السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يجزم الكثيرون بأن الحالة الإسلامية تتجه بخطى حثيثة نحو "السلفية" التي اخترقت حتى الجماعات الإسلامية الكبرى مثل الإخوان المسلمين، وقد يكون الأمر محل نقاش في بعض البلدان؛ لكنه يبدو جليا في السودان التي اكتملت فيها ملامح تحول كامل للسلفية عند إحدى جماعات الإخوان المسلمين في السودان، وقد توجت تلك الجماعة هذا التحول بتغيير اسمها من "الإخوان المسلمين" إلى "جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة" أسوة بالجماعات السلفية السودانية؛ لتضع بذلك حدا فاصلا بين عهد وعهد، بكل ارتباطاته المنهجية والتنظيمية.


وقد بلغت في تمثل التجربة التاريخية لسلف الأمة أن بايعت هذه الجماعة الشيخ "سليمان أبو نارو" أميرا مدى الحياة، قياسا على الإمامة الكبرى، شأنه شأن خلفاء بني أمية والممالك الإسلامية، ولا عجب في ذلك؛ فالشيخ سليمان أبو نارو قائد ركب مسيرة هذا التحول لأكثر من خمسة عشر عاما من الزمان، قاد خلالها انشقاقات تنظيمية على الشيخ "صادق عبد الله عبد الماجد" ممثل القيادة التاريخية للإخوان المسلمين السودانيين؛ وفي سبيل إكمال مشروع التحول فصل من الجماعة أشهر كوادرها السياسية والتنظيمية ممن ظلوا على ولائهم لجماعة الإخوان فكريا ووجدانيا كالشيخ "ياسر عثمان جاد الله"، والشيخ المؤسس "عيسى مكي" 80 سنة.
أبو نارو.. مسيرة حياة وحركة

والشيخ سليمان أبو نارو في الثالثة والستين من عمره الآن، وقد انتمى لجماعة الإخوان المسلمين في عام 1958م بعد سنتين فقط من استقلال السودان، وأربع سنوات من التأسيس الرسمي للجماعة، ومنذ أن كان يافعا كان عضوا نشطا بالجماعة الإخوانية المحلية بمدينة "بورتسودان" شرقي السودان، فيقول زميله "قطبي المهدي" مستشار رئيس الجمهورية لاحقا: "ظل أبو نارو على هذا المنوال من الفاعلية حتى انتقاله المؤقت للخرطوم أواخر ستينيات القرن الماضي"، وعمل في تلك الفترة في جريدة الميثاق مع عبد الرحيم حمدي وزير المالية لاحقا، كما نشط في مكتب الطلاب وفي قسم الثانويات تحديدا.
وعند نشوب الصراع بين محور د."حسن الترابي" من جهة، ومحور د."جعفر شيخ إدريس"، ود."محمد صالح عمر" في الجهة المقابلة في مؤتمر 1969م الشهير انحاز الشاب أبو نارو يوم ذاك لمحور د.جعفر شيخ إدريس، وعبر أبو نارو عن مفارقته لجماعة الإخوان التي يقودها الترابي بالانضمام للجماعة الإخوانية الجديدة التي أعلنها الدكتور "الحبر يوسف نور الدائم" في عام 1979 عقب المصالحة الوطنية بين نميري والإخوان المسلمين بقيادة الترابي 1977م.
وأصبح أبو نارو أميرا لجماعة الإخوان المسلمين بالإقليم الشرقي، وتقول قيادات إخوانية إن الشيخ سليمان أبو نارو فرض على أتباعه هناك منهجا تربويا رديفا للمنهج التربوي الذي كانت تتبناه الجماعة آنذاك، مما جعل قيادة الجماعة في الخرطوم تتهمه بتبني منهج مغاير في خطوطه العريضة للمنهج المعروف والموروث لدى الإخوان، بعدما رأوا أفكارا وآراء لم تعهد من قبل عند الإخوان.
وفي عام 1991م تمكن الشيخ أبو نارو ومناصروه -الذين أحدثوا التحول المنهجي الأخير- من السيطرة على مقاليد جماعة الإخوان المسلمين من خلال "المؤتمر العام" أعلى مؤسسات الجماعة.
وكانت القيادات التاريخية للإخوان وقتها ممثلة في الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، والبروفيسور الحبر يوسف نور الدائم، ود. عصام البشير لم تجد من خيار -لهذا السبب وأسباب أخرى- سوى رفض تلك النتيجة، وتشكيل جماعة إخوان مسلمين أخرى، بعضوية محدودة جدا، بعد أن ذهب أبو نارو بالجماعة واسمها وعضويتها.
وحول اتهام جماعة الإخوان له في بداية التسعينيات بأنه سلفي متخف في ثياب الإخوان؛ قال أبو نارو في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت": "أنا لم آت للإخوان المسلمين من الشارع؛ فقد كنت أميرا للإخوان المسلمين منذ دراستي الأولى في المدرسة، بالمعنى التنظيمي أنا كنت أميرا للإخوان المسلمين، لكن إن كانوا يقصدون أن الأخ المسلم هو الذي يتفق مع كل ما جاء به الإمام البنا؛ فأنا لست أخا مسلما بهذا الفهم، لكني من الناحية التنظيمية كنت أخا مسلما منذ الصغر".
ولا ينفي الشيخ سليمان أبو نارو أن لتوجهات المجموعة الخاصة التي كانت تتبنى السلفية دورًا في حدوث هذا الانشقاق كما بدا من قوله: "إن التيار السلفي داخل الجماعة بدأ يتمدد ويؤثر، ويكتسب مساحات جديدة، وحاولنا أن نؤكد في تلك الفترة أن الإخوان المسلمين جماعة سلفية، بصريح عبارة الإمام البنا؛ فالبنا قال: "نحن صدى الدعوة الأولى"، وسعينا لمعالجة خطأين وقعت فيهما الجماعة: عدم الاهتمام بالعقيدة في استقطاب الأنصار والأعضاء، والخطأ الثاني هو عدم الاهتمام بالدعوة إلى اتباع السنة، بطرقنا المتكرر على هذه النقاط بدأت الجماعة تتضايق من هذا التيار حتى اعتبروا هذا التيار دخيلا على جماعة الإخوان المسلمين، فوقع الانفصال بيننا وبينهم في عام 1991م".
لكن أبو نارو يتهم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أنه حارب جماعته الوليدة، وأغلق أمامها كل أبواب الدعم المادي والأدبي في كل أنحاء الدنيا.
وبعض الذين غادروا جماعته أخيرا يرون أن موقف التنظيم العالمي من الأزمة هو السبب الذي دفع بأبو نارو نحو السلفية! حتى أصبح مبالغا في تبني المقولات والاختيارات الفقهية والعقدية التي تتبناها الجماعات السلفية الجهادية؛ كالقول بحرمة المشاركة في الانتخابات انتخابا وترشيحا، ووجوب أن يكون الحاكم قرشيا، وأن الحاكم يُختار مدى الحياة، والشورى معلمة وليست ملزمة، وأن المقبول عقديا هو اختيارات محددة نصت عليه الجماعة في مؤتمر علمي أقامته في أكتوبر 2001م، تضم 113 مسألة علمية!

قضية "المال المؤدلج"



الحبر نور الدائم

كثيرا ما دار الحديث عن قضية "المال المؤدلج" سلفيا للجماعات الإسلامية والمراكز العلمية، وهو ما لوحظ بوضوح مع الطفرة النفطية في الخليج والسعودية على وجه التحديد؛ حيث يصبح التمويل مدخلا للإرشاد العقائدي والعلمي، ويظهر الخط البياني تنامي الظاهرة السلفية في العالم مترافقا مع تنامي الطفرة الاقتصادية النفطية الخليجية.
وفي هذا السياق ينفي الشيخ أبو نارو أي تأثيرات خارجية في هذا التحول "اللهم إلا المؤثرات العلمية؛ حيث ظهرت عوامل مساعدة لنمو التيار السلفي في الجماعة تدعو للالتزام بالسنة مثل مجهودات الألباني العلمية، ومجهودات الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، والمدرسة السنية في السعودية".
وترى قيادة الجماعة المتحولة للسلفية أن الجماعة جاءت "ثمرة لتطورات كثيرة مرت بها جماعة (الإخوان المسلمين) في السودان، بدءا بمرحلة الترابي، ومرورا بمجموعة الإخوان -بقيادة الحبر نور الدائم- الذين رفضوا المنهج العصراني المبدل لدين الله، واستمسكوا بمعهودهم الإخواني؛ حيث لم يكونوا على رؤية واحدة في إدراكهم للمنهج الحق المطلوب".
وترى قيادة جماعة الاعتصام أنهم "ما كانوا متفقين من حيث العموم على التزام منهج السلف الصالح المنصوص عليه في ميثاقهم الرسمي"؛ فقد كان بعضهم يرى أن ما عليه الإخوان هو منهج السلف، وكان البعض الآخر يرى وجوب تأصيل المنهج الإخواني وتنقيته بميزان أهل السنة والجماعة، فوقعت المفاصلة -1991م- مرة أخرى بين التيار العام في الجماعة بقيادة سليمان أبو نارو وثلاثة إخوان -هم: عصام البشير، وصادق عبد الماجد، والحبر نور الدائم- يمثلون القيادة التاريخية للجماعة وهنا ولأول مرة تميز دعاة منهج أهل السنة والجماعة في جماعة الإخوان في كيان منفصل يعمل باسم الإخوان حتى بعد أن أصدر التنظيم العالمي قرارا بفصله من عضوية جماعة الإخوان المسلمين.

صراع حول المنهج
ورغم تأكيد الشيخ سليمان أبو نارو على الجذور العميقة لقضية الصراع بين منهج الإخوان المسلمين والمنهج السلفي داخل أروقة الجماعة، فإن آخرين عاشوا تلك المرحلة يذهبون إلى غير مذهبه؛ فيرى الأستاذ أحمد إسماعيل، الذي عمل من قبل في المكتب التنفيذي تحت قيادة الشيخ أبو نارو، أن الجماعة ظلت حريصة جدا على الانتماء للإخوان فكرا وتنظيما، وأنها اتصلت بالتنظيم العالمي آنذاك أكثر من مرة، وبالمرشد محمد حامد أبو النصر، واجتمعت مع السيد مصطفى مشهور في داخل السودان وخارجه، خاصة في 1991م؛ من أجل توضيح أسباب الخلاف مع مجموعة الحبر يوسف نور الدائم الذي ينحصر في تراتيب إدارية وقضايا تنظيمية محضة.
ويذكر إسماعيل أن الجماعة بقيادة الشيخ سليمان أبو نارو قامت بفصل عدد من الشباب الذين كانت لهم توجهات سلفية واعتراضات على منهج الإخوان، منتصف التسعينيات، وأن بعض الذين تزعموا هذا التوجه الأخير كانوا هم الذين ينافحون عن منهج الإخوان وتاريخهم وقياداتهم أمام غارات السلفيين.
ويؤرخ إسماعيل لخروج هذا التوجه الجديد إلى العلن إلى فترة متأخرة جدا، من منتصف التسعينيات إلى ما كان يعرف بالمؤتمر العلمي في عام 2001م باعتباره نقطة فاصلة؛ حيث قُدِّم منهج جديد في المؤتمر ليكون بديلا لمنهج الإخوان المسلمين، وقد قوبل بالرفض من المؤتمرين، الذي أكدوا تمسكهم بمنهج الإخوان، مع الإصرار على أن تكون المراجعات الجديدة في إطاره.
القيادي السابق بجماعة أبو نارو، وأمير جماعة الإخوان المسلمين – الإصلاح، الأستاذ ياسر عثمان جاد الله، يعتب على الشيخ سليمان إضماره أفكاره السلفية طوال المراحل، والتي ساق إليها الجماعة، والتحولات، والانشقاقات التي ضربت جسدها، ويرى أنه كان من الأولى به أن يعلن آراءه بصراحة تامة ووضوح كامل، حتى لو بقي في الجماعة وحده، بدلا من سوق الناس برفق واستغفال نحو هذا الخيار!
ويرى الشيخ عيسى مكي في بيان أصدره قبيل استقالته من جماعة الشيخ سليمان أبو نارو في عام 2003م أن عدم حسم اسم الجماعة ومنهجها "أقعد بالجماعة، وجعلها تتقلص حتى أصبحت اسما ومعنى وحقيقة (جماعة أبو نارو)، ولم تعد هي جماعة الإخوان المسلمين الشرعية الوريثة للجماعة الأم التي انطلقت بعد مؤتمر 1954م".
بعد المؤتمر العلمي ظهر بوضوح تياران في الجماعة: تيار إخواني، والتيار السلفي الجديد، وانتهى الخلاف بين التيارين إلى انشقاق جماعة الإخوان المسلمين -جناح أبو نارو- إلى: جماعة الإخوان المسلمين- الإصلاح، وجماعة يقودها أبو نارو، والتي غيرت اسمها لاحقا لـ"جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة".
وتقول الجماعة الجديدة في بيان أصدرته: "لقد كان بقاؤنا على الاسم (الإخوان المسلمون) مع التباين المنهجي والمفارقات في المواقف والعلاقات وَحِدة القطيعة التنظيمية، وفجور الخصومة، كان ذلكم خصما علينا؛ تلبيسا على المنهج، وتخليطا في المواقف، وحيرة للمدعو، وحرجا على الداعي؛ مما أعاق مسيرتنا، وأربك علاقتنا، وأرهق صفنا، فاقتضت المصلحة الشرعية والضرورة العملية لزوم تغيير الاسم، فكانت: (جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة)".
ولكن الشيخ سليمان يقول لـ"إسلام أون لاين" إن جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة -بعد تركها الانتماء للإخوان المسلمين- أصبح لها الآن "امتداد ووجود في كل الشمال السياسي عدا مدن الجنوب، ولنا أعضاء في المدن الرئيسية وبعض المدن الطرفية، نحن الآن في فترة بناء داخلي، ولا يهمنا الظهور الإعلامي".
وحول ما تبقى من منهج الإخوان المسلمين في جماعة الاعتصام يقول أبو نارو: "ظلت نظرتنا للسياسة هي نفس نظرتنا السابقة باعتبار أن الحاكمية لله، وأن الإسلام لا ينفصل عن السياسة، لكننا لا نمارس الأعمال السياسية التي تخالف الشرع، فنحن مثلا نرفض الديمقراطية، ونرفض إقامة أي علاقة مع الأنظمة السياسية التي لا تحكم بما أنزل الله".

صحفيان من السودان