[align=justify]
بسم الله الرحمن الرحيم


يسرّني أن أكمل ما بدأته من وقفات فيما وافق فتوى فضيلة الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله من احداث .
فأقول سائلاً الله العون والتسديد :


الوقفة السابعة: بين أرباب الفضائيات وجهم بن صفوان :-
لعل من المناسب بعد أن ذكرنا قصة قتل الجعد بن درهم، أن نذكر قصة خلفه في بدعته وهو : جهم بن صفون.
** من هو جهم بن صفوان؟
هو جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي، الضال المبتدع، رأس فرقة الجهمية، وإليه تنسب، زرع شرّا عظيماً. وهو مولى بني راسب، وكان صاحب ذكاء وجدال.(1)
** مكانته الاجتماعية:
كان كاتباً لأمير خرسان الحارث بن سريج الذي خرج على خلافة مروان بن محمد ( الجعدي )(2)، آخر خلفاء بني أمية، وكان الجهم بن صفوان من مؤيدي الأمير الحارث بن سريج.(3)
** بدعه :
كان مع ما عنده من بدعة التجهم وهي القول بخلق القرآن والتعطيل وغيرها تعالى الله عن ذلك فقد كان خارجياً يحرّض الناس على الخروج على مروان بن محمد.
ونظرا لمكانه من الأمير فقد كان يقف على المجامع والطرق ويقرأ عليهم سيرة الحارث وما يدعوا إليه من الخروج، فاستجاب له خلق كثير.(4)
** قصة قتله:
ذكر ابن كثير وغيره أنه قتل في القتال الذي نشب إثر خروج أمير خرسان الحارث بن سريج على الخلافة، حيث تقابل الأمير الحارث بن سريج ومن معه ومنهم جهم بن صفوان رأس الجهمية، مع نصر بن سيَّار ومن معه والذي هم تحت طاعة الخليفة.
فقتل كثير من أتباع الحارث بن سريج، وممن قتل الجهم بن صفوان، حيث قتل بطعنة في فمه. وقبل بل أسر وأوقف بين يدي سالم بن أحوز، فأمر بقتله، فقال جهم : إن لي أماناً من ابنك، فقال ما كان له أن يؤمنك، ولو فعل ما أمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب، وأنزلت عليَّ عيسى بن مريم ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، فأمر به فَقُتِلَ . وذلك في سنَة المائة والثلاثين للهجرة، وجعله ابن كثير رحمه الله في سنة المائة وثمانية عشر وكذا ابن الأثير.(5)
** أثره على الأمير الحارث بن سريج:
كان سببا في فتنة و مقتله، إذ أنه غرّه بتأييد في بادئ رأي الأمير الحارث، بل زاد على ذلك بأن حرّض الناس ودعاهم للخروج !
وفي هذه القصة عبر عظيمة وفوائد كثيرة سنبينها إن شاء الله .
الوقفة الثامنة : بين أرباب الفضائيات وغيلان الدمشقي :-
وممن فيهم العبرة، والبيان العظيم لما كان عليه السلف الصالح من تعظيم السنّة والأخذ على يد من أراد خرقها أو العبث بها أو إفساد الناس غيلان الدمشقي .
** من هو غيلان الدمشقي؟
هو غيلان بن مسلم الدمشقي القدري، ضال مسكين، كان كاتباً بليغاً فصيحاً ذا ذكاء.(6)
** أول أمره :
كان من أتباع رجل كذاب مدَّعٍ للنبوّة يقال له ( الحارث الكذاب )، فلما قُتِلَ أصبح خادماً لزوجته، وكان يناديها بأم المؤمنين، قال له خالد اللجاج : ويلك ! ألم تكن في شبيبتك ترمي النساء بالتفاح في شهر رمضان؟! ثم صرت خادما تخدم امرأة الحارث الكذاب المتنبي وتزعم أنها أم المؤمنين ؟! ثمّ تحوّلت فصرت زنديقاً.
ما أراك تخرج من هوى إلاّ إلى شرِّ منه.(7)
** بدعه :
هو داعية إلى نفي القدر. أي أن الله تعالى لم يقد شيء إنما الأمور تحدث بفعل الإنسان وتقديره، تعالى الله عمّا يقول، والله سبحانه و تعالى هو القائل : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } [ القمر:49] وهذا القدري المبتدع الضال ينفي ذلك ولهذا استتيب فلم يتب فقتل كما سيأتي.(8)
** مكانته الاجتماعية :
حجّ - عليه من الله ما يستحق – مع الخليفة عبدالملك بن مروان في أول خلافته، وكان يعظَ الناس ويحدَّثهم.(9)
** موقف السلف منه:
قال رجاء بن حيوه رحمه الله : قتله أفضل من قتل ألفين من الروم.
وقال له مكحول رحمه الله : لا تجالسني.
وقال الساجي رحمه الله: كان مالك ينهى عن مجالسته.
وقال حسان بن عطيّة: يا غيلان والله لإن أعطيت لساناً لم نُعْطَه، إنَّا لنعرف باطل ما جئت به.(10)
** قصّة قتله :
لمّا استشرى شرّه، وأخذ يدعوا إلى ما عنده من البدع، ناظره أهل العلم و أقاموا عليه الحجّة، وممن ناظره الإمام الأوزاعي رحمه الله، فلم يرجع فأفتى بقلته. وناظره الخليفة في وقته عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، واستتابه، فأظهر التوبة، ثم لما توفي نكث غيلان التوبة وعاد للدعوة إلى بدعه، فقتله هشام بن عبدالملك بنحو سنة مائة وخمس للهجرة .(11)
الوقفة التاسعة: عبر وفوائد مستخلصة مما سبق :-
1- بيان ابتلاء الله لعباده المؤمنين لحكم ومصالح معلومة.
2- بيان عظيم حق علماء السنّة.
3- بيان أن مما يهدم الدين الشهوات و البدع، وبيان وجه ذلك.
4- بيان أن المخرج عن الاختلاف، وتضارب الآراء، الاعتصام بالسنّة، وأهمية التربية على ذلك.
5- بيان أن من أعظم علامات أهل البدع الطعن في أهل السنّة وعلمائهم، كما يفعل في صحفنا ومجالس بعضنا.
6- بيان أن ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب ارتفاع صوت الباطل، وجرأة أهله.
7- بيان أن الحق إذا كان ظاهراً وقد عرفه المسلمون وأراد المبتدعة أن يدعوا إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا هُجر وعزِّر كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيـغ التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قتْل المسلمون للجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما، كان ذلك هو المصلحة.
8- بيان فوائد قصّة الجعد و جهم و غيلان :
خطر الخصومات والجدال في الدين، لأنها تفضي إلى الابتداع.
خطر تولية أهل البدع التنشئة والتربية، أو تنصيبهم، أو تقريبهم من أهل الرأي؛ إذ كان الجعد شيخاً مربياً لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ولهذا كان له مكانة في قلوب العامَّة. وكان من آثاره سقوط خلافة بني أمية، وكذا جهم بن صفوان حيث كان كاتباً لدى أمير خرسان، وكذا غيلان حيث كان واعظاً محدّثا، كاتباً بليغاً، ومن هذه حاله فالاغترار به كثير.
بيان أن أهل البدع إنما يتقربون لذوي السلطان لمأربهم وأهوائهم وهم أول من ينفضّون عنه عند حلول المصائب، كما أنهم غششة لا نصحة؛ وذلك لما في قلوبهم من الدغل على أهل السنّة والتاريخ القديم والحديث خير شاهد.
بيان أن قتل أهل الفساد في الأرض والمحاربين لله ورسوله من أهل الفجور والمجون والدعاة للبدع من صلاحيات ولاة الأمر وهذا كما فُعِل بالجعد وغيره، فإنه مع ما عندهم من البدع و الكفريات إلا أنه لم يقتل إلا من قبل السلطان.
بيان أن البدعة مقرونة بالفرقة، وأنه ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف، كما هو حال جهم بن صفوان وغيره.
بيان أن الذكاء لا ينفع صاحبه ما لم يكن مقرونا بالزكاء، والورع، وتوقّي المشتبهات، و الاستسلام للكتاب والسنّة وتحكيمهما والرضا بهم.
بيان أن أهل الأهواء – إن لم يتداركهم الله برحمته – لا يخرجون من هوى إلاّ إلى شرِّ منه كحال غيلان، وهذه عقوبة الله لمن اعرض عن الحق السنّة واتبع هواه .
بيان شدّة غيرة السلف على السنّة، ومناظرتهم لأهل البدع لأجل إظهار الحق.
بيان أن فصاحة الفصحاء، و بلاغة البلغاء، وسفسطة المسفسطين، لا تغرّ أهل الحق والسنّة فتجعل الحق يتلبس عليه ،فضلاً عن أن يدافعون عن أهل الأهواء لأجلها كحال حسان بن عطيّة مع غيلان .

أسأل الله تعالى أن يعلي كلمته، وأن يحفظ لنا علماء السنّة، وأن يوفق ولاة الأمر لنصرة الحق والقيام به والحمد لله رب العالمين .



صالح السويح
17/9/1429هـ




للفائدة؛ الحلقة الأولى:
الوقفات الحسان مع أحداث فتوى الشيخ اللحيدان [ الحلقة الأولى ]

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
(1)انظر البداية والنهاية لابن كثير ( 13/216)، وميزان الاعتدال للذهبي ( 1/426)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (6/26) ط – مؤسسة الرسالة.
(2) ينسب للجعد بن درهم الضال الذي ذبحه خالد بن عبدالله القسري ببدعة التجهم، هذه النسبة لكونه شيخه واستاذه كما أشرنا إلى ذلك في الوقفة السادسة.
(3) انظر البداية والنهاية لابن كثير (13/116-117)، والكامل لابن الأثير (4/292)ط-4 ، دار الكتاب.
(4)المرجع السابق.
(5)انظر البداية والنهاية لابن كثير (13/116-117)، والكامل لابن الأثير (4/292)، والوافي بالوفيات للصدفي (11/207-209)، والملل والنحل للشهرستاني (1/76) ط- دار المعرفة، تحقيق:محمد سيد كيلاني، ولسان الميزان لابن حجر (2/179) ط – دار الفكر.
(6) انظر لسان الميزان لابن حجر (4/492-493)، وميزان الاعتدال للذهبي (3/338)وتاريخ الإسلام للذهبي (ص :441).
(7) انظر لسان الميزان لابن حجر (4/492-493).
(8) المرجع السابق.
(9) انظر تاريخ الإسلام للذهبي ( 441).
(10)انظر تاريخ الإسلام للذهبي ( 441)، و لسان الميزان لابن حجر (4/492-493).
(11) انظر لسان الميزان لابن حجر (4/492-493)، ودرء التعارض لشيخ الإسلام (7/173).
[/align]