وقفات مع محمود درويش
***
بقلم الناقد والأديب الكبير د.عدنان النحوي
نقلا عن رابطة أدباء الشام
http://www.odabasham.net/show.php?sid=20668

***

ووري في يوم الأربعاء 12/8/1429هـ ( الموافق : ( 13/8/2008م) جثمان محمود درويش الثرى قرب قصر الثقافة في رام الله بعد تشييع رسمي وشعبي له في فلسطين في باحة مقر رئاسة السلطة الفلسطينية . ونقل عدد من الوسائل الإعلامية خبر وفاته وخبر نقله إلى مثواه الأخير في فلسطين ، وشارك في تلك المناسبة كثيرون في مسلسل من مسلسلات الانحراف عن الطريق القويم من خلال الكلمات التي ألقاها عدد كبير من رجالات الدولة وغيرهم ، حيث وصفه أحدهم بقوله : " إن الشعب الفلسطيني يعيش حالة يأس وحزن شديد لرحيل الشاعر الذي ساهم بشكل كبير في صياغة الرؤية الفلسطينية " ولا ندري أية رؤية يقصد ، هل تلك الرؤية التي حاول أن يصوغها من خلال كتاباته ونثرياته التي رددها البعض أنه من الشعر العربي وما هو بالشعر .
هنا في هذه السطور أحببت أن أذكر الكثيرين من أبناء المسلمين وخاصة من فلسطين ـ وكما كتبت ذلك في عدد من كتبي ـ أن الرجل لم يكن سوى واحد من أولئك الذين دافعوا وكافحوا من أجل تثيبت الهوية العلمانية واليهودية في فلسطين وبين المسلمين عامة ، وهو صاحب الأفكار اليسارية وعضو الحزب الشيوعي اليهودي الذي أراد من خلال المهمة المنوطة به أن يلعب دوراً كما رسمته له القوى المعادية للإسلام ، وقد أدى هذا الدور على أكمل وجه من خلال كتاباته وكتبه ولقاءاته ، وسعى الإعلام العربي بتصويره لنا كأنه صلاح الدين محرر القدس وديار المسلمين ، ولكن هيهات ! هيهات !
يقول ـ الشيخ الدكتور عبد الله عزام ـ رحمه الله في حديثه عن الاتجاهات اليسارية في حركة تحرير فلسطين وما يقومون به من دور خبيث في قتل وقمع المسلمين من أبناء فلسطين في داخل منظمة التحرير الفلسطينية ، حيث يقول: " وأُقرّ أني طُلِبتُ لمحاكمة عسكرية لأنني انتقدت جيفارا ... " ويقول رحمه الله كذلك في موقف آخر : " لتبجُّح أهل الباطل وانتفاشهم وانتفاخهم أن عدد المسلمين كان قليلاً في منظمة فتح . ولقد كانت المنظمات اليسارية تسبُّ الله ورسوله عمداً أمامنا ليغيظونا ، فكانت كلمة السرّ في الليل أثناء الحراسة شتم الله أو النبي أو الدين " . والسؤال هنا للشيخ عبد الله عزام رحمه الله ومن معه : لماذا دخلتم في هذا النهج والخط وتعاونتم معه سنين طويلة ، وقدّمتم له الدعم الكبير ؟!
ويذكر الشيخ عبد الله عزام بعض الأسماء التي برزت في فلسطين في الحزب الشيوعي ، ونعيد بعض ما يرويه هنا للذكرى والعبرة والتأمل ، ولمراجعة حساباتنا ومسيرتنا ومواثيقنا : " وأبرزت اليهودية الشيوعية " إميل توما " سكرتيراً لنقابة العمل الشيوعية في حيفا و " إميـل حبيبي " سكرتيراً لهـا في الناصرة ، و" فؤاد نصر " سكرتيراً لها في يافا . وكان الجميع يطالبون بإقامة دولة لليهود في فلسطين . وكان محمود درويش وسميح القاسم يحملان العلم اليهودي الإسرائيلي في مؤتمر صوفيا الدولي ! وكان هؤلاء كلهم يقولون عن اليهود " شعب له حق الحياة كما لنا حق الحياة " ! وأقـول أيضاً هذا ما نصّ عليه صلاح خلف في كتابه " فلسطيني بلا هوية " . وهذا ما ردّده كثير من الفلسطينيين والعرب . فلماذا كان القتال إذن ؟! وهنا أعيد السؤال نفسه للشيخ ولجميع المسلمين الذين غذّوا هذا النهج ودعموه وأيدوه ، لماذا ؟!
لاشك أنها تجربة مرَّة في غاية المرارة . فهل نقل عبد الله عزام رحمه الله تجربته هذه إلى المسلمين ؟! وهو لم يخض هذه التجربة وحده ، فلقد خاضها أعداد تحطَّمت أحلامهم على نتائج هذه التجربة . ولكنها تظل تجربة غنية تعلّم المسلم معنى التعاون الذي يجيزه الإسلام والذي لا يجيزه . تعلَّمه معنى الولاء بين المؤمنين . فقد خضع هذا النَّفر من المؤمنين لنظام منظمة التحرير ، وقسوته عليهم وإذلاله لهم ، بينما لم يتحَّمل المؤمنون بعضهم بعضاً ، فدنا عدوُّ ونأى صديق . واختلطت الشعارات والمبادئ والموازين ، واضطرب صفُّ المؤمنين في صراع وخصام وتمزّق .
تُعلّمنا هذه التجربة أن محمود درويش ورفاقه عَمِيتْ أَبْصارهم عن رؤية الحقيقة حين قالوا عن اليهود إنه شعب له حق الحياة كما لنا حق الحياة ، عَمِيَتْ أبصارهـم عن رؤية الحقيقة مِنْ أنَّ اليهود أَخذوا ونالوا حقَّ الحياة في أَرض ليست لهم ، وأننا نحن خسرنا وحُرمنا حقَّ الحياة في أرض هي لنا . والذي يثير العجب والذهول أن يردّد هذا الكلام الذي يقوله محمود درويش ورفاقه آخرون ، ويؤمن به آخرون دون أَن يعلنوه ، من الذين يعطفون على اليهود وحقِّ اليهود ، وهم ينتسبون لنا ، ويتظاهرون بأنهم يعرفون مأساتنا ومعاناتنا وهول الظلم الواقـع علينا . ولكن هذه التصريحات لا تحمل إلا العطف على اليهود المعتدين ، وإلا تأييد الظالمين ، وإلا تجاهل ما يقع علينا. وأعجب من ذلك أنَّ بعض الدعاة المسلمين أخذوا يُمجِّدون محمود درويش وأمثاله في مجالسهم وفي مجلاتهم الأدبيَّة قبل هلاكه وبعد هلاكه!(1)
ويقول محمود درويش ، كما يذكر عبد الله عزام في كتابه حماس : " ... وفي سنة 1961م دخلت الحزب الشيوعي ، فتحدَّدت معالم طريقي " . فلا عجب أَن تسمعه شاعراً تتغنّى به الصُّحُف العربيّة وهو يقول شعره : " نامي فعين الله نائمة عنا وأسرار الشحارير . " (2)
من هذه المقتطفات والنصوص ، ومن هذه المواقف والأحداث ، ومن هذه العلاقات والارتباطات ، يدرك كلُّ مسلم عرف دينه إيماناً وعلماً ، أَن العلاقات لم يكن ينظّمها " التوحيد " بقواعده وأسسه ، ولم يكن يضبطها ويوجهها ، وظلت العلاقات الشخصية تبرز في إطار واضح على شكل ما يسميه بعضهم بالأحلاف الوطنية ، الأحلاف التي أَصبح للمسلمين تجارب كثيرة مريرة فيها ، تجارب لم يكن يستفيد منها إلا الفكر اليساري وحده . قد نعلن أَن ولاءنا لله ، ولكننا في واقع الممارسة يضطرب الميزان في أيدينا ، فلا يعود التوحيد والإيمان وقواعدهما هي التي تحدِّد الولاءات ، ولا هي التي تحدِّد الحبَّ أو البغض ، ولا هي التي ترسم العهود والمواثيق . ولم يعد التوحيد بصورته القرآنية هو الذي يحدِّد المواقف والاتجاهـات ، ولا هو الذي يرسم المناهج ، فتعددت الاتجاهات واضطربت وتصادمت ، وتمزّق المسلمون شيعاً وأحزاباً ، تحكمهم العصبيات الجاهلية .
واستمع قوله سبحانه وتعالى :
( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ آل عمران :105]
ويقول محمود درويش في قصيدته المزعومة : " رسالة من المنفى " .
فإذا احترقتُ على صليبِ عبادتـي ** أصبحتُ قدّيسـاً بـزيِّ مقاتـل
في إحدى صور كفرياته وشركياته ، ولكن الكثيريين لا يعلمون !وفي كلمته النثرية " رد فعل " ، يردد اتِّجاهه ومذهبه في الحياة ، ويصور لنا الحياة الدنيا صورة مادية بعيدة عن الله سبحانه وتعالى ـ، ويأتي الملايين يرددون هذه الكلمات الشيطانية ويمدحون قائلها ويجعلونه في مصاف الفاتحين لفلسطين ، حيث يقول في كلام بعيد عن الشعر ، بعيد عن البيان والبلاغة ، كلام هابط معنى ومبنى :
ماذا جنينا نحنُ يا أماهْ؟
حتّى نموتَ مرّتين
فمرّةً نموتُ في الحياة
ومرةً نموتُ عندَ الموتْ
هل تعلمينَ ما الذي يملأني بكاء؟
هَبي مرضتُ ليلةً.. وهدَّ جسمي الداء
هل يذكرُ المساءْ
مهاجراً أتى هنا.. ولم يعدْ إلى الوطن؟
هل يذكر المساءْ
مهاجراً ماتَ بلا كفنْ ؟
إنَّ الله سبحانه وتعالى قد هيَّأ للمسلمين كلَّ أسباب القوّة والعزّة ، ولم يبق إلا أن تنهض الطاقة البشرية المؤمنة الصادقة ، ليعلم الله في قلوبهم الصدق ، فيهديهم بإيمانهم ، ويفتح لهم أسباب القوّة ، فيحسنون النهج والخطة ويحسنون الإعداد ، فينزلون الميدان ، فيُنزل الله نصره عليهم ، وينجز وعده لعباده المؤمنين ، السؤالُ إذن : أين هي الطاقة البشرية ؟! أين النهج ؟! وأين الإعداد الحقّ ؟!
لقد اختلطت المصطلحات ، واختلطت دلالاتها ، وزاد الأمر سوءاً ما طرحته الحداثة والعلمانيّة ومذاهبهما من مصطلحات ومواقف غذّاها الإعلام كثيراً، وبخاصة الإعلام الغربي بأشكاله المتعددة ووسائله المتنوعة ، حتى بدا كأنه طوفان ! .
ظهرت مصطلحات : الأَصالة ، المعاصرة ، التقليد ، التجديد ، التطور، الحداثة ، النمو ، العلمانية ، الاشتراكية ، الديمقراطية ، والعولمة ، وغير ذلك من المصطلحات التي ظلّت " عائمـة " لا تحمل معنى محدَّداً ، أو تحمل معاني مختلفة ، كل معنى يمثِّل طائفة ، يدور بيْنها الصراع .
مع القرن التاسع عشر ، أو قبل ذلك ، أخذ هذا الغزو يشتدُّ ، كأنه يمضي على نهج محدَّد وخطَّة مدروسة. ونشأت طائفة تدعو إلى تبعيّة كاملة للغرب : فكراً وسلوكاً وعادات ، أدباً واقتصاداً وسياسة . وظهر ذلك في مرحلة كان المسلمون فيها ضعفاء ، فأثر الغـزو فيهم تأثيراً كبيراً ، وظلّت المصطلحات تتردّد في تناقضاتها أو تغيب عائمة دون وضوح . واضطرب بذلك الميزان في أيدي الكثيرين .
العالم انطلق في أجواء الفضاء يشقُّها ، ورمى بيننا ما يشغلنا عن حقيقة الإسلام ورسالته السامية . كلُّ الصراخ والدويّ من أجل اتباع الغرب وترك القديم أورثنا نماذج الملابس وقشور الفكر واضطراب الرؤية . والعجيب العجيب أننا لم نحرص على أن يكون التجديد هو إعداد القوة ونمو الصناعة وامتلاك أسبابها ، حتى ظل العالم الإسلامي بصورته العامة واهياً متخلفاً لم تسعفه شعارات تحرير فلسطين ، ولا أوهام شكل القصيدة ، ولا ما يسمى بالشعر الحرّ ، ولا شعر التفعيلة، ولا مساواة المرأة بالرجل ، ولا شعارات الديمقراطية وغيرها ، وإنما زادت الخلافات حول هذه القضايا ، وبقى المسلمون في وهن وهزائم وخذلان ، وتمزُّق قاتل ! شُغِلوا بالخلافات وبما طرحه بينهم أعداؤهم !
أهل الحداثة اتّبعوا مذاهب الغرب العلمانيّ وحداثته ، واعتبروا ذلك هو التجديد وهو ميزانه . اتبعوه في تبعيّة عمياء ، حتى في ما يخالف الإسلام صراحة . وحاربوا كل قديـم في أمتنا بنصوص صريحة ، ومن بينها الدين واللغة ! وأعلن بعضهم كلمة الكفر صريحة مدوّيّة . ولكنهم استثنوا من القديم كله أساطير اليونان وخرافاته التي ظلت تمثل محوراً في أدبهم وفكرهم ، وفي الفكر الغربي العلماني .
يقول أحدهم عن " رمزه المناضل درويش " : " ومحمود درويش ظاهرة شعرية عربية فريدة .. تتأسس بصلابة قلَّ نظيرها لا لجهة القول الشعري المتفرد وحسب ، وإنما لجهة محطات شعرية ، تكونت عبر مواقف ومراحل اشتغل عليها الشاعر منذ أكثر من ثلاثين عاماً . ومنذ البدء لعب محمود درويش على متغيرات الراهن الإبداعي والسياسي فاستطاع بجدارة أن يؤسس مشروعاً شعرياً جديداً ، إذ أضاف للقصيدة العربية التقليدية منها والحديثة شخصية جديدة على مدار الثلاثين سنة الماضية ، يمكن تسميتها بقصيدة الملحمة الدرامية ذات الأجراس والخلاخيل والتي تعج بالألحان ، تلك التي بدأت عنده في منتصف السبعينات مع قصيدة "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق " لتبدأ بالتجسد والتأصيل مع " سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا " وتمتد مع " أحمد الزعتر " و بيروت " و "مديح الظل العالي " … الخ وتميزت بشحنة رومانسية عالية لجهة الصوغ مع ارتفاع نبرة النشيد عبر المقاربة ذات الظلال والأنوار على السواء ". دعاية كاذبة لشعر كاذب ، وأدب مختلّ !
ولقد أثر هذا الاتجاه في واقعنا ، حتى أصبح بيننا من يدّعي محاربة الحداثة ، ولكنه في حقيقة أمره تابع لها ناشر لمذاهبها ، أو يدّعي محاربة الغرب والعلمانية ، ولكنه تابع للعلمانية فكراً وعاطفة سواء أدرك ذلك أم لم يدرك .
والأمر لم يقف عند محاضرة أو مقالة أو حوار ، ولكنه واقع نشاهده في مظاهر وحقائق متعدّدة ، نقلد فيها الغرب تقليد هوى وضياع . انظر إِلى ما شاع في العالم الإسلامي من رقص وغناء ، وإباحية تحملها الصحف والمجلات والفضائيات ، وكذلك الممارسة في الواقع . وحسبك مثلاً على ذلك التقليد الأعمى فيما نشاهده من موضوع " تأبين محمود درويش " وما رافقه من حشود انهمكت في مديحه ، تجتاح الشوارع لتكريمه كأنه فاتح أعاد فلسطين ! والمسلمون يغيبون في متاهات الذلة والهوان ، وديارهم تتساقط واحدة بعد الأخرى ، والتمزق يزداد .. .
الحياة في الإسلام حياة ممتدَّة لا تفنى إلا ما شاء الله : حياة في الدنيا ، وحياة في الآخرة تمثّل الحياة الحقيقية الخالدة ، يربط بينها " الموت " . الحياة الدنيا فترة تطول بميزان بعض الناس ، وتقصر في ميزان الله ، وتطول حين نقيسها بمقياسنا البشريّ في الحياة الدنيا ، وتقصر حين يبيّنها الله لنا بميزانه الحق على أساس امتداد الكون كله ، وتقصر حين نقيسها بشعورنا بعد البعث وعند السؤال ، حين يختلف ميزان الإنسان في تقديره للحياة الدنيا ، لفترة الموت ، عن ميزان الله سبحانه وتعالى :
( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ . قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ . قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ المؤمنون : 112ـ114]
ويبيّن الله سبحانه وتعالى الحقيقة الرئيسة بالنسبة للحياة الدنيا والموت في الآيات الجامعة من سورة الملك :
( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) [ الملك : 1ـ2]
ومن هنا تبرز لنا الحقيقتان الأوليان الرئيستان : ألا وهما :
• إن الحياة الدنيا دار ابتلاء وتمحيص واختبار ، للإنسان أجل مسمى ، وللأمة أجل مسمّى ، والحياة الدنيا كلها أجل مسمى .
• تنتهي الحياة الدنيا بالموت بعد أن ينتهي الأجل ، وتقوم الحجّة للإنسان أو عليه يوم القيامة على ميزان حقّ :
( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) [ الأنبياء : 47]
ثم تتوالى الآيات الكثيرة لتلحّ علينا بأن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقيَّة الحياة الخالدة : في جنّة للمؤمنين ، ونار للكافرين الظالمين والمجرمين ، لتُبيِّنَ لنا الحقيقة الرئيسة الثالثة كما تعرضها لنا الآيتان من سورة الفجر وآيات أخرى :
( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) [ الفجر :24،23]
هنالك تظهر الحقيقة اليقينية أن الحياة الحقيقية هي الدار الآخرة . وليست الحياة الدنيا . هناك يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى !
وكذلك :
( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) [ العنكبوت : 64]
نعم ! هناك الحيـاة الحقيقية في الدار الآخرة ، وما الحياة الدنيا إلا لهوٌ ولعبٌ ، لمن نسي التصوّر الحق للإيمان وللحياة الدنيا وللدار الآخرة . فمن غفل عن ذلك كانت الحياة الدنيا لهواً ولعباً وجهداً ضائعاً لن يغني عنه من الله شيئاً :
( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ) [ الفرقان : 23]
وكيف يغفل الإنسان ؟! وكيف ينسى ؟! وما الذي يغفل عنه وينساه حتى تصبح الحياة الدنيا لهواً ولعباً ؟!
يحدث ذلك حين ينسى أن الله خلقه في هذه الحياة الدنيا للوفاء بمهمة ، أخذ منه العهد والميثاق عليها ، ليوفي بهذه المهمة من خلال ابتلاء وتمحيص ، لتقوم الحجة له أو عليه يوم القيامة :
( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) [ المؤمنون :115]
لم يخلقنا الله عبثاً وإنما خلقنا للوفاء بمهمة في الحياة الدنيا ، عرَّفها إلينا في المنهاج الرباني بمصطلحات أربعة إيجازاً ، ثم فصّلها تفصيلاً حتى لا يكون لأحد عذر في نسيان أو غفلة أو تجاهل ! إلا الكافرين والمنافقين الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، فنسوا المهمةَ التي خُلِقُوا للوفاء بها ، فضلوا وشقوا مهما كانت الزخارف والشعارات التي يرفعونها .
فما هي هذه المهمة التي خُلِقْنا للوفاء بها ؟! لقد حددها الله بمصطلحات أربعة رحمة منه ، ثم بيّنها وفصّلها . هذه المصطلحات الأربعة كل منها يشير إلى المهمة نفسها من جانب من جوانبها . حتى تستكمل هذه المصطلحات الصورة من جوانبها الأربعة .
" العبادة " ، " الأمانة " ، " الخلافة " ، عمارة الأرض كلها بالإيمان وحضارته " ، وتأتي هذه المصطلحات في آيات بيّنات توفي المعنى والظلال ، وتأتي آيات بيّنات لتَفَصِّل ذلك . ثم أخذ الله على الإنسان عهداً وميثاقاً بأن يوفي بهذه المهمة التي سيحاسَب عليها يوم القيامة !
وتجتمع هذه المصطلحات الأربعة لتبرز المهمة التي خُلِقَ الإنسان للوفاء بها على صورة جامعة شاملة هي :
تبليغ رسالة الله كما أُنزِلت على محمد إلى الناس كافّة وتعهُّدهم عليها ، حتى تكون كلمة الله هي العليا في الأرض كلها .
فهل وفّى " درويش " بهذه الأمانة ؟! وهو الآن بين يدي الله لا تنفعه جميع هذه الحشود :
( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ . يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ )
[ الدخان :40ـ41]
وكذلك :
( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100(
[ المؤمنون]
( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)
[ الفرقـان ]


:
هامش:
(1) يُراجع كتاب " الشعر المتفلّت بين النثر والتفعيلة وخطره " للمؤلف . وقد كتبت إحدى المجلات الأدبية الإسلامية مقالاً عن محمود درويش لا تُصدِّق أنّه من كاتب مسلم .
(2) مع كلّ هذه المواقف لمحمود درويش رأينا بعض الدعاة المسلمين يتبنّون محمود درويش . كما حدث في حوار بيني وبين داعيتين ( أو يفترض أنهم داعيتان ) في مؤتمر في " وجدة " . وكان على أثر ذلك قصيدتي " لآلئ الشعر أوزان وقافية "
.