قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 27

الموضوع: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    16

    افتراضي قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"
    أطلب لمن له دراية أن يتكرم علينا و يأتينا بأقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية
    وما هي الأحكام المستنبطة منها
    أرجو منكم الإفادة بارك الله فيكم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    16

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    هل من مجيب بارك الله فيكم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    247

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي انظر في المعتصر شرح كتاب التوحيد للشيخ علي الخضير-فك الله أسره- لعله يفيدك إن شاء الله تعالى، وإليك رابط الكتاب :
    http://www.saaid.net/book/9/2731.zip

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    16

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    بارك الله فيك أخي الفاضل "عبد الله الجنوبي"

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    855

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    السلام عليكم ،

    يقول ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى : 7/67]:
    وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } . وَفِي حَدِيثِ { عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ طَوِيلٌ رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ ُ وَغَيْرُهُمَا - وَكَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ ، فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ : فَقُلْت لَهُ : إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ ؛ قَالَ : أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَه ُ ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ ؟ قَالَ : فَقُلْت : بَلَى . قَالَ : فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ } وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو البختري : أَمَا إنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا لَهُمْ ، وَلَوْ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا أَطَاعُوهُمْ ، وَلَكِنْ أَمَرُوهُمْ ، فَجَعَلُوا حَلَالَ اللَّهِ حَرَامَهُ ، وَحَرَامَهُ حَلَالَهُ ؛ فَأَطَاعُوهُمْ ، فَكَانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةَ . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : قُلْت لِأَبِي الْعَالِيَةِ : كَيْفَ كَانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ ؟ قَالَ : كَانَتْ الرُّبُوبِيَّةُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ ، فَقَالُوا : لَنْ نَسْبِقَ أَحْبَارَنَا بِشَيْءِ ؛ فَمَا أَمَرُونَا بِهِ ائْتَمَرْنَا ، وَمَا نَهَوْنَا عَنْهُ انْتَهَيْنَا لِقَوْلِهِمْ ، فَاسْتَنْصَحُوا الرِّجَالَ ، وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ . فَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عِبَادَتَهُمْ إيَّاهُمْ كَانَتْ فِي تَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، لَا أَنَّهُمْ صَلَّوْا لَهُمْ وَصَامُوا لَهُمْ وَدَعَوْهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَهَذِهِ عِبَادَةٌ لِلرِّجَالِ ، وَتِلْكَ عِبَادَةٌ لِلْأَمْوَالِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ شِرْكٌ ، بِقَوْلِهِ : { لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
    وقال في [مجموع الفتاوى : 7/70]:
    وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ، حَيْثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ؛ يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللَّهِ ، فَيَتْبَعُونَهُ مْ عَلَى التَّبْدِيلِ ، فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ ، فَهَذَا كُفْرٌ ؛ وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا - وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ لَهُمْ - . فَكَانَ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَهُ فِي خِلَافِ الدِّينِ ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّينِ ، وَاعْتَقَدَ مَا قَالَهُ ذَلِكَ دُونَ مَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؛ مُشْرِكًا مِثْلَ هَؤُلَاءِ .

    وَ ( الثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ بِتَحْلِيلِ الْحَلَالِ وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ ثَابِتًا ، لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْمَعَاصِي ، الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ ؛ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ . كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ } ، وَقَالَ : { عَلَى الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةِ } .
    فجملة القول هي :

    من أطاع أحداً في معصية الله تعالى ، معتقداً صحّة ذلك ، وأن كلامه مقدم على كلام الله .. فهذا مشرك كافر .

    ومن أطاعه معتقداً لبطلان أمره ، ومعترفاً على نفسه بالخطأ والإثم واستحقاق عقاب الله تعالى ، ولكن لهوى في نفسه غلبه فاتبعه ، فهذا حاله كحال أصحاب الذنوب والمعاصي الذين يطيعون الشيطان والهوى ..

    هذا ، والله أعلم

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخواني الكرام سوف أضع لكم الردود على كل الشبهات التي أثيرت حول هذه الآيــة الكريمة من قبل المرجئة والجهمية
    وهـــذه الردود كتبها الشيخ الفاضل عبد المجيد الشاذلي حفظه الله في كتابه ( البـــلاغ المبـين )
    يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي حفظه الله : ( رابعًا: تلبيس المرجئة بخصوص طاعة الأحبار والرهبان وتفسيرها بالطاعة في الاعتقاد، وقد وقعوا في عدة سقطات في هذه القضية:
    • السقطة الأولي:
    أن الإيمان والكفر والتوحيد والشرك ينعكسان بمعنى أن ما لا يتحقق الإيمان بالله ـ وهو الحق ـ إلا به لا يتحقق الإيمان بالباطل ومن ثم الكفر إلا به، وأن ما لا تتحقق عبادة الله إلا به لا تتحقق عبادة الشياطين والطواغيت والأصنام والملائكة والبشر والأحبار والرهبان والجنّ وظواهر الطبيعة إلا به. وهذه سقطة كبيرة حيث يعكس المعترض على تقرير عقيدة التوحيد في كتاب ”حد الاسلام“.
    أقـول: يعكس أي قضية فيها خروج عن دين الله بالكفر والشرك ـ والعياذ بالله ـ إلى ما يتحقق به الإيمان، وهذا أمر لا يصح أن يخطئ فيه صبيان الكتاتيب، لأن الإيمان لا يتحقق إلا: بالإقرار والتصديق بخبر الله والالتزام بشرع الله. فلا يصح أن نقول أن الكفر لا يتحقق إلا إذا انضاف الالتزام بالشرائع الكفرية إلى الإقرار بصحتها والتصديق بخبرها، لأن الكفر يتحقق بمجرد الشك أو التكذيب أو الجحد منفردًا أو الامتناع عن القبول والرد منفردًا، وقد قال العلماء أن من تكلم بالإيمان ولم يمض فيه عزيمة لا يؤمن، ومن تكلم بالكفر ولم يمض فيه عزيمة كفر بذلك، فالأمر لا ينعكس أبدًا. فقد قرر الكاتب في اعتراضه قضية الانعكاس هذه مرارًا وهى خطأ فاحش، فوقع في نفس الخطأ عندما قاس عبادة غير الله على عبادة الله عزَّ وجلّ، وأن ما لا يتحقق الإيمان أو العبادة إلا به إذا كان لله عزَّ وجلّ لا يتحقق الكفر إلا به إذا كان لغير الله عزَّ وجلّ وهو خطأ فاحش، فالمشركون أقروا بأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تهدي، وإنما يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفي، وسميت عبادتهم لها عبادة، فهل إذا فعل المسلم ذلك مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا تسمي عبادته له عبادة.
    وكما قلنا أن الأمر لا ينعكس بين الإيمان والكفر، فهو كذلك لا ينعكس بين الإسلام والشرك، فكما قال العلماء أن من تكلم بالإيمان ولم يمض فيه عزيمة لا يكون مسلمًا ومن تكلم بالكفر ولم يمض فيه عزيمة كفر بذلك. والمفروض على حسب قاعدة الانعكاس ألا يكفر إلا بإمضاء العزيمة فيه. وهو خطأ فَعُلِمَ بطلان هذه القاعدة. فعبادة الله عزَّ وجلّ لابد فيها من الحب والخوف والرجاء والتعظيم والطاعة، وعبادة غير الله تقع بواحد من ذلك فقط، فيكون الشرك في الحب أو في الطاعة أو في التعظيم أو في صرف حق الله الخالص إلى غيره أو في مطلق القصد. ) إهــ كتاب البــلاغ المبيــن .
    يتبـــع إن شــاء الله تعالى .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    • السقطة الثانية:
    قولهم عن آية التوبة في طاعة الأحبار والرهبان أنها تحكي عن انحراف قوم، وليست قاعدة مقررة لأصل من أصول الدين.
    ونقـول: الآية في معرض التقرير لأصل الدين لأنها دخلت في جميع التفاسير في تفسير آية آل عمران : (قـل يا أهــل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) سورة آل عمران الآية : 64.
    وهى الآية التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه بها إلى الإسلام، فهى داخلة في صلب عقيدة التوحيد، وآية آل عمران في توحيد العبادة الذي هو مستلزم لتوحيد الاعتقاد وقوله : ( ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً ) .
    عطف للخاص على العام في النهي عن شرك العبادة، فآية التوبة والحديث المفسِّر لها في بيان شرك العبادة وليس شرك الاعتقاد في طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم، وهكذا ذكرها العلماء دومًا في الاستدلال على شرك الطاعة أو على شرك الانقياد أو شرك العبادة المنافي لحقيقة الإسلام، وليس في بيان شرك الاعتقاد أو فساد الاعتقاد المنافي لحقيقة الإيمان. ودائمًا حقيقة الإيمان بمعناه الخاص هى: تصديق الخبر والمخبر، وحقيقة الإسلام بمعناه الخاص: قبول الحكم، والإسلام مستلزم للإيمان والإيمان مستلزم للإسلام، ومن حيث استلزام الإيمان للإسلام واستلزام الإسلام للإيمان دخل الإسلام في معنى الإيمان عند الإطلاق، فشمل معنى الإيمان تصديق الخبر وقبول الحكم، فقبول الحكم من غير الله شرك ينافي حقيقة الإسلام أي ينافي إفراد الله عزَّ وجلّ بالطاعة والعبادة وليس تكذيبًا ينافي حقيقة الإيمان بمعناه الخاص وهو لا ينافي حقيقة الإيمان إلا من حيث دخول حقيقة الإسلام في حقيقة الإيمان لاستلزامها إياها وعندئذٍ يكون المعنى الشرعي للإيمان هو إذعان لحكم المخبر وقبوله.
    يقول القسطلاني عن الإيمان الذي هو ملاك الأمر كله وبه تقبل وتصح الأعمال وهو أول ما يجب على المكلف يقول عنه: «هو لغة التصديق وهو كما قاله التفتازاني إذعان لحكم المخبر وقبوله، فليس حقيقة التصديق أن تقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان أو قبول لذلك، بل لابد فيه من الإذعان والقبول بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرَّح به الإمام الغزالي. والإسلام لغة الانقياد والخضوع ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان وذلك حقيقة التصديق كما سبق.
    قال تعالى : ( فـأ خرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) الآية : 35/36.
    فالإيمان لا ينفك عن الإسلام فهما متحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح». أهـ.
    فقبول حكم غير الله ترك لحكم الله وردّ له وبديل عنه ورغبة عن شرع الله إلى غيره أو عَدْله به، فإذا خوطب أحد بذلك وأُلزم به هل يرضى بذلك ويتابع عليه ولا حرج عليه في ذلك إذا كان اعتقاده صحيحًا؟! أم لابد أن يرفض ولا يقبل وإذا عجز عن ردِّ ذلك عن نفسه للاستضعاف فهل ينشرح صدره بذلك ويركن ويستكين؟! أم هل يكره بقلبه ويعتزل من أكرهه على ذلك ولا يشايعه بالعمل. فالقضية قضية القبول الذي هو معنى العبادة والإسلام لله وحده أو لغيره معه أو من دونه وليست قضية الاعتقاد، وهذا هو معنى شرك العبادة وشرك الطاعة في آية التوبة وحديث عديّ بن حاتم المفسِّر لها، فالإسلام والعبادة معناهما قبول الأحكام والإذعان أو كما قال القسطلاني معناهما الانقياد والخضوع الذي لا يتحقق إلا بقبول الأحكام. والإذعان والإسلام والعبادة لابد وأن يكون لله وحده، كما قال ابن تيمية: «من استسلم لله ولغيره فهو مشرك ومن ردَّ الاستسلام فهو مستكبر وكلاهما كافر. والإسلام لله وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده»
    وإذا كان الإسلام والطاعة لابد أن يكونا لله وحده فالقبول للأحكام والإذعان لابد وأن يكون لله وحده، فمن قبل الأحكام من غيره فهو مشرك في العبادة والإسلام ولذلك وجب على من خوطب بأحكام بديلة عن شرع الله أن يرفض ولا يتابع على التبديل، فإذا لم يسعه رد ذلك عن نفسه للاستضعاف فليكره بقلبه ويعتزل المكرِه ولا يشايعه بالعمل، وبهذا يتحقق الرفض في أدني درجاته وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. ومن هذا يتضح أن قول العلماء عمن أطاع في معصية واعتقاده ثابت في التحريم والتحليل الذي جاء به الشرع أنه لا يكفر تمييزًا له عمن أطاع في التبديل بقبول الأحكام البديلة عن شرع الله، والمعصية لا يكفر مرتكبها إلا إذا استحل بتغير الاعتقاد أو بالامتناع عن قبول حكم الله بالتحريم، وقبول حكم غيره البديل عن حكمه امتناع عن حكمه أو عدل به وكلاهما كفرٌ والعياذ بالله بأي منها وبه يتحقق الاستحلال.
    والتشريع أمر منفصل عن المعصية قد تقترن به وقد تنفصل عنه، ويكون نفس التشريع هو الممنوع حتى لو لم تقترن به معصية، فإذا كان شوب تشريع فإن اتباعه بدعة، وإذا كان تشريعًا مطلقًا فإن الإتيان به أو قبوله من الغير والرضى به والمتابعة على ذلك كفرٌ يخرج عن الملة بالشرك في العبادة والإسلام.
    يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :( ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد، لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى ولابد فيها من التعبد إذ هى مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها كانت اقتضاءًا أو تخييرًا، فإن التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام حسبما تقرر برهانه في كتاب ”الموافقات“ وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صحّ دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا.
    وهذه هى النكتة التي يدور عليها حكم الباب ويتبيّن ذلك بالأمثلة فمما أتي به القرافي وضع المكوس في معاملات الناس فلا يخلو هذا الوضع المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتًا ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق وقطع القاطع للطريق وما أشبه ذلك أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائمًا أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. فأما الثاني فظاهر أنه بدعة إذ هو تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة والدِّيات المضروبة والغرامات المحكوم بها في أموال الغصاب والمتعدين بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة واللوازم المحتومة أو ما أشبه ذلك، فمن هذه الجهة يصير بدعة بلاشك لأنه شرع مستدرك وسنٌّ في التكليف مهيع، فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم. ونظر من جهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت، كما يؤخذون بسائر التكاليف. فاجتمع فيها نهيان: نهيٌ عن المعصية، ونهيٌ عن البدعة. وليس ذلك موجودًا في البدع في القسم الأول ـ العبادات ـ وإنما يوجد به النهي من جهة كونها تشريعًا موضوعًا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية بل نفس التشريع هو نفس الممنوع) . أهـ الإعتصام (2/79 _ 81 ) .
    وواضح الآن أن طاعة الأحبار والرهبان أو غيرهم، قد يكون فيها وجهان وقد يكون فيها وجه واحد. وجهان من حيث هى معصية وتشريع مطلق بديل عن شرع الله، ووجه واحد من حيث هى تشريع مطلق بديل عن شرع الله فقط، ولا يكون فيه جهة أخرى يكون بها معصية. فمن حيث هى معصية فقط فإن مرتكب المعصية لا يكفر إلا بتغير الاعتقاد أو بالامتناع عن قبول حكم الله: إما بالتحريم أو الوجوب استحلالاً أو إباءً من قبول الفرائض، فمن وقع في المعصية فقط ولم يقبل الشرع البديل فهذا شأنه.
    وقد لا يكون فيها معصية بل يكون نفس التشريع هو نفس الممنوع، فمن هذا الوجه فإن قبول التشريع المطلق البديل عن شرع الله كفر يخرج عن الملة، وقد يقع في الوجهين فيكون للمعصية حكمها ولقبول الشرع البديل حكمه . ) إهــ كتاب ( البـلاغ المبيـن ) .
    يتبـــع إن شــاء الله تعالى .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    • وبهذا تتبين السقطة الثالثة للمرجئة في هذا الموضوع وهى: عدم قدرتهم على تمييز وصف المعصية من وصف المتابعة على التبديل إذا تداخلا في فعل واحد، وظنهم أن المتابعة على التبديل معصية لا يكفر صاحبها إلا بالاستحلال شأن سائر المعاصي، وعدم إدراكهم أنها من الشرك الذي يكفر مرتكبه. قال البخاري: «المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر مرتكبها إلا بالشرك» ) إهــ. كتاب ( البــلاغ المبيــن ) .
    يتبـــع إن شــــاء الله تعالــى ...

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    • السقطة الرابعة:
    عدم إدراكهم أو فهمهم لأصل الدين وعلاقة الآية به ولذلك عزلوها عنه، وأصل الدين كما سبق أن بيَّناه في كلام القسطلاني : ( هو الإيمان الذي هو أول ما يجب على المكلف وبه تقبل وتصح الأعمال، ومعناه التصديق الذي هو ليس نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر فقط، بل لابد فيه من إذعان لحكم المخبر وقبوله، بحيث يقع عليه اسم التسليم كما صرَّح به الغزالي. والإسلام لغة الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام وذلك حقيقة التصديق قال تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) سورة الذاريات آيتان 35/36 .
    فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما يتحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح ) إهــ .
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصل الدين في " الصارم المسلول صـ457" وفي " إقتضاء الصراط المستقيم": ( الثاني أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، أما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر. وكلام الله خبرٌ وأمرٌ، فالخبر يستوجب التصديق للمخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام لله. إلى أن يقول: فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالاً في القلب بحسب المصدَّق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا.
    فالكفر أعم من التكذيب يكون: تكذيبًا وجهلاً، ويكون استكبارًا وظلمًا. ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل. ألا تري أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا نشهدُ أنَّك نبيٌّ ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا تري أن من صدَّق الرسولَ بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان: وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله. فإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، وأشهد أن محمدًا رسول الله تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله. فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي يتلقي الرسالة بالقبول ـ ظنَّ مَنْ ظنَّ أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد) إهـ.
    ويقول في أقتضاء الصراط المستقيم "451" : ( والشهادة بأن محمدًا رسول الله تتضمن: تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر. إلى أن يقول: وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرَّمه، فلا حرام إلا ما حرَّم الله ورسوله ولا دين إلا ما شرَّعه اللهُ ورسولُهُ. ولهذا ذمَّ المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرَّموا ما لم يحرِّمه اللهُ، ولكونهم شرَّعوا دينًا لم يأذن به اللهُ كما في قوله تعالى: " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً " إلى آخر السورة .
    وما ذكر الله في صدر سورة الأعراف وكذلك قوله تعالى :" أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ". إلى أن يقول: كما قال عزوجل : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون" وكان من شركهم أنهم أحلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرَّموا عليهم الحلال فأطاعوهم وقد قال تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " .
    فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرَّمه اللهُ ورسولُه ولا يدينون دينَ الحقِّ، والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر، وأطاعوه فيما أمر ونهي وحلَّل وحرَّم فحرموا ما حرَّم اللهُ ورسوله ودانوا دين الحقِّ. إلى أن يقول: ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص مأخوذ من قوله تعالى: " ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل " .
    فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا «لا إله إلا الله» فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك واللهُ لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى : " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " .. إلى أن يقول: فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك قال الله تعالى في نعت اليهود: " أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم " .
    وقال في النصارى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون". إلى أن يقول: ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدًا وإن تنوعت شرائعه قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحدٌ» و«الأنبياء أخوة لعلات» فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت. وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث اللهُ به محمدًا صلى الله عليه وسلم هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ويحرم استقبال الصخرة، فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته. ولهذا شرع اللهُ لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبًا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم السبت، فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن مسلمًا» انتهى بتصرف يسير.
    فالأمر كما سبق أن قلنا أنه لا يسع أحدٌ الخروج عن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين المنسوخ أو المبدل أو إلى الشريعة المنسوخة أو المبدلة، فلا يسع أحدٌ الخروج عن الكعبة إلى الصخرة ولا عن الجمعة إلى السبت فيما يعبد به الله عزَّ وجلّ ، ولا يسع أحدٌ الخروج عن قطع يد السارق إلى عقوبة أخرى أو عن رجم الزاني المحصن إلى الجلد والتحميم أو إلى اعتبار الزنا ليس جريمة إلا إذا كان إغواءً لقاصر أو اغتصابًا أو إتجارًا ـ دعارة ـ أو خيانة زوجية ووراء ذلك يكون مباحًا لا جريمة فيه ولا عقوبة عليه فمن خرج عن هذا إلى هذا كفر. والخروج الأول فردي فيما يعبد به الله وهو عيني، والخروج الآخر جماعي فيما يقيم القسط بين الناس. وكلا الأمرين خروج كما فعل اليهود عندما قالوا تعالوا نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا فاجتمعوا على الجلد والتحميم، فمن خوطب بذلك ممن لهم الأمر والنهي عليه فقبل ذلك منهم وتابع عليه ورضى به فهو منهم وإن لم يحضر اتفاقهم، ومن دخل في اتفاقهم فهو منهم من باب أولي. ومن خوطب بذلك فكرهه ولم يرضه وإن خضع له بحكم استضعافه ـ لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ـ فهو لم يقبل شرعًا غير شرع الله ولم يطع أحدًا في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّه اللهُ عزَّ وجلّ فهو على إيمانه. والأمر هنا ليس فيه معصية زنا أو أي نوع من أنواع المعصية الأخرى وإنما نفس التشريع هو نفس الممنوع كبديل عن شرع الله، ونفس القبول للبديل هو الممنوع وإن لم يتضمن أمرًا لمعصية معينة حتى يقال أن فعل المعصية ينقسم. والخروج عن الشريعة في الفعل العيني أو في الفرض العيني راجع إلى فعل الإنسان فيما يقدر عليه، والخروج عن الشريعة في الفرض الكفائي راجع إلى قبول الإنسان من الغير هذا الخروج، وإقامة النظام الذي يحققه. فشرع غير الله عزَّ وجل يضع للناس أحكامًا وتكاليف يخرجهم بها عن شرع الله وتكاليفه، فمن قبل فقد كفر ومن خضع مكرهًا فَقَدْ عجز عن إقامة الفرض الكفائي الذي أمره الله به مع غيره لقطع يد السارق ورجم الزاني لأنه مخاطب به من الله مع غيره من المؤمنين كفرض كفائي عليهم حيث وجَّه اللهُ سبحانه وتعالى الخطاب إلى المؤمنين كفرض كفائي عليهم ولم يوجهه إلى الإمام أو الأمير حسبما دلت عليه النصوص الآمرة بذلك. وإذا كان قد فُرِضَ عليه الخروج عن الشرع فهو كاره لذلك منكر له كإنكاره لمن يفرض عليه التوجه إلى الصخرة بعد نسخها أو الاجتماع في السبت بعد نسخه، ولكن الأخير في مقدوره الامتناع عنه لأنه عيني وإن كلفه ذلك حياته، والآخر ليس في مقدوره الامتناع عنه لأنه كفائي. أما أن يقال أن الإنسان لا يكتفي بالخضوع المُكْرَهِ عليه ولكن قد يفعل ذلك غير كاره ولا منكر ويكون مسلمًا إذا اعتقد بطلان ما يفعله ولم يستحله فهذا هو التلبيس والضلال الذي ليس بعده ضلال.
    وفي هذا الكفائي يأتي قول الله عزوجل : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " .
    وقوله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون" .
    وقوله تعالى : " قـل يا أهــل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " وغير ذلك من الآيات.
    فالمسلم لا يرد أمر الله عليه ولا يأتي بتبديل الشرائع من نفسه أي لا يرجع عن الشرع المحكم إلى الشرع المبدل أو المنسوخ ولا يُخاطب بذلك من غيره فيقبله ويعمل به عن رضى وطواعية دون كره لذلك وإنكار. وقبول الدين المبدل أو المنسوخ أو الشرع المبدل أو المنسوخ من الغير هو تفسير الآية : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً " الآية .
    وإذا كانت الآية متصلة بأصل الدين كما وضحنا، فإن القول بأن العبادة هى الطاعة في الاعتقاد أمر واضح البطلان، لأنه لو كان كذلك لكان تفسير الآية بطاعة الأحبار والرهبان في قولهم بشأن عيسى وأمه أولي من طاعتهم في اعتقاد حل صيد أو ذبيحة أو طعام أو شراب وأين هذا من ذاك. وإذا فرضنا جدلاً تفسير الآية بالطاعة في الاعتقاد في شأن الحلال والحرام من الطعام والشراب وغيره لكان المفروض أن تصفهم آيات القرآن بعبادة الأحبار والرهبان في كل المناسبات التي فيها طاعة في الاعتقاد في كل ما ضلُّوا فيه بشأن عيسى عليه السلام من قولهم أنه الله وأنه ابن الله وأنه ثالث ثلاثة وأنه وأمه إلهين من دون الله، وقد تكرر ذكر هذا الضلال في القرآن كثيرًا، ولم يقل أن الإتباع فيه عبادة بل وصفه دائمًا بوصف الضلال : " ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل " .
    ولم يذكر مرة واحدة أن إتباع القوم لأحبارهم في هذا الضلال عبادة، كما لم يذكر مرة واحدة أن إتباع المشركين لآبائهم في عبادة الأصنام وإنكار البعث عبادة للآباء مع ذكر هذا الإتباع في القرآن مرارًا.
    والذي ذكر في الحديث هو الاستحلال، والاستحلال لا يقتصر على الاعتقاد، بل الاستحلال كما عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية يكون لخلل في الربوبية، ويكون لخلل في الألوهية مع صحة الاعتقاد، وقوله مشهور في كتابه " الصارم المسلول" يقول: ( وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر باتفاق. فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرَّمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرَّمها ويعلم أن الرسول إنَّما حرَّم ما حرَّمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهو أشد كفرًا ممن قبله. وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس وحقيقته كفر. هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه... إلخ) إهـ الصارم المسلول (459).
    والاستحلال منه ما يتعلق بالخلل في الاعتقاد، ومنه ما يتعلق بالخلل في العبادة. وصورة الامتناع عن التزام التحريم هى الصورة المتعلقة بالخلل في العبادة، والوصف المذكور في الحديث المفسر للآية هو وصف العبادة «فتلك عبادتكم إياهم». فواضح جدًا أن يكون المراد من معنى العبادة لهم هى صورة الاستحلال المتعلقة بلفظ العبادة وهى الامتناع عن التزام حكم الله بالتحريم أو بالتحليل بالتزام حكم غيره على خلاف حكمه، وإذا كانت صور الاستحلال الأخرى داخلة في معنى العبادة فهى تدخل فيها بالتلازم وليس بالمطابقة، فلا يصح أن يخرج عن لفظ العبادة معناها بالمطابقة إذا دخل فيها معنى الاعتقاد باللزوم، وما يقال عن الاعتقاد أنه عبادة خطأ لتغاير المعنى، فالعبادة أمر إرادي قصدي طلبي، والاعتقاد أمر خبري علمي معرفي. وإنما يقال عن الاعتقاد: العبودية المتعلقة بالربوبية، ويقال عن العبادة: العبودية المتعلقة بالألوهية. وذكر الأرباب في الآية ليس مناقضًا لتفسير الرسول الكريم لفعلهم بالعبادة، بل المقصود أنه لا يُعبد إلا من كان ربًّا، فمن عبد ما ليس بربٍّ فكأنما أعطاه صفة الربوبية كما قال القرطبي: «أنزلوهم منزلة الأرباب بقبول أوامرهم ونواهيهم».
    وما يذكر عن أوصاف أخرى لفعل القوم مع الأحبار والرهبان يراد تعليق الحكم بها فهو خطأ لأنها أوصاف منفية أو ملغاة كالذي شقَّ ثوبه وجعل التراب على رأسه يصيح يقول واقعت امرأتي في نهار رمضان فقال له الرسول الكريم: عليك الكفارة. فالمناط هو الطاعة في تبديل الشرائع كما قال ابن تيمية وليس في الاعتقاد ولا في المعاصي سواء كانت هذه الطاعة لمن لهم صفة السلطان الديني أو الدنيوي والمتابعة على هذا التبديل. فإباحة المشرع الوضعي للخمر مثلاً تتضمن الخروج من كل مقتضيات الحظر التي بقيت ـ موافقة للشريعة الإسلامية ـ للمخدرات إلى مقتضيات الإباحة والذي يبيح الخمر يحرم عليك:
    1- تحريمها على الناس ويعتبر ذلك تغييرًا لدستور الدولة بالقوة.
    2- ويحرم عليك إهدارها واعتبارها مالاً غير متقوم.
    3- ويحرم عليك تحريق أماكن تعاطيها.
    4- ويحرم عليك تغيير المنكر باليد فيها.
    5- ويحرم عليك الإخلال بالتزاماتك القانونية تجاه سلعة أباح القانون تداولها وتعاطيها.
    6- ويحرم عليك التسبب في إخلال الغير بالتزاماته التعاقدية إزاءها.
    وهذه كلها مقتضيات الإباحة فلا يمكن للإنسان أن يقول أنا أحرمها في مجال القاعدة الدينية ولا أطيع أحدًا في إباحتها دينًا سواء شربتها أم امتنعت عن ذلك تدينًا، ولا شأن لي بما سوي ذلك لأنَّا نقول إن الذي يبيحها في مجال القاعدة القانونية قد يكون هو نفسه محرمًا لها في مجال القاعدة الدينية، وقد لا يشربها تدينًا بينما يحرم المخدرات في مجال القاعدة الدينية والقانونية معًا. فلا يحرم تحريمها ولا يحرم إهدارها واعتبارها مالاً غير متقوم ولا يحرم تغيير المنكر باليد فيها ولا يحرم تحريق أماكن تعاطيها ومطاردة أهلها ولا يبيح زراعتها ولا صنعها ولا نقلها ولا بيعها ولا استيرادها ولا تصديرها ولا شحنها ولا التخليص عليها ولا نقلها برًا أو بحرًا استيرادًا أو تصديرًا بإجراءات نقل جوي أو بحري أو بري وإجراءات جمارك وتخليص وخلافه، ولا يلزم أحدًا بالتزامات قانونية تجاه هذه الإباحة بل يحرم المعاونة على ذلك ويعاقب عليه ولا يحرم عليك التسبب في إخلال الغير بالتزاماته التعاقدية تجاهها، والذي يفعلونه كمقتضيات لحظر المخدرات هو نفسه وبعينه مقتضيات الحظر للخمر في الشريعة الإسلامية سواء بسواء التي أخرجنا عنها المشرع الوضعي إلى مقتضيات الإباحة. وبقيت المخدرات في مقتضيات الحظر التي كانت لها في الشريعة الإسلامية لتكون شاهدًا على التبديل بالمقارنة، فمن يقول أن طاعة المشرع الوضعي في إباحة الخمر وأن قبول تحريم تحريمها وتحريم إهدارها وتحريم اعتبارها مالاً غير متقوم وتحريم تحريق أماكن تعاطيها وتحريم تغيير المنكر باليد فيها وتحريم الإخلال بالالتزامات القانونية تجاهها وتحريم التسبب في إخلال الغير بالتزاماته التعاقدية تجاهها لا يكون استحلالاً لها ولا عبادة لغير الله في التحليل والتحريم فيها، ومن ثم لايكون شركًا مخرجًا من الملة، إنما هو يقصر تحريم الخمر في الحقيقة على مجال القاعدة الدينية فقط وهو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة وافتراء الكذب على الله عزَّ وجلَّ حيث عُلِمَ بالضرورة تحريمها في المجالين معًا إذا صحَّ التعبير، وعلم بالضرورة أن إخراجها من الحظر إلى الإباحة في مجال القاعدة القانونية إباحة لها، وقبول هذه الإباحة ممن أباحها بلوازم التحريم التي تلزم عن الإباحة قبول للإباحة، وهو قبول لتبديل الشرع ومتابعة عليه وليس طاعة في معصية، وشرب الخمر معصية وقبول الإباحة بلوازمها قبول للإباحة كقبول الإباحة في مجال القاعدة الدينية سواءً بسواء وهو من هذه الجهة شركٌ وكفرٌ مخرجٌ من الملة، فمن خوطب بهذه الإباحة فعليه أن يكره وينكر وإن كان مستضعفًا لا يقدر إلا أن يخضع «ولكن من كره فقد برئ ومن أنكر فقد سَلِمَ ولكن من رضى وتابع». وهل هناك بعد هذا البيان فرقٌ بين قبولِ الإباحةِ ممن أباحها بلوازمها من التحريم في مجال القاعدة الدينية عن مجال القاعدة القانونية أو فرَّق بين سلطة دينية وأخرى دنيوية أو اعتقاد قداسة أو عدم اعتقاد قداسة أليس الكل تبديلاً ومتابعة على التبديل، وهل مازلنا نقول أن من قبلها في مجال القاعدة القانونية أو أباحها لغيره يبقي مسلمًا إن اعتقد تحريمها في مجال القاعدة الدينية ؟؟!! .
    وما قيل عن النسخ ليس طاعة في الاعتقاد لأن الاعتقاد ليس فيه طاعة ـ كما بينَّا وكما سنبين ـ وإنما هو اعتقاد في حقهم في الطاعة، والفرق كبير بين الأمرين. واليهود ليس عندهم نسخٌ في الدين أبدًا، وإن جاءت بعض عبارات العلماء بذلك عنهم فهو خطأ في النقل عنهم، وإنما الذي وقع منهم الاستعاضة عن حكم ديني بآخر دنيوي مراعاة لمصالح طرأت لهم ومثال ذلك لما استعاضوا عن الرجم وهو حكم التوراة بالجلد والتحميم حيث كثر فيهم الزنا فخافوا من القتل، ولما وقع في أشرافهم ولم يستطيعوا إقامة الحد عليهم فأبي سوقتهم وضعفاؤهم من إقامته على أبنائهم حتى يقام على أبناء الشرفاء والملوك فخافوا الفتنة والتفرقة فقالوا تعالوا نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا فاجتمعوا على الجلد والتحميم، ولم يكن هذا نسخًا ولا تحريفًا للتوراة وإنما تولٍٍ عن حكمها وإعراض عنه إلى غيره من الشرائع الوضعية وهى الشريعة المبدلة وليست المنسوخة ولا الناسخة بحق الأحبار في النسخ، وهذا واضح جدًا في القرآن وأسباب نزوله والآية تجمع اليهود والنصارى فليست مختصة بالنسخ ثم قالوا لن نسبق علماءنا لما وقع ذلك فيهم وعملوا به على المخالفة لحكم التوراة وليس على النسخ لها، وكانوا متحرجين من ذلك ولكن دواعي المصلحة وموافقة الكبراء حملتهم على الاستمرار على المخالفة، وهذا هو معنى النبذ وراء الظهور الذي تكلم عنه القرآن، وترك العمل الذي يتحقق به ذهاب العلم الذي تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ونقضهم الميثاق وترك إقامة التوراة والإنجيل الذي ذكره القرآن وقال أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموهما ـ استعاضوا بهذا الدنيوي عن هذا الديني وليس نسخًا لديني بديني آخر ـ وشيخ الإسلام في تفسيره لطاعة الأحبار والرهبان لم يقرر أن المناط المكفر هو الطاعة في الاعتقاد، وإنما قال المتابعة على التبديل، لماذا نغفل ذكر التبديل وقد ركز عليه في التفسير تركيزًا شديدًا.
    ومناط الحكم في الآية والحديث ليس هو اعتقاد أو الإقرار بحقهم في التشريع والطاعة، وإنما هو المتابعة على التبديل والاتباع للشريعة البديلة عن شرع الله، وهذا يتضمن اعتقاد والإقرار لهم بحق التشريع كوصف تابع أو متضمن، ولكن المناط المحدد في النص للحكم والذي يتعلق به الحكم ـ وهو شرك العبادة ـ المناط المحدد في النص لهذا الشرك في العبادة هو الاتباع في التشريع. وإطلاق القول بأن العبادة هى الطاعة في الاعتقاد خطأ لأن العبادة أمر قصدي طلبي إرادي، والاعتقاد أمر خبري علمي معرفي. ونحن ننقل عن العلماء أن التوحيد نوعان: توحيد عبادة وتوحيد اعتقاد، والشرك نوعان: شركٌ في العبادة وشرك في الاعتقاد.
    ونقول أنه لابد في الإيمان من مجموعهما: الاعتقاد والانقياد، فكيف نجعل الشيئين شيئًا واحدًا والعلماء دائمًا يقولون نصدقه فيما أخبر ـ لم يقل أحد نطيعه فيما أخبر؟! ـ ونطيعه فيما أمر ـ لم يقل أحد نصدقه فيما أمر؟! ـ أرأيت كيف يختص كل أمر بأمره، لكنهم إذا اعتقدوا تبديل الأحكام في دينهم بنسخ الأحبار والرهبان فعبادتهم بقبولهم هذا التبديل، وفسادُ اعتقادهم باعتقادهم بحقهم في النسخ وبكون ما بدلوه يكون ناسخًا لحكم الإنجيل أو التوراة، وفي تغير اعتقادهم بالنسبة للتحليل والتحريم فيرجع الخلل في الأولي إلى الألوهية وفي الثانية إلى الربوبية كما ذكر شيخ الإسلام في ”الصارم المسلول“ عن الاستحلال عندما يكون الخلل في الألوهية والربوبية في وقت واحد، الأولي عبادة والثانية ضلال. ولو أنهم قبلوا ما بدله الأحبار والرهبان كمبلغين عن الله عزَّ وجلّ فقط لم يوصفوا بوصف العبادة، ولكان الخلل في الربوبية فقط ووصفوا بوصف الضلال دون غيره ولكنهم قبلوا التبديل منهم كمشرعين، ومن هنا جاء وصف العبادة وكان الخلل في الاثنين معًا الربوبية والألوهية، ولو أنهم قبلوا منهم التبديل استعاضة بالدنيوي عن الديني لمصلحة طرأت مع بقاء الاعتقاد في الديني ثابتًا لوصفوا بوصف العبادة فقط دون وصف الضلال وفساد الاعتقاد. وإذا تتبعنا آيات القرآن فيما أضل به المضِللون غيرهم من المُضَللين من أهل الكتاب لا نجد أبدًا إشارة إلى العبادة إطلاقًا، وإنما ضلُّوا وأضلوا فقط لأن الضلال في موضع البدعة وفساد الاعتقاد، ولأن الاعتقاد تصديق خبر، والعبادة قبول حكم، هذه هى استعمالات القرآن والسنة ولو كانت الطاعة في الاعتقاد هى المرادة لكان أولي أن يوصفوا بذلك في شأن عقيدتهم في المسيح وأنه ثالث ثلاثة لا في التحريم والتحليل في صيد أو ذبيحة أو طعام وأين هذا من ذاك؟!!
    ونشأة اعتقاد مخالف لما عرف عن حكم أي مسألة في الدين إذا كان تحريمًا قطعيًا مثلاً كتحريم الخمر لا يكون إلا بالشك في التحريم أو اعتقاد الحل أي تكذيب التحريم فيتغير علمه فيصدق ما كان مكذبًا ويكذب ما كان مصدقًا أو يشك فهى مسألة تغير اعتقاد وليست طاعة في الاعتقاد لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا فيما يحب الإنسان وما يكره وما ينشط إليه وما يتثاقل عنه، وكذلك في الاعتقاد لا تكون طاعة إلا إذا كانت فيما يصدق وفيما يكذب امتثالاً لأمر الآمر ولو كان على غير ما يعلم وهذا أمر مستحيل، وإنما هو تصديق لخبر وتكذيب لآخر أي تغير العلم وهذا لا يطيع أحدٌ فيه أحدًا وإنما يثق في خبره : " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " .
    فيتغير ثقته من خبر إلى خبر ومن مخبر إلى مخبر ومن علم إلى علم لا يطيع في اعتقاد جديد مخالف لما كان عليه وهو يعلم صحة الاعتقاد الأول بل لابد أن يعلم فساد الاعتقاد الأول، ولكن قد يتغير اعتقادهم في التحريم والتحليل الذي جاء في كتبهم لاعتقادهم بحق الأحبار والرهبان في نسخ هذه الأحكام علمًا بأن النسخ إنَّما يكون في الأحكام دون الأخبار ـ فيكون قد صدَّقوهم بكذبهم وأعانوهم على ظلمهم ـ بقبولهم الأحكام البديلة منهم، فهما وصفان منفصلان التصديق للخبر الكاذب وطاعة الأمر الفاسد، ومناط الحكم في الآية هو الطاعة للأمر، وإن كان التصديق واقعًا منهم، وإن كانت الطاعة متضمنة لاعتقاد حقهم في التشريع والإقرار لهم بحق الطاعة فهذا أيضًا لا يخرج المناط عن كونه طاعة الأمر بقبول الحكم.
    وعندما قلنا أن التبديل فيما هو ديني وما هو دنيوي وليس فيما هو ديني فقط فمردنا في ذلك إلى قاعدة الدين الأساسية وهى:
    جماع الدين أصلان:
    الأول: أن يعبد الله عزَّ وجل وحده.
    والثاني: أن يُعبَد بما شرع على ألسنة رسله في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت. ومن ثم كان لابد من الرجوع إلى الشرع فيما هو عبادي عيني أو كفائي، وما هو عادي عيني أو كفائي فهم أربعة. والعيني ما يقدر عليه الإنسان من نفسه في العبادي كأداء الصلاة، والكفائي ما لا يقدر عليه الإنسان من نفسه ولا يمكنه تحقيقه إلا بإقامة سلطة شرعية تحققه وذلك من خلال إقامته مع غيره للجماعة التي تقيم هذه السلطة وهو في العبادي كإقامة الصلاة : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة " الآية، والعيني في العادي كبٍّر الوالدين يقدر عليه الإنسان من نفسه، والكفائي كقطع يد السارق ورجم الزانى وجهاد العدو وإقامة الحدود ... إلخ، والمؤمن يقوم بالتكليف المتعلق به من خلال إقامته للسلطة الشرعية التي تقيمه.
    والخروج عن الشرع رد للرسالة وكفر بها، ومن جهة أخرى انقياد لغير الله فهو عبادة لغير الله، ومن ثم كان له أيضًا وصف الشرك، والخروج عن الشرع مثل الرجوع إلى الشرع تمامًا يكون فيما هو عادي عيني أو كفائي، ويكون فيما هو عبادي عيني أو كفائي، ومن ثم كانت الاستعاضة بالشرع البديل عن شرع الله أي التبديل كفر وشرك سواء كانت في تبديل ديني بديني أو ديني بدنيوي فيما يقدر عليه الإنسان من نفسه أو يصطلح عليه مع غيره أو يخاطب به من غيره فيقبله ويرضى به ويتابع عليه، لأنه خروج عن الشرع المحكم ورجوع إلى ما سواه. ومن ثم قال ابن كثير عن الياسق: ( أن مَنْ ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) إهــ.
    والنكتة هنا هى تبديل ديني بدنيوي وليس ديني بديني ـ مع بقاء صحة الاعتقاد في الدين وفي لزومه ووجوبه دون الدنيوي ـ وما يقوله ابن كثير في التحاكم هو نفس ما تدل عليه آية: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم " . من الخروج عن شرع الله المحكم والعدول عنه إلى ما سواه من شريعة الأحبار.
    فالآية تفسير للقاعدة وآيات التحاكم والحكم أيضًا تفسير لنفس القاعدة في جوانب من جوانبها.
    اللهم هـل بلغت اللهم فــاشهـد .) إهــ . كتاب ( البـــلاغ المبيـــن ) .
    يتبـــع إن شـــاء الله تعالـــى .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    وقبل أن نفرغ من الموضوع لابد من تنبيهات لرفع التباسات تدخلها المرجئة على الناس لتلبس عليهم دينهم.
    أولاً: لا ينبغي التلبيس بين الشريعة أو الشرع المبدل أو المنسوخ وبين غيرها، فالقانون قاعدة عامة ومجردة يصدرها ذو سلطان تسري على من تتوافر شروط سريانها فيه، ومن هنا تختلف عن السياسات أو الخطط أو الأوامر الإدارية والتصرفات الشخصية أو الجماعية في الحياة اليومية.
    ثانيًا: تنظيم المباح أموره لا تقع منفصلة ولا يصح فصل هذه الأمور عن نطاق النظام الذي تقع فيه، فالعبرة بقبول النظام العام الذي تقع هذه الأمور في نطاقه، وقبول نظام يقوم على الإقرار لغير الله بالتشريع وفصل الدين عن الدولة، وقبول نظام يقوم على أساس قبول الشرع المبدل أو المنسوخ بديلاً عن الشرع المحكم. فإذا كان هذا واقعًا أخذ حكمه وإن لم يكن واقعًا لم يأخذ حكمه، فهى لا تنفصل ولا تقع منفصلة عن نطاق النظام الذي تقع فيه.
    ثالثًا: الخضوع مع الاستضعاف ليس قبولاً لشرع غير شرع الله إذا كان مع كره القلب بدلالة من الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل. أكدنا ذلك مرارًا وتكرارًا، ومشايعةُ المكرِه على التبديل مع ادعاء كره القلب دليل على عدم صدق هذا الادعاء، ولا يحدث هذا إلا ممن انشرح صدره لهذا الخضوع وركن واستنام واستكان لهذا الأمر.
    رابعًا: العمل أو الوظائف لا شأن لها بقبول شرع غير الله لأن ترك العمل لا يعني عدم الخضوع لهذه الشرائع فهو مخاطب بها وإن أغلق عليه بابه، والعبرة بكره القلب مع ترك المشايعة. والأرزاق وإن شابها الحرام فحالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ترفع الحرج ـ هكذا قال الفقهاء وهو أمر معلوم مشهور ـ وبقاؤنا في أعمالنا دليل على إصرارنا على امتلاك مقدرات حياتنا واسترداد حقنا الشرعي في عودة الحياة إلى الأصول والتمكين لدين الله في الأرض.
    خامسًا: العقود ليست قبولاً لشرع غير شرع الله. العقود شروط، والشروط ليست بدلاً عن شرع الله حتى تكون من الدين المبدل أو المنسوخ، وقد أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بإبطال كل شرط ليس في كتاب الله، وإن كان مئة شرط وشرط، والمقصود أن العقد وإن كان ملزمًا لطرفيه أو أطرافه فإن ذلك مشروط بعدم مخالفته للقواعد الآمرة من النظام القانوني العام هذا في الشرائع الوضعية. ونفس الشيء في الشرع الإسلامي فالشرع يبطل أي شرط أو عقد يخالف الشرع، فأما إن لم يكن مخالفًا للشرع فهو ملزم لطرفيه أو أطرافه، وكيف يخفى هذا المعنى وهو مشروح بإسهاب في " أعلام الموقعين" وفي " الموافقات" وهو معنى مستقر في الفقه الإسلامي وواضح غاية الوضوح، والشروط الفاسدة في البيع وغيره، إمَّا أن تصح ويصحّ العقد وهذا فيما يدق ويعسر التحرز منه، أو تبطل ويصح العقد، أو يبطل الشرط والعقد معًا ولا نري الاسترسال في بيان هذا المعنى لوضوحه.
    سادسًا: قبول شرع غير الله مستلزم بالضرورة رد شرع الله، فاليهود لما استحلوا القتل رفضوا حكم الله بتحريم قتال بني إسرائيل، ولما أوجبوا الفداء قبلوا حكم الله بفك إسار بني إسرائيل وفدائهم، وقبولهم للجلد والتحميم رفض للرجم، فمن قبل حكم الله في جزئية فقد رفض حكم غيره في هذه الجزئية، ومن قبل حكم غير الله في جزئية فقد رفض حكم الله في هذه الجزئية، فمن قبل حكم الله عزَّ وجلّ في بعض الجزئيات وقبل حكم غيره في جزئيات أخرى يكون قد اجتمع له قبول لبعض شرع الله ورفض للبعض الآخر فآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كما وصف الله اليهود بذلك، ومن فعل ذلك فقد كفر وخرج من ملة الإسلام بنص الآية.
    سابعًا: يقولون قد يكون رد شرع الله راجعًا إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فلا حرج في ذلك. ونقول: هذا هو موقف المنافقين من شرع الله ومن موالاة الكافرين حيث قال الله سبحانه وتعالى عنهم في سورة النور : " ويقولون ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أؤلئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم أرتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أؤلئك هم الظالمون إنما كان قول الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأؤلئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأؤلئك هم الفائزون " .
    يقول البيضاوي في التفسير: ( نزلت في بشر المنافق خاصم يهوديًا فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم : " ويقولون ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا " وأطعنا لهما " ثم يتولى " بالامتناع عن قبول حكمه " فريق منهم من بعد ذلك " بعد قولهم هذا : " وما أؤلئك بالمؤمنين " . إشارة إلى القائلين بأسرهم ـ أو إلى الفريق المتولي منهم ـ وسلب الإيمان عنهم لتوليهم والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإيمان والثابتون عليه : " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم " أي ليحكم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فإنه الحاكم ظاهرًا أو المدعو إليه وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله : " وإذا فريق منهم معرضون " وهو شرحٌ للتولي ومبالغة فيه : " وإن يكن لهم الحق " أي الحكم لا عليهم :" يأتوا إليه مذعنين " منقادين لعلمهم أنه يحكم لهم : " أفي قلوبهم مرض أم أرتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أؤلئك هم الظالمون " . إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم والثاني إما أن يكون محققًا عندهم أو متوقعًا وكلاهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته يمنعه فتعين الأول وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف : " إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأؤلئك هم المفلحون " على عادته تعالى في إتْباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي : " وأقسموا بالله جهد إيمانهم " . إنكارًا للامتناع عن حكمه : " لئن أمرتهم ليخرجن " . إن أمرتهم بالخروج من ديارهم أو أموالهم ليخرجن : " قل لا تقسموا " على الكذب : " طاعة معروفة " أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين والطاعة النفاقية المنكرة : " وإن تطيعوه " . في حكمه تهتدوا : " وما على الرسول إلا البلاغ المبين " . وقد أدي فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم ) إهــ تفسير البيضاوي (1/197).
    هنا الإقرار بالشريعة متحقق بل متكرر والإعراض عنها للمصلحة، فكيف يقال أن الإعراض عن الشريعة إذا كان جلبًا لمصلحة أو درءًا لمفسدة فلا بأس ؟؟!!.
    ونقـول: هل قبول شرع الله ورفض ما سواه والدخول في ولاية الإسلام ولاية لله ورسوله والمؤمنين مسألة خاضعة لاعتبارات المصالح، وهل كان هذا إلا موقف المنافقين واتهموا المؤمنين بالسفه لوقوفهم عند أمر الله وامتثالهم له معبرًا عن حسابات المصالح الدنيوية وحسابات وموازنات القوى !! .
    ويقولون قد يكون ردَّه إلى المداراة واتقاء الفتنة. ونقول: أن الخضوع في حالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعته تغيير الحال مع كره القلب وترك المشايعة لا يسمي قبولاً لشرع غير شرع الله، بل هو درجة من درجات الرفض لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع» وقال عبد الله بن مسعود عن حكايته في تبديل الملوك لدين المسيح «إذا حدث ذلك فيكم فليعلم اللهُ من قلبك أنَّك كارهٌ» ولكن الذي يعلن قبوله ومعايشته أو معايشته دون قبوله لشرع غير الله في الأرض لقوة ظاهرة تساند ذلك الشرع المبدل وينشرح صدره لموقفه هذا لاطمئنانه إلى سلامته من بطش هذه القوة الظاهرة واطمئنانه على مصالحه في ركونه واستنامته واستكانته إليها فهذا موقف مداهنة وإن ادعي الإكراه ورحم الله من قال:
    وثمودُ لو لم يُدْهِنوا في ربِّهم لم تَدْمَ ناقتهم بسيف قَدَارِ
    ومن نسب الله عزَّ وجل إليهم العَقْر ليس بسبب مشاركتهم ولكن بسبب مداهنتهم، والذي عقرها هو أشقاها. والآيات في سورة النور التي سبق ذكرها قال عنها بعض المفسرين الإعراض من بعضهم والرضى من كلهم، فهلك الفاعل والراضي. واللهُ تعالى أعلم وهو أعزُّ وأكرم.
    ثامنًا: وقالوا هذا تكفير للناس بالعموم. ونقول: القول بهذا افتراء للكذب على أهل الحق لنصرة التلبيس والإرجاء والبدعة والتفريط وكتمان الحق وتضليل الناس. وقد قلنا بملء الفم أنه لا تكفير بالعموم في مجتمعات المسلمين في ديارهم التي عليها أحكام الكفر، لأن التكفير بالعموم لا يأتي إلا بعد أن تتغير التبعية، وهذه المجتمعات لم تتغير تبعيتها بعلو أحكام الكفر على الديار للأسباب الآتية:
    1- أمر المتبوع غير أمر التابع أو بعبارة أدق وأصح أمر التابع غير أمر المتبوع.
    2- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم لم يتحيزوا أو يتميزوا عن غيرهم تميز الفسطاط أو تميز انتساب، والذين نجوا من ظاهرة الشرك منهم لم يتميزوا أو يتحيزوا عنهم أو باينوهم، فالناس أخلاطٌ شتي غير متمايزة أو متباينة.
    3- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم غير قادرين على توريث أبنائهم ما هم عليه كنِحلة أو دين.
    4- أمر الناس لا يتبين إلا بالوقوف على المقاصد والاطلاع على البواطن «من كَرِهَ فقد برئ ومَنْ أنكَرَ فقد سَلِمَ ولكن مَنْ رَضِى وتابع» ومن ثم لا يثبت الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة بحيث يغني الاسم عن معرفة المسمي، كما نقول بهائي أو درزي أو نصيري أو قدياني أو بهرة أو باطني أو نصراني أو يهودي. هل تحتاج حينئذ أن تسأل هل كره فبرئ أم رضى وتابع فهلك؟؟ ولكن عندما تقول مصري أو سوري أو عراقي تحتاج أن تسأل لتعرف حقيقة موقفه من علو أحكام الكفر على بلاده وهذا هو الفرق.
    وهذه الأربعة هى التي يتحدد بها بقاء تبعية الإسلام أو تغير التبعية، وبالعكس فالتبعية تتغير إلى كفر أصلي بأربعة الأمور وهى:
    1- تميز الانتساب أو تميز الفسطاط.
    2- ثبوت وصف الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة دون حاجة إلى اطلاع على البواطن والمقاصد.
    2- أن يكونوا قادرين على توريث أبنائهم ماهم عليه.
    3- أن يكون أمر التابع كأمر المتبوع.
    وهذا لم يحدث في هذه المجتمعات ومن ثَمَّ فتبعية الإسلام باقية ومن ثَمَّ فإننا نثبت حكم الإسلام للوليد بتبعية أبويه أو أفضلهما دينًا، وللقيط بتبعية الدار، كما يثبت حكم الإسلام للمجنون ومجهول الحال. وهذا لا ينفي إثبات ظواهر الشرك في الحكم والولاء والنسك وفساد الاعتقادات وتفشي هذه الظواهر، ولا ينفي كون الناس أخلاطًا شتى، ولا ينفي الاستبراء للدين والعرض في هذه الظروف، وثبوت هذه الظواهر لا يلزم منه التعيين، وعدم القدرة على التعيين لا تنفي ثبوت الظاهرة.
    ومن هنا قال الفقهاء عن حكم هذا الواقع عندما نَشأ في عدن والهند منذ أكثر من قرنين من الزمان قالوا عن هذه الديار: لها صفة دار الكفر وحكم دار الإسلام. حكم دار الإسلام لبقاء التبعية الإسلامية، وصفة دار الكفر لعلو أحكام الكفر على الديار. وصفة دار الكفر للدار تستلزم إسقاط شرعية الأنظمة التي فصلت الدين عن الدولة، وقيام شرعية بديلة تتمثل في جماعات العلماء، واعطائها شرعية قتال، ووجوب الاسترداد للدار لوصف الردة الطارئ، ولو تحولت لحكم الكفر الأصلي لسقط حق الاسترداد للدار مع التقادم. وبقول هؤلاء العلماء نقول في مثل الواقع الذي قالوا فيه ) إهــ كتاب ( البـلاغ المبيــن ) للشيخ عبد المجيد الشاذلي .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    16

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    الأخ "أبو شعيب" و "الإمام الدهلوي" بورك فيكم على هذه الردود

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لقد فهم من كلام ابن تيمية في عدة اشياء غير تفسير هده الاية ما هو بريء منه الى يوم القيامة

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    12

    Arrow رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ام الزبير مشاهدة المشاركة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    لقد فهم من كلام ابن تيمية في عدة اشياء غير تفسير هده الاية ما هو بريء منه الى يوم القيامة
    الأخت أم الزبير من فضلك نرجو التوضيح لما كتبتيه في ردك هذا و أن تفهمينا كيف أن بن تيمية بريئ منه الى يوم القيامة يعني بمعنى آخر هل هذا الكلام فيه غلو و تشدد أم تفريط و ارجاء و بارك الله فيك

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    هذه الآية أشبه بالنص على بيان أن من يشرع للناس غير ما شرعه الله تعالى
    ويستعيض عن الكتاب والسنة بأشياء أخرى..فهو كافر كفرا أصليا
    دون اشتراط انعقاد قلب ولا بطيخ

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    نعم بارك الله فيك أخي أبا القاسم من يشرع للناس غير ما شرعه الله لعباده و يستعيض عن الكتاب و السنه الى أحكام وضعية فهو كافر أصلي دون اشتراط انعقاد قلب لم يدخل في الاسلام ابتداء و لم يفهم دين الله و لكن أنصحك يا أخي أن لا تقول و لا بطيخ فالبطيخ أكل و لا يليق بأن يدخل في العبارة و لا يحتج بهذه العبارة لتبيين الحق و ليس من منهج السلف أن يقولوا هكذا لأن السلف كان كلامهم قليلا و لكن مباركا أما نحن فقد ابتلينا بالكلام الكثير و البركة القليلة و لهذا لم تنتفع المخالف بكلامنا فالواجب أن لا نضيف هته العبارات لأن عبارة بطيخ لا تلين القلب و تجعله يستنير بل بالعكس تجعله ينفر و الواجب أن نكثر من التضرع الى الله أن ينور قلوبنا و يهدينا و يهدي مخالفينا الى أقرب من هذا رشدا و صلى الله على محمد و آله و صحبه و سلم كثيرا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    شكر الله لك النصح..وقولي "ولا بطيخ" هو من التهكم بأصحاب القول الآخر..
    وهي كلمة دارجة في لهجتنا..فهي أشبه بأسلوب من أساليب توكيد البيان

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    أخي أبو القاسم وفقك الله تعالى :
    عندي ملاحظات على مشاركتك السابقة وهي كما يلي :
    أولاً : لا شك أن التشريع حق خالص لله تعالى لا يشاركه فيه أحد .. هذا من حيث الجملة .
    ثانياً : من وضع تشريع من عنده لا يصح أن نحكم عليه بالكفر قبل النظر في الشروط والموانع .. وقصدي بذلك : أن يكون التشريع في ذاته كفر مجرد مصادم للكتاب والسنة مصادمة صريحة ( وهذا شرط في الفعل أن يكون كفر بواح ) ويخرج بذلك بعض التشريعات الباطلة التي تستند إلى تأويلات فاسدة فمثل هذه لا يجوز الحكم على مشرعها بالكفر ابتداءً .
    وقد قال الشاطبي رحمه الله في كتابه الإعتصام : أن كل بدعة هي في حقيقتها تشريع قل أو كثر .. ثم قسم البدع إلى أقسام قد تكون كفر وقد تكون محرمة ... إلخ .
    ويخرج من ذلك أيضاً التشريعات الإدارية التي لا تصادم الكتاب والسنة ولا تعارضهما فهذا النوع لا شيئ فيه كما قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره ( أضواء البيان ) .
    وأما الشرط الأخر فهو النظر في حال هذا المشرع .. فلابد قبل تكفيره عيناً أن يكون عالماً أن تشريعه مخالف للنصوص القطعية من الكتاب والسنة مخالفة صريحة .. ويخرج من ذلك الجاهل فلا يصح تكفيره ابتداءً فإن الرجل الذي كان على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بحكم من عند نفسه مخالف للقرآن والسنة لم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الفعل ابتداءً لأنه كان جاهل .
    فقد جاء في المسند حدثنا عبد الله حدثنا أبي حدثنا عبد الرازق حدثنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا فزني بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بوليدة ومائة شاه ثم أخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم. حسبت أنه قال فاقض بيننا بكتاب الله فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما الغنم والوليدة فردٌّ عليك، وأما ابنك فعليه جلد مائة وتغريب عام ثم قال لرجلٍ من أسلم يقال له أنيس قم يا أنيس فاسأل امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها».
    يقول الشيخ عند المجيد الشاذلي حفظه الله معقباً : ( فالرجل الذي عرض مائة من الإبل ووليدة كان يظن أن ولي العرض إذا جاز التعبير له الحق مثل ولي الدم في الدية وإن العقوبة ليست حقًا لله في الزنا، إنما هي من حق العبد كما هو الحال في القتل فعرض هذا الفداء ثم طلب حكم الله ولم يعد عنه فلو علم أن هذا الفداء ليس حكم الله ما عرضه على صاحبه فلا توجد هنا رغبة عن شرع الله إلى غيره ولا عدل بشرع الله غيره . ) إهـ
    فهذا الفعل في حقيقته تشريع وحكم مخالف للشريعة ولكن الرجل لم يكفر لأنه كان جاهل لم يبلغه حكم الله في المسألة .
    وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله : ( ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر.
    فإن كثيراً من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالاً ) إهـ منهاج النبوة .
    ويقول أيضاً: - ( ومن حكم بما يخالف شرع الله ورسوله، وهو يعلم ذلك، فهو من جنس التتار الذي يقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله ) إهـ مجموعة الفتاوى 35/407 .
    ثالثاً : أنك جعلت المشرع كافر كفراً أصلياً .. فهل تقصد بقولك : كفراً أصلياً أنه ناقل عن الملة الإسلامية .. فإن كنت تقصد هذا فالأمر كما فصلنا سابقاً .. أما إن كنت تقصد بذلك أنه يصير كافر أصلي وليس مرتد .. فهذا لا بد فيه من تفصيل ولا يصح هذا الإطلاق .. فإن كان المشرع قد اتفقنا على تكفيره بعد ثبوت الشروط وانتفاء الموانع فلا يخلو حاله من أمران : إما أن يكون كافر أصلي لا ينتسب إلى الإسلام فهذا كافر أصلي ولا إشكال في ذلك .. وإما أن يكون ينتسب إلى الإسلام ويظهر الإسلام الحكمي أو الظاهر فهذا يكون مرتد وليس بكافر أصلي وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء في المسألة .
    قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله عن جهلة عباد القبور : (… فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم أن من فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة، ولم يجعلوه كافراً أصلياً وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته تجريد التوحيد المسمى "بتطهير الاعتقاد" وعلل هذا القول بأنهم لم يعرفوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص، فلم يدخلوا بها في الإسلام مع عدم العلم بمدلولها، وشيخنا لا يوافقه على ذلك) إهـ مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام .
    ويقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في تكفير الباطنية : ( .. فإن قيل ولماذا حكمتم بإلحاقهم بالمرتدين والمرتد من التزم بالدين الحق وتطوقه ثم نزع عنه مرتدا ومنكرا له وهؤلاء لم يلزموا الحق قط بل وقع نشوؤهم على هذا المعتقد فهلا ألحقتموهم بالكافر الاصلي ؟
    قلنا : ما ذكرناه واضح في الذين انتحلوا أديانهم وتحولوا اليها معتقدين لها بعد اعتقاد نقيضها أو بعد الانفكاك عنها ، وأما الذين نشئوا على هذا المعتقد سماعاً من آبائهم فهم أولاد المرتدين ، لأن آباءهم وآباء آبائهم لابد أن يفرض في حقهم تنحل هذا الدين بعد الانفكاك عنه ، فإنه ليس معتقدا يستند إلى نبي وكتاب منزل كاعتقاد اليهود والنصارى ، بل هي البدع المحدثة من جهة طوائف من الملحدة والزنادقة في هذه الاعصار القريبة المتراخية ، وحكم الزنديق أيضا حكم المرتد لا يفارقه في شيء أصلا .
    وانما يبقى النظر في أولاد المرتدين ، وقد قيل فيهم : إنهم أتباع في الردة كأولاد الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة وعلى هذا فأن بلغ طولب بالإسلام وإلا قتل ولم يرض منه بالجزية ولا الرق ، وقيل : إنهم كالكفار الأصليين إذ ولدوا على الكفر فإذا بلغوا وآثروا الاستمرار على كفر آبائهم جاز تقريرهم بالجزية وضرب الرق عليهم ، وقيل : إنه يحكم بإسلامهم لأن المرتد مؤاخذ بعلائق الإسلام فإذا بلغ ساكتاً فحكم الإسلام يستمرإلى أن يعرض عليه الإسلام فأن نطق به فذاك وأن أظهر كفر أبويه عند ذلك حكمنا بردته في الحال وهذا هو المختار عندنا في صبيان الباطنية فإن علقة من علائق الإسلام كافية للحكم بإسلام الصبيان وعلقة الإسلام باقية على كل مرتد فإنه مؤاخذ بأحكام الإسلام في حال ردته ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) .
    فيحكم بإسلام هؤلاء ثم إذا بلغوا كشف لهم عن وجه الحق ونهوا عن فضائح مذهب الباطنية وذلك بكشف للمصغى إليه في أوحى ما يقدر وأسرع ما ينتظر فأنأبى إلا دين آبائه فعند ذلك يحكم بردته من وقته ويسلك به مسلك المرتدين ) إهـ فضائح الباطنية .
    والله أعلى واعلم .

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    أخي الدهلوي غفر الله له..ووفقه للحق
    ملاحظتك ليست سديدة
    لأن انتفاء الموانع والشروط..
    يقال فيما هو أعظم من شرك التشريع..فالمراد تقرير الحكم
    كما قال أبو حنيفة:من قال إن الله ليس فوق عرشه فهو كافر
    وأما اشتراطك أن يكون مصادما للشريعة..فعجب وليت شعري كيف سقته؟
    لأن القسمة ثنائية..
    إما أن يأتي بشرع من عنده أرضي..وحينئذ لن يكون موافقا للشرع قطعا
    وإما أن يأتي بشرع الله..وهنا لا يقال إنه أشرك في التشريع..
    فتصورك للخلاف ثم إنشاء كل هذا الرد من أجله غير صحيح ألبتة
    ولو تصورنا جدلا-وهو محال-أنه جاء بشرع من رأسه فجاء موافقا للشرع
    فهو كافر بذلك..لأنه وإن وافق الشرع في المآل..لكنه قصد التشريع من كيسه
    وشرك التشريع في كتاب الله واضح جدا..وظهور من يخالف فيه من المتأخرين
    من أعجب الأشياء..
    وأرجو أن يتوقف الجدال..لأني لست مولعا بالنقاش المطول في البدهيات

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله"

    وهـذه فائدة :
    يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : ( ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد، لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى ولابد فيها من التعبد إذ هى مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها كانت اقتضاءًا أو تخييرًا، فإن التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام حسبما تقرر برهانه في كتاب ”الموافقات“ وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صحّ دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا.
    وهذه هى النكتة التي يدور عليها حكم الباب ويتبيّن ذلك بالأمثلة فمما أتي به القرافي وضع المكوس في معاملات الناس فلا يخلو هذا الوضع المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتًا ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق وقطع القاطع للطريق وما أشبه ذلك أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائمًا أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. فأما الثاني فظاهر أنه بدعة إذ هو تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة والدِّيات المضروبة والغرامات المحكوم بها في أموال الغصاب والمتعدين بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة واللوازم المحتومة أو ما أشبه ذلك ، فمن هذه الجهة يصير بدعة بلاشك لأنه شرع مستدرك وسنٌّ في التكليف مهيع، فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران : نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم. ونظر من جهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت، كما يؤخذون بسائر التكاليف. فاجتمع فيها نهيان: نهيٌ عن المعصية، ونهيٌ عن البدعة. وليس ذلك موجودًا في البدع في القسم الأول ـ العبادات ـ وإنما يوجد به النهي من جهة كونها تشريعًا موضوعًا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية بل نفس التشريع هو نفس الممنوع) إهـ الإعتصام (2/79) .

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •