رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)
النتائج 1 إلى 9 من 9
1اعجابات
  • 1 Post By عبدالله الشهري

الموضوع: رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)

    (أصل هذا البحث " بُحيث" نشر قديماً في ملتقى أهل الحديث ، ثم رأيت أن أفصّل في بعض المواضع و أعزو أهم الأقوال وتوثيق أكثر النصوص في حاشية وإخراجه على ملف أكروبات حفاظاً على ترتيبه لمن أراده كذلك ، والله الموفق)
    رفع الَّلبس عن حديث سجود الشّمس
    سأل سائل فقال: قد أشكل علي معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن سجود الشمس تحت عرش الرحمن. كيف تسجد ؟ ومالنا لا نرى ذلك ؟ ثم إن الحديث الشريف يذكر أنها تصنع ذلك بعد غروبها مع أنها تغرب عن أهل كل بلد فإذا كان الأمر كذلك فإنها تسجد في كل وقت لأنها غاربة في كل وقت عن بلد من البلاد. فما العمل؟ أفيدونا رحمكم الله وزادكم الله علماً.
    الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وصلى الله وسلم على محمدٍ النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، لا حول ولا قوة إلا بالله و ما توفيقي إلا بالله:
    الحديث الذي ذكر فيه سجود الشمس حديث صحيح وأصله في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه :
    أخرجه البخاري رحمه الله في كتاب بدء الخلق (رقم 3199) ‏عن ‏أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لأبي ذر ‏ ‏حين غربت الشمس :‏ ‏أتدري أين تذهب ؟ قلت الله ورسوله أعلم ؟ قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" .
    وأخرجه أيضاً في كتاب تفسير القرآن (رقم 4802) عن أبي ذر رضي الله عنه بلفظ :" كنت مع النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في المسجد عند غروب الشمس فقال: ‏ ‏يا ‏ ‏أبا ذر ‏ ‏أتدري أين تغرب الشمس ؟ قلت: الله ورسوله أعلم ؟ قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى: ‏ "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" .
    وأخرجه مسلم رحمه الله في كتاب الإيمان (رقم 397) أيضاً من طريق أبي ذر رضي الله عنه: أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: يوما ‏" ‏أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ؟ قال: إن هذه ‏ ‏تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم ‏ ‏تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم ‏ ‏تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها ، فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ ‏أتدرون متى ‏ ‏ذاكم ؟ ذاك حين ‏ يوم لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا."
    وكذا أخرجه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات (رقم 4002) الترمذي في كتاب الفتن (رقم 2186) وأحمد في مسنده والبغوي في تفسيره (ص640-641 ، ط. دار طيبة) وغيرهم بألفاظ متقاربة .
    واعلم أن الغرض من هذا البحث ليس إثبات صحة الحديث فهو صحيح بلا ريب ، إلا أن البعض ممن لم يرزقه الله طول النفس وزينة الصبر في جمع طرق الأحاديث والتدبر في معاني ألفاظها قد سارع إلى رمي إبراهيم بن يزيد التيمي بالتدليس اعتماداً على جرح الكرابيسي (1) . ثم إن مما عزّز الاجتراء ما وقر في قلبه من النفور من ظاهر المتن ، وتلك هي عادة من يجعل العقل البشري القاصر حكَمَاً متقدماً بين يدي النصوص الثابتة المقطوع بصحتها. أما من يرمي جاهداً إلى التشكيك في صحة الحديث بالتشمير في إثبات امتناع سجود الشمس فيلزمه – قبل أن يمشي خطوة واحدة - الإحاطة بحقيقة ثلاث أمور عليها يدور معنى الحديث فإذا أحاط بحقائقها وتيقن من ذلك حق اليقين فليأتنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع على ما وجد من العلم. وهذه الحقائق هي :
    • حقيقة العرش.
    • حقيقة حركة الشمس.
    • حقيقة سجود الشمس.
    أولاً: حقيقة العرش:
    فالذي يمكن قوله هنا هو أن نقص الإحاطة بحقائق هذه الثلاث مؤثر ولا بد في مقدار الفهم و درجة الإدراك ، فما بالك إذا كان المرء يجهل أكثر حقيقتها وعلى رأس هذه الأشياء حقيقة العرش الذي لا يعلم حقيقة كيفيته و هيئته و حجمه إلا الله وحده. وليس لنا أن نتكلف للعرش من الأوصاف ما لم يجيء بها القرآن والسنة. فنؤمن بأنه عظيم القدر حجماً و وزناً. أما عظم حجمه فقد جاء في الحديث (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) (2)، وأما عظم وزنه فقد جاء عند مسلم من حديث جويرية بنت الحارث (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى فقال: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضا نفسه)(3) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان).
    وللعرش قوائم فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال (جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه ؛ فقال : يا محمد رجل من أصحابك لطم وجهي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ادعوه فدعوه فقال : لم لطمت وجهه ؟ فقال : يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول : والذي اصطفى موسى على البشر فقلت : يا خبيث وعلى محمد ؟ فأخذتني غضبة فلطمته . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذا بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته) (4).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم". أما إذا شغبنا بطلب الإيغال في معرفة حقيقة حجم العرش وحقيقة قوائمه وسائر أحواله وصفاته فهذا مما لا علم لنا به ، و هو الحد الفاصل الذي يستوي عنده العالم والجاهل فيبقى الكل عاجزاً حسيراً عن تصور حقيقة ماهيته. والخوض في حقيقة ذلك تكلف منهي عنه ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم و اختلافهم على أنبيائهم).
    ثانياً: حقيقة حركة الشمس:
    وكذا حقيقة حركة الشمس. فالحديث صريح في أن الشمس هي التي تتحرك وأنها غير ثابتة ولا يقولن مسلم: لكن الحق الذي لا مرية فيه أن الشمس ثابتة لأن هذا غير ثابت بطريق القطع الحسي كما سنرى ولا يوجد إجماع كامل من كل العلماء على ذلك بل يوجد فريق كبير من العلماء المعاصرين على خلاف هذا الرأي كما سيتبين لاحقاً. وأنبه هنا على أني لست بصدد بعث الجدل و استنهاض النقاش حول ثبوت دوران الشمس من عدمها أو دوران الأرض من عدمها وإنما القصد الأهم عندي هو التأكيد على أن هذه النظرية ليست محل اتفاق بين العلماء من جهة الدليل الحسي المشاهد وإن كانت محل اتفاق من جهة الدليل الرياضي الحسابي ولا يلزم من سلامة الدليل الرياضي مطابقته للواقع الفيزيائي على وجه الإطلاق كما هو مقرر عند جمهور فلاسفة العلوم الطبيعية وعلماء الرياضيات وهو ما سنتعرض له لاحقاً. يقول الدكتور عدنان محمد فقيه(5) : "يجب أن نقرر أولاً أن مسألة دوران الأرض حول الشمس مما اتفق عليه العلماء الكونيين منذ قرون مضت غير أن هذا الاتفاق لا يعود إلى حقيقة مشاهدة أو واقع ملموس بل يرجع إلى دقة الحسابات الناشئة من افتراض أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس. يقول الفيزيائي المعاصر بول ديفس (6) :"واليوم لا يشك عالم في كون الشمس مركز المجموعة الشمسية وأن الأرض هي التي تدور وليس السماء" ، ولكنه يستدرك قائلاً أنه لن نتمكن أبداً من التأكد من صحة هذا التصور مهما بدا دقيقاً "فليس لنا أن نستبعد كلياً أن صورة أكثر دقة قد تُكتشف في المستقبل". والحقيقة أننا لا نحتاج أن ننتظر اكتشاف تصور آخر لحركة النظام الشمسي حتى نتمكن من القول أن النظام الحالي والذي يفترض مركزية الشمس ودوران الأرض حولها هو مجرد افتراض رياضي لا يصور الحقيقة، بل إن العلم يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول إن السؤال عمّا إذا كان هذا التصور حقيقاً أو غير ذلك ليس بذي معنى في لغة العلم. فالحركة - والتي هي أساس المسألة التي نتحدث عنها - كمية نسبية. فإن قلت أن الأرض تتحرك فلا بد أن تنسبها إلى شيء ما حتى يصبح قولك معقولاً، فلو تصورنا كوناً فارغاً لا حدود له، ولا يوجد به سوى جرم واحد، فلن نستطيع حينئذ أن نقول أن هذا الجرم ساكن أو متحرك، إذ لا بد أن ننسبه إلى مرجع لكي نقول إنه متحرك بسرعة كذا بالنسبة إلى هذا المرجع، أو إنه ساكن بالنسبة له. ومنذ أن ألغت النسبية الخاصة فكرة الأثير والذي كان يمثل الوسط الساكن والمطلق الذي تتحرك فيه الأجرام السماوية أصبح قولنا إن الأرض تدور حول الشمس مجرد افتراض وجدنا أنه يفيدنا من الناحية العملية أكثر من الافتراض المعاكس، بل إنه حتى في زمن كوبرنكس نفسه "فقد دافع مناصروه عنه أمام الكنيسة بأن النموذج الذي قدمه كان مجرد تحسين رياضي مفيد لتحديد أماكن الكواكب في المجموعة الشمسية وليس تمثيلاً حقيقيا لواقع العالم". لكن الإضافة التي جاءت بها النسبية هي أنها جعلت من قضية مركزية الشمس أو مركزية الأرض مسألة اعتبارية بالضرورة، إذ إن كل شيء في هذا الكون يتحرك بالنسبة لكل شيء فيه ولا يوجد سكون مطلق أو حركة مطلقة كما أوضح ذلك الرياضي والفيلسوف الإنجليزي الشهير برتراند رسل. وخلاصة القول كما يعبر عنه الفيلسوف الإنجليزي-الأمريكي والترستيس إنه "ليس من الأصوب أن تقول أن الشمس تظل ساكنة وأن الأرض تدور من حولها من أن تقول العكس. غير أن كوبرنكس برهن على أنه من الأبسط رياضياً أن نقول أن الشمس هي المركز ... ومن ثم فلو أراد شخص في يومنا الراهن أن يكون "شاذاً" ويقول إنه لا يزال يؤمن بأن الشمس تدور حول أرض ساكنة فلن يكون هناك من يستطيع أن يثبت أنه على خطأ". أ.هـ.
    وقد ظهر الآن فريق من العلماء يعرفون بـ (Neo-geocentric scientists) أو "العلماء الجدد للنموذج الأرضي " و يؤيدون بأدلتهم النموذج الأرضي القائل بثبات الأرض ودوران الشمس. ولذلك لم يجرؤ العلماء على الإجماع بثبوت النموذج الشمسي بطريق الحس والمشاهدة وإن كان لديهم قرائن ليست بأفضل من استحسانهم الرياضي للنموذج. ومع كونه رياضياً فإنهم لم يجعلوا الحساب فيصلاً يقينياً لأن جمهورهم متفقون على أنه لا يلزم من صحة النتيجة الرياضية مطابقتها للحقيقة الفيزيائية الخارجية من كل وجه ، وقد اشتغل الفيزيائي ستيفن هوكنغ ردحاً من الزمن بتفسير ما أسماه الثقوب السوداء بالاعتماد على الرياضيات والمعادلات حتى اغتر هو وكثير من العلماء – فضلاً عن عوام الناس - وكادوا يقطعون بوجود هذه الثقوب لولا أن هذا العالم أعلن قبل عدة أشهر أنه لم يتوصل إلى نتيجة مرضية وأنه لا يوجد ما يمكن الاعتماد عليه للقطع بوجود هذه الظاهرة سوى التخمينات الرياضية. ولنضرب على ذلك مثلاً من فيزياء الكم أو الفيزياء الكمومية والتي اعتبرها العالم الألماني البرت أينشتاين ضرباً من الخرافة لما انطوت عليه من أمور يظن السامع لها أنها تخالف صريح المعقول ، ومع ذلك فالعلماء الملاحدة يؤمنون بأعاجيبها وغراباتها ويستميتون في الدفاع عنها ، أفلا نؤمن نحن بقدرة العزيز الحكيم الخبير العليم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ؟
    النظرية التي أوردها مثالاً هنا تتعلق بالتجربة المشهورة التي افترضها شرودنجر وأسموها فيما بعد بتجربة قطة شرودنجر. وهذه التجربة مثال مشهور على الانفصام بين الصحة الرياضية والواقع الفيزيائي لظاهرة ما ولذلك قال عنها العالم البريطاني ستيفن هوكنج :"كلما سمعت عن قطة شرودنجر مددت يدي نحو المسدس !!" أي يريد أن يقتل نفسه لأن المعادلة تبدو صحيحة رياضياً ولكنها مستحيلة في الواقع فكيف يحصل هذا التناقض المحير؟
    تجربة شرودنجر هذه مبنية على مبدأ الاحتمالات الرياضية. وبإيجاز وتبسيط شديدين تعتمد هذه التجربة على افتراض وجود قطة داخل حاوية مغلقة بها علبة غاز سام وهناك خطاف يتدلى منه مطرقة معلقة فوق هذه العلبة فلو افترضنا أن نسبة احتمال تحرك هذا الخطاف هي النصف 50% بحيث يرخي المطرقة لضرب علبة السم ومن ثم موت القطة لبقي هناك نسبة أخرى كذلك هي 50% تضمن سلامة القطة من موتها بهذا الغاز السام وبالتالي يكون الاستنتاج الرياضي الصحيح هو وجود الاحتمالين معاً لأنه لا يوجد سبب منطقي لإهمال أحدهما وبالتالي فالقطة حية وميتة في نفس اللحظة !! ولكن الشيء المبهر من حيث الواقع الفيزيائي هو أنه لا يمكن أن يكون هناك إلا احتمالا واحدا من احتمالين : إما حية أو ميتة !! فأي التفسيرين أصوب: الرياضي (العقلي) أم الفيزيائي (الحسي)؟
    ومما يجدر التنبيه عليه هو أن اختلاف زمان ومكان الملاحظين مؤثر في الحكم على الأعيان المتحركة التي تشغل زماناً ومكاناً مختلفين كذلك. وهو ما يسمى "بالإطار المرجعي" للأشياء أو (frame of reference). ومن الأمثلة البسيطة التي يضربها أصحاب النظرية النسبية للتمثيل عليها هو وجود ملاحظين يشاهدان قطاراً واحداً هذا في الجهة الأولى من سكة القطار والمشاهد الآخر في الجهة المقابلة من سكة القطار. فالأول يقول القطار متجه إلى اليسار أما الآخر فيجزم باتجاه القطار إلى اليمين ، فأثّر اختلاف مكان الملاحظين في الحكم على الجهة. ومثال أجود منه هو ما لو كان على القطار المتحرك راكب وأطلق رصاصة في اتجاه سير القطار مع وجود من يلاحظه من خارج القطار من فوق جبل أو شاهق – أي في إطار مرجعي مختلف. فالراكب الذي أطلق الرصاصة يجزم بأن سرعة الرصاصة ثابتة وأما الملاحظ الذي يشاهد الحدث من خارج القطار فيجزم بأن سرعة الرصاصة تجاوزت سرعتها الطبيعية بسبب إضافة سرعتها إلى سرعة القطار الذي يسير في ذات الاتجاه ، فتصير السرعة سرعة مركبة. ومنشأ الخلاف هنا هو أن أحدهما متحد مع الحدث في إطاره المرجعي والآخر منفصل عن الحدث في إطار مرجعي مباين ، ولذلك فالثاني يشاهد مالا يشاهده الأول.
    وهكذا الأمر بالنسبة لحركة الشمس. فالعلماء المؤيدون للنموذج الأرضي يشترطون التواجد في إطار مرجعي منفصل عن المجموعة الشمسية بأسرها للوقوف على حقيقة حركتها ومن ثم الحكم عليها حساً بالإثبات أو النفي. وهذا الأمر غير متأت وتبقى الحقيقة الكونية الحسية مجهولة. أما الحقيقة الشرعية فظواهر النصوص دالة على حركة الشمس ولكنها في الوقت ذاته لا تنفي حركة الأرض بل مفهوم ظواهر بعض النصوص قد يدل على حركتها وعدم ثباتها. والآيات والأحاديث دالة على ذلك أوضح دلالة ، ولا يمنع أن يكون كل من الشمس والأرض يدوران حول بعضهما بحيث تتكامل سرعة دورانهما حول بعضهما في سرعة مركبة يظنها المشاهد على الأرض سرعة كوكب الأرض ، وهو رأي لنفر من علماء الفلك. ومع ذلك فمفهومات حشد من الأدلة الشرعية لا تمنع دوران الأرض و حركتها بل يمكن أن تدل على ذلك من جهة المفهوم تارة بدلالة الإيماء والتنبيه وتارة بدلالة الاقتضاء واللزوم. وأما حركة الشمس وعدم ثباتها، بغض النظر عن هيئة هذه الحركة ، فهي ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع العلماء ، لا يرد ذلك إلا زنديق. والخلاصة هنا بيان أن النموذج الشمسي لا يزيد في أحسن أحواله عن كونه نموذجاً مستحسناً وإطاراً عملياً مفضلاً لتفسير حركة الكواكب في المجموعة الشمسية وخاصة بعض الظواهر التي لم يوفق النموذج الأرضي في تفسيرها كظاهرة الحركة التراجعية أو (retrograde motion) لكوكب المريخ. و منهج الأطر العملية المفترضة أو ما يسمى بـ (framework) من خطوات البحث العلمي التي يخضعها أصحابها للاختبار والتمحيص حتى يغلب على الظن صلاحية ذلك الإطار للتفسير.
    والذي اضطرني لوضع هذه المقدمة أمر واحد: ألا وهو أننا لا نزال نجهل الكثير عن ما نعتقد في أذهاننا أننا قد بلغنا النهاية والغاية في إدراك حقيقته ، مع أن هذه الأشياء هي المقدمات التي يترتب على كمال إدراكها صحة النتيجة العقلية الحاكمة على تلك القضية ، ولكن كثير من الناس لفرط استجابتهم لبادي الرأي من أنفسهم يحكمون بالنتيجة قبل استصلاح المقدمات و اكتمالها ، وقد قال الله تعالى (وكان الإنسان عجولا).
    ثالثاً: حقيقة سجود الشمس:
    فباعتمادنا على الحقيقة الحسابية وحدها نحن نجهل كامل الحقيقة الواقعية المشاهدة (الفيزيائية) لحركة الشمس. وبناءً على هاتين المقدمتين يقال: يكفي في سجود الشمس واستئذانها القول بأن عدم العلم ليس بدليل على العدم وهي قاعدة مشهورة وأكثر عمل الجهال على خلافها ، فعدم الوقوف على حقيقة سجودها واستئذانها لا يلزم منه نفي إمكان السجود والاستئذان على الوجه المناسب لها ، ولذلك يقال لمن ارتاب : إذا أوضحت لنا حقيقة سجود الشمس والقمر والنجوم والشجر في قوله تعالى : (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب). نقول إذا استطعت أن توضح لنا حقيقة ذلك فانتقل إلى إيضاح حقيقة الأخص وهو سجود الشمس تحت العرش ذلك أن تفسير الأعم في الجملة أيسر من تفسير الأخص لما يكتنف الأخص من التقييدات والتحرزات التي لا يتفطن لها كثير من أرباب العلوم فضلاً عن عوام الناس. فالجاهل يراها من المستحيلات الممتنعات ، والأعلم منه يراها من المحارات الممكنات ، والناس بين هؤلاء وهؤلاء درجات. والحق أن الله قد اختص كل مخلوق بسجود يناسب هيئته وخِلقته لا يشترك فيه مع غيره إلا بموجب الاشتراك اللفظي لا الاشتراك الفعلي الحقيقي المطابق للفعل والهيئة ، وقد أخبرنا الله تعالى أن الشجر يسجد مع كونه أمام ناظرنا ص وم بل يُقطف ثمره ويُجلس في ظله ، ومع ذلك لا نقول الشجر لا يسجد ، مع أن هذا أدعى للاستنكار لقرب الشجر منا وملامستنا له و رؤيتنا له على الدوام وأكلنا من ثمره. فدل هذا على جهل بني آدم بحقيقة سجود هذه المخلوقات و حقيقة تسبيحها لله عز وجل ، قال تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فحسم الخلاف وقطع الريب والجدال بنفي قدرتنا على إدراك حقيقة التسبيح ، فيصبح السؤال عن ذلك من أشد التكلف. فإذا استقرت هذه المسألة في الأذهان انقطع المستشكل عن بحث ما وراء ذلك والخوض فيه إذ كيف يُتوصل إلى نتيجة صحيحة دون القطع بفهم حقيقة مقدمات تلك النتيجة وهو الأمر المنتفي هنا. ومن المعلوم أن صحة النتيجة هو ملزوم صحة المقدمات و صحة المقدمات هو ملزوم صحة إدراك المقدمات. فاتهام الرأي البشري المتقلب يأتي قبل اتهام الحقائق الخارجية التي لا تتغير ولا تتبدل (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا).
    ما المراد بلفظ الغروب الوارد في الحديث ؟
    الذي يظهر أن معنى "الغروب" قد التبس على قوم فظنوا أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم (أتدري أين تغرب؟) هو التواري التام عن نظر جميع أهل الأرض وأن هذا من لوازم السجود المذكور ولفظ الحديث لا يومئ إلى هذا ولا يدل عليه فضلاً عن أن يكون من لوازم لفظ الغروب. والحق أن المراد بالغروب الذهاب لا الغياب التام كما فسرته لفظة الرواية الأخرى وهو قوله صلى الله عليه وسلم (أتدري أين تذهب؟) وهذا معنى صحيح من حيث اللغة وهو مستعمل عند العرب ، قال ابن منظور "غرب القوم غرباً (أي) ذهبوا" ، كما أن باقي الحديث في روايات فيه "إنها تذهب...". وفائدة لفظة "الذهاب" أنها تتضمن معنى الحركة فما من ذاهب إلا وهو متحرك. صحيح أن الشمس "تغرب" عن نظر قوم ولكن هذا بالنسبة لهم ولذلك يجب التفريق بين حقيقة "الغروب" ومجرد الغروب في "رأي العين" ، كما في قوله تعالى (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) وهذا صحيح برأي البصر لكنها مخالف لرأي البصيرة ، ولذلك نسب المرئي إلى من يراه فقال "وجدها". قال الإمام القرطبي – رحمه الله : (( قال القفال: قال بعض العلماء : ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا وصل إلى جرمها ومسها ; لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض , وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض , بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة , بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق , فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة , كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ; ولهذا قال : " وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم , بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم . وقال القتبي : ويجوز أن تكون هذه العين من البحر , ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها , فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم)) أ.هـ. (7)
    وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله : ((وقوله : " وجدها تغرب في عين حمئة " أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه)) أ.هـ. (8)
    قلت : ومثله قول الناس "غابت الشمس في الأفق" مع أنها لا تغيب في الأفق حقيقة وإنما تتوارى عنا من وراء الأفق لا فيه لأن الشمس أكبر من الأرض بمئات المرات فكيف تغيب في أفق الأرض الصغير جداً ؟ كما أنها خارج محيط الأرض بل تبعد عنها آلاف الكيلومترات فكيف تغيب في الأفق ؟ ومع ذلك نقول غابت في الأفق من باب التجوز لا على وجه الحقيقة.
    فالخلاصة أن المراد بلفظ "الغروب" في الحديث الذهاب والسير والجريان كما هو مفسر في الرواية الأخرى وكما هو مستعمل في لغة العرب وكما هو مستفاد من ظاهر قوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها). فالغروب في حقيقته ليس إلا جريان الشمس وليس للشمس مغرب حقيقي ثابت يتفق عليه أهل الأرض. قال الإمام ابن عاشور – رحمه الله : ((والمراد بـ { مَغْرِبَ الشَّمْسِ } مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمورة من طريق غزوته أو مملكته (أي ذو القرنين). وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل)). أ.هـ.
    و قد بين ذلك عليه الصلاة والسلام فقال :" فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش" كما عند البخار وغيره. ولم يقل عليه الصلاة والسلام أنها "تغرب تحت العرش" أو يقل "حتى تغرب تحت العرش". وهذا وهم استدعاه فهم بعض الناس الذين أشكل عليهم معنى هذا الحديث وهو فهم مردود لأن ألفاظ الحديث ترده. فقوله:"تذهب" دلالة على الجريان لا دلالة على مكان الغروب لأن الشمس لا تغرب في موقع حسي معين وإنما تغرب في جهة معينة وهي ما اصطلح عليه الناس باسم المغرب أو الغرب، والغروب في اللغة التواري والذهاب كما ذكره ابن منظور وغيره يقال غرب الشيء أي توارى وذهب وتقول العرب أغرب فلان أي أبعد وذهب بعيداً عن المقصود.
    والمتأمل يجد أن كل الروايات الصحيحة بلفظ: أين تذهب ؟ عدا رواية واحدة في باب التفسير عند البخاري – وهي التي أثارت الإشكال – بلفظ "أتدري أين تغرب الشمس؟" ، فيكون كل غروب عن أهل كل قطر من لوازم سجودها تحت العرش ، ولحل هذا الإشكال يحمل معنى الغروب في هذا السؤال على ما جاء في أكثر الروايات - وبعضها في الصحيحين - وهو عموم معنى "الذهاب". وهذا هو الأقرب إن شاء الله لأن الشمس لا تستقر بغروبها عن أهل كل قطر وإلا فسد المعنى ، ولذلك وجه العلامة المعلمي الأحاديث الواردة في هذا الباب توجيها حسناً عندما ذكر أن الاستقرار حاصل عند غيابها عن أهل ذلك الوجه من الأرض الذي كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا غيابها عن أهل كل قطر. قال رحمه الله في (الأنوار الكاشفة) :" فأما طلوعها آخر الزمان من مغربها فرأيت لبعض العصريين كلاماً سأذكره لينظر فيه: ذكر أنه يحتمل أن يحدث الله عز وجل ما يعوق هذه الحركة المحسوسة الدائرة بين الشمس والأرض فتبطئ تدريجاً كما يشعر به ما جاء في بعض الأخبار أن الأيام تطول آخر الزمان، حتى تصل إلى درجة استقرار، ويكون عروض هذا الاستقرار بعد غروبها من هذا الوجه من مغربهم. قال: وذاك الموضوع الذي سوف تستقر فيه معين بالنسبة إلى موضعها من الأرض، فيصح أن يكون هو المستقر. قال وكان الظاهر والله أعلم أن يقال (( تحت الأرض )) أي بالنظر إلى أهل الوجه. لكنه عدل إلى (( تحت العرش )) لأوجه: منها كراهية إثارة ما يستغربه العرب حينئذ من هيأة الخلق مما يؤدي إلى شك وتساؤل واشتغال الأفكار بما ليس من مهمات الدين التي بعث لها الرسل، وقد ذكر بعضهم نحو هذا في قوله تعالى ( ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ). ومنها أنه إن كان تحت الأرض عند أهل هذا الوجه فهو فوقها عند غيرهم، أما العرش فذاك الموضع والعالم كله تحته، راجع الرسالة العرشية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها أنه لما ذكر أنه موضع سجودها كانت نسبة السجود إلى كونه تحت العرش أولى ، أقول: فلم يلزم مما في الرواية الثالثة من الزيادة غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة / كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه".أ.هـ. (9)
    إذا تقرر هذا اتضح معنى آخر وهو أن الشمس لا تسجد تحت العرش عند كل غروب تغربه عن أنظار كل بلد ، فإن هذا لبس ينشأ عند من وقف على ظواهر الألفاظ ولم يتدبر ما وراء ذلك من المعاني. ولو أن الشمس تسجد عند كل غروب يراه أهل كل قطر لكانت ساجدة على الدوام ولاستنكر أهل الأرض ذلك ، ولذلك جاءت فائدة الاحتراز من هذا الاحتمال في رواية مسلم: (ثم‏ ‏تجري لا يستنكر الناس منها شيئا) . ثم إني وجدت للعلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله في كتابه "الأنوار الكاشفة" توجيهاً مفيداً لمعنى الحديث ، وحديث سجود الشمس قد طعن فيه أبو ريّة في كتابه المسمى بـ "أضواء على السنة" ، وكان مما سطره المعلمي ضمن ردّه هذه الفائدة الحديثية ، قال - رحمه الله - : (وهناك رواية البخاري عن الفرباني عن الثوري عن الأعمش بنحو رواية أبي معاوية إلا أنه قال: (( تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن.. )) ونحوه بزيادة في رواية لمسلم من وجه آخر عن إبراهيم التيمي وقال: (( حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة.. . )) ، فقد يقال لعل أصل الثابت عن أبي ذر الحديثان الأولان، ولكن إبراهيم التيمي ظنّ اتفاق معناها فجمع بينهما في الرواية الثالثة، وقد يقال بل هو حديث واحد اختصره وكيع على وجه وأبو معاوية على آخر، والله أعلم) إلى أن قال في آخر كلامه (أقول: فلم يلزم مما في الرواية الثالثة من الزيادة غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه).أ.هـ.(10)
    قلت : وهذا يدل على أن الاختصارات والروايات بالمعنى مؤثرة في فهم دلالات الأحاديث فربما فهمت على ظاهرها فأشكلت أو ربما أشكلت على انفرادها ولكن فُهِم المراد منها بمجموع أحاديث ذلك الباب لتوافر التقييد للمطلق أو التبيين لمجمل أو التخصيص لعام أو الإتمام لمختصر لا يستقيم المعنى على كماله بأخذه لوحده وهكذا.
    إذا علم هذا فإن الشمس إنما تسجد مرة واحدة وذلك عند محاذاتها لباطن العرش ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (1/70-71)، قال - رحمه الله - :" إذا علم هذا فإنه حديث لا يعارض ما ذكرناه من استدارة الأفلاك التي هي السموات على أشهر القولين، ولا يدل على كرية العرش كما زعمه زاعمون قد أبطلنا قولهم فيما سلف (11) ، ولا يدل على أنها تصعد إلى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش، بل هي تغرب عن أعيننا، وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه، وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التسيير‏.‏ وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس - وهو الكسوفات - ما يدل عليه ويقتضيه، فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه، وهو وقت نصف الليل مثلاً في اعتدال الزمان، بحيث يكون بين القطبين الجنوبي والشمالي، فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لأنه مقبب من جهة وجه العالم، وهذا محل سجودها كما يناسبها‏". أ.هـ.
    ويؤيد هذا قول الحافظ ابن حجر في الفتح (8/689 ، ط. دار السلام) ، قال – رحمه الله - : "وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري . والله أعلم" أ.هـ.(12)
    قلت: وقول الحافظ (كل يوم وليلة) أي كل أربع وعشرين ساعة وهي فترة دوران الشمس حول الأرض دورة كاملة (أو على قول من يؤول الأدلة ويرى ثبات الشمس: فترة دوران الأرض حول نفسها دورة كاملة). فمعنى ذلك أنها تسجد حال انقضاء دورة واحدة ، ومكان أو حد الانقضاء هذا هو السمت الأرضي الذي تحاذيه الشمس. فعند محاذاتها لباطن العرش فإنها تكون عندئذٍ مقابل سمت من الأرض يحدث عند مقابلته السجود المذكور. ولكن هذا السمت أو المنتهى - كما قال الإمام ابن عاشور- لا قِبَل للناس بمعرفة مكانه. قال - رحمه الله - في "التحرير والتنوير" (9/23/ 20-21) في تفسير قوله تعالى "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم": (وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعاً لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي) أ.هـ.
    قال الحافظ – رحمه الله - في الفتح (8/688 ، ط. دار السلام) في شأن المحاذاة التحتية: (وأما قوله " تحت العرش " فقيل هو حين محاذاتها . ولا يخالف هذا قوله : ( وجدها تغرب في عين حمئة ) فإن المراد بها نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب). أ.هـ.
    ومراد الحافظ أنها ليست تحت العرش بمعنى أنها تخرج عن فلكها و تزول عن مكانها حتى تكون تحت العرش وإنما تحاذي العرش من فلكها التي هي فيه كما يحاذي الطائف بالكعبة المشرفة ركن الكعبة مع بعده عنه. إلا أنه قد صرّح بخروجها عن مجراها الإمام ابن العربي ، نقل كلامه الحافظ في الفتح (8/688) ثم تعقبه في موضعه وقال: " إن أراد بالخروج الوقوف فواضح ، وإلا فلا دليل على الخروج ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة ، أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين"أ.هـ. وقال الحافظ ابن كثير في البداية (1/70) :"ولا يدل (الحديث) على أنها تصعد إلى فوق السماوات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش ، بل تغرب عن أعيننا ، وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه ، وهو الرابع ، فيما قاله غير واحد من علماء التسيير". أ.هـ.(13)
    وهذا السمت أو المنتهى المعبر عنه في الحديث بحرف المعنى "حتى" للدلالة على الغاية والحد فهو كالسمت (ولا أقول هو السمت ذاته) الذي نصبه الجغرافيون على الخارطة الأرضية ويسمونه خط الطول الممتد من أقصى شمال الأرض إلى أقصى جنوبها. فإذا حاذت الشمس هذا السمت الذي هو منتهى سيرها اليومي مع محاذاتها في ذات الوقت لمركز باطن العرش فإنها تسجد سجودا على الكيفية التي لا يلزم منها أن توافق صفة سجود الآدميين وعلى هيئة لا تستلزم استنكار الناس من أمرها شيئا كما جاء في الحديث (ثم ‏ ‏تجري لا يستنكر الناس منها شيئا).
    وأما من جهة الدلالة اللغوية و الشرعية للحديث فإن السجود في اللغة يأتي بمعنى الخضوع كما ذكره ابن منظور وغيره. وحمّله – بتشديد الميم - بعض المفسرين المذكور في قوله تعالى في آية الحج:" ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء " قال ابن كثير رحمه الله :" يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود كل شيء مما يختص به" أ.هـ. وعليه فسجود الشمس مما يختص بها ولا يلزم أن يكون سجودها كسجود الآدميين كما أن سجودها متحقق بخضوعها لخالقها وانقيادها لأمره وهذا هو السجود العام لكل شيء خلقه الله.
    ولكن لو قال قائل:"هل تنتفي صفة السجود عن الشمس إذا كانت لا تسجد إلا تحت العرش فلا تكون خاضعة إلا عند سجودها تحت العرش وفي غير ذلك من الأحايين لا تكون؟
    والجواب أن الشمس لها سجدتان: سجود عام مستديم وهو سجودها المذكور في آية الحج السابقة و آية النحل (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ) مع سائر المخلوقات ، وسجود خاص يتحقق عند محاذاتها لباطن العرش فتكون ساجدة تحته وهو المذكور في الحديث وفي كلا الحالين لا يلزم من سجودها أن يشابه سجود الآدميين لمجرد الاشتراك في لفظ الفعل الدال عليه. ومن أمثلة ذلك أن مشي الحيوان ليس كمشي الآدمي وسباحة السمك والحوت ليست كسباحة الإنسان وهكذا ، مع أنهم يشتركون في مسمى الفعل وهما المشي والسباحة.
    ومع أن الشمس و المخلوقات بأجمعها تحت العرش في كل وقت إلا أنه لا يلزم أن تكون المخلوقات بأجمعها مقابلة لمركز باطن العرش لأن العرش كالقبة على السماوات والمخلوقات ، والشمس في سجودها المخصوص إنما تحاذي مركز باطن العرش فتكون تحته بهذا الاعتبار كما أومأ إليه ابن كثير في البداية والنهاية بشأن المحاذاة التحتية للعرش، قال – رحمه الله- في البداية (1/70-71): " فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه، وهو وقت نصف الليل مثلاً في اعتدال الزمان، بحيث يكون بين القطبين الجنوبي والشمالي، فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لأنه مقبب من جهة وجه العالم، وهذا محل سجودها كما يناسبها". أ.هـ.
    ولذلك لا يجوز أن يكون العرش محيطاً بكل شيء لأن الله وحده هو المحيط بكل شيء. فلا شيء في المخلوقات أعظم من العرش ولا شيء أعظم من العرش إلا الله سبحانه ، فليزم من هذا لحوق النقص بإحاطة العرش.
    والخلاصة أن سجود الشمس على المعنى الذي ذكرناه غير ممتنع أبدا ولا يخالف الحديث صريح العقل إنما قد يخالف ما اعتاد عليه العقل وألفه من الممكنات وهذا ليس بمعيار تقاس به الممكنات الكونية فضلاً عن الممكنات الشرعية لأن الله على كل شيء قدير ولأن المألوفات نسبية باعتبار منشأ الناس واختلاف عقولهم وعلومهم. والسامع مثلاً لما تخرج به فيزياء الكم من المحارات والأسرار كمبدأ اللاحتمية لهايزنبرج وتجربة شرودنجر ونظرية العوالم المتناظرة وغيرها من الظواهر– وإن كان هذا ليس موضع تفنيدها - يوقن بأن لله حكمة بالغة يطلع من يشاء عليها ويستأثر بما يشاء عنده، قال تعالى:"ويخلق ما لا تعلمون" ، وقال تعالى:"والله يعلم وأنتم لا تعلمون" ، وقال:"وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً". والإنسان الأصل فيه الضعف والظلم والجهل وهذه كلها من موانع العلم أو موانع الانتفاع به. ولذلك قال الله تعالى:"وخلق الإنسان ضعيفا" وقال في آية الأحزاب:"إنه كان ظلوما جهولا". ولذلك فالعقلاء من بني آدم يسعون على الدوام لدفع تلك النقائص عن أنفسه بطلب أضدادها وهي القوة والعلم والعدل ، فإن انكشف له من طريق ذلك شيء من المعارف فهذا بتوفيق الله ، وما استغلق و خفي ودق على بني آدم من ذلك فلله الأمر من قبل ومن بعد. وكما قدمنا فإن سجود الشمس لا يستلزم توقفها ووقوفاً يحصل بسببه استنكار الناس و هو اللبس الذي أزاله صلى الله عليه وسلم بقوله:" فتصبح طالعة من مطلعها ثم ‏ ‏تجري لا يستنكر الناس منها شيئا" وحرف "الفاء" في قوله "فتصبح" للتعقيب الذي بدوره يفيد معنى السرعة والموالاة ومن لوازم السرعة تقلص الوقت وضآلته فيكون سجودها حاصل في وقت قصير للغاية ولو في جزء من أجزاء الثانية يضمحل في فرق الثمان دقائق الذي تستغرقه رحلة الضوء من الشمس إلى الأرض ، والثمان دقائق عبارة عن 480 ثانية فهل يمتنع حصول سجود من الشمس في هذه الفترة ؟ بل إن سجودنا في جميع الصلوات الخمس لا يبلغ مجموع فترته 180 ثانية في غالب الأحوال مع أنه يصح أن يحصل فعل السجود بإيقاع سجدة واحدة ويسمى فاعلها ساجداً حتى ولو لم يسجد إلا بتسبيحة واحدة صح أن يسمى سجوداً عند الحنابلة ، بل حتى ولو لم يطمئن في سجوده ذلك لصح أن يسمى سجودا وفاقاً للحنفية.
    ولو قال قائل:"نقبل منك صحة السجود دون أن يلزم منه وقوف الشمس ولكن الشمس لابد أن تقف لأن هذا لازم الخرور والاستئذان وإن لم يكن لازم السجود؟" والجواب عليه:
    حتى لو لزم من الخرور والاستئذان توقف الشمس فإنه لا يلزم من ذلك وقوفها وقوفاً يلاحظه الناس كما قدّمنا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:" ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا ". كما أن في الحديث نكتة ربما خفيت على البعض وهي أن مقدار وقوفها لم ينص عليه الحديث ولذلك فلا يمنع أن يكون وقوفها للخرور والاستئذان حاصل في وقت ضئيل للغاية يضمحل في فرق الثمان دقائق الذي يفصل بيننا وبين الشمس فلا يمكن ملاحظة فترة السجود حينئذٍ. هذا للشخص الملاحظ ، فكيف بالبشرية المشغولة بضيعات الدنيا ليلاً ونهاراً. وهذا ممكن و صحيح شرعاً وعقلاً وطبعاً. فنجد أن الذي يسجد بتسبيحة واحدة قد صح منه السجود وأجزأه كما لو سجد آخر وأتى بأكثر من ألف تسبيحة ، والشاهد أن السجود وما يترتب عليه من خرور ويتبعه من استئذان لا يلزم من ذلك كله أن نخرق له مقداراً معيناً من الوقت أو هيئة مجعولة اعتماداً على المستقر في معهودنا الذهني ومألوفنا الطبعي ، لأن الحديث أبهم المقدار الزمني لهذه الأفعال ولذلك فلا يمنع حدوثها في وقت قصير للغاية كما ذكرنا. وعلى الذين يتخرصون لسجود الشمس تطويلاً ملحوظاً أن يأتوا بالدليل المقيد لإطلاق الحديث المعيِّن لمبهمه ، مع أن الدليل يعوزهم ولا دليل عندهم سوى الظن المجرد من القرائن القويمة ، وهذا هو الظن المذموم الذي ذمه الله في القرآن (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس).
    هذه مسألة ، أما المسألة الثانية فهي أنه لا يلزم من خرور الشمس وكذا الارتفاع كما في الحديث عند مسلم:"حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت" ، أقول لا يلزم من خرور الشمس أن تنزل نزولاً أو ترتفع ارتفاعاً ينشأ بسببه استنكار الناس ، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفى هذا اللازم المتوهم عندما نفى ملزومه فقال ( ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا) ، فلما نفى المُسبَّب – بضم الميم وفتح الباء المعجمة الأولى – الذي هو استنكار الناس استلزم ذلك نفي ما يسببه وهو ظهور ما يثير الاستنكار من أمر سجود الشمس.
    إذاً فالحديث أطلق كما هو ظاهر ولم يذكر مقدار مسافة الخرور ولم يعين مقدار مسافة الارتفاع بل لم يتعرض لوصف كيفية الخرور كما أنه لم يعين مقدار زمن سجودها. ولنضرب على ذلك مثالاً: أليس يصح السجود بالإيماء البسيط الذي لا يكاد يرى من المريض الذي لا يستطيع الحراك؟ فهذا الذي يومئ بالسجود إيماءً يصح سجوده ويقع ويسمى سجوداً مع مخالفته للعزيمة (14) المستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة ، و اليدين ، و الركبتين ، و أطراف القدمين ، و لا نكفت الثياب ، و لا الشعر). فكيف إذا علمنا أن سجود الشمس بطبعه مختلف ويرد على صفته وهيئته من الممكنات والاحتمالات ما لا يرد ولا ينطبق على سجود الآدمي وما يغاير به سجود غيرها من المخلوقات ، وقد قال الله تعالى عن مخلوقاته (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون) والشاهد منه قوله تعالى (كلٌ قد علم صلاته وتسبيحه) تنبيهاً على اختلاف طرق مخلوقاته في العبادة وذلك أنه لما أضاف صلاةً وتسبيحاً لكل واحد من مخلوقاته وجعلها نكرات مضافة دل ذلك على اختصاص كل نوع منها بصلاة وتسبيح يمتاز به عما سواه من المخلوقات ، قال ابن كثير رحمه الله (أي كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل ). والآية تتضمن الشمس وقد أرشدها الله إلى طريقها ومسلكها في عبادتها إياه عز وجل ، فالشمس أعلم بأمر عبادتها كما أن ابن آدم أعلم بأمر عبادته ، قال الطبري رحمه الله (قد علم كل مصل ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه وألزمه) ، ولذلك ختم الآية بعلم الله لكل ذلك وفيه إشارة ضمنية إلى أن الله تعالى هو العالم بحقائق هذه الأمور دون غيره فقال: (والله عليم بما يفعلون).
    ولكن هنا إشكال وارد: وهو أنا لو سلمنا بأن السجود يحتاج إلى زمن معين ، ولو أجزاء ضئيلة من الثانية ، فإن حاصل تراكم هذه الأوقات سيظهر أثره مع انقضاء الأزمان ، فما الجواب ؟
    الجواب ومن الله العون أن يقال هنا ثلاثة أمور ينبغي التنبه لها:
    1- أني لم أجزم بأن هذا هو المخرج الأوحد لبيان عدم الامتناع ، وإلا فقد تسجد باعتبار آخر غير اعتبار الثوان وأجزاءها إلا أنه متى حصل بيان عدم امتناع ولو من طريق واحد ، لم يلزم بيان عدم الامتناع من سائر الطرق ، لأنه قد حصل المطلوب.
    2- عن أي جزء من الثانية نتحدث ؟ اعلم رحمني الله وإياك أن أجزاء الثانية لم تكتشف كلها بعد ولذلك لما اكتشفت وحدة "النانو" ثانية لم يكن يخطر ببال من في ذلك الوقت إمكانية اكتشاف وحدة "الفمتو" ثانية وهي الوحدة التي توصل إليها مؤخراً العالم المصري أحمد زويل وزملائه ، فلا يمنع أن يكون هناك وحدات زمنية أقل وأقل ولكن يمنع من اكتشافها ضعف الإمكانات البشرية. ومن المعلوم أن الملائكة تقطع المسافة الهائلة بين السماء والأرض في وحدات زمنية قصيرة جداً قد يستحيل على العقول إدراكها مما يدل على وجود وحدات زمنية أقل بكثير من وحدة "الفمتو" الثانية وكما قال الله تعالى (وفوق كل ذي علم علــيم).
    3- تقرر في علم الفلك مسألة مهمة - و هي من أهم ما في الموضوع - تتعلق بسرعة دوران الأرض (أو الشمس لمن يتأول الأدلة تمشياً مع الكشوفات العلمية) وهو أنها تتباطأ بأجزاء ضئيلة للغاية من الثانية كل يوم وهذا التباطؤ وإن عبر عنه العلماء بأنه كل كذا عدد من السنين إلا أنه يمكن توزيع هذا العدد وتقسيمه على عدد الأيام. وعليه فهذا التباطؤ المستمر مع مرور الوقت يمنع إمكانية إدراك الآثار التراكمية لأجزاء الثانية ، لأن التباطؤ يلغي أثر التراكم وهكذا ، فيكون هناك تناسباً طردياً بين الاثنين: كلما تباطأ الدوران كلما زاد فرق المسافة الضوئية التي تساعد على اضمحلال فرق الثوان بين الشمس والأرض. ويسمي العلماء هذه الظاهرة (Earth's rotation slowing down) ، ونقلاً عن إحدى المواقع المتخصصة (15) يقول العلماء:
    roughly only by 2 milliseconds since 1820 ) ( The rotation has slowed أي: "منذ عام 1820م تباطأت سرعة دوران الأرض بمقدار 2 ميللي ثانية". ولذلك يكون القول بظهور أثر التراكم صحيحاً في حالة ثبات سرعة الدوران لكل من الشمس أو الأرض ، فعند الثبات يظهر الفرق مع مرور الوقت أما مع وجود هذا التفاوت الذي يلغي فرق التراكم فحتى العلماء لا يستطيعون ملاحظته بالحس والتجربة لأن عملية التعويض بسبب التفاوت مستمرة لا تنقطع وكأنه يخيّل إلى الملاحظ المتابع أنه لا يوجد أي فرق على الإطلاق. والأمر الآخر الذي يجدر التنبيه عليه هو أن الأرض لها محور تميل عليه مع مرور الفصول الأربعة ، وهذا الميل المتدرج يسمح بإحداث فروقات متفاوتة- وإن كانت يسيرة - للمسافة الضوئية التي يقطعها الضوء القادم من الشمس ، فتكون المسافة أبعد ما تكون في الشتاء وأقرب ما تكون في الصيف ، و هذا التفاوت يقتضي اختلافاً وهو لفظ القرآن كما في قوله تعالى (واختلاف الليل والنهار) ، وهو العليم بمقدار هذا الاختلاف ، قال تعالى (والله يقدّر الليل والنهار).
    ولذلك فسجود الشمس لا بد وأن يحصل على هيئة لا تسترعي استنكار الناس ، كما في الحديث. إلا أن بعض الجهلة يريد ما لا يخالف حسه هو فيريد السجود سجوداً مشهوداً كما هو سجود الآدمي المطمئن في الصلاة المفروضة. ولذلك قرر بعض العلماء أن الشمس تسجد وهي "سائرة" دون توقف ، كالحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ، واستدل بقراءة ابن عباس : (والشمس تجري لا مستقر لها) والقراءة المشهورة هي: (والشمس تجري لمستقر لها) . فقال: على القراءة الأولى تسجد وهي سائرة ، إلا أن البعض أشار إلى شذوذ هذه القراءة. أستغفر الله من الزلل والخلل ، والحمد لله رب العالمين.
    فائــدة:
    قال الحافظ في الفتح (8/688) : "ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة , أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين" أ.هـ.

    قلت: هذا ممكن ، والتعبير عن سجود الشمس بسجود الملائكة نوع من أنواع المجاز المعروف بـ "إطلاق السبب على المسبب" ، وهو أقسام كذلك ، والذي ذكره الحافظ هو من قسم "السبب الفاعلي". كقولهم : "نزل السحاب" والمراد حقيقةً المطر لا السحاب (16) . والاحتمال الثاني وهو السجود بصورة الحال يسيغه استعمال العرب ودلت على نظائره آيات كثيرة كآيتي الحج والنحل وسبق إيرادهما.
    هنا ينتهي ما كتبته وأستغفر الله العظيم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.


    كتبه: عبدالله بن سعيد بن علي الشهري

    ============================== ==========
    (1) قال الكرابيسي : حدث عن زيد بن وهب قليلاً أكثرها مدلسة. (تهذيب التهذيب : 1/160 ، ط. العلمية). قلت: إبراهيم التيمي قد وثقه من هو أحذق ، وثقه ابن معين وأبو زرعة ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث. و أخرج له الشيخان. ثم إنه إن دلس عن زيد بن وهب أحاديث فإن حديث سجود الشمس ليس منها ومعلوم طريقة البخاري ومسلم في الانتقاء من أحاديث المجروحين جرحاً لا يخرجهم عن مطلق العدالة والضبط. إلا أن الحافظ عاد فقال في تقريب التهذيب (ثقة إلا أنه يرسل ويدلس) وكأنه اعتمد على مقالة الكرابيسي. قال صاحبا تحرير تقريب التهذيب (ص103) استدراكاً على الحافظ (قوله يدلس وهم منه فإن أحداً لم يصفه بذلك بل لم يورده هو في طبقات المدلسين) أ.هـ. قلت: وصفه الكرابيسي كما ترى ولعل مرادهما من يعتد ويوثق بقوله من أئمة الحديث.
    (2) السلسلة الصحيحة رقم 109 .
    (3) أخرجه مسلم.
    (4) البخاري ومسلم.
    (5) في بحث مقدم للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
    (6) من كبار علماء الفيزياء الفلكية في القرن الواحد والعشرين.
    (7) الجامع لأحكام القرآن (13/370) ، مؤسسة الرسالة.
    (8) تفسير القرآن العظيم (9/ 185) ، دار عالم الكتب.
    (9) الأنوار الكاشفة ، ص 294 – 295 ، عالم الكتب.
    (10) الأنوار الكاشفة ، ص295 ، ط. عالم الكتب.
    (11) وهو قول شيخه أبو العباس ابن تيمية رحمه الله. إلا أن ظاهر كلام الحافظ ابن كثير في مقدمة البداية (1/ 3) ربما عارض ظاهر قوله هنا ، قال رحمه الله في معرض ثناءه على الله عز وجل في مقدمة بديعة:"وسوى فوقهن سريراً ، شرجعاً عالياً منيفاً متسعاً مقبباً مستديراً ، وهو العرش العظيم". أ.هـ. قلت: ولعل مراده استدارة الانحناء كالقبة لا استدارة التكوير المحيط بكل شيء. بقرينة أنه قال في موضع آخر (1/ 70):" فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لأنه مقبب من جهة وجه العالم". أ.هـ.
    (12) وللحافظ في الفتح (6/ 360 ، ط. دار السلام) فائدة لطيفة حول حركة الشمس المذكورة في الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق (رقم 3199) ألا وهي قوله: "وظاهره (أي نص الحديث) مغاير لقول أهل الهيئة إن الشمس مرصعة في الفلك ، فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجري. ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى (كل في فلك يسبحون) يس: 40" أ.هـ.
    قلت: وعلماء الفلك اليوم متفقون على ما ذكره الحافظ ، فهنيئاً لابن حجر هذا الفقه السليم ، وهو قبل ذلك كله سبق للقرآن المعجز في نظمه ولفظه ومعناه ، فثبتنا الله على هذا الدين القويم وصراطه المستقيم حتى نلقاه.
    (13) في الفلك الرابع أي من حيث الترتيب والبعد عن الأرض فإن الأرض الكوكب الأول وعطارد الثاني والزهرة الثالث والشمس الرابعة ، وهي عند الفلكيين من مجموعة النجوم المتوهجة وليست كوكب. وكلام الله يؤيد ذلك فقد أفرد للكواكب في سورة الانفطار وصف غير ما أفرده للشمس في سورة التكوير ، ومفهوم هذا التفريق المغايرة. قال تعالى: "إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت" وقال في التكوير:"إذا الشمس كورت"، فعبر بالتكوير للشمس و النثر للكواكب. وأوضح منه في التفريق قوله تعالى:"فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين" وقال عن الشمس:"فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون" ، ففرق بين الكوكب والشمس التي هي من فئة النجوم المتوهجة. ومع ذلك قد ورد في بعض الأحاديث التعبير عن النجم بالكوكب ففي حديث السبعين ألف قول الصحابي:"من منكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة" والكوكب هنا نجم لأنه ينقض. والله أعلم.
    (14) المراد بالعزيمة هنا الحكم الوضعي المقابل للرخصة. (مذكرة في أصول الفقه ، الشنقيطي ، ص59 ، ط. دار العلوم والحكم).
    (15) انظر الموقع على الشبكة: http://novan.com/earth.htm
    (16) شرح الكوكب المنير ، ص158 ، مكتبة العبيكان.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد بن غالب السالمي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي ملف أكروبـات

    الملف لمن أراد تحميله ، وأرحب بالنقاش وإبداء الرأي من قِبل الإخوة الفضلاء.
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  3. #3
    الحمادي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,775

    افتراضي


    مرحباً بك وأهلاً أخي أبا شهد
    سعدت برؤية اسمك هنا؛ نفع الله بك

    تنبيـه:
    آخر هامش (شرح الكوكب ص158) يبدو أنه سقط من هنا رقم الجزء، وصواب الإحالة (1/158)

    يسرني متابعتك لصفحتي على الفيسبوك
    http://www.facebook.com/profile.php?...328429&sk=wall

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي

    أسعدك الله يا شيخ عبدالله. وجزاك الله خيرا على التنبيه ، وزادني الله وإياك والإخوة من خيرالعلوم النافعة.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي رد: رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)

    وجدت هذا الكلام المفيد لابن تيمية اذكره ، قال رحمه الله ((والسجود من جنس القنوت ، فإن السجود الشامل لجميع المخلوقات هو المتضمن لغاية الخضوع والذل ، وكل مخلوق فقد تواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته ، ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ، ووضع الجبهة في رأس مدور على التراب ، فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان ، ومن الأمم من يركع ولا يسجد ، وذلك سجودها ، كما قال تعالى (وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة) وإنما قيل ادخلوه ركعاً ، ومنهم من يسجد على جنب كاليهود ، فالسجود اسم جنس ، ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد كما في لفظ القنوت)) أ.هـ. [1]
    ============================== ========
    [1] رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى ، ص 27-28 ، ضمن جامع الرسائل ، ت. د. محمد رشاد سالم - رحمه الله ، دار العطاء.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    80

    افتراضي رد: رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)

    بارك الله فيك ياشيخ عبدالله

    وجزاك الله عنا خير الجزاء.

    على هذا البحث القيم المفيد.

    وفي كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- الحل لجزء كبير من الإشكال-مع اختصاره- في هذه المسألة وفي غيرها مما يماثلها.

    فلله دره من عالم حاذق فقيه.

  7. #7
    عدنان البخاري غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    المملكة العربية السعودية - مدرس بدار الحديث بمكة
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)

    بارك الله فيكم... عندي تعقبٌ يسير لعلِّي أفرغ لكتابته فيما بعد
    وجزاكم الله خيرًا على الإفادة
    مدرّس بدار الحديث بمكة
    أرحب بكم في صفحتي في تويتر:
    adnansafa20@
    وفي صفحتي في الفيس بوك: اضغط على هذا الرابط: عدنان البخاري

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي رد: رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)

    جزاكم الله خيرا ، مروركم لم يخل من فائدة ، وأرجو أن يحصل النفع المرجو بقراءته.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي رد: رفع اللبس عن حديث سجود الشمس (زيادات جديدة ، وعلى ملف أكروبات)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عدنان البخاري مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيكم... عندي تعقبٌ يسير لعلِّي أفرغ لكتابته فيما بعد
    وجزاكم الله خيرًا على الإفادة
    في انتظار تعقبكم اليسير ، لتعم الفائدة بإذن الله تعالى.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •