في زمن المتغيرات : نريـد صحوة ذكية حكيمة.
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: في زمن المتغيرات : نريـد صحوة ذكية حكيمة.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي في زمن المتغيرات : نريـد صحوة ذكية حكيمة.

    بسم الله الرحمن الرحيم
    قد يتبادر إلى أذهان البعض أن المقصود بكلمة "صحوة" – عنوان هذا المقال - هو المعنى الذي طالما صنعته أيام خلت وأعوام مضت من الرغبة الجامحة في إصلاح أحوال الأمة. ولكن لكل منا تجربة خاصة أوانطباع شخصي يضفيه على معنى هذه الكلمة، لأن كل واحد منا له طريقته في إكمال المعنى وتفسيره من خلال مخزونه الثقافي الذي يحمله. فلا يمكن أن يكون المعنى المراد بكلمة "صحوة" قطعي الدلالة ، مجمع عليه ، إذا كان في مفهومه الواسع ليس إلا خبرة او تجربة مرت بها الأمة ومعلوم ان إدراك الخبرات والتجارب يختلف من شخص لآخر وكل منا يرى الخبرة ويفسرها على حسب السجايا الفكرية التي تهيمن على معتقداته وقيمه الشخصية. ولذلك فإن تعريفي لها لن يضيف سوى وجهة نظر شخصية جديدة تقف في طابور طويل جداً من وجهات النظر المختلفة لتأخذ حضها – وقد لا تأخذه – من قبول القراء أو نقدهم.
    هذا إذا كنت أتحدث عن الصحوة كتجربة ماضية. ولكن هذه المرة سيكون حديثي عن الصحوة كمشروع او ورقة عمل من نوع آخر...في صورة جديدة ، و نريد من الجميع - إن امكن – التكاتف لإنجاح هذا المشروع وتطبيق توصيات هذ الورقة. ولكن قبل ذلك أذَكِر القراء بمختلف فئاتهم ان محاولة فهم هذا المشروع "الصحوي" المقترح من خلال الإنطباعات الشخصية والتفسيرات المرحلية الماضية لن يكون مجديا لأنه سيؤدي إلى إرتجال واستباق تفسيري لما لم يذكر بعد من المقال. لذلك حاولوا قدر الإمكان أن تطرحوا الإيحاءات المترسبة في أذهانكم عن كلمة "صحوة" لأن مقالي وبكل وضوح لن يكون عن تلك المفاهيم التي طالما تبادرت إلى أذهانكم عند سماع هذه الكلمة او رؤيتها.
    أولا أود ان أطرح مجموعة من الفرضيات. ولأنها فرضيات فإن ذلك لا يلزم أحداً بقبولها كحقيقة. وهذه هي المشكلة في كثير من حواراتنا ومناقشاتنا مع بعضنا البعض. ألا وهي طرح آرائنا على صورة مسلمات أو على الأقل على نحو يوحي بالقطعية والإعتداد بالرأي الشخصي الذي لا ينثني مع أننا نعلم أنه ليس وحياً يوحى.
    الفرضية الأولى: تقول أننا نحتاج إلى صحوة ( لا تنسوا : بمعناها الجديد كما سترون لا حقاً) إصلاحية كبرى لأوضاع الأمة لأن أوضاعها لا تسر الناظرين.
    الفرضية الثانية تقول : أن طبيعة المتغيرات التي تمر بها الأمة يستلزم صحوة من نوع آخر صحوة توازي وتضارع في حلها للمعضلات تعقيد هذه المتغيرات.
    الفرضية الثالثة تقول : أن هذه الصحوة يجب أن تكون صحوة ذكية.
    وهنا نتوقف لنفسر المقصود بهذه "الصحوة الذكية" قبل أن تنشأ الشكوك والظنون...لنربط على بعض القلوب ونقول لها اربعي ولن تراعي !
    المقصود "بالصحوة الذكية" أيها الأخوة والأخوات التالي:
    "حركة واعية وعصرية يحفزها صدق الرغبة في الإصلاح بما يخدم المقاصد العليا للشريعة الإسلامية"
    هذا التعريف قد لا يكون شاملا ولكن أرجو أن يكون قد أبرز لكم معظم المعنى الذي أريد ابرازه.
    اسمحوا لي جزاكم الله خيرا أن أوضح مفردات هذا التعريف. أولا المقصود بكلمة "حركة".من المعلوم أن الكل يتحرك. ولكن كل واحد له حركة من نوع خاص: فهناك الحركة الثورية وهناك الحركة التهورية وهناك الحركة الإرتجالية وهناك الحركة العلمانية والحركة التغريبية والحركة العنصرية القبلية والحركة القومية...إلى آخره من الحركات المتنوعة ، ولكنها إن لم تخدم المفاسد العليا فإن بعضها على الأقل لا يخدم إلا المقاصد المرجوحة للشريعة الإسلامية فضلا عن المصالح الراجحة. والسبب هو افتقاد بعضها او كلها لبعض أو كل عناصر التعريف أعلاه، وهي:
    1- الوعي.
    2- العصرية.
    3- صدق الرغبة في الإصلاح.
    4- تحقيق المقاصد العليا للشريعة.
    إن الحركات الإرتجالية الثورية وردود الأفعال التهورية الإنقلابية وإن سخرت لنفسها شرط العصرية وحققت شرط الوعي و صدق الرغبة إلا أنها تفقد شرطاً مهماً جداً ألا وهو شرط خدمة المقاصد العليا للشريعة. ولهذا كان من أهمية شرط تحقيق مقاصد الشريعة أنه ينير وعي الشخص العادي ببصيرة الشريعة وعلمها لفهم مقاصدها العليا وهذا مفتقد هنا. ومن الأمثلة الواقعية على هذه الحركات الوعظ والإفتاء بغير علم والتفجير والتخريب والقتل وإهلاك الحرث والنسل بنية الجهاد وقمع الطاغوت وكذلك نشرالحزبية الدينية والتعصب للمذاهب والتقليد الأعمى والتصوف الممقوت وزرع جو من الخوف والرعب بين المسلمين والآمنين وقد حصل هذا بالفعل وإن زعم متبعوا هذا السبيل أنهم لم يقصدوا إلا الخير. وهذا صحيح لأن الله تعالى قال:"أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا" الآية. هذه هي المشكلة ، رغبة صادقة وحماس متقد ولكن بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
    نتيجة للحركة السابقة وكنوع من ردة الفعل لتصرفاتها ظهرت بعض الحركات العلمانية والتغريبية رافعة شعار الليبرالية ومستغلة الحدث للمناداة بمبدأ المساواة و الحرية ، مهرولة لإنقاذ الأمة ممن يسمونهم "بالظلاميين". هذه الحركات العلمانية التغريبيبة وإن كانت عصرية وواعية و صادقة (على الأقل لخدمة أهدافها ) فإنها لا تحقق المصالح العليا لأمة المسلمين كما قررها القرآن وبينتها السنة النبوية ، بل كثيراً ما تعمل هذه الحركات في الإتجاه المعاكس. والمفارقة هنا هو أن بعض هؤلاء التغريبيين قد تجاوز المرحلة التغريبية وترقى إلى مرتبة الإستشراق ميمماً حينئذٍ وجهه شطر العالم الإسلامي والعربي ليمقته بعبارات "تقززية" تطفح بنبرة نرجسية متعالية ومع ذلك يعتبر نفسه مصلحاً مشفقا وناصحاً رحيماً وابناً باراً لأمته العظيمة ! هذا من أعجب ما رأيت ومن أغرب ما سمعت. إن فقدان شرط السعي لتحقيق مقاصد الشريعة هنا يسلخ الأدوات الباقية من هويتها الإسلامية. بل لا أستبعد حرمانها من شرط الوعي لأنها حركات تبعية والتابع عطل شرط الوعي بالنفس...التابع مقلد وليس واع إلا ان يكونوا واعين بتبعيتهم لغيرهم فهذه تركيبة عجيبة. إنها فئة لم تفهم مقاصد دينها العميقة واستنتجت لنفسها قاعدة سطحية مفادها:"كن غربياً تكن متحضراً" كما أختطت لنفسها منهج "كن مستغرباً تكن مستنيراً" ومن الأمثلة الواقعية على هذه الحركات الدعوة المنفلتة إلى تغيير المناهج الدينية وإقفال حلقات تحفيظ القرآن وتحرير المرأة. وهذه العبارات التعميمية الإطلاقية "متكلفة وممثلة تمثيلاً مسرحياً مبالغ فيه" theatrical and dramatized)) - إذا اضطررنا إلى استعمال مصطلحاتهم في التعبير - ليس فيها تشخيص دقيق ناصح خالص واضح محدد للشيء الذي يحتاج بالضبط إلى تغيير وإقفال وللمرأة التي تحتاج إلى تحرير. لا يفهم السامع من هذه العبارات إلا شيئاُ واحداُ: "المناهج الدينية" ، "حلقات التحفيظ " ، " المرأة" والسؤال :"أي منهج ديني وأي حلقة تحفيظ وأي مرأة؟" (عندما طرحت السؤال الأخير على أحدهم أجاب:"المقصود بالمرأة هنا المرأة السعودية !!" معتقداً أنه بجوابه هذا قد خصص التعميم وقيد الإطلاق!!) . والعجيب أن لهم مناورات ينتقدون فيها الإعلام الغربي بأنه شوه صورة الإسلام ولم يفهم حقيقته وهم يمدونه كل يوم بالعبارات التي تجرئه لفعل ذلك: الصيحات لتغيير المناهج، وإقفال حلقات القرآن، و تحرير المرأة...ماذا سيفهم كل من الإعلام والجمهور الغربي من هذه العبارات؟
    أما الحركات العنصرية القبلية ووالثورات القومية فإنها وإن كانت صادقة الرغبة ، فإنها حركات جاهلية وشعارات فارغة لا يعترف بها العقلاء في كل مكان وذلك لأنها لا تحقق شرط الوعي ولاشرط العصرية ولا تحقق المقاصد الشرعية للأمة (وإن كانت أحياناً تسخر المعطيات العصرية لتحقيق أهدافها البالية فإن العبرة بالمقصد والوسائل لها أحكام المقاصد). إنها غير واعية لأن تفكيرها محلي وأقليمي وغير عصرية لأنه لا فرق بين عربي و أعجمي ولا أبيض ولا أسود ولاتحقق مقاصد الشريعة لأنها تفرق المسلمين وتثير الأحقاد والظغائن ولذلك فلا يميز هذه الحركة إلا الصدق ولكنه صدق اسمه الحمية الجاهلية. ومن الأمثلة الواقعية على مثل هذه الرحكات: تقديس رابطة العروبة وإجلال الإنتماءات القبلية والتفاخر بالأصول وإحياء االعادات الخرافية والموروثات الأسطورية وإلباس التقاليد الجاهلية لبوس التعاليم الإسلامية وهكذا دواليك يوم لك ويوم عليك !!
    وبقيت هناك حركة من نوع خاص. إنها الحركة المادية الشهوانية الترفية التي تتحرك بنهم وشجع من مطعم إلى مطعم ومن مقهى إلى مقهى ومن سوق إلى سوق ومن ملهى إلى آخر ومن دولة إلى دولة لماذا؟ لغرض الفائدة العلمية؟ لغرض الندوات الثقافية أوالمؤتمرات الأكاديمية التي تعود علينا بالفائدة؟ على أقل الأحوال: لغرض التجول لإستطلاع المناظر الطبيعية والآثار الشعبية؟ الله أعلم . سيماؤها السمنة والفراغ والملل والسأم ... إلى آخر القائمة. إن كان هؤلاء يظنون أنهم يحققون مقاصد أمتهم فقد أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل !
    استعرضنا فيما سبق "صحوات" متنوعة. ورغم تنوعها إلا انها كلها على شاكلة واحدة من حيث فشلها ولو نسبياً في تحقيق "المصالح العليا للأمة". إنها صحوات مرفوضة بهذا الشكل ويجب أن يرفضها الجميع إن كانوا يريدون لأمتهم تقدماً وازدهاراً. والقائمون على هذه الصحوات من طبقات متنوعة ومن مناصب متفاوتة ويتحملون وزر هذا التفرق والتشتت الحاصل بين عامة المسلمين. ولكن تبقى كلمة "أمة" مصطلح يضيق به ذرعاً من ساهم مساهمة كبيرة في جعلنا غثاء كغثاء السيل. وللأسف ، فقد حقق غير المسلمين بعض مقتضيات هذا المصطلح علىأنفسهم ونحن نحطم أكثر مقتضياته مع مرور الوقت. خذ على سبيل المثال:"الاتحاد الأوروبي" و "ودول الثمان أو الجات". وآخر تحركاتهم لتحقيق مصطلح "الأمة" على نطاق واسع هي تفعيل "العولمة" عبر "تكتلات اقتصادية" و "تحالفات عسكرية" و "موجات فكرية ثقافية" متنوعة الوسائل ومتحدة الغرض كما أشار إلى ذلك بوضوح كل من بولي توبني الكاتبة الصحفية المشهورة و انتني جدنز مدير مدرسة لندن الإقتصادية. وللقاريء ان يقول بغير ذلك ويصف كل هذه التآلفات الغربية بأنها سطحية وأن الناظر يحسبهم جميعا وقلوبهم شتى وهذا صحيح ولكن الله أخبرنا في المقابل بأن بعضهم أولياء بعض وأخبرنا عليه الصلاة والسلام بأنهم "يتداعون" علينا - أي يجتمعون - كما يتداعى الأكلة على القصعة.
    ولذلك فقليل جداًهم الذين يعملون بدأب. الجنود المجهولون الذين لا يحبذون الأضواء والزخارف ولا يبحثون عن الألقاب والأوسمة. ولا يحسنون تزويق الكلام. الذين يعملون بشكل "واع" و"صادق" ويستسخرون مخرجات "العصرالحديث" لتحقيق "المقاصد الشرعية العليا" لأمتهم. الذين يشفقون على أمتهم ويعتزون بدينهم ويحبون لإخوانهم وأخواتهم ما يحبون لأنفسهم كل هذا ليدفعوا بأمتهم نحوالريادة والسيادة. سيادة إحسان ونفع وعدل للأرض لأن من أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس. إنها صحوة إتزان وعلم وانضباط وحكمة. هذه هي الصحوة الذكية الدؤوبة. الصحوة التي يصعب بل يستحيل إيقافها لأنها لا تجعل لأحدٍ عذراً عليها ولا تتخذ موقفاً يمكن يحسب ضدها فيعيق مسيرتها. صحوة نافعة تستلهم شخصيتها من عموم قوله تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وبذلك تحرج من يحاول إعتراض طريقها إحراجاً وتخرس أفواه أعدائها بحيث لا يتربص بها إلا من أراد وقصد "متعمداً" أن يعتز با لإثم ويتمادى في الطغيان ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
    كتبه : عبدالله بن سعيد بن علي الشهري.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    28

    افتراضي

    جزاك الله خير
    أنا الذي سمتني أمي حيدره *** كَلَيثِ غاباتٍ كريهِ المنظره

    أوفيهمُ بالصاع كيلَ السندره

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي

    وإياك بارك الله فيك. واعتذر أن ظهر لي بعض الأخطاء اللغوية في المقال لمن تأمله !

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •