240».
وقال خلف بن هشام البزار المقري رحمه الله: «من قال: إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس». أصول أهل السنة «2/232».
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «من قال القرآن مخلوق فهو كافر». أصول أهل السنة «2/279».
والإمام أبو القاسم اللالكائي رحمه الله بعد أن نقل أقوال مئات من العلماء في تكفير القائل بخلق القرآن ختم بقوله: «فهؤلاء خمسمئة وخمسون نفسا أو أكثر من التابعين وأتباع التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة الخيرين على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام، وفيهم نحو من مئة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل أقوال المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة، لكن اختصرت وحذفت الأسانيد للاختصار ونقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه، أو أمروا بقتله، أو نفيه، أو صلبه».
شرح أصول أهل السنة «2/344».
وبهذا يتبين أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله موافق للإجماع، وأن سليمان بن عبدالوهاب وخليل حيدر منابذون للجماعة.
فعقيدة أهل السنة وأئمتهم كشيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبدالوهاب رحمهم الله محجة بيضاء، والتفت يا حيدر إلى طامات الخميني وورثته كأحمدي نجاد فإن لك في البدع شغلا، فإن لم تفعل فسنظهر لك طاماتهم.
والحمد لله رب العالمين.