بسم الله الرحمن الرحيم
إن محاولة التجديد في الوسائل النوعية وآليات العمل الإسلامي بشقيه الفرضي والتطوعي مطلب ضروري تقتضيه الحاجة والمصلحة وإن إعادة النظر في مسائله ومحاولة دراستها الدراسة الجادة المثمرة الموصلة إلى الحل السليم والرأي المحكم ضالة منشودة مراعين الأجواء المتغيرة والاختلافات الزمانية والمكانية من أجل إقامة مجتمع إسلامي متكامل.
لقد اعتنى علماء الإسلام من قبل وإلى الآن بدراسة الكثير من الأنظمة والمؤسسات المدنية من تحديد لمسارها ومحيطها. وذلك من خلال التعريف بها ووضع أركانها وشروطها وكان من أبرز الأنظمة التي أوليت عناية واهتمام {نظام الحسبة}.
وإكمالاً لهذه المسيرة المباركة نقدم هذه المقالة محاولين فيه المساهمة في العمل الإصلاحي لأحد مواد هذا النظام. وبما أن طبيعة هذا البحث الجزئية فلن نتطرق إلى ذكر أركان أو شروطاً الحسبة وبقية المسائل المتعلقة بها ونكتفي بذكر التعريف فقط حتى يكون مدخلاً مناسباً للموضوع.
تعريف الحسبة لغة: اسم من الاحتساب ولها معاني كثيرة منها: الأجر، وحسن التدبير والنظر، وطلب الأجر وتحصيله ومن معانيها (الإنكار) يقال: احتسب عليه الأمر إذا أنكره عليه.
انظر: لسان العرب) و (القاموس المحيط) و (مختار الصحاح)
الحسبة في الاصطلاح: عرفها جمهور الفقهاء بأنها: الأمر بالمعروف إذا ظهر تكره، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.
انظر: (الأحكام السلطانية للماوردي)
والحسبة من الولايات الإسلامية التي يقصد بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من اختصاص الولاة والقضاة وأهل الديون ونحوهم.
الموسوعة الفقهية ج (6)
ولقد قام العلماء أثناء دراستهم لأحد أركان الحسبة وهو (المحتسب فيه) المحاولة (لمعلمة المنكر) حتى يسهل على المحتسب القيام بواجبه، فمعرفة (المنكر) الذي يتطلب تغييره أمر مهم يحتل جزءاً كبيراً من خارطة النظام ولقد استوقف العلماء شرطان أساسيان في معرفة المنكر بعد اتفاقهم في كثير من الشروط الموضوعة لمعرفته وهما:
1) أن يكون المنكر معلوماً بغير اجتهاد.
2) أن يكون المنكر ظاهراً بغير تجسس.
المبحث الأول
مناقشة شرط كون المنكر معلوماً بغير اجتهاد
لو أردنا محاولة معرفة سبب مناقشة العلماء لهذا الشرط فسوف يرجع إلى ما كانت تمر به الأمة من اختلاف علماءها في كثير من مسائل الفروع التي يتناولها الشارع العام فإذا قام جهاز يعني بالمشاركة والاحتكاك مع الشارع العام فسوف يواجه بهذا التساؤل سواءً من المقلدة أو حتى من المجتهدين، وحتى لا يحصل الاصطدام بين هذه المؤسسة والجمهور فيعرف الناس ثمار أقامت هذا النظام كان من المتحتم القيام بفرض هذا الشرط ودراسته.
قال الماوردي (في الأحكام السلطانية): {واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي: هل يجوز له (المحتسب) أن يحمل الناس فما ينكره من الأمر التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الاصطخري: أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه.
والثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة فيما اختلف فيه.
وقد شابه الحنابلة السادة الشافعية في الحكم على هذه المسألة حيث أنهم اختلفوا على وجهين:
الوجه الأول: الإنكار وحمل الناس على ما يرجحه. قال الإمام أحمد –في رواية الميموني-: في الرجل يمر بالقوم وهم يلعبون بالشطرنج ينهاهم ويعظهم، وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن رجل مر بقوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ بالشطرنج فرمى به فقال: قد أحسن: وصلى أحمد يوماً إلى جنب رجل لا يتم ركوعه ولا سجوده فقال: أقم صلبك وأحسن صلاتك.
الوجه الثاني: لا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهداً فيه بل أنهم صرحوا بأنه لا يجوز (الإنكار) كذا قال القاضي ومثلوه بشرب النبيذ والتزوج بغير ولي. وذكر في المغني أنه لا يملك منع امرأته الذميمة من يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادها إباحته وفي رواية المروذي (الصريحة) لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.
ملاحظات على المسألة تفيدنا للترجيح:
1) من الملاحظ على طرفي المسألة أنه من الممكن أن نجمع بينهما.
حيث أن القول الذي يطالب بمحاولة المحتسب حمل الناس على رأيه يكون ذلك لعوام المذهب نفسه أو (اللامذهبيون).
2) ترجيح محرري المذهبين المذكورين (الشافعية والحنابلة) كالغزالي والنووي –عند الشافعية- وابن قدامة وشيخ الإسلام وابن القيم –عند الحنابلة-.
3) مدى منطقية القول بعدم الحمل وحجيته وتناسبه مع غايات وأهداف النظام.
4) عدم تصادم القول المعارض للحمل والإنكار مع التسامح الديني ودعوى التعددية.
5) حصول صورة كثيرة من الخلاف بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم- ولم يحصل هناك محاولة للإقصائية من أحد الأطراف في المسائل ذات الطابع الاجتهادي.
الترجيح:
من خلال ما سبق:
القول بأن ما ذهب إليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد لا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكراً هو الراجح.
ونختم هذا المبحث بكلام نفيس خارج من مشكاة ورثة الأنبياء الربانيين لشيخ الإسلام ابن تيميه حيث قال –رحمه الله- {ثم العلماء ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن على أحد المذهبيين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين، أو أكثرهم. وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد وله المخطئ غيرنا والإثم مرفوع عنه. لكن أن ندبه على وجه النصيحة – إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوباً مندوب إلى فعله برفق فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بنية، أو وقوع في خلاف آخر}.
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ص 139
ملحق:
قد يورد إشكال وهو عند الترافع إلى حاكم وقد يكون للحاكم قول يخالف رأي أحد الخصوم.. فما العمل؟
لقد نص العلماء كالسيوطي (الأشباه والنظائر) وغيره على أنه ليس للحاكم أن يحكم إلا بما يراه ويعتقده. وهذا هو رأي الجمهور.
المبحث الثاني
هل من شروط المنكر أن يكون ظاهراً من غير تجسس؟
أن مبدأ الستر وعدم التشهير مبدأ عززته الشريعة الإسلامية، بل جاءت بالأمر لفعله ومحرمة لكل ما يخالفه من تنصت وفضيحة بكل صورها وأي وسيلة توصل لذلك من التجسس، وغيره.
فمن الكتاب قال تعالى: {... وَلَا تَجَسَّسُوا ..}( ) قال قتادة: هل تدرون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع أو تبتغي عيب أخيك التطلع على سره، ومن السنة قوله (صلى الله عليه وسلم) (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا....)( ) حامية بذلك حق الفرد من عدم المحاولة لكشف سره وأساءت الظن به حتى في التحاكم القضائي فنادت بأن (الأصل براءة الذمة) (وأن أحكام الدنيا مبنية على الظواهر) ولم تكن هذه الأنظمة والأصول (حبراً على ورق) بل كانت واقعاً مجسداً تعامل به المجتمع المسلم في أرقى عصوره (عصر الصحابة)، فعن زيد بن الصلت قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول لو أخذت شارباً لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره الله. فهذا كلام يصدر من أعلى ممثل للسلطة القضائية في ذلك الوقت. وعن عكرمة عن ابن عباس وعمار والزبير أخذوا سارقاً فخلوا سبيله، فقلت لابن عباس: بئسما صنعتم حيث خليتم سبيله فقال: لا أم لك ما لو كنت أنت لسرك أن يخلى سبيلك.
إن هذه الأمثلة تعطي ما نروم التوصل إليه قدسية وتعظيم فهذه المعادلة المكونة من رجل الحسبة والمنكر وفاعل له، وكانت النتيجة الستر بل لقد حصل تصرف صريح مشابه لمسألتنا هذه من الصحابي الجليل المشهود له بالعلم والإيمان عبدالله بن مسعود –رضي الله عنه- كما ذكر الجصاص في تفسيره لقوله تعالى {... وَلَا تَجَسَّسُوا ..} أن ابن مسعود قيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال: أنا قد نهينا عن التجسس، ولكن أن يظهر لنا شيء نأخذ به. مؤكداً على القاعدة المذكورة آنفاً أن أحكام الدنيا مبنية على الظواهر.
إلا أن المنطقية في الدراسة والمطالبة بالواقعية في دراسة هذه القضية تلزمنا أن نحسن قراءتنا لهذه المسألة وعدم اكتفاءنا بالنظر من زاوية واحدة وذلك لأمور:
أولها: أن كثيراً من القضايا للحالات (المنكرية) الخطيرة المهددة للاستقرار الأمني والاجتماعي لا تحصل إلا خلف الأضواء وفي مناطق الظل بعيداً عن الأعين.
ثانياً: أن هذه الوسيلة (التجسس) قد أثبتت مدى فعاليتها وأنه لو لم يتم استخدامها لم يتمكن الجهاز من أداء واجبه.
فمن أجل ذلك وغيره وضعت هذه المسألة على المائدة الفقهية ليحسن دراستها بحذر ودقة مراعين الضوابط الشرعية والثوابت الإسلامية ليهيئ المناخ المناسب ليتم استخدام هذه الوسيلة في تحقق الغاية. (والضرورة تبيح المحذورات) ولكن (الضرورة تقدر بقدرها).
لقد سمح الفقهاء (للمحتسب الموكل من قبل الحاكم) أن يتحسس إذا كان في ترك التجسس انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره –من يثق به- أن رجلاً خلا برجل ليقتله، فجوزوا في هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات حالاً يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحذورات، فأما من كان دون ذلك في الريبة فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه وهذا القول محكي عن جمع الصحابة كإبن عباس وابن مسعود.. وغيرهم وروى ابن منصور وعبدالله من الإمام أحمد في المنكر يكون مغطى، مثل طنبور ومسكر وأمثاله فقال إذا كان مغطى لا يكسر.
إلا أن هناك حالات يغلب على الظن فيها أن هناك من يستتر بفعل منكر لأمارات دلت وآثار ظهرت وقرائن اجتمع عند رجل الحسبة انقدم في ذهن من خلالها أن هناك من يفعل منكراً مستتراً فذهب العلماء إلى أنه له أن يكشف ويتجسس مستوطين كون المنكر لا يمكن أن يستدرك.
صحة هذا القول وعدم تعارضه مع ما تقدم من أصل الأمر بإحسان الظن:
أولاً: بالنسبة لإساءة الظن فقد بوب البخاري في كتابه (باب ما يجوز من الظن) وذكر لهذه الترجمة حديث عائشة –رضي الله عنها- قالت: (دخل عليَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- يوماً وقال: (يا عائشة ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان ديننا الذي نحن عليه).
وعلق على ذلك ابن حجر حيث قال:
والنهي إنما هو عن الظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه، وقد قال ابن عمر: إنا كنا إذا فقدنا الرجل في عشاء الآخرة أساءنا به الظن ومعناه أنه لا يغيب إلا لأمر سيء أما في بدنه أما في دينه.
ثانياً: العمل على ضوء القاعدة الشرعية الظن الغالب حجة يعمل بها.
أن القاعدة الشرعية تبين أنه بالإمكان المصير إلى الظن الغالب بل أنه يصبح حجة يعمل لها لا سيما إذا تعذر الوصول إلى التعيين فكتب إذا كان ذلك فيه تحقيق مصلحة وسد مفسدة.
ونستخلص مما سبق:
1) إنه لا يجوز للمحتسب أن يتجسس ولا أن يهتك الأستار هذا في الأصل.
2) أنه يجوز له التجسس إذا ظهرت عنده إمارات وقرائن تغلب على الظن.
3) أن يكون المنكر لابد فيه التعجيل في الإنكار حذار فوات ما لا يستدرك من ارتكاب المحارم وفعل المحذورات. للقاعدة الشرعية إنكار المنكر واجب.
4) أن ما خرج عن هذا الحد وقصر من هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه.