السلم الحال


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :-
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال : "من أسلف في ثمرٍ؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجلٍ معلوم" متفق عليه، واللفظ لمسلم.
مع تصحيح بيع السلم في الجملة اختلف أهل العلم في اشتراط الأجل، فذهب الأوزاعي والشافعي وأبو ثور إلى تصحيح السلم حالاً ولم يشترطوا الأجل. وذهب الأئمة الثلاثة إلى اشتراطه واختلفوا في حده.
واحتج المشترطون للأجل بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : "إلى أجل معلوم" ووجه الاحتجاج به وجهين :
الأول : أن السلم بيع على خلاف الأصول، لأنه بيع لما ليس عند البائع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم، وبيع غرر لا يأمن البائع حصوله عند حلول الأجل، وزاد بعض الشافعية أنه بيع غائب وهو باطل على الصحيح عندهم، فالأصل فيه التحريم مطلقاً، لكن أخرج حديث ابن عباس هذه الصورة عن النهي، فبقي غيرها على الأصل الذي هو التحريم. وإنما جازت الصورة المذكورة من أجل الحاجة، لحاجة المشتري للشراء برخص وحاجة البائع لما ينفقه على نماء الثمر؛ لذا سماه الفقهاء بيع المحاويج.
الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من الشروط العلم بالمقدار والعلم بالأجل، فكما لا يجوز السلم إلا بمقدار معلوم فكذلك لا يجوز إلا بأجل معلوم.
والوجه الأول يختص بمن يرى أن السلم بيع على خلاف الأصول أو على خلاف القياس، أما الثاني فيصح على قول الجميع، أي من يقول أنه بيع صحيح موافق للأصول والقياس ومن لا يرى ذلك.
ثم أطالوا بما لا يخرج غالباً عن هذين الوجهين.
وأجاب الشافعية ومن وافقهم عن الوجه الأول بمنع أن يكون البيع على خلاف القياس أو الأصول، إذ لا يختلف عن بيع الرجل ما لم يقبضه، وقد صححه المالكية والحنابلة في كثير من الصور، ولا يأمن البائع أن يتلف فلا يقدر على تسليمه، كما صححوا بيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه، وكذا بيع الآبق والشارد عند بعضهم ولا يأمن البائع ولا المشتري أن يعجز عن استرداده لطروء قوة للغاصب أو عجز للمشتري أو تلف في المبيع.
ويرده أيضاً الاتفاق على جواز بيع السلم لمن لا يحتاج إليه، بأن يكون المشتري غنياً واجداً للثمر برخص من غير من يسلم له، لكنه يؤجله لعدم حاجته إليه حالاً، وكون المسلم له واجداً لما ينفقه على شجره حتى لو كان أغنى الناس. فجوازه مع عدم الحاجة مبطل لما ذكروه من أنه بيع مخالف للقياس والأصول إنما جاز للحاجة.
فبقي الأصل والقياس، إذ الأصل في البيوع الإباحة. أما القياس فلأنه لو صح السلم مؤجلاً مع الغرر لصح حالاً من باب أولى لكونه أقل غرراً.
ومما يبين أنه على وفق الأصول أن الأئمة الثلاثة المانعين له يُجيزون بيع العين الغائبة مع كون هذا البيع أشد غرراً، إذ أنَّ كل ما فرضوه مانعاً من صحة السلم الحال موجودٌ في بيع الغائب ويزيد عليه بأنه غير مضمون على البائع إذا تلف، حتى إذا تلف المبيع انفسخ البيع عندهم مع أنه قد كان تم صحيحاً مستوفياً للشروط! وزاد المالكية في الغرر فقالوا: لا ينفسخ البيع وضمانه على المشتري إذا تفرقا، ولا يرجع على البائع بشيء إلا أن يدعي سبباً ظاهراً فيجب عليه أن يقيم البينة. بينما السلم مضمون على البائع بلا خلاف بينهم، حتى لو تلف وجب على البائع أن يقيم مكانه ما يوافق الصفة المشروطة من حيث شاء، ولو فرضناه عجز رجع بالثمن. فكيف يكون بيع الغائب موافقاً للأصول والقياس والسلم مخالفاً لها؟!
ثم على فرض أنه بيع غرر على خلاف الأصول والقياس فالبيع أيضاً صحيح، بيانه أنه لو صح إخراج هذه الصورة مع ما فيها من غرر فجواز خروج السلم الحال عن المنع أولى لكونه أقل غرراً.
وأجابوا عن الوجه الثاني : بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط الأجل ولا الكيل والوزن، وإنما اشترط العلم به إذا وُجِدْ كما اشترط العلم بالكيل والوزن إذا وجد فقط، أما مع عدم الوجود فلا، يدل عليه تصحيحهم السلم فيما لا يكال ولا يوزن كالمعدودات والمذروعات. فلو كان الأجل في الحديث شرطاً لكان الوزن والكيل كذلك، ولم يقل به إلا بعض الحنابلة. والجواب على هؤلاء هو الجواب على من سبقهم، فإن منعوا، قيل لهم : فهو احتمال لا يمنعه لفظ الحديث كما أن قولكم باشتراط الكيل والوزن والأجل احتمال أيضاً لا يدل عليه نص الحديث بل يحتمله فقط، فلا يكون الحديث دليلاً على الشرطية ولا عدمها. فإذا عُلِمَ هذا بقي لنا أن الأصل الإباحة والقياس على بيع الأجل، إذ لو جاز السلم مؤجلاً فجوازه حالاً أولى لكونه أقل غرراً كما تقدم.
فالراجح هو ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله، وهو اختيار ابن القيم وابن أبي العز الحنفي في (التنبيه). والله أعلم.