الإثارة ضد فتوى اللحيدان .. قراءة في جذور المشكلة
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الإثارة ضد فتوى اللحيدان .. قراءة في جذور المشكلة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    126

    افتراضي الإثارة ضد فتوى اللحيدان .. قراءة في جذور المشكلة

    أحدثت فتوى الشيخ صالح اللحيدان وما أعقبها من توتير علماني معلماً بارزاً في الصراع الداخلي بين التيار الإسلامي والتغريبي ، فإذا أردنا أن نعرف العنوان الأبرز بالنسبة لمثيري الفتنة فهو : الوثبة نحو خطوة طموحة مستعجلة ضمن سياسة حرق المراحل " الخرقاء " .
    وإذا أردنا أن نعرف العنوان الأبرز بالنسبة للعلماء والدعاة فهو : الموجة الهادرة من الغضب ، والتوحد خلف القيادة العلمية على غير ميعاد .

    سيكون لي بعض الإشارات في جانبين : في دائرة الحدث ، وفي أصله وجذوره .

    في دائرة الحدث :

    • لا نحتاج إلى تبصر شديد لكي ندرك أن هذه الإثارة ضد الفتوى تأتي في سياق اعتداء ممنهج على مشائخ آخرين من كبار العلماء بدءاً بالشيخ عبد الرحمن البراك ومروراً بالشيخ صالح الفوزان وانتهاءً بالشيخ صالح اللحيدان ‘ لنجد أنه تنفيذ لمنهجية إسقاط قيمة وهيبة العلماء من بقية المكانة السيادية ، والقبول الشعبي . وهذه يكفي لإثباتها ذلك التضخيم المتكلف لأسباب الإثارة , وكذلك الجرأة في انتقادهم والإسفاف معهم , ثم توالى المواقف وتقاربها زماناً .
    • كما يثبت ذلك ما سبق من تعاليم التلمود " الراندي " الذي أدهشني سرعة التجاوب له ودقة التنفيذ .
    فقد جاء في التقرير: (تشجيع الإعلاميين العرب الذين يعملون في وسائل الإعلام واسعة الانتشار , لإجراء تحقيقات وتقديم تقارير عن حياة قيادات المتشددين الخاصة وفسادهم الأخلاقي والمالي وتسليط الضوء على الحوادث التي تشير إلى وحشيتهم .. ) .

    • وليس الشأن في الاتهام بأن كل من تولى كبر هذه الإثارة هو من قبيل التجاوب المباشر للتقرير وإنما في كون ذلك يصب في مصلحة أهداف ذلك التقرير .
    ويمكن أن نفاوت بينهم في تجاوبهم لهذا التقرير على مراتب :
    - فمنهم من دافعه التجاوب المباشر فهو ممن يسارع فيهم ، وبتعبير عصري من زوّار السفارات .
    - ومنهم من دافعه الانجرار خلف التيار العام لكتّاب الفتنة , وهم طلاب الشهرة .
    - ومنهم من دافعه تصفية حسابات قديمة مع الاتجاه الإسلامي فهو يهتبل كل هيعة ضدهم .

    وبفعل الإثارة هذا فقد تفاوتت النتيجة بين ما يطلبون وبين ما يكرهون .
    ولكن كيف يتصور أن تكون نتيجة الموقف ، أو ماهي أهدافهم لو تحققت في صورتها المثالية :
    1) إحداث تشويش وتشويه في ذهنية الرأي العام تجاه العلماء باستخدام وسائل الإعلام , وهي الأقوى تأثيراً في الرأي العام .

    2) إحداث صدمة في نفوس أولئك العلماء وغيرهم تجعلهم يبالغون في الحسابات قبل اتخاذ أمثال هذه المواقف .

    3) الحيلولة دون خوض أولئك العلماء في الشأن العام واحتسابهم على المنكرات الإعلامية و أمثالها من التي يسعون من خلالها لتغريب وإفساد المجتمع ، بمعنى تطبيق سياسة " أولم ننهك عن العالمين " , ونلحظ ذلك بيناً من خلال أسماء العلماء الذين استُهدِفوا والمواقف التي أثاروا الضجة عليها، فالمشائخ الثلاثة هم ممن تصدى مثلاً لكتاباتهم الصحفية , وفجورهم الإعلامي , وبينوا الكفر الذي فاه به بعضهم .

    # ولكن لا بد أن نعترف :
    أن هناك عوامل ذاتية هيّأت الأجواء ليتجرأ أولئك على علمائنا الكبار ، فلم تكن هذه الإثارة بسبب شجاعتهم ، كما أنه لا تكفي الظروف والتغيرات العالمية التي جعلت شأننا المحلي في قلب الحدث العالمي أن تكون سبباً كافياً لإعطاء أولئك السند لهذا الهجوم .

    بل هناك – قبل ذلك وأصله- :"ضعف مكانة العلماء ودورهم" ؛ فهو متغير هام يكمل المعادلة ، فلن نجد صعوبةً في معرفة الإجابة إذا تساءلنا هل يمكن أن يحدث مثل هذا الاعتداء في حياة المشائخ ابن باز وابن عثيمين وابن إبراهيم ؟!
    هذا مدار حديثنا في دائرة أوسع في [جذور الحدث].


    && في جذور الحدث :

    & العوامل والأطراف التي أسهمت في ضعف دور العلماء ومكانتهم :

    1) العلماء أنفسهم . 2) الحكام .

    3) بطانة السوء وأتباعهم من العلمانيين .
    4) الشباب من أصحاب مناهج الغلو .



    [1] العلماء :

    إذا أردنا أن نعرف دور العلماء ومكانتهم بين الصورة الصحيحة والمنتقصة فلتقارن بين مواقف العلماء قديماً وحديثاً .
    بل لن نجد عناءً في النظر – اطلاعاً وبحثاً أو معايشة واستقراء - لنعرف التناقص البين في دور العالم بين أوائل هذا العصر والوقت الحالي .

    (الطبقة الأولى من العلماء التي واكبت نشأة الدولة الثالثة، حافظت إلى حدٍ ما على الدور شبه الشمولي للعالم في تاريخ البلد، فعلى سبيل المثال كان دور العلامة محمد بن إبراهيم يتجاوز بعده العلمي والقضائي المتعارف عليه إلى السياسي والاجتماعي في كثير من المواقف ..
    لكننا نجد أن الطبقة الثانية من العلماء، والتي ضمت الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ محمد ابن عثيمين، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ حمود التويجري، وغيرهم _رحمهم الله جميعاً_ نجدها تستمر في أداء دور الإفتاء والقضاء، ولكن من خلال مؤسساته المؤطّرة باللوائح والنظم الرسمية، التي تبلورت في تلك المرحلة مما جعل دورها وتأثيرها الأوسع محكوماً بالقواعد التي تهيمن على العلاقات بين الأجهزة المختلفة في الدولة، ولأنها لم تشأ أن تصطدم بهذه الأطر التنظيمية، فلقد حاولت وسعها الاستمرار بدورها الأوسع من خلال هذه الأطر ..

    ولقد نشأ تبعاً لذلك الدور العلمي طبقة ثالثة واسعة من العلماء وطلبة العلم الذين تعددت تخصصاتهم واهتماماتهم ومسؤولياتهم، وهم الذين يعاصرون الآن المرحلة الحالية الحرجة من تاريخ البلد , ... ولغرض الإجمال يمكننا حصر هذا التنوع في اتجاهين بارزين، الأول: اختار العمل من داخل المؤسسات الرسمية حفاظاً على تماسك البناء ولو كان في ذلك تقليصاً للدور والمكانة العلمية، والآخر لم يجابه الأوضاع الرسمية، لكنه أيضاً لم يعمل من خلالها؛ لأنه رأى في استقلالية المرجعية العلمية ومحافظتها على دورها العلمي الحر المعروف من مثلها شرعياً وتاريخياً، وفي تحررها من المظلة الرسمية، ما يكون أسلم لها وللجهات الرسمية، وأدعى لبقاء أثرها التوجيهي الاجتماعي التربوي العام، واستمرار تأثيرها السياسي والاقتصادي والفكري الثقافي، متحركةً في ذلك من منطلق الاحتساب العام المنضبط بضابط الشرع القويم ..) .
    العلماء المستقلون والمرحلة القادمة / د.أحمد العمير / موقع المسلم 20/10/1424

    والآن فنحن لا ننكر قوة تأثير العوامل والظروف الأخرى من التحولات والظروف السياسية وتأثير الباغين , ولكن ليس معناه أن يصبح "الوضع القائم" هو " الفقه المتداول" في دور العالم ,وحجب الدور الحقيقي لـ(العالم \ ولي الـأمر) تطبيقاً وتنظيراً من السياسة الشرعية .
    وأصبح الرأي الأخر حول مسؤولية العالم في الاحتساب السياسي والمنكرات العامة ، وقول الحق في كل القضايا , والتحرك العملي للإصلاح , وقيادة الرأي العام .. , أصبح محظوراً في كتب السياسة الشرعية وفي التدريس الشرعي . وعملياً فقد قُرِّرت مبادئ ثابتة ؛ تحت لافتة عريضة جداً عنوانها "عدم إثارة الفتنة" , يؤصلها العلماء وينتقدون من خالفها , حتى يصبح الخطر أن تألف ذلك الأجيال وتظن أن هذا هو النطق الوحيد .

    [2] الحكام :
    منذ أن انفصل السلطان عن القرآن دأب السلاطين على مدافعة وإزاحة العلماء وإن تفاوت الفعل .
    وفي حقبة الاستعمار تجلى ذلك كثيراً ,إذ دأبت جحافل الاستعمار على استنبات أذناب لهم ليحكموا بسياستهم , وبالتأكيد فلا بد أن تكون مصالح بقائهم مناقضة لمنهج إصلاح العلماء , فتمرسوا في العداء للعلماء بشتى الصور, وراوحوا في هذا العصر بين أساليب مختلفة حسب الملائم :
    - فمن التنكيل والبطش ؛ إلى سياسة استبعادهم من التأثير والاستفادة منهم أحياناً في إسباغ المشروعية أمام الجماهير , أو الاستناد على المشروعية الإسلامية في الحكم مع التقليص الممنهج للدور الإصلاحي للعلماء .

    ودعمت حالة الانتقاص هذه , أحداث وتغيرات من أبرزها :
    - أحداث الخليج .
    - وفاة عدد من العلماء المؤثرين .
    - أحداث سبتمبر وما تبعها من ضغوط .
    • وعمليا فقد تعامل الحكام بطريقة ممنهجة مع مواقف العلماء وتحركاتهم عن طريق : رد فعل ملائم لكل فعل من محاولات التغيير والاحتساب :
    - من الإيقاف إلى السجن ، إلى الاستدراج إلى ترسيم المناصب الشرعية , إلى تسخير شريحة من المحسوبين على أهل العلم وغيرها ..
    حتى تبرمج العلماء في الأغلب على السياسة المطلوبة ، وأصبح البعض يرى الخطوط الحمراء أقرب من موضعها بكثير .

    [3] بطانة السوء وأشياعهم من العلمانيين :
    = ربما يعود الوصفان السابقان على أصل واحد ..


    # كان من دورهم أن رسموا معالم التقليص الممنهج الذي نفذه الحكام وأغروهم بهم .
    - فصلوا بين مؤسسات الدولة إلى شرعية ومدنية , لتنحصر هيمنة العلماء على المؤسسات الشرعية التي تولوها ، ثم عمل أولئك على تقليص الصلاحيات ، وتقليل الدعم ، والتحكم في المُعيّنين حتى أصبحت مؤسساتهم شبه ميته .

    # في المجال الثقافي نجد الهجوم الإعلامي المستعر والمتفاوت حسب الأحوال , فتنوع على صور منها :
    • نشر الأفكار الهدامة ( الحداثة كمثال )
    • إشاعة الشبهات في القضايا الشرعية .
    • ادعاء فتح باب الاجتهاد ليسقطوا من قيمة كلام العلماء .
    • الهجوم على الأشخاص , والذي وصل في ذروته إلى العلماء الكبار كما نرى
    • الهجوم على فتاوى بعينها أوعلى البيانات التي صدرت من العلماء في القضايا الكبرى .

    # على أرض الواقع نجد التدرج في :

    • تقليص الصلاحيات في المناصب أو مجال النفوذ في الاحتساب على القرارات .

    • استبعاد المؤثرين من المناصب والمواقع .

    • سياسة فرض الأمر الواقع , من خلال استصدار القرارت وفرض التغيرات .

    • استدراج القابلين للتنازل واستقطابهم وتحويل جهودهم .



    [4] الشباب :

    نعاود الإشارة إلى أن الأزمات السياسية في الواقع المحلي سببت افتراق بين شباب لا تنقصه الحماسة والغيرة - من غير بصيرة أحياناً- و بين بعض العلماء الذين تفاوتت مواقفهم بين الحكمة والضعف .

    - وكان أيضا لسجن الدعاة المؤثرين أثر في تغييب القدوات الذين كانوا يضبطون حماسهم ويستوعبون حاجتهم للاقتداء .

    = أفرز هذان العاملان : استنبات التيار الجهادي الذي اندفع الكثير من قادته و شبابه في هجوم محموم على العلماء , وتجريدهم من أي فضيلة ...

    • وليس شباب الجهاد وحدهم ؛ وإنما مارس هذا الاعتداء أناس من شباب الصحوة في مواقف قد يتأرجح الصواب فيها بينهم , ولكنهم مارسوا تجاههم النقد غير البناء , فكان سببا للإنقاص من مكانتهم .

    & وهنا تساؤل : هل يعني هذا ألا تنتقد مواقف العلماء أو يحتفظ عليها ؟

    = من ضوابط النقد والتحفظ على العلماء :

    • البدء بالإعذار لهم .

    • الأهلية العلمية من الناقد .

    • البرهان الشرعي الواضح في جانب النقد .

    • الأسلوب الملائم : - في الخطاب؛ بأن تراعي مكانة العالم.

    - وفي الوسيلة؛ بأن تتجنب الإشاعة والتشهير.

    • الابتداء بالمناصحة الشخصية له .

    • الارتباط بمشورة علماء آخرين ؛ يتولون المناصحة قبلاً , ويضبطون مواقف الشباب .. , وبهذا الصدد لازلت أتذكر كلام أحد المشائخ الفضلاء على خلفية موقف العلماء الرسميين وفتواهم في طالبان حينما شنت أمريكا حربها الظالمة عليها , فكان رد الشيخ على تسخط الشباب أن قال إنه ليس من مصلحتنا إسقاط العلماء إما مكاناً رسمياً أومكانةً عند الناس ,لأنه لن يحل مكانهم في هذه الظروف أفضل منهم .. , وأشار إلى دورهم الإيجابي في مواقف أخرى .


    && هذه هي الصورة الكلية للقضية ؛ فإذا أردنا أن ننتصر لعلمائنا في مثل هذه القضية فلا بد أن نُنِقِّب عنها من جذورها , لأن أولئك الأوباش أتوا على

    أرضية ممهدة قد مهدتها العوامل السالفة الذكر عبر عقود , ونحن نتحمل تبعة الجانب الأكبر .
    # ويمكن أن نحصر الرؤية حول الموقف العلمي في جانبين :
    * الجانب الأول :الكف عن ما نتحمله نحن من جوانب الإنقاص من مكانة العلماء , والتي كانت سببا في التجرؤ عليهم , وممارسة أدوار التصحيح والتسديد لمسؤولياتهم بمنهج شرعي يراعي حرمتهم ومكانتهم ومراعاة أولويات التوافق والتقارب على غيرها .
    *الجانب الثاني :
    = له اتجاهان :
    - اتجاه : يعمل على تصحيح صورة ودور العالم (العالم/ولي الأمر) ومسؤوليته الحقيقية وحقوقه , وتأسيس المنهج الإصلاحي والفكري عليها لتنشأ الأجيال على رؤية الصورة الصحيحة علمياً وعملياً .
    - والاتجاه الآخر : يعمل على كف غائلة المنتهكين لحرماتهم من جميع الاتجاهات ,
    كل بالأسلوب الذي يناسبه , والمطالبة بحقوقهم الشرعية , والثناء عليهم وبيان مكانتهم وقيمتهم للناس .

    **وهناك قضية أخيرة مهمة :
    وهي أن استتمام أداء العالم لرسالته وقيامه بدوره ؛ معتمد على وجود عضد له من قاعدة عريضة وصلبة من طلبة العلم تكون ردءاً له معنوياً وميدانياً ؛ لأننا لن ننسَ الدروس من النكبات القريبة التي سقط فيها بعض العلماء أو سهل التصدي لهم من أعدائهم لانفضاض الشباب عنهم وبقائهم وحيدين , وهذه قضيه هامه تحتاج إلى بسط وشرح ولكن هذا ليس مجالها.

    والله الهادي إلى سواء السبيل.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    126

    افتراضي رد: الإثارة ضد فتوى اللحيدان .. قراءة في جذور المشكلة

    إضافة نافعة من موضوع له علاقة :


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أوان الشد مشاهدة المشاركة
    دور العلماء في قيادة الأمة
    د. ناصر العمر

    18/5/1428
    . . . . .

    تغييب دور العلماء:
    إنه بقدر أهمية العلماء الربانيين وحاجة الأمة إليهم يتبين خطر غياب دورهم أو تغييبه، فإن الثغرة التي هم عليها لا يسدُّها غيرهم، ومن أجل تجنّب ذلك فإنني أؤكد على أمور مهمة، هي:
    أنه يجب على العلماء أن يتقدموا لسدِّ الثغرة، وأن يتولُّوا زمام المبادرة بأنفسهم، وأن يكونوا قريبين من الناس قبل الفتن وفي أثنائها، وأن لا ينتظروا أن تأتيهم الفرص وهم قاعدون.
    فإنهم متى ما تأخروا تقدم غيرهم ممن ليس أهلاً لسدِّ مكانهم، ولا بدَّ للناس من قادةٍ يرشدونهم ويوجِّهونهم "حتى إذا لم يجد الناس عالماً اتخذوا رؤوساً جهالاً فسألوهم فأفتوهم بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا"(6).
    لا بد من الاحتساب مِنْ قِبَل العلماء الراسخين على مَنْ يدّعون العلم وينتسبون إليه من غير أهله، وتبيين حالهم للناس، وعدم ترك المجال لهم ليقودوا الأمة ويتصدّروها، وإن من غِشِّ الأمة ترك الاحتساب على أولئك المتعالمين.
    يقول ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعلتَ محتسباً على الفتوى؟! فقلت له: أيكون على الخبازين والطبَّاخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟!"(7)، فانظر إلى فقه هذا الإمام الرباني.
    ولا بدَّ أيضاً من التصدي لمن يسعى إلى زعزعة ثقة الأمة بعلمائها بوسائل شتى، لا سيما ممن يسيطرون على كثير من وسائل الإعلام على اختلافها، فإن الحرب الشرسة التي يقودها هؤلاء على أهل العلم ومحاولة التهوين من شأنهم والحط من قدرهم، لا بد وأن تواجه وأن تقاوم من أهل العلم – بل من الأمة أجمع – بما يتناسب مع هذه الحملات والتشويه.
    إننا لا نقول بعصمة العلماء من الخطأ.. كلا، وإنما مَنْ يقرر أخطاءهم أو يناقشها ليس هم أولئك الجهلة أو المنحرفون، وإنما العلم يُردُّ بالعلم، وتُقارع الحجة بمثلها.
    ومن الأمور المهمة في هذا السياق أن يحذر العلماء من أن يقوموا هم بتغييب دورهم بأنفسهم.
    وقد يقع ذلك من حيث يظن العالم أن هذا هو مقتضى الثبات وعدم التأثر بالواقع، بينما هو في حقيقته نوعٌ من الانغلاق والانكفاء على الذات، وهو مذمومٌ بلا شك، فليس المراد بالثبات أن يقعد العالم في بيته معتزلاً عن قضايا الأمة وهمومها، وإنما المراد هو الاضطلاع بدور الريادة والقيادة مع التمسك بأمر الله قدر المستطاع، فإن قدر وإلا عُذر، فإن الثبات على المبدأ هو التحرك به لا الانعزال والانطواء.
    إن المراد من العالم أن يقوم بما يستطيع، وهو معذورٌ فيما لا يحسن، و"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".
    أما إذا استطاع العالم وقَدِر فإن المرجو منه شمولية الأهداف والمشاريع، والمنتظَر منه إصلاح واقع الأمة بكل مجالات ذلك الواقع واتجاهاته.
    وتأمل حال شيخ الإسلام ابن تيمية تلمس أثره ظاهراً في التأصيل للمسائل العلمية والعملية، الدقيقة والجلية، وكذلك في تبني مشروعات عملية؛ منها التعبدي الخاص به، ومنها ما يتعلق بإنزال التأصيل العلمي الذي يقرره إلى أرض الواقع، فتراه مثلاً يقرر مسائل الاعتقاد ثم يدعو إليها ويناظر عليها، وتراه كذلك يؤصل للسياسة الشرعية، ثم لا يألُ جهداً في مناصحة الأمراء والولاة والقضاة، وأكثر من ذلك تراه يتولى زمام الدعوة إلى شن الحروب على العدو المتغلب، وينخرط في برامج تدريبية تؤهل الناس إلى ذلك، ثم يحرض الناس على اختلاف طباقتهم للمشاركة في وقعة شقحب، بل يقود الجيوش والمعارك، ثم يوجه الدولة نحو خطر أهل النفاق المظاهرين للعدو من رافضة جبل كسروان، مع جهوده وطلابه في إنكار المنكرات.
    وفي أثناء ذلك كله يبين قراءته للأحداث ويطرح رؤيته لتوقع سيرها، وقد كانت عنده من الوضوح بمكان يجعله يقسم على بعضها متفائلاً بتحقق النصر وهزيمة العدو، على رغم اضطراب الأوضاع في عصره بما يشبه حال الناس اليوم فما أشبه عصره بعصورنا في كثير من القضايا كشيوع الجهل، وانتشار المنكرات العقدية والعملية والأخلاقية، وضعف الأمة وانكسار شوكتها، وتغلب العدو المغولي المحتل عليها، وتنازع الملك بما يشبه الانقلابات العسكرية المعاصرة، وإغارة الأمراء على الأقاليم.
    ومن الأمور المهمة جداً – من وجهة نظري – في مجال تفعيل دور العالم في الأمة وعدم غياب ذلك الدور أو تغييبه البعد عن المسلك الفردي في العمل والإصلاح والتأثير.
    وذلك أن الجهد الفردي – مهما كانت قدرات صاحبه ومواهبه – لا يمكن أن يوازي جهده حينما يكون مضموماً إليه جهوداً وخبرات الآخرين ومواهبهم وطاقاتهم، حتى ولو كانوا أقل منه كطلابه أو عامة الناس من أصحاب التخصصات المتنوعة التي تحتاجها الأمة.
    وبما أننا مثَّلنا على الدور الإيجابي للعلماء الربانيين بمواقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإننا ننبِّه أيضاً إلى أنه كان له رحمه الله إخوة من العلماء والعباد، وطلاب ومحبون من العامة والأمراء، بتعاضده معهم بعد توفيق الله تعالى أفلح في تحقيق مشاريع كثيرة بعضها متعلق بالدعوة وإظهار الحق، وبعضها متعلق بالجهاد، و أخرى متعلقة بإنكار المنكرات، وكثير منها لم يكن ليتأتى له –على الرغم من القدرات العلمية التي حباه الله- لو سلك نهج العمل الفردي، ولو تأملت حال مجددي الأمة على مر العصور تلمس طابع التفاعل مع المجتمع والتفعيل لقواه المختلفة أمراً مطرداً، وهذا أمر طبعي فكيف يتأتى لأمة خاملة منهكة أن تنهض دون أن تستجمع قواها، ولو كان أحد يستغني عن الآخرين في نشر الإسلام ونصره إذاً لاستغنى الأنبياء عليهم السلام، ولكن هذا لم يكن ومن تأمل سيرة أكثر الأنبياء تبعاً، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وجد ذلك جلياً، وفي عصورنا المتأخرة نجد تعاون الإمامين محمدبن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله مثالاً يقتدى.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •