أخي خيار، جعلك الله من الأخيار ..
عليك السلام ورحمة الله وبركاته ..
أما بعد فما دمت تجيد بيان ما تقصد فلماذا اختصرت ذلك الاختصار المخل الفاسد في تعقيبك الأخير حتى بدا لكل من يحسن العربية أنه تنقص واضح لأهمية علم التوحيد وكتبه وتأثيرها على تحصيل الايمان ؟؟؟ وهل اذا ما أطلقنا عبارة علم التوحيد وكتب التوحيد اقتصر الأمر عندك على كتب الرد على الفرق الضالة ومناظرة المنحرفين وفقط (على شدة أهمية وضرورة تلك الكتب في تحصين أصول الايمان في قلب المسلم وصيانتها من كل دخن)؟؟؟
اسمح لي أن أعقب على ما ذكرت في ردك الآنف، سائلا ربي السداد .. فأنت على ما بدا لي واضحا في مشاركتك الأخيرة لم تفرق بين أصول الايمان وفروعه.. (وكلٌ يسمى بالايمان كما لا يخفاك) وخلطت كذلك بين مسألة مصير المسلمين الجهال بالعقيدة والتوحيد وأصول الايمان بعد موتهم، وبين تأثير الكثير مما تحقق فيهم من فروع الايمان على قلوبهم وما فيها من ايمان يتفاوتون فيه ويتفاضلون ..
ودعني أبين ذلك بتفصيل بالتعقب على ما ذكرت في كلامك..
فأنت تقول:
"أنا لاأهون من أهمية علم العقيدة ولكن أهميته تكمن في رد الشبهات والمنافحة عن الإسلام الصحيح وليس إكساب الإيمان فليست هذه طريقه"
قلت هذا كلام من لا يحسن تصور حد علم العقيدة وما يدخل فيه من المباحث والمسائل والمقاصد!! الايمان الذي هو جملة أصول الاعتقاد في الله وفي الغيب بصنوفه – والذي هو ما يسميه أهل العلم بالفقه الأكبر والعلم الأشرف – هذا مباحثه تدرس وتفصل وتؤصل في علم التوحيد وكتبه .. ولا طريق للحصول عليه الا من مظانه، تعلما بالكتاب والسنة والدليل، على نحو ما غرسه النبي عليه السلام في قلوب الصحابة ايمانا بأخبار الغيب خبرا بعد خبر، نصا بعد نص، علما بعد علم .. فالايمان الذي تعلمه الصحابة رضي الله عنهم بدأ بالتوحيد وأصوله والتي يدور حولها جل القرءان المكي كما هو معلوم .. ولما كان فساد الاعتقاد في بيئتهم هو عبادة الأصنام تقربا الى الله، كان مدخل القرءان اليهم هدم شبهات دعاة التأله بالأوثان، وبناء توحيد الألوهية في مكانها – جنبا الى جنب مع الربوبية والأسماء والصفات – في قلوب الصحابة، هكذا ايمانا بعد ايمان! فكيف يقال أن اكساب الايمان ليس يطلب ولا يراد من تلك الكتب، وفيها أم الايمان ورأسه وأسه ؟؟؟؟
أما قولك رعاك الله: "ألست معي في أن في المسلمين أميون لايقرأون ولايكتبون ومع ذلك فهم أقوى إيمانا ويقينا ؟"
فلن ألتزم تلك الأجوبة التي ألزمتني بلوازمها .. ولكن أستوقفك هنا وأسألك: ما معنى أقوى ايمانا ويقينا؟ ان كنت تقصد باليقين قوة التصديق – والذي هو قول القلب وهو من أقسام الايمان – فلربما كان أحد الأميين أقوى فيه من مسلم آخر متعلم كما تقول، ولكن هذا يا أخي لا يكون دليلا على عدم الحاجة الى تحصيل ذلك العلم في سبيل زيادة اليقين في القلوب!! وانما حصل ذلك التفاوت المقلوب بسبب تخلف ذاك المتعلم قليل اليقين عن تزكية قلبه بذلك العلم وتحصيل مقصده وغايته منه، اما لهوً خالط نفسه في التعلم أو لبدعة تأثر بها أو نحو ذلك من الآفات التي تقلب زيادته في العلم الى نقمة على صاحبها، نسأل الله العافية! والا فتعلم الايمان مقصده زيادته في سائر شعابه في القلب والجوارح واللسان، وهذه ثمرته وثمرة تعلمه على وجهه الصحيح وعلى هدي الصحابة والسلف رضي الله عنهم ... أما عن العامي الأمي يكون فيه قوة يقين، فهذا من خير تربى عليه ووافق به – من رحمة الله به - أصولا وفروعا في الايمان يتوارثها فومه بينما يتلقاها غيره من العلم بالكتاب والسنة والدليل! فهو تلقاها وتعلمها وتربى عليها بالسماع والتلقين، فرسخت عنده تقليدا لآبائه أو لأولي الحظوة عنده .. فهو أيضا تعلم وتلقى ما به زاد ايمانه في جانب اليقين، ولكنه تعلمه من غير طريقه الصحيح الذي يجب أن يفزع اليه المسلمون لتعلم دينهم، ولهذا فما أسهل أن يقع في قلبه باطل أو خارم من خوارم الايمان والتوحيد بسبب تقليده الأعمى وهو لا يدري، بغض النظر هل له عذر بجهله في ذلك أو أنه ليس من أهل الاعذار عند الله!
وانظر هذا اللازم الفاسد في كلامك والذي أردت الزامي به اذ تقول:
"إن قلت لا , تكون قد علقت الإيمان بدرجة التعلم وهذا يعني أن الأميين سيكونون أقل الناس إيمانا"!
قلت وماذا عمل النبي عليه السلام الا أن علم صحابته الايمان ورسخه في قلوبهم؟؟؟؟ فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في ميزان الايمان؟؟ كلا ولا شك! الذين تعلموا الايمان الصحيح من طريقه الصحيح خير وأكثر ايمانا من الذين لم يتعلموه ونشأوا في جهالة به وبحقيقته!! والايمان أقسام وشعب وأصول وفروع، ولا يصح أن نطلق الكلام هكذا في مفاضلة فئات الناس في باب الايمان!!
فاذا علم هذا، تبين بطلان قولك: "تكون جداتنا وأمهاتنا اللواتي لم يتعلمن علم العقيدة بل لم يدرين بوجوده في الدرك الأسفل أعاذهن الله ورحمهن."!!! فكون "جداتنا" الجاهلات عند الله معذورات بجهلهن، مجزيات على ما به آمن في حدود ما علمن، متفاضلات في منازل الآخرة برحمة ربهن مرجو لهن الخير، هذا يعني أنه يلزم أن كلما زاد جهلهن كلما كان مصيرهن أظلم يوم القيامة! لا تلازم هنا أصلا ما دام باب الاعذار موجودا! والله أمرنا بتعلم التوحيد في القرءان، فهو واجاب علم من علم وجهل من جهل ...
أما قولك: "وإن كان جوابك "نعم" (وهذا هو الظن بك ) قلت لك إذن فتحصيل الإيمان له طريق أخرى غير تعلم علم التوحيد "
فأقول أنت الآن تقفز الى نتيجة تجعلني لا أملك الا أن أسألك: فما هو ذلك الطريق بالضبط ان لم يكن هو التعلم والعمل بالعلم ؟؟؟؟؟ ليتك تخبرنا!

أما كل ما سقته الينا بعد ذلك من نصوص في شعب وفروع للايمان، نص الشارع على أنها مما ينقص الايمان بنقصها ويكمل بزيادتها، فهذا أصل لا نخالفك فيه ولا شك! وان كنا نسألك: أليس سبيل العامي الى معرفة تلك الطرق الى زيادة الايمان هو تعلمها وتلقيها من مظانها كذلك؟؟ فتحت أي العلوم والمصنفات اذا تضعها أيها الأخ الكريم؟؟ وهل يغني تعلم تلك الفروع والشعب عن تعلم الأصول والركائز الكبرى التي عنها يتفرع كل ذلك والتي هي أعلى شعب وأصول الايمان جميعا: التوحيد؟؟؟