سلسلة مفهوم حلقات التوحيد على ضوء منهج النبوة ج1
بسم الله الرحمن الرحيم
الشروح السنية لرسائل أئمة الدعوة السلفية

الحمد لله ذي الملك والملكوت، والصلاة والسلام على النبي المبعوث بالتوحيد الرشيد بأحسن الدعوات والكلمات لإزالة كل باطل مسيج بالكهنوت والجبروت، ثم أما بعد: لقد بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم برسالة التوحيد ومنهج السنة على طريق النبوة سديد، وأيده بحجج الحق الواضحة وبراهين الصدق الخالصة ليظهرها بين الناس بالقسط والحق، فالتوحيد دعوة الرسل قاطبة،وملة الأنبياء عامة، وأساس الدين الحنيف و ركن الملة المستقيمة، وعليه بني مدار الإسلام ، ورحى العبادة دائرة، ولا تقبل عبادة إلا به وحده خالصا لأنه أس الإسلام ، وعموده المتين الذي يقوم عليه هذا الدين كما جاء في جامع السنن للترمذي بسند حسن صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله]، فالتوحيد ركيزة الملة ، و رأس الأمر المذكور في هذا الحديث العظيم هو التوحيد السليم من كل شرك وكفر وردة ، ولا يسمى التوحيد توحيدا إلا إذا كان خالصا لله وحده لا شريك له، وما سواه هو الشرك والكفر والردة ، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " ولما كان هذا هو شأن التوحيد وجب على كل مسلم أن يتعلمه"، لأن شأنه عظيم وأمره جسيم ، فهو الهدف الذي من أجله خلق الله الخلق كما قال تعالى :{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، قال العز الأذرعي الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية :" التوحيد هو أول واجب وآخره" لأنه هو المدخل إلى الإسلام، ولا يصح عقد الإيمان إلا بالنطق بالشهادتين، كما قال عليه الصلاة والسلام : [ من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ] رواه مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فهو أول واجب متحتم على المسلم أن يعلمه بحق وعلم وهو آخر واجب كلف به الموحد أن يفارق الدنيا بلوازم التوحيد ومقتضيات العقيدة وشروط لا إله إلا الله وهو على ملة التوحيد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرج ابن حبان في موارد الظمآن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا :[ من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر و إن أصابه ما أصابه] ، أي : من حقق التوحيد بشروطه وحقوقه دخل الجنة ، فأول دعوة الأنبياء والمرسلين توحيد الله عز وجل في تحقيق العبادة كما قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ :" المراد بالتوحيد توحيد العبادة ، وكل رسول يفتتح دعوته لقومه بهذا التوحيد ، كما قال تعالى :{ أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}، وقال العلامة الطبري : قال ابن عباس رضي الله عنه : [ كل لفظ العبادة في القرآن مقصود التوحيد ] قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع التوحيد :" بني الإسلام على أصليين ، أولا : أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، ثانيا : أن لا نعبده إلا بما شرع لا بالأهواء ولا بالبدع "، فأصل دين الله تعالى بني على التوحيد وأن لا نعبده إلا وحده لا شريك له ، لأنه لا إله غيره ، فكل دعوة دينية لها شرعة تنظم العبادة فيها والمناسك والأحكام كما قال تعالى :{ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}قال ابن عباس رضي الله عنه : [شرعة ومنهاجا سبيلا وسنة ] فيما رواه ابن أبي شيبة ، فلا عبادة إلا على التوحيد والسنة كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس :
الكافية الشافية في الإنتصار للفرقة الناجية :
وعبـادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبـادة دائر ما دار حتى دارت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله لا بهوى النفوس فذاك للشيطان
وقال العلامة ابن تيمية رحمه الله : " ومدلول التوحيد بشطريه هو إفراد المولى بالوحدانية وتجريد الأعمال له بالعبودية، فالأول هو توحيد الربوبية ، والثاني : هو توحيد الألوهية"، فتوحيد الربوبية قد لأقرت به جميع الملل والطوائف ، وأما توحيد الإلهية فهو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم، كما قال العلامة الصنعاني : " فكل رسول يقرع أسماع قومه بدعوة التوحيد"، لأنها هي محل الخلاف ومربط النزاع بين الموحدين المسلمين والمشركين الكافرين، والفاصل بين الملتين هو توحيد العبادة ، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : " العبادة لفظ شامل لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة"، فالعبادة هي كل ما تعبد الله تعالى به الخلق ، فمن صرف شيئا منها مما لا يليق إلا بالله تعالى وحده كان مشركا به سبحانه، قال العلامة محمد بن عبد الوهاب :" فيجب على المسلم أن يحقق التوحيد اعتقادا وقولا وعملا"، قال علماء الديار النجدية : " ولا يتحقق التوحيد إلا بالمعتقد والقول والعمل "، فمناط تحقيق التوحيد يكون بأركانه الثلاثة المعروفة عند أهل العلم من أهل السنة والجماعة : بالقلب والقول والعمل ، فكل واحدة من الأجزاء الثلاثة ركن في الإيمان بالله تعالى لا تنفك بعضها عن بعض كما زعمت الفرق الهالكة على رأسها المرجئة في هذا الباب ، لأن الإيمان والإسلام والتوحيد هو الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :" الدين : مجموعة عقائد وعبادات وأحكام ومعاملات"، فدين الإسلام ليس هو مجرد النطق بالشهادتين فقط وإنما هو : " الامتثال و الانقياد لله تعالى بالطاعة والإذعان " ، فهذه الدعو ة السنية المباركة إلى التوحيد اعتقادا وقولا وعملا هي دعوة الإسلام المحضة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده رضي الله عنهم، و ما نزل بها القرآن من عند الله تعالى كما قال تعالى :{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، فدعوة الرسل والأنبياء كلها في هذا المنهج المبارك لتحقيق عبادة الله تبارك وتعالى قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : " والقرآن كله دعوة إلى التوحيد بأحكامه وأوامره ونواهيه وقصصه وأمثاله"، فكل ما في القرآن يدعو لذلك.
http://www.merathdz.com/play.php?catsmktba=1804