على ضفافِ النفسِ (1)
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: على ضفافِ النفسِ (1)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    68

    افتراضي على ضفافِ النفسِ (1)

    بســـم الله الرحـــمن الرحـــيم

    (على ضفافِ النفسِ)

    " اللهم اهدنا إلى معرفة أنفسنا حتى نعرف ذاتك ,
    واهدنا إلى تنزيل وحيك كي نعرف واجبنا تجاهك ,
    واهدنا اللهم إلى معرفة قصة هذه الحياة ؛ كي نستيقظ إلى المصير الكبير ... مصيرنا بين يديك "
    من تصدير العلامة الشيخ محمد البوطي لأحد كتبه
    , , ,
    " نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين ,
    ووصل إلى خيرات الآخرة من كان من الزاهدين ،
    وظفِرَ بالفوز والنعيم من قطع طمعه من الخلق أجمعين ،
    والحمد لله رب العالمين ،
    وصلى الله على نبيه وعلى آله الطاهرين "
    من استهلال أبي حيان التوحيدي لكتابه "الإمتاع والمؤانسة"
    , , ,

    فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى أبو فاطمة النميري -هداه مولاه تعالى- بعد الحمد لله تعالى , والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله :-
    هذه ليست إلا خواطرُ سانحة , وتأملاتٌ عابرة , منها الطارفُ والتليد , دونتُها تسليةً وذكرى , وفي النفس كثيرٌ أعجزُ عن التعبير عنه بقلمٍ أو لسان وهو أمرٌ لا أختص به فأكثرُ من ترى مثلي يَعجزون عن اغتراف المحيطات الهائلة الساكنة في أعماقهم بملاعق ألسنتهم الصغيرة أو بأسنان أقلامهم الدقيقة ؛ بل إن القدرة على التعبير عن تلكم المشاعر التي تعتملُ في نفوسنا وسكبِها حِبراً على الصفحات أو أصواتاً تعبرُ إلى الآذان إن هذا الأمر لهو أيةٌ عجيبة من آيات الخالق جل شأنه وتقدس اسمه " الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم " . وجعلتُها فقراتٍ لا يجمعها إلا صدفةُ التدوين ؛ وكم من صدفةٍ خيرٌ من ألفِ ميعاد , فخذها منثورةً كخرزاتٍ انقطعَ عقدُها لا ناظمَ لها إلا النصح لنفسي ولك , وذكرى نافعة -إن شاء الله تعالى- فقد يَستحمقُ الحليم , ويجهل العالِم , ويغفل الفطِنُ , والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا به.


    - - - لا أشكُ بأن أكثر من يطيل الشكوى من دنياه , مسهباً في ذكر مثالبها وقلةٍ حظوظ أهل الذكاء والفطنة فيها ؛ إنما يشكو ضعفَه هو وقلةَ حيلته , فكم نجحَ وفازَ فيها من مجدٍ استعصم بالله وانتفض على ظروفه القاسية , وحطم قيودَ العجز والكسل حينما رَسَفَ فيها الشاكون الكُسالى . بل إن هذه الدنيا المتهمةَ بالبخل على مطيلي الشكوى لم تبخل على بعض من قلَّ حظه من العلم والحكمة فنالَه منها ما يحبُ ؛ بل إنها حَبَت ثلةً من البُلَداء بما يشتهون . فسلْ نفسَك هل كل محروم فيها غبي , وكل محظوظٍ فيها ذكي ؟ كلا ... كلا ... فالعبرة تكمن في أشياء كثيرة منها اقتناص الفُرَص , ومعرفةِ الملائم منها , وحسن تدبر العواقب , مع ذبح اليأس بسكين الأمل , واستصحاب الصبر في طريق العمر , وقبل َهذا وبعدَه توفيقُ الله تعالى .
    هي الدنيا ياصاحِ فيها من الإمكانات والفُرص بعدد ما فيها من الخيبة والفوات , فكم هشَ لها من طَموحٍ فأردَته صريعاً بعد طولِ ركضٍ ولهث , وكم قعدَ عن اللحاق بها من تعيسٍ بائس يلهج بلعن الليالي والأيام ضارباً كفاً بكف , جاهلاً بأنه مكبلٌ بوهمه , متعثرٌ بأذيال كسله, وكم من حكيمٍ وقفَ حائراً من تقلب الدهر وصروفه في أهله فازداد يقيناً بربه , وسلّمَ لحكمتهِ , وظهرَ أثرُ الابتلاء في الناس فمنهم شاكر ومنهم كافر , "إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا".


    - - - احذر !!! فإن نفسك التي بين جنبيك قد تكون عدوك اللدود كما قد تكون صديقك الوفي , وربما صورت لك الممكن مستحيلاً , أو المستحيل ممكناً , فهي إن طمعت فرشت أمامك بساطَ السهولة والأملِ مدَ البصر بل أبعد من ذلك , وإن يئست بنت من الحواجز والجُدُرِ ما يَسدُ الأفقَ ويخنق الأنفاس , وربما أرتك الصديقَ عدواً , والعدوَ صديقاً ؛ فإن لها مِزاجَاً خبيثاً -متى تعكرَ- لأسبابٍ تظهر أو تخفى عَكَسَ-أي المزاج الخبيث- لك كثيراً مما حولك خلافَ ما هو عليه حقيقةً ؛ فتطغى الذاتيةُ على الموضوعية , وهذه من الخِدَاع والأضاليل التي لا يفطنُ لها إلا الأقلون ؛ فربما سرت لنفسك الظنون السودُ ممن حولك فتوهمت كلَ إشارةٍ أو همسٍ بين اثنين لا ُيقصدُ به سواك , أو رأيت اجتماعهم دونك ليس إلا لبغضك وتدبير أمرٍ يضرك , وربما كانوا مخطئين بذلك فاتحين للشبهة باباً ولكن نفسَك المريضة ستحيلُ -بسرعةٍ خاطفة- الشبهَ إلى حقائق لا يحوم حولها ريب , ولا تلبثُ توسع هذا الباب ؛ الذي أشرعته حماقةُ الأصحاب ؛ حتى تدلفَ منه الأحقادُ تلو الأحقادُ كالحطب تُضرمُ به النيرانُ في صدرك ؛ تذكيها ظنونٌ كاذبة , وأوهام باطلة , وشُبَه -عند التحقيق- ساقطة , ومتى طال الأمرُ على هذه الحال فإنه يتفاقمُ في نفسك كمثل السرطان يبدؤ بجرثومةٍ صغيرة حقيرة وينتهي بأورام كِبارٍ لا ترضى بدون القتل فديةً , وغالباً ما ينتهي الأمر -إن لم يُتدارك- بعللٍ نفسية عصية تعكرُ صفوَ الحياة , وتنشرُ في أجوائها الفِســاح دخانَ الكآبة الداكن , وغُبارَها القــاتِم , وتمنعُ خُلطةَ الناسِ والأنسَ بهم , وهذا حرمانٌ كبيرٌ . وهذا الوبال من آثار اتباع الظن وهو أكذب الحديث كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم , وقد نعى القرآن على المشركين اتباعَهم الظنونَ وما تهوى الأنفس وقد جاءهم من ربهم الهدى .ارباً كفاً بكف , جاهلاً بأنه مكبلٌ بوهمه , متعثرٌ بأذيال كسله, وكم من حكيمٍ وقفَ حائراً من تقلب الدهر وصروفه في أهله فازداد يقيناً بربه , وسلّمَ لحكمتهِ , وظهرَ أثرُ الابتلاء في الناس فمنهم شاكر ومنهم كافر , "إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا".


    - - - إن الأحمقَ ليس إلا رجلاً غَفَلَ عما تجب مُرَاعاته من آدابٍ وأخلاقٍ وأذواق , وكما أن الحُمْقَ وصفٌ ملازمٌ لأشباه المجانين ؛ فهو يَعرِضُ أيضاً لبعض الأسوياء بل إنه ربما نال بعضَ الأذكياء من الناس وفي هذا قصص مطربة , وأحداث مضحكة , وما يعنينا من (ذِكرَى الحمقِ) هو أننا ناسٌ من الناسِ قد يمسنا منه شئٌ ؛ فعلينا أن نوطن أنفسنا على التعقل إن نابنا منه مسٌ , وعدمُ اليائسِ في سبيل العود إلى حالنا الطبيعي وهو العقل التامُ أو الغالبُ , وحسبُك بهذا نعمةً , والله تعالى هو الموفق وحده.


    - - - بما أن "رضا الناس غايةٌ لا تدرك" فألقِ في نفسك يأساً يريحُكَ عن الطمع في المستحيل , ولا يعني هذا عدم المبالاة بمشاعر الناس وازدرائهم فذلك ظنُ الجفاةِ الأجلاف فقط –أجارك الله تعالى- بل قم بما يجب عليك من المكارم وحسن الخلق مع الخلطاء ونحوهم فإن فعلتَ فلا عليك من غضب غاضب أو إعراض معرض , حتى وإن سآك ظنُهم فيك وحَملِهم ما بدرَ منك على ما لم تقصد ولا تحب , وأرح -أخي- بلابل صدرك , وسكن من فوران دمك, ولا تكن كالشمعة التي تحترق لتري الأعمى موطئ قدميه وأنّى لها ذلك ؛ فدع هؤلاء وشأنَهم ولا تنسى فضلهم في إطلاقٍ الألسنة بتلك الحكمة التي صَدّرتُ بها هذه الفقرة ؛ فلولا التعنتُ لما عُرِفَ قدرُ السماحة , ولولا الخيانةُ لما عَشقنا الوفاءَ وقد قيل : إن للشوهاء فضلاً على الحسناء. والحمد لله

    - - - إن بكى قلمُك فكفكِفْ دموعَهُ بالورق فإذا سكنتْ همومه فعلقْهُ على صدرك وضمهُ إلى قلبك ليسمعَ وجيبَه المكروب فيَسْلَى حينذاك ويعلمَ أننا شركاءُ , وفي هذا أبلغُ عزاء ... والحمد لله الذي يُعقبَ الصابرين أجراً بعد البلاء . وله الحمد أُخرى ؛ لأن الهمَ مهما طال فلا بد من زوالك عنه أو زواله عنك .
    للواجد المكروبِ من زفراتِهِ ............ سكونُ عزاءٍ أو سكونُ لغوبِ

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    الدولة
    مسافر في بحار اليقين ... حتى يأتيني اليقين ؟!
    المشاركات
    1,295

    افتراضي رد: على ضفافِ النفسِ (1)

    عنوان مدهش ... و خواطر جميلة ذات عبر ... و تصدير لها بديع !!

    زدنا منها يا أخا الإسلام علها تستقيم أنهار نفوسنا الدفاقة بالآثام الخفية حتى عليها !! ؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    68

    افتراضي رد: على ضفافِ النفسِ (1)

    حباً وكرامةً ...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: على ضفافِ النفسِ (1)

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي الكريم
    كل نفس بداخلها كثير من التساؤلات .. كثير من الإنفعالات والمشاعر والصراعات
    يشرفني أن تقرا لي موضوع " مهمة في الأرض " لعلك تجد فيه ولو قطرة مما تريد وتبحث
    مهمة على الأرض
    أرق تحياتي
    يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    سياتل..ولاية واشنطن ..
    المشاركات
    1,211

    افتراضي رد: على ضفافِ النفسِ (1)

    جزاك الله خيرا وبارك الله فيك..كلام جميل..
    أنا الشمس في جو العلوم منيرة**ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
    إمام الأندلس المصمودي الظاهري

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,608

    افتراضي رد: على ضفافِ النفسِ (1)

    كلام طيب، وأسوب متميز، وحس مرهف؛ فالله حسيبكم. رزقنا الله وإياكم الإخلاص.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •