(منقول)
يعتبر المفكر والأديب والمثقف مرآة لمجتمعه وبيئته التي يعيش فيها.

وكذلك الروائي عندما يقدم عملاً روائياً فغالباً ما يكون ذلك صورة كربونية لمجتمع هذا الروائي فالرواية تتأثر بأمرين مهمين :

1/ ثقافة الكاتب.
2/ البيئة التي يعيشها الكاتب .

وبالنظر إلى الأمرين نجد أن الكاتب لا يستطيع تصنع ثقافة لا يمتلكها لأن كتابته ستفضحه أمام القارئ المثقف ،أما البيئة فبمقدور الروائي صناعتها حسب هواه .

وبغض النظر عن مصداقية البيئة التي تخيلها الكاتب في روايته فإننا نقول :

حين تجول بفكرك في الروايات الروسية والشيوعية ومن أشهرها (الجريمة والعقاب ) لفيدور دوستويفسكي ، و( كيف سقينا الفولاذ) لنيقولاي استروفسكي . وكذلك ( الأعمال الكاملة لميخائيل شولخوف ) ، فإن أول ما سيتبادر إلى ذهنك عن الرجل الروسي والرجل الشيوعي أنه رجل ثوري يحب التغيير , وأنه رجل عملي ورجل مناضل , بل هم شعوب قادرة على التضحية بكل ما تملك من الأرواح في سبيل مبادئهم وأوطانهم وبلادهم ومعتقداتهم .

ثم حلق بفكرك قليلاً في روايات أجاثا كريستي على سبيل المثال لا الحصر ( جريمة في قطار الشرق السريع ) أو (اختفى كل شيء )أو ( الموعد الدامي) ، وكذلك روايات دان براون الشهيرة ( شيفرة دافنشي ) ( ملائكة وشياطين ) ( حقيقة الخديعة ، وروايات ستيفن كينغ ( الهارب ) (بؤس ) ،بل حتى روايات الأطفال كرواية جوان كاثلين ( هاري بوتر ).

فستخرج بانطباعات كثير وتصورات منها :

- الرجل الفرنسي رجل مهذب لبق أنيق في مظهره العام ، رائحته زكية دائماً ، رسام مبدع، مثال للأديب البارع الناجح .

- الرجل الألماني ذلك الفيلسوف المفكر الصارم , المتقن دائماً لعمله .

- الرجل الإنجليزي : هو الشخص الذي يعشق القراءة والاطلاع فلا ينام حتى يقرأ نصف ساعة على أقل تقدير ، وهو رجل صاحب شخصية حادة منطقي التفكير، صاحب دقة في المواعيد يحترم الوقت ويحترم النظام .

الرجل الأمريكي : الأسطورة صاحب الإبداع والابتكار وهو القادر على قيادة العالم _ بزعمهم_ لا يتوقف عن العمل والإنتاج.

وبغض النظر عن مصداقية تلك الانطباعات فإن مثل هذه المشاعر سوف تنتابك قطعاً وأنت تقرأ ولو شيئاً يسيراً من هذه النماذج , التي استطاع كتابها أن يبدعوا في تصوير مجتمعاتهم بالصورة التي يريدونها والتي يريدون أن تعرف عنهم وقد نجوا في ذلك بلا شك.

لكن دعونا ننتقل إلى الروايات السعودية المشهورة والمتداولة بين يدي القراء بل المترجمة منها إلى بعض اللغات الأجنبية ، ما هو الانطباع الذي سيتبادر لذهنك عن المجتمع لسعودي من خلال هذه الروايات؟

وأنا لا أتحدث عن جميع الروايات إنما عن الغالب منها ، وكذلك ما أثير حوله ضجة إعلامية وتسويق غريب عن طريق المعارض السعودية!! ودور النشر.

فعلى سبيل المثال (مدن الملح ) لعبد الرحمن المنيف .هذه الرواية التي عدت أفضل رواية عربية ترجمت في الثمانينات الميلادية يصور الكاتب في هذه الرواية مجتمع الجزيرة على أنه مجتمع جاهل تماماً بل ومجتمع مغفل وبسيط يستغله الأوربيون والأمريكان لسرقة ثروته ، بل تجاوز ذلك إلى تشويه الجوانب الإيجابية والأخلاق الحميدة التي كانت آنذاك .

وبالنظر لغيرها من الروايات كروايات (عبده خال )(تركي الحمد) (عبد الله ثابت ) وبعض الروايات التي سوقت بشكل غريب مثل ( بنات الرياض ) وما كان على نفس النهج . نستنتج من هذه الروايات مايلي :

- الرجل السعودي صاحب البطن المترهل الكبير لا يعرف من الحضارة شيئاً ، يقضي يومه بين جلسات السمر والاستراحات .

- الرجل السعودي الموظف كسول عن العمل لا ينجز، سيء الخلق مع الناس ، وإذا أنجز فذلك لرشوة أو مصالح شخصية.

- المرأة السعودية إما امرأة جاهلة ثرثارة همها الوحيد القيل والقال والتنقل بين المجالس ،وإما امرأة متعلمة لكنها لا تفكر إلا في نفسها والأسواق والزينة والسهرات والمناسبات.

- أما الشاب السعودي فهو إما الشاب المتهور الطائش العاطل عن العمل المتسكع في الشوارع الباحث عن المعاصي أو الشاب الإرهابي المتشدد الحاقد على مجتمعه وبلاده.

- أما الفتاة السعودية فحدث ولا حرج عن سوء الوصف وتصويرها على أنها الفتاة العابثة صاحبة المعاكسات والعلاقات الغرامية..

والأسئلة التي أود طرحها :

أين الحديث عن الأم المسلمة المربية التي تضحي بحياتها من أجل تربية أبنائها التربية الإسلامية ؟

أين تلك الأم التي مات عنها زوجها فعكفت على أبنائها وبناتها فأنشأت جيلاً صالحاً؟
أين الفتاة المسلمة المحافظة على حجابها وعقيدتها .؟

أين الشباب المسلم الذي نذر نفسه في الجمعيات الخيرية والتعاونية والمؤسسات الإغاثية لخدمة المسلمين داخل البلد وخارجه ؟

أين الشباب الصغار الذين تعمر بهم المساجد ليل نهار لحفظ كتاب الله ومدارسة العلم؟
أين الشاب المبتكر الناجح في دراسته ووظيفته ؟

أين ذلك الشاب المبدع المخترع في العلوم التطبيقية؟

كثيرة هي النماذج التي يجب علينا أن نفاخر بها الأمم ونبرزها لغيرنا من المجتمعات ،ولكن أين ذلك الروائي الذي يأخذ على عاتقه تقديم رواية متميزة تحمل مضموناً إيجابياً ورسالة هادفة؟

وأود أن أشير إلى ملحوظات مهمة :

1/ ليس المقصود إغفال الجوانب السلبية وعدم الحديث عنها إنما المراد التوازن في الطرح وعدم وصف المجتمع بأسوأ مما هو عليه في الحقيقة.

2/ بعض الكتاب حينما يذكر السلبيات يذكرها على سبيل الثناء والتزكية لها وهذا خطره أعظم ،وهو ما ينبغي التحذير منه كتحسين صورة الفتاة المتسكعة المعاكسة صاحبة العلاقات الغرامية وتصويرها بالبطلة ، والثناء على بعض الصفات المحرمة أو ذكرها عرضاً وكأنها أمر غير مستنكر كشرب الخمر والزنا وغيرها .

3/ عند ذكر السلبيات فينبغي ذكرها على سبيل النقد لا الاستحسان والدعوة إليها.

4/ لا يصح أن نركز على جوانب الخطأ والسوء في المجتمع ونترك الجوانب المتميزة لأن في ذلك إحباطاً للعزيمة وتضعيفاً للهمم.

5/ كثرة ذكر الفواحش والمنكرات على سبيل الاستحسان يدخل صاحبه في الوعيد يقول الله تعالى:(( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) .

ومضة:

قدم لنا هذا البلد الكثير فمن حقه علينا أن نرد له ولو شيئاً يسيراً مما قدم ، وتشويه صورته هي من أعظم الإساءات بحقه، ولا أقل من العدل في النقد وإبراز الجوانب الحسنة والمتميزة فيه.

عبدالله بن معدي القرقاح
كاتب سعودي
Amsq.1403@hotmail.com

خاص بصحيفة ( سبق ) الإلكترونية
ـــــــــ

https://w8.info.tm/dmirror/http/www....wMaqal&id=4776