من درر راغب السرجانى
النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: من درر راغب السرجانى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    1,710

    افتراضي من درر راغب السرجانى

    ما الحكمة من النهي عن القتال في مكة؟
    أمام هذا الثبات وذاك الصبر، وأمام هذا التحمل العظيم للأذى الشديد يبرز سؤال هام جدا قد يدور في ذهن الكثيرين، وهو: لماذا أمر الله عز وجل المسلمين بالكف عن القتال في مكة؟

    لماذا تحمل المسلمون هذا الألم ودون رد ودون تغيير؟ ولماذا لم يسمح لهم بالرد على الإيذاء وقد كان منهم من يستطيع ذلك؟

    أليس في مثل هذا خنوع وسلبية؟!

    وفي معرض الرد على هذا السؤال نذكر عدة أسباب، وقبل سردها نلفت الأنظار إلى حقيقتين مهمتين:

    الحقيقة الأولى: أن هذا الكف كان أمرًا ربانيًا مباشرًا:

    فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

    [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ] {الحجر:94} .

    ومن هنا فمن المؤكد أن الخير كل الخير كان في هذا الإعراض، وأن الحكمة البالغة كانت تقتضيه، وحكمة الله عز وجل لا يحيط بها أحد، ولا يقدر على ذلك بشر، ونحن بطاقتنا المحدودة نبحث فيما نعتقد أنه الحكمة من وراء الكف عن القتال في مكة.

    الحقيقة الثانية: أننا أُمرنا باتباع أوامر الله حتى مع عدم تبدي الحكمة لنا من وراء ذلك:

    فليس معنى أننا لم نجد بعقولنا حكمة مقنعة تسوغ لنا فرض هذا الأمر أن نقوم بمخالفته، يقول تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا] {الأحزاب:36}.

    وبعد وضوح هاتين الحقيقتين فيمكننا البحث في حكمة الكف عن القتال في مكة على الوجه التالي:

    الحكمة الأولى:

    البعد التربوي الهام في هذا الوضع، فلا شك أن هذه الصورة الجديدة على أرض مكة، وهي صورة التعذيب الشديد لطائفة من الناس على أيدي غيرهم، وقبول هذا الطرف المعذَّب لهذا الأمر دون رد، هذه الصورة الجديدة تربي في المؤمنين أمورًا من الصعب أن تُربى في ظروف غيرها، ومن هذه الأمور الصبر من نوع خاص.

    فأنواع الصبر كثيرة، والعربي بصفة عامة صبور؛ إذ إنه يستطيع الصبر على آلام الجوع والحر والفقر وطول السفر، والصبر على الحروب وغيرها، وكل هذا حسن وحميد.

    لكن العربي لا يصبر على تحمل الظلم؛ إذ إن طبيعته الثائرة لا ترضى بالضيم ولا بالجور، فتراه يثور ولو كان الثمن هو حياته نفسه.

    أما الآن فقد أصبح من أهداف المؤمن أن يقيم أمة ودولة، ومن متطلبات بناء الأمة أن يكون البناء متدرجًا وأن يمر بمراحل مختلفة، وألا ينظر الفرد إلى مصلحته الشخصية، بل يتعداها إلى مصلحة المجموع، وهذه كلها أمور ما كان للعربي أن يفكر فيها قبل ذلك.

    فقد صار واجبا عليهم عدم الالتفات إلى حظ النفس، وأن يتركوا الانتصار لذواتهم وذلك لصالح الأمة وصالح الجماعة، وهذه تربية على شيء جديد، وتحتاج إلى وقت وإلى صبر؛ إذ ليس من الممكن أن تقوم أمة أفرادها يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالحها العامة.

    ومن هنا فإن الكف عن القتال كان ضروريا من أجل أن يُربى المسلمون على هذا النوع الهام من الصبر، وهو الصبر على ضياع المصلحة الخاصة في مقابل إنجاح المصلحة العامة.

    الحكمة الثانية:

    التربية على مبدأ حُسن السمع والطاعة للقيادة، وهو أمر من الأهمية بمكان، ولا تكاد تقوم جماعة إلا به، ولا تكاد أمة تقوم إلا عليه، ذلك هو: التربية على الطاعة لقيادة هذه الأمة الناشئة.

    وإن المقياس الحقيقي للطاعة هو أن تطيع (في غير معصية الله سبحانه وتعالى) دونما جدل أو ضجر أو اعتراض، خاصة فيما لا يوافق هواك، أما إذا كان الأمر قد وقع على هوى في نفسك فلا فضل إذن في الطاعة؛ لأنك ستطيع لأنك تهوى هذا الأمر.

    وإن الطاعة الحقيقية للقائد تتطلب أن يعتقد الجندي بأن في طاعته لقائده طاعة لله عز وجل، وأنه مأجور عليها، يقول تعالى:

    [مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا] {النساء:80} . فإذا تعامل الجندي مع قائده بهذا المنطلق فإنه سعيه إلى طاعة قائده هو تماما كسعيه إلى أي عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل.

    والطاعة الحقيقة للقائد تتطلب من الجندي أن يعرض وجهة نظره على القائد؛ إذ ليس من مقصودنا ما يسميه البعض بالطاعة العمياء، فنحن إنما نريد الطاعة المبصرة، والتي تدفع الجندي إلى أن يفكر فيما يوجه إليه، فإن وجد ما هو أصوب - في رأيه - ذهب إلى قائده وعرض عليه رأيه، فإن قبل فبها ونعمت، وإن كانت الأخرى فليس إلا الطاعة ودون تأفف أو ضجر ما دام في غير معصية لله سبحانه وتعالى.

    وهذا الأمر هو عين ما حدث من خباب رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأى خباب أن استعجال النصر مصلحة في ذلك الوقت، وكان هذا اجتهاد منه، وعليه ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه ذلك بالدعاء، وكان أن أوضح له الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين له ضرورة الصبر، وهنا أيضا سمع خباب رضي الله عنه وأطاع، وقبل الأمر وكف اليد.

    وقد تعلم خباب شيئا غاية في الأهمية وهو الطاعة لولي الأمر؛ إذ لا جماعة بغير إمرة ولا إمرة بغير طاعة، وهذه تربية راقية.

    وإن هذه الجماعة التي يتعامل فيها قائدها مع جنوده بهذا الأسلوب التربوي، وتلك التي يتعامل فيها الجندي مع قائده بهذا الاحترام وهذه الطاعة، لجماعة منصورة بإذن الله.

    الحكمة الثالثة:

    أن الدعوة السلمية في هذه البيئة كانت أشد أثرًا وأعظم نتيجة.

    وفي سبيل توضيح هذه الحكمة نود أن نسأل سؤالا: ما هو غرض المسلمين نهاية الأمر؟ هل هو حكم مكة، أم هو إسلام مكة؟!

    والإجابة بالقطع أن الغرض هو إسلام مكة، وليس مهما من الذي يحكمها بعد ذلك، المهم أن يحكمها بكتاب الله سبحانه وتعالى وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المهم والمقصود.

    وهذه البيئة المكية كانت قد ألفت العنجهية والشرف والعلو والعزة، فإن فُرض عليها رأي بالقوة فلن تتقبله، وكان سيحدث صراع مبكر بين المؤمنين والكافرين، وبسببه سيرفض الكافرون الدخول في هذا الدين استكبارا وعنادًا.

    ومن هنا فلا بد للداعية من أن يدرس نفسيات من يدعو؛ فمن الناس من يتأثر بمظاهر الرحمة في الداعية، ومنهم من يتأثر بذكاء العقل عند الداعية، ومنهم من يتأثر بقوة البدن عند الداعية، ومنهم من يتأثر بلطف وأدب الداعية، وهكذا، فقد خلق الله عز وجل الناس مختلفين، ولا بد للداعية أن يتعامل مع كل هذه النوعيات، ولا بد أن يراعي ظروف المدعو وظروف البيئة التي يعيش فيها، وكذلك لا بد أن يكون ذكيًا ومرنًا حتى تنجح دعوته، وبعد ذلك فالموفق من وفقه الله عز وجل.

    إذن كانت الدعوة السلمية تناسب ظروف مكة في ذلك الوقت.

    الحكمة الرابعة:

    كان أيضا من الحِكم في كف المؤمنين عن القتال في مكة هو تجنب الفتنة الخطيرة التي كانت ستحدث في مكة، وتلك المقتلة العظيمة التي ستحل في كل بيت، وأيضا تجنب السمعة السيئة التي كانت ستلتصق بالإسلام من وراء ذلك، والتي كانت سترمي إلى أن الإسلام يؤدي إلى فتن عظيمة.

    والسبب في ذلك أنه لم يكن هناك في أرض مكة حكومة مركزية هي التي تتولى أمر تعذيب المؤمنين، بل كان قد تكفل كل زعيم بأتباعه، وتكفل كل والد بولده، وكل سيد بعبده، وكل شيخ قبيلة بأفراد قبيلته وهكذا، فكان يقوم بتعذيب مصعب بن عمير - مثلا - أمه، وكان الذي يعذب عثمان بن عفان عمه، وكان الذي يعذب خباب بن الأرت سيدته، والذي يعذب بلال بن رباح سيده وهكذا.

    ومن هنا فلو قاتل المؤمنون دفاعا عن أنفسهم فإنهم - لا ريب - سيقاتلون آباءهم وأعمامهم وقبائلهم، وحينها ماذا سيقول الناس عن الإسلام؟

    لقد كانت فرية الكافرين العظمى أن هذا الدين يفرق بين الولد ووالده، وبين الرجل عشيرته، وبين المرء زوجته، وهذه فريتهم ولم يكن قد نشب قتال بعد، فما البال وما الخطب لو كان قد حدث قتال؟!

    فكان هذا عاملا مهما جدا لتجنب الفتنة الخطيرة التي كانت ستحدث داخل مكة، وأيضا للحفاظ على الصورة النقية الصافية للإسلام كما هي.

    الحكمة الخامسة:

    وهي علم الله عز وجل أن كثيرًا من أهل مكة سينتقلون بعد ذلك من معسكر الكفر إلى معسر الإيمان.

    فقد كانت الدعوة الإسلامية ما زالت في مهدها، ولم تكن بعد قد أخذت الفرصة الكافية للوصول إلى قلوب الناس، وكان من الطبيعي أن يعترض عليها منذ البداية كثير من الناس، وقد يتشددون في اعتراضهم، ثم ما يلبث الحق أن يتبدى في أعينهم، فإن كان الله يريد بهم هداية استجابوا وأسرعوا إلى تصحيح أخطائهم، وهؤلاء عندما يؤمنون يتحولون إلى عمالقة في الإيمان؛ وذلك لأنهم انتقلوا من الظلام الدامس إلى النور المبين، وأنهم ذاقوا مرارة الكفر فعلموا حلاوة الإيمان.

    وكان من هذا الصنف - على سبيل المثال - عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم، وقد أصبح كل هؤلاء بعد ذلك قادة مخلصين يحملون الإسلام إلى كل ربوع الأرض.

    فلو كان قد حدث قتال في أول فترة مكة لكان من الممكن أن يموت أناس كثيرون جدا من هؤلاء.

    الحكمة السادسة:

    أن النخوة التي كانت في قلوب كثير من العرب كانت تتأثر كثيرًا بصورة المظلوم الذي لا يستطيع رفع الظلم عن كاهله، فكان من طبيعة العربي أن تحركه النخوة والشهامة ليرفع الظلم عن المظلومين، وذلك غير من فسدت فطرته أو تزايدت مصالحه، فإنه قد لا يأبه لذلك.

    وقد تحرك كثير من الناس في مكة نخوةً نتيجة الظلم الشديد الذي وقع على المسلمين، وقد تجسدت مثل هذه الصورة - كما سنرى بعد ذلك - في قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.

    وكان من صور النخوة هذه في رفع الظلم عن المظلومين ذلك الجوار الذي عرضه ابن الدغنة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند هجرته إلى الحبشة، فقد شعر بأن الصديق ظُلم، فجاء وهو مشرك ليعرض الجوار عليه.

    وكانت أيضا الصحيفة التي نقضها المشركون أنفسهم بعد ثلاث سنوات من المقاطعة والحصار في شعب أبي طالب - كما سيأتي - صورة من هذه النخوة.

    الحكمة السابعة:

    أن المسلمين لا يصطدمون بالنواميس الكونية، وهي حكمة غاية في الأهمية.

    فمن النواميس الكونية - مثلا - أن النار تحرق، ولذلك فالمسلمون أو الناس بصفة عامة لا يلقون بأنفسهم فيها، كذلك من النواميس الكونية أن الذي يسقط في ماء عميق وهو لا يجيد السباحة فإنه لا محالة سيغرق، ولذلك فإن المسلمين لا يتهورون بنزول ماء عميق دون إجادة للسباحة.

    كذلك فإن من النواميس الثابتة أن للباطل قوة لا بد أن تعتبر، ولا يستقيم للمؤمنين أن يقولوا إننا على الحق وأن الله معنا، ثم يلقون بأنفسهم في حرب خاسرة ظنًا منهم أنهم لا بد أن ينتصروا لأنهم جند الله وعباد الرحمن.

    فالإسلام دين واقعي، والإسلام دين عملي، ومن أجل ذلك فإنه يقيس بدقة قوة الباطل ويقدّر لها حجمها، ثم على الجانب الآخر فإنه يقدر القوة الكافية للرد، ويضع الخطة المناسبة للنصر، ويهيئ الصف الكفء للقتال، ثم يأتي بعد ذلك التوكل على الله والقتال، أي أن الإسلام وببساطة شديدة دين يحترم ويقدر الأسباب.

    ماذا لو قام المؤمنون بثورة مسلحة في مكة؟

    لا شك أنهم كانوا سيقتلون رجلا أو رجلين أو عشرة أو حتى مائة رجل، لكنهم ولا شك أيضا كانوا سيبادون عن آخرهم. وإذا كان الموت في سبيل الله غاية، فإن المؤمن لا يموت بغير ثمن، فإذا لم يغلب على الظن التمكين أو إحداث النكاية في العدو فلا معنى للقتال.

    ولقد كان المسلمون في مكة قلة مستضعفة، وكانت القياسات المادية والتي قدرتها قيادة المسلمين أن الوقت غير مناسب للقتال، وذلك ليس جبنًا أو ضعفًا، وإنما حكمة وتدبير، وسيأتي يوم تأخذ فيه قيادة المسلمين قرار القتال في بدر وما بعدها.

    فالمسلمون لا يتسرعون النتائج، والمسلمون يدركون تماما حقيقة ما يسمى بـ فقه المرحلة، فهم يدرسون الظروف بإحكام ويضعون الخطط، ويطلبون المدد من الله عز وجل، ثم يقدمون ما يناسب المرحلة التي هم فيها، فقد يناسبها كف عن القتال، وقد يناسبها دعوة سرية، وقد يناسبها دعوة جهرية، وقد يناسبها معاهدات ومفاوضات، وقد يناسبها جهاد واستشهاد.

    والرسول صلى الله عليه وسلم قد مر بكل هذه المراحل، ووضع لنا منهجًا دقيقًا نتبعه فيه، ولم يترك لنا موقفًا إلا بَيّن كيف نتعامل معه طبقًا لنواميس الكون وطبقًا لشرائع الإسلام.

    فلم يكن صلى الله عليه وسلم مجرد رجل عبقري حكيم، إنما كان رسول من عند رب العالمين، وناقل ما أراده الله منا في كل موقف، ومن هنا كانت أهمية دراسة سيرته ودراسة حياته صلى الله عليه وسلم.

    الحكمة الثامنة:

    أن القتال لم يكن ضرورة ملحة؛ فقد كانت الدعوة في مكة تسير وتتقدم، وهي وإن كانت تسير بصعوبة بالغة وبمشقة عظيمة إلا أنها كانت تتقدم يوما بعد يوم.

    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس ويدعوهم وهو تحت حماية سيوف بني هاشم، وكان أبو طالب قد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قضية حياته، وكرس جهده لرد الكيد عنه.

    فكانت الحكمة تقتضي أن يستغل المسلمون هذه الظروف في القيام بأمر الدعوة، وحين يموت أبو طالب أو تنتهي حمايته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا شك ستختلف تلك المرحلة عن سابقتها، وسيكون لها فقه مختلف، سنرى تفاصيله - بمشيئة الله - في فصول قادمة.

    الحكمة التاسعة:

    أنه لو حدث قتال لاضطر المسلمون إلى كشف أوراقهم، وبهذا كان سيظهر كثير من المؤمنين الذين لم يكن يُشتهر إيمانهم بعد.

    وهذه المرحلة لم تكن تتطلب أيا من ذلك، حيث كانت تتسم بجهرية الدعوة للرسول صلى الله عليه وسلم وللقليل فقط ممن لهم منعة ولو نسبية، أما عموم المسلمين فلم يكونوا يعلنون عن أنفسهم.

    ولو حدث ذلك الأمر، ولو حدث قتال في أوائل فترة مكة لاكتُشف أمر درا الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، ولما استطاع المسلمون أن يحادثوا الأفواج التي كانت تأتي إلى مكة وقت الحج، ولما استطاع المسلمون أن يغادروا مكة إلى غيرها أو يدخلوا إليها إذا كانوا على سفر.

    فكان سيوضع عليهم قيود مشددة ستحد من حركتهم، وستؤخر أمر الدعوة لا محالة، ومن هنا كانت متطلبات هذه المرحلة أن يكف المسلمون اليد عن القتال؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى كشف كل أوراقهم في وقت يحتاجون فيه إلى التكتم الشديد.

    الحكمة العاشرة:

    وهي الأخيرة وهي إظهار قدرة الله عز وجل وقوته وعزته وحكمته.

    لقد ظهر أمام الجميع في مكة وحولها في زمانهم وفي الأزمان التي جاءت بعد ذلك كيف كان المؤمنون ضعفاء، وكيف كانوا قلة لا يملكون مقومات الرد المادية فضلا عن مقومات الانتصار، ثم تظهر بعد ذلك آيات عجيبة، وتحدث أمور لا تخطر على عقول البشر.

    فقد دبر الإله الحكيم لأوليائه، فإذا بالضعف يتحول إلى قوة، وإذا بالذل يصير عزة، وإذا بالخوف يتبدل أمنا، وإذا بالتشريد والتعذيب والإهانة والقتل، كل ذلك يتحول إلى سيادة وتمكين.

    وسيكون هناك بعد ذلك بدر والأحزاب، وفتح مكة وتبوك، وغيرها من المواقع الفاصلة.

    ثم بعد ذلك أيضا سيأتي فتح فارس والروم، وسنرى كيف انتشر الإسلام حتى عمّ الأرجاء، وكل هذا بهؤلاء الضعفاء القلة الذين كانوا يُعذَّبون في مكة [صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ] {النمل:88} .

    ومن هنا ولهذه الأسباب أُمر المسلمون في هذه المرحلة بالكف عن القتال، وسيأتي زمان بعد ذلك يُسمح فيه ويُؤمر بالقتال، وكل مرحلة لها طبيعتها.

    ولكي نستطيع أن نحاكي الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد أن نعرف المرحلة التي نعيشها، وأي مرحلة تشبه من المراحل التي مر بها صلى الله عليه وسلم.

    الكف عن القتال، وسلبيات وإيجابيات

    إزاء هذا الأمر بالكف عن القتال كانت هناك مخاطر تربوية قد تظهر نتيجة قبول مثل هذا الظلم الذي وقع على المسلمين، ولا بد أن يدركها الدعاة ويحذروا منها، كما أدركها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجنبها بأسلوبه التربوي الراقي، وكان منها ما يلي:

    أولا: إلف الذل

    فالشعوب التي تقاد بالسياط تألف الذل، فإذا جاء وقت يصلح للتغيير فإنهم لا يستطيعون.

    ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص دائما على تربية المؤمنين على الشعور بالعزة، ودائمًا ما كان يزرع في قلوبهم أن هذه مرحلة إعداد وتربية، ومن ثم فسيأتي زمان نتسلم فيه راية القيادة، ليس فقط قيادة مكة ولكن قيادة العالمين.

    ولذلك لم تنكسر نفسيات الصحابة أبدا برغم هذا التعذيب وتلك الإهانة التي كانوا يتعرضون لها، فكانوا يستعلون على الكافرين بإيمانهم، ليس كبرا أو غطرسة، وإنما ثقة ويقينا بوعد الله بالتمكين.

    ففي هذه المرحلة المبكرة وحين كانوا في قرية صغيرة لا ترى على خارطة العالم، قليلون مستضعفون ومعذبون يُطلعهم ربهم عز وجل على الأحداث الجارية بين أكبر قوتين في الأرض وهما فارس والروم.

    ينقلهم ربهم نقلة واسعة وكأنه يخبرهم بأنهم عما قليل سيصبحون قادة هذا العالم، وكأنه يُعرّض لهم بأن فارس والروم هذه الممالك العظيمة عما قليل ستصبح مجرد أقاليم في مملكتكم الواسعة.

    يقول تعالى: {الرُّوم1 :5}.

    فكان المسلمون يتابعون الأحداث السياسية والعسكرية في العالم، فضلًا عن أحداث الجزيرة العربية، وهي وسيلة تربوية هامة جدا ترفع من شأن المسلم المستضعف.

    ثانيا: التربية على السلبية

    كذلك أيضا كان من المخاطر التربوية في أمر كف المؤمنين عن القتال أن يتربى المسلمون على السلبية.

    وفي سبيل عدم تسرب مثل هذه السلبية إلى المؤمنين فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القائد الفذ والمدير الناجح والمربي القدير - كان يربي المؤمنين على أقصى درجات الإيجابية حتى وهم يعذبون.

    فلم يكن الواقع كما يراه الناظر إلى حال المسلمين في مكة وقد ظن أنهم في حالة انتظار، أو في حالة ركود في انتظار الوقت المناسب للتمكين، إنما كان الواقع أن المسلمين في عمل دائم ودءوب، وكانوا يمثلون الإيجابية في أعلى صورها...

    كيف تربى الصحابة على الإيجابية في هذا الجوّ المليء
    من موقعه تاريخ قصة الاسلام ثم قصة الاسلام ثم قصة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قصة مكة ثم تربية الثبات

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    53

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    جزاك الله خير .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    72

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    جزاك الله خيراً

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    الخبر - السعودية
    المشاركات
    64

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    جزاك الله خير

    واحسنت حين اسميتها دررا

    واعتقد ان ابناء المسلمين في الخارج احوج ما يكونون لمثل هذه الاشارت والحكم اللطيفة الهامة.

    سلمت يداك

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    49

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    جزاك الله خيرا وإليك بعضا من درره
    ----------
    يقول الدكتور راغب السرجاني
    إذا سمعتم - يا إخواني - دعوة الجهاد فانظروا من ينادي بها.. فهذه العبادة هي ذروة سنام الإسلام.. ولا ينادي بها حقاً إلا أعاظم الرجال..
    -------
    وأيضًا
    ------
    يقول الدكتور راغب السرجاني
    شتان بين من مات رافعاً رأسه، ومن يموت ذليلاً منكسراً مطأطئ الرأس..
    شتان بين من مات وهو ممسك بسيفه، ومن مات وهو رافع يده بالتسليم..
    شتان بين من مات بسهم في صدره وهو مقبل، ومن مات بسهم في ظهره وهو مدبر..

    ملاحظة:
    هذه الكلمات مقتبسة من ثنايا محاضراته - وجزاكم الله خيرًا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    جزاك الله خيراً

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    1,710

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    وشرايط قصة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها درر حتى انى صرفت نظر عن نشر بعضها لآن كلها تريد ان تنشر
    انصح بسماعها وخاصة انها مفرغة كلها

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    8

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    أشكرك على هذا الموضوع الرائع,ولكن عندي طلب ضروري :من هو راغب السرجاني؟لأن كلامه في غاية الروعة.هل هو من السلف أم من المعاصرين,لأن اسمه يوحي بأنه من القرن السادس,كذلك ,هل له كتب تباع ؟أوأشرطة .أرجو الإجابة لا حرمناكم...

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    رائع و من يستمع لسلسلته تاريخ الاندلس من الفتح الى السقوط سيجد اكثر و هي متوفرة على الشبكة الاسلامية.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    1,710

    افتراضي رد: من درر راغب السرجانى

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أنس السويلم مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
    أشكرك على هذا الموضوع الرائع,ولكن عندي طلب ضروري :من هو راغب السرجاني؟لأن كلامه في غاية الروعة.هل هو من السلف أم من المعاصرين,لأن اسمه يوحي بأنه من القرن السادس,كذلك ,هل له كتب تباع ؟أوأشرطة .أرجو الإجابة لا حرمناكم...
    جزاك الله خيرا
    هذا رابط موقعه وفيه ما تسأل عنه
    http://www.islamstory.com/
    وله صوتيات فى طريق الاسلام وغيره

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •