مسألة التجنس بجنسيات الدول الغير مسلمة و الجنسية المزدوجة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: مسألة التجنس بجنسيات الدول الغير مسلمة و الجنسية المزدوجة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    90

    Question مسألة التجنس بجنسيات الدول الغير مسلمة و الجنسية المزدوجة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما حكم التجنس بجنسيات دول غير مسلمة كالدول الاوربية و ما حكم الجنسية المزدوجة
    من كان لديه شئ في هذا الموضوع فالتفضل بارك الله فيكم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    184

    افتراضي رد: مسألة التجنس بجنسيات الدول الغير مسلمة و الجنسية المزدوجة

    هذا بحث جامع لأقوال أهل العلم المعاصرين في المسألة

    حكم التجنس بجنسية دولة غير مسلمة

    الناظر في تاريخ الأمم وأحوال البشر يظهر له أن التجنس، باعتباره انتماء من الشخص إلى دولة معينة، إنما هو أمر حادثٌ لم يظهر إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي لظروف جدّت على البشرية ما كانت موجودة فيما مضى من عمرها.

    وقديماً كان انتماء الشخص إلى قبيلته وولاؤه كله لها، فإليها ينتسب وفيها يندمج وفي كيانها تذوب شخصيته، وهو معها ظالمة أو مظلومة.

    ويمثل هذا الولاء قول الشاعر العربي قديماً:

    وما أنا إلا من غزية إن غوتْ غويتُ، وإن ترشد غُرية أرشُد

    فالجنسية بمفهومها المعاصر كانت عندهم على أساس العصبية القبلية، وهو مفهوم أخص من مفهوم الجنسية المعاصرة المرتبطة أصالة بالبلد التي يتجنس الشخص بجنسيتها.

    وقد كان المرء لا يستطيع الفكاك من قبيلته إلى قبيلة أخرى حتى ولو كانت قبيلته من الضعف والذل والهوان بمكان، فلا يمكن أن ينتسب إلى غيرها وإن تمنى ذلك، كما قال الشاعر:

    لو كنتُ من مازنٍ لم تستبح إبلي إذاً لقام بنصــرتي معشر خُشُنٌ

    لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً

    كأن ربك لم يخـــلق لخشيته فليت لي بهم قوماً إذا ركبــوا

    بنو اللقيطة من ذهـل بن شيبانا عند الحفيظــة إن ذو لوثةٍ لانا

    ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ومن إساءة أهل السـوء إحسانا

    سواهُـم من جميع الناس إنسانا شنوا الإغـارة فرساناً وركباناً

    وظل الحال على ذلك من التعصب المقيت والتحزب البغيض والتفاخر بالأحساب والعصبية الجاهلية إلى أن أشرقت شمس الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة أزكى السلام والتحية، فغدت الرابطة بين المسلمين إنما هي بالانتساب لهذا الدين مهما تباعدت الأقطار واختلفت الألسن. قال – سبحانه وتعالى – (( إنما المؤمنون إخوة )) (الحجرات: 10).

    وقال – عليه الصلاة والسلام -: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلِمه ، ولا يخذله)) [1].

    وجاءت النصوص متواترة تقرر هذا الأصل الأصيل والركن الركين، وتنهى أشد النهي عن كل تعصب وحميّة جاهلية، حتى رسخ هذا النظام القويم في النفوس واستقر؛ ولذا قال العربي المسلم بعد تبرُّئه من العصبية الجاهلية:

    أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم

    فصار الدين – بحمد الله – هو الرابط الذي يربط بين الأفراد والجماعات المنتمية إليه، وهو العروة الوثقى التي يلجأ إليها الخلق والقاسم المشترك بين المسلمين في شتى بقاع الأرض.

    فالأرض أو المادة لا يكوِّنان الجماعة الواحدة، وإنما رباط العقيدة وأخوّة الإسلام هما من يجمع بين الناس من مختلف الألوان والأجناس ومن أقاصي البقاع ودانيها، ويربطان فيما بينهم بنوع من الوحدة أمتن وأنبل من وحدة اللون والدم والتضاريس.

    ولما كان الأمر كذلك، فقد جرى عمل فقهائنا المتقدمين على تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر. وأما في الواقع المعاصر فقد انقسم الناس باعتبار الجنسيات، وصار من الممكن للإنسان أن يتجنس بجنسية بلد غير بلده الأصلي الذي نشأ فيه هو وآباؤه وفقه شروط معينة تختلف من دولة إلى أخرى .

    وسعى كثير من أبناء هذا الزمان إلى الحصول على جنسيات غير جنسيات بلادهم الأصلية، تدفعهم إلى ذلك دوافع شتى؛ فمن لاجئ سياسين ومن باحث عن حرية وساع إلى الحصول على حقوق أو مميزات لم يجدها في قومه، إلى غير ذلك من المآرب .

    ولكن الأمر ليس قاصراً على الميزات التي يُعطاها المرء فحسب ، بل ثمة حقوق وواجبات عليه؛ من الالتزام بقوانين تلك البلد، والتحاكم إلى أنظمتها، والدفاع عنها، والانخراط في سلك المدافعين عنها من أبنائها، وبذلك الجهد والوسع في تقويتها ورفعة شأنها ، وعقد الولاء لها والبراء من غيرها، إلى غير ذلك من مفردات منظومة كبيرة تسمى بـ (المواطنة).

    ومن هنا مست الحاجة اليوم إلى معرفة حكم التجنس بجنسيات الدول غير الإسلامية؛ لشدة الدوافع والمقتضيات إلى ذلك. وسيكون بحثنا لهذه النازلة في المطالب التالية:

    المطلب الأول: تعريف الجنسية والتجنس:

    أولاً: مفهوم الجنسية والتجنس لغة:

    الجنسية: مصدر صناعي مأخوذ من الجنس، وهو الضرب من كل شيء، قال ابن فارس: الجنس: هو الضرب من الشيء.

    قال الخليل: كل ضرب جنس، وهو من الناس والظهر والأشياء جملة، فالناس جنس، والإبل جنس، والبقر جنس، والتنجس والتجنيس : تفعُّل وتفعيل للجنس، أي: طلب له. ويقال: هذا يجانس هذا، أي: يشاكله.

    وعليه، فإن كل طائفة من الناس يتشاكلون في أمرٍ ما فهم جنس فيه؛ كجنس العرب، وجنس العجم، وجنس المؤمنين، وجنس المشركين، وجنس العلماء، وجنس العسكر ... وهكذا، وعلى هذا المعنى مضى علماء اللغ[2].

    ثانياً: المفهوم الاصطلاحي للجنسية والتجنس:

    يعرِّف القانونيون الجنسية بأنها:

    (( الرابطة القانونية والسياسية التي تربط بين الفرد والدولة، والتي بمقتضاها يعتبر الفرد جزءاً في شعب الدولة يتمتع بالحقوق المترتبة على تمتعه بجنسية الدولة والتي لا يتمتع بها الأجنبي كأصل عام، ويلتزم أيضاً بالالتزامات التي تترتب على وصف الوطني والتي لا يلتزم بها الأجنبي )) .

    وعرفها بعض القانونيين بقوله: (( رابطة سياسية وقانونية بين الفرد والدولة)) [4].

    وهناك من يضيف إلى هاتين الرابطتين رابطة ثالثة؛ هي الرابطة الاجتماعية، خاصة إذا كان شعب الدولة مكونة من أمة واحدة[5] .

    وعرفتها محكمة العدل الدولية في السادس من إبريل سنة 1951م بأنها : رابطة قانونية قائمة أساساً على رابطة اجتماعية وتضامن فعال في المعيشة والمصالح والمشاعر، مع التلازم بين الحقوق والواجبات[[6] .

    وأما التجنس فهو:

    طلب انتساب إنسان إلى جنسية دولة من الدول وموافقتها على قبوله في عداد رعاياها ، وينشأ عن ذلك التجنس خضوع المتجنس لقوانين الدولة التي تجنّس بجنسيتها، وقبوله لها طوعاً أو كرهاً، والتزام الدفاع عنها في حال الحرب[7].

    وأما كيفيته:

    فهو يتم عبر عمل اختياري يحصل بموجبه أحد رعايا دولة ما على عضوية رعية دولة أخرى، وغالباً ما تتلاشى الناحية الاختيارية من تجنس الفرد في عملية التجنس الجماعية، ويحدث عادة إما بموجب معاهدة بين دولتين تتبعها عملية تجنس جماعية لسكانها من جانب الدولة التي تستولي عليها، أو عملية فتح تتبعها عملية ضم إلى أرض العدو[8].

    وللتجنس شروط تشترطها الدول، فمنها العام، ومنها الخاص ببعض الدول[9].

    - آثار التجنس:

    إن أهم أثر يترتب على التجنس هو كسب صفة الوطني، والتي تستوجب التمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها الوطني الأصلي والالتزام بكافة الواجبات التي يُلزم بها، ولعل من أهم هذه الحقوق والواجبات ما يلي:

    أولاً: الحقوق:

    يكون المتجنس مساوياً في الحقوق للوطني في الجملة وإن استثنيت بعض الأمور كالتقدم لوظائف حساسة، ومن بين هذه الحقوق:

    1- الحصول على حق المواطنة.

    2- التمتع بالإقامة الدائمة.

    3- تكفل الدولة الحماية الدبلوماسية للمنتسب إليها، وتتولى القنصيليات رعاية أحواله الشخصية خارج البلد.

    4- التمتع بالحقوق السياسية كحق الانتخاب بعد اجتياز فترة الاختبار، وبممارسة الحريات الأساسية.

    ثانياً: الواجبات:

    من أهم الواجبات:

    1- خضوع المتجنس لقوانين الدولة والاحتكام إليها.

    2- المشاركة في جيشها والتزام الدفاع عنها في حالة الحرب.

    3- تمثيل الدولة خارجياً.

    4- مشاركته في بناء صرح الدولة[10].

    المطلب الثاني : حكم التجنس بجنسية الدولة غير المسلمة:

    البحث في هذه المسألة يختلف عن البحث في مسألة الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام من حيث إن الهجرة أمر قديم بقدم الإسلام، وتناوله العلماء في كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث وغيرها.

    وأما التجنس فمسألة حادثة ونازلة لم تكن على عهد السلف والأئمة ، وإنك لواجد في كتب الأئمة الفقهاء التفصيل الواضح في أحكام الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وأحكام الأقليات غير المسلمة في المجتمع المسلم، أما فقه الأقليات المسلمة في البلاد غير المسلمة فنادر في كتب الفقه؛ لأنه نادراً ما كان يحتاج المسلم للإقامة الدائمة هنالك؛ لوجود الخلافة الإسلامية التي يأوي إليها المسلم ويتفيأ ظلالها. ولانعدام الحدود بين الدول الإسلامية، فأينما تيمم المسلم في بلاد الإسلام فهو في بلاده لا يحس بغربة ولا وحشة، وكذلك العزة الإسلامية التي يتمتع بها المسلم فهو ليس بحاجة للإقامة في بلاد الكفر فضلاً عن التجنس بجنسياتها ، ذلك أن التجنس بجنسية الدول الكافرة موطئ للإقامة في بلاد الكفر، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على خلل أو ضعف حلّ بالمسلمين والخلل العظيم في هويتهم، إذ المهزوم والضعيف هو الذي يريد أن يشابه المنتصر والقوي فيقتدي به.

    ومن نظر في التاريخ وجد أن هذا أمر مطّرد، فوقت أن كانت الدولة للمسلمين كان المشركون حريصين على تعلم لغتهم والعيش في بلادهم؛ ليتمتعوا بالأمن والعدل ورغد العيش الذي كانت بلادهم قفراً منه.

    ثم إنه بعد سقوط الخلافة الإسلامية وانتشار الغزو الصليبي لبلاد الإسلام، أو ما سُمي زوراً بـ (الاستعمار؛ فتحت دول الكفر باب التجنس لمن يرغب في ذلك من المسلمين؛ لطمس هويتهم ، وإخماد روح الإيمان والجهاد في قلوبهم، وذلك في أوائل القرن الميلادي المنصرم، وهي نتيجة طبيعية لضعف المسلمين وقوة شوكة عدوهم.

    يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة:

    (( المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط من أن انقيادها ليس لغالب طبيعي إنما هو لكمال الغالب وتشبّهه به وذلك هو الاقتداء ، أو لما تراه – والله أعلم – من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة ناس وإنما هو بما انتحل من العوائد والمذاهب.

    ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها؛ بل وفي سائر أحواله)) [11].

    والحاصل أن التجنس بجنسية الدول الكافرة مسألة حادثة وقد اختلف فيها فقهاء العصر على أربعة أقوال:

    القول الأول: قول أكثر الفقهاء المعاصرين وهو المنع ، وممن قال به العلامة الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ علي محفوظ عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والشيخ محمد عبدالباقي الزرقاني، والشيخ إدريس الشريف محفوظ مفتي لبنان والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن[12]، والعلامة عبد الحميد بن باديس، والعلامة البشير الإبراهيمي، وكل أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والعلامة الشيخ ابن عثمينين، والشيخ محمد السبيل، والشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر والدكتور البوطي، وآخرون يطول سردهم[13] .

    القول الثاني: قول بعض فقهاء العصر وهو الجواز، ومنهم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ، والدكتور وهبة الزحيلي والشيخ الشاذلي النيفر، بشرط المحافظة على الدين والتمسك به، وعدم الذوبان في المجتمع الكافر[14] .

    القول الثالث: جواز التجنس بجنسية الدولة الكافرة عند الضرورة؛ كما لو كان مضطهداً في دينه في بلده المسلم ولم يقبله أحد سوى الحكومة الكافرة.

    وهو رأي بعض أعضاء مجمع الفقه الإسلامي.

    وقد وضع الشيخ الخليلي ثلاثة شروط للجواز ، وهي:

    1- انسداد أبواب العالم الإسلامي في وجه لجوئه إليهم.

    2- أن يضمر النية على العودة متى تيسّر ذلك.

    3- أن يختار البلد التي يمارس فيها دينه بحرية[15] .

    القول الرابع: التفصيل في المسألة؛ فالناس في طلب الجنسية على ثلاثة أقسام:

    الأول: التجنس بجنسية الدولة الكافرة من غير مسوِّغ شرعي، بل تفصيلاً للدولة الكافرة وإعجاباً بها وبشعبها وحكمها، وهذه ردة عن الإسلام عياذاً بالله.

    الثاني: التجنس للأقليات المسلمة التي هي من أصل سكان تلك البلاد؛ فهو مشروع وعليهم نشر الإسلام في بلادهم، وتبييت النية للهجرة لو قامت دولة الإسلام واحتاجت إليهم.

    الثالث: تجنس الأقليات المسلمة التي لم تكن من أهل البلد الكافرة، ويعتريه الحالات التالية:

    أ- أن يترك المسلم بلده بسبب الاضطرار والاضطهاد ، ويلجأ لهذه الدولة؛ فهو جائز بشروط الاضطرار الحقيقي للجوء ، وأن يتحقق الأمن للمسلم وأهله في بلاد الكفر، وأن يستطيع إقامة دينه هناك، وأن ينوي الرجوع لبلاد الإسلام متى تيسر ذلك، وأن ينكر المنكر ولو بقلبه، مع عدم الذوبان في مجتمعات الكفر.

    ب- أن يترك المسلم بلده قاصداً بلاد الكفر لأجل القوت؛ فلو بقي في بلاده لهلك هو وأهله ، فله أن يتجنس إذا لم يستطع البقاء بغير جنسيته.

    ج- التجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة ، وهو جائز .

    د- التجنس لمجرد أغراض دنيوية بلاد ضرورة ولا مصلحة للإسلام وأهله، وهو محرم.

    وهذا التفصيل رجّحه بعض الباحثين وأصحاب الرسائل الجامعية [ 16]

    أدلة المانعين:

    استدل المانعون بأدلة كثيرة وعمومات شرعية ومقاصد شرعية نوردها فيما يلي:

    قال تعالى: (( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة))( آل عمران: 28).

    وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ، قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)) (التوبة: 23-24).

    ففي هاتين الآيتين النهي عن اتخاذ ذوي القربي أولياء إن كانوا كفاراً؛ فكيف باتخاذ الأباعد أولياء وأصحاباً ، وإظهار الموافقة لما هم عليهم والرضا به؟

    وقال تعالى - : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصاري أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنهم منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)) (المائدة : 51).

    وقال – تعالى - : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً)) . (النساء : 144).

    وقال – تعالى - : (( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً، وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً)) (النساء : 139- 140) .

    وقال تعالى: (( ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون)) (المائدة: 80-81).

    وقال – جل وعلى - : (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً)). (النساء : 97).

    وقال – تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين)) (آل عمران : 149- 150).

    وقال تعالى: (( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)) (هود : 113).

    وقال جل وعلا – (( إن الذين ارتدوا على أدباهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم . فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بأنهم ابتعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم )) . (محمد: 25- 28).

    وقال تعالى : (( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم وإخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)) (المجادلة : 22).

    وفي صدر سورة الممتحنة: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوهم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءهم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون غليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل، إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون، لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم..)) [الممتحنة: 1-3]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.

    ومن السنة ما رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه من حديث سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: (( من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)) [17] .

    وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أنا بريءٌ من كل مسلم يقيمُ بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله، ولِم؟ قال: (( لا تراءَى ناراهما)) [18] .

    وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يقبل الله – عز وجل – من مشرك بعدما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين )) [19] .

    وأخرج النسائي عن جرير قال: (( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشرك

    [20].

    وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميراً على سرية أو جيشاً أو صاه بأمور؛ فذكرها، ومنها (( ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين)) · وجه الدلالة من الآيات والأحاديث السابقة:

    لقد استفاضت النصوص الشرعية السابقة في التحذير من موالاة الكافرين، ومحبتهم ومودتهم ، والرضا عنهم وعن منكراتهم ، وأوضحت أن ذلك مناقض لأصل الإسلام وهادم لعقيدة الولاء والبراء والحب والبغض في الله، التي لا يصح إسلام عبدٍ إلا بها.

    ولما كان التجنس يلزم منه – لا محالة – ولاء المرء للدولة التي يحمل جنسيتها وخضوعه لنظامها وقوانينها، ويصير المتجنس واحداً من المواطنين له ما لهم وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام ملتهم في الأحوال الشخصية والمواريث، وعدم تدخُّله في شئون أولاده إذا بلغوا السن القانونية عندهم سواء الذكور والإناث... لما كان الأمر كذلك كان طلب التجنس بجنسية الدول الكافرة من غير إكراه عليها بل طلباً من المتجنس أو موافقة على قبولها – صورة من صور الردة عن الإسلام عياذاً بالله، وخروجاً عن سبيل المؤمنين ودخولاً في معية الكافرين الذين حذرنا الله – تعالى – منهم ومن إتباع سبيلهم ، والمقام بين أظهرهم ، وموالاتهم والركون إليهم، كما أشارت النصوص السابقة.

    2- أن الاحتكام إلى قوانين كفرية مخالفة لشرع الله وردة عن الإسلام ، ومن رفض حكم الإسلام فهو مرتد بالإجماع ، والمتجنس متحاكم طوعاً إلى تلك القوانين مستبدلٌ بالشريعة الإلهية القوانين الوضعية.

    قال – تعالى - : (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً، وإذا قيل لهم تعالى إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً)) (النساء: 60-61).

    3- أن ذلك يتضمن تحليل الحرام وتحريم الحلال وإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة؛ وهو كفر إجماعاً . قال – تعالى – في حق من استحل النسيء :(( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا)) [التوبة: 37]، وفي قوله – تعالى - : (( اتخذوا أخبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم)) [التوبة: 31]، وبين النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم عبادتهم إياهم بقوله: (( أليسوا يحلون لهم ما حرم الله فيتبعونهم، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيتبعونهم؟ ))، قال: بلى، قال: (( فتلك عبادتهم)) .

    4- أن مقتضى التجنس المشاركة في جيش الدولة المانحة للجنسية والدفاع عنها إذا قامت بينها وبين غيرها حرب ولو كانت حربها ضد المسلمين، فهذا من أعظم الموالاة للمشركين والمناصرة لهم، والنصوص المذكورة آنفاً طافحة بتكفير من فعل هذا. وقد سمى الله من أظهر الموالاة للمشركين خوفاً من الدوائر منافقاً؛ كما في قوله – سبحانه – : (( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم)) [الحشر: 11]؛ فكيف بمن أظهر ذلك لهم صادقاً ودخل في معصيتهم وانتسب إليهم؟

    وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال: (( من حمل علينا السّلاح فليس منّا)) 23] .

    5- أن للتجنس آثاراً في غاية السءو على النشء والذرية من انحلال وتسيّب، وانطماس للهوية، ونبذ لأحكام الدين وإعراض عنه، وموالاة للمشركين ومعاداة للمؤمنين، ولا ينازع في كون هذا واقع المتجنس أو أغلبهم إلا مكابر.

    6- أن التجنس إقامة وزيادة، والأدلة واضحة في تحريم المقام بدار الكفر، لاسيما مع عدم استطاعة إظهار شعائر الدين، فيحرم إجماعاً، وهذا واقع المتجنسين؛ إذ لا يمكن للمرء أن يتحاكم إلى شريعة الله هو وأهله وأولاده، أو يربي أولاده على الدين ويأطرهم على الحق أطراً هنالك ، لا يشك في ذلك من له أدنى إطلاع على أحوال القوم.

    قالوا: ولا عذر لهؤلاء المتجنسين؛ لأنهم ليسوا بمكرهين حتى نقول ما قال الله تعالى : (( من كفر بالله من بعد إيمان إلا من أكره وقلبه مطئمن بالإيمان)) [النحل: 106] ، بل هم مختارون راضون ، وليس ما ينتظرونه وراء التجنس من حطام الدنيا وحظوظ العاجلة بمسوِّغ لهذا التجنس ، بل يجب أن يفر المرء بدينه متى استطاع وإن ذهبت دنياه. اقرأ إن شئت قوله – تعالى – (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيل الله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)) [التوبة: 24].

    وقد أوجب الله الهجرة من دار الكفر إن خاف المسلم على نفسه الفتنة، وتوعّد الله – سبحانه – أولئك الذين يبقون في أوطانهم بين الفتنة وهم قادرون على الهجرة ، فقال – جل من قائل - : (( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا بيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً)) [النساء : 97].

    وتوعد – سبحانه – من يعبده على حرف ، فقال: (( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرٌ اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة)) [الحج : 11].

    وقال – تعالى - : (( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصرٌ من ربك ليقولن إنا كنا معكم)) [العنكبوت: 10].

    · أدلة المجوّزين:

    عامة أدلة المجوزين عقلية، ومرجعها إلى قاعدة تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولا ريب أن هذا يتطلب نظراً دقيقاً وتحقيقاً للمناطات، ويختلف من واقع لآخر، ومن مكان إلى مكان.

    فمن أدلتهم:

    1- أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحافظ على الكيات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعرض ، والمال، وكلّ ما كان سبيلاً للمحافظة على هذه الضروريات فهو مشروع، والتجنس بجنسيات هذه الدول يوفر للإنسان حياة كريمة وطمأنينة وأمناً وتمتعاً بحقوق وحريات تنعدم غالباً في الدول الإسلامية في واقعنا المعاصر ؛ بل تيسر له أبواباً في التعبد والدعوة ونشر العلم لا نظير لها في الدول الإسلامية؛ لأن مبنى دول الغرب على العلمانية لا على أساس ديني، فإذا كان التجنس وسيلة لتحقيق هذه المصالح المشروعة فهو إذاً مشروع.

    قالوا: ومن حرّم التجنس من أهل العلم فإنما حرمه لظروف خاصة في الاحتلال ونحوه، أو خوفاً من الذوبان في الشخصية الغربية، أما إذا تغير الوضع وصارت الجنسية تعطي المتجنس قوة وصلاة وقدرة على المطالبة بالحقوق وإبداء رأيه، والتصويت في الانتخابات لمن يخدم قضيته دون أن يتنازل عن دينه، ويعايش من حوله بالمعروف ويحسن معاملتهم ؛ كما قال – جل وعلا - : (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين )) [الممتحنة: 8].

    فإذا صار الوضع كذلك ؛ فلا مانع من التجنس لوجود المصلحة الخالية عن المفسدة الراجحة أو المساوية.

    2- أن الإقامة في بلاد الكفر جائزة إن استطاع المرء إقامة دينه وإظهاره وأمِن الفتنة، والتجنس لا يزيد على الإقامة إلا بمجرد الانتساب إلى الدولة، وهو في الوقت ذاته يُكسِب المتجنس قوةً وصلاة في المجتمع كما سبق .

    قال الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي: ما دمنا قد قلنا بجواز الإقامة في دار الكفر؛ فإنه يتفرع عنه جواز التجنس؛ لأنه ما هو إلا لتنظيم العلاقة؛ فهي تسهل لهم الأمور وتسهل أيضاً الاستفادة من خدماتهم [1][1][24].

    3- إننا نسلِّم وجود بعض المفاسد في التجنس، لكن ما ذكرناه من مصالح كلية ومقاصد شرعية يربو عليها، ومعلوم أنه يتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة تفويتُها أشد.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

    (( إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجّح خير الخيرين وتدفع شر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أ[1][1][25] .

    وفي فتوى المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن: ولو تجنس مسلم بهذه الجنسية لدعوة أهلها إلى الإسلام أو تبليغ الأحكام الشرعية إلى المسلمين المقيمين بها؛ فإنه يثاب على ذلك، فضلاً عن كونه جائزاً[1][1][[1][1][1][1]16] .

    4- أنه أحياناً يضطر المسلم إلى التجنس بجنسية تلك الدول محافظةً على حياته؛ كأن يكون فارّاً من بلده الأصلي، أو لم يُمنح جنسية دولة إسلامية تحميه وتمكنه من العيش فيها كاللاجئين الفلسطينيين ، وقد لا يسمح له بالمقام إلا بالتجنس، وكذا لو انعدم مصدر قُوته وقوت عياله في بلاد المسلمين، والقاعدة الفقهية الكلية: أن الضرر يُزال ، وأن الضرورات تبيح المحظورات.

    5- أن في الخروج من تلك البلاد وترك جنسياتها إضعافاً للإسلام والمسلمين هناك؛ بحيث لا ترجى له رجعة؛ كما حدث في الأندلس وصقلية؛ إذ أخرج منها المسلمون وحلّ النصارى محلهم. أما أن يثبت وضع المسلمين هناك ويقوى فهو السبيل لدعوتهم ونشر الدين بينهم.

    6- وأما القول الثالث فهو مقيّد بالضرورة، ودليلهم واضح كما في الدليل الرابع لأصحاب القول الثاني، وفيما عدا ذلك لا يبيحون التجنس موافقةً لمن قال بالتحريم، فمآلُ قولهم كالقول الأول، وحالة الضرورة مستثناة ؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات بشروطها.

    7- وأما القول الرابع ففيه تفصيل سبق ذكره ، وأدلتهم في الصور المحرمة كأدلة المحرِّمين، وفي المباحة كأدلة المجوّزين.

    المطلب الثالث : المناقشة والترجيح :

    الفرع الأول: مناقشة أدلة الفريق الأول:

    1- أما استدلالكم بالنصوص القطعية المحرمة للموالاة والتحاكم لغير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمسلّم ولا نزاع فيه بين أهل الإسلام، وكلامنا في تجنس لا يلزم منه حبُّهم ولا نُصرتهم ولا رضا القلب بمنكراتهم أو مشاركتهم فيها. والمتجنس مأمور بأن يكون ولاؤه لله ولرسوله وللمؤمنين ، وأن يُظهر دينه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأن يتحاكم لشريعة الله، ويمكن أن يوصي بذلك في ميراثه إذا مات، على أن أكثر الدول الإسلامية لا تحكّم شريعة الله، وفيها من الربا والظلم ما لا يخفى، فما الفرق؟

    ورد هذا الجواب:

    إن مجرد التجنس هو إعلان من المرء عن خضوعه لأحكام الكفر وقبوله الولاء للكفر وأهله، سواء خضع بالفعل أو لم يخضع .

    ثم إنه لم يسلم من الوقوع في الحرام أو المشاركة فيه لأن صبغة المجتمع هكذا، بخلاف دول المسلمين؛ فيمكن للمرء أن يجد مندوحة وأن يتعامل بمعاملات شرعية مع إخوانه المسلمين؛ إذ لا تجبره قوانين بلاده على الربا في الغالب، وسيجد من يعينه على ذلك.

    2- وأما قولكم : إن التجنس يؤدي إلى إنكار ما عُلم من الدين بالضرورة وهو كفر؛ فلا يلزم من التجنس هذا اللازم؛ بل لو تلبس المتجنس ببعض المحرمات فلا يلزم منه استحلالها بقلبه، وأهل السنة مجمعون على عدم تكفير المسلم بذنب ما لم يستحله .

    ورُدّ :

    بأن النصوص اعتبرت من رضي بالتحاكم إلى قوانين الكفر كافراً؛ لأنه لا يعقل أن يتحاكم إليها طوعاً مع اعتقاده أحكام الإسلام؛ بل هو عين التناقض. قال – تعالى - : (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمرا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً)) [النساء : 60].

    3- وأما قولكم : إن التجنس يؤثر على الذرية فمحتمل والاحتمال يسقط الاستدلال ، ونحن نرى كثيراً من أبناء الجاليات المسلمة متمسكاً بدينه وقيمه خاصة في ظل التربية الإسلامية.

    ورُدّ:

    بأن هذه مكابرة وتعسُّف ، والذي اعتبره احتمالاً هو الواقع إلا في قليل من الناس؛ فأغلب الأسر المسلمة تشكو انحلال الأخلاق والتفلت من الدين؛ بل منهم من يرتد أولاده أو تأخذهم أمهاتهم قسراً بحكم قوانين تلك البلاد وينسبونه إلى الكفر، ولا يستطيع الوالد أن يحرّك ساكناً ، وكذا لا يستطيع أن يربي أولاده أو يأطرهم على الحق لو أبوا عليه حتى لو وصل الأمر إلى الزنا وشرب الخمر – عياذاً بالله – فليس لولي البنت أو الابن أن يمنع ذلك، فضلاً عن أن يعاقب عليه؛ بل لو فعل لعوقب وأجبر على تأمين مكان مستقل لبناته وأبنائه للزنا والفجور عياذاً بالله؛ فهل هناك أعظم من هذا فساداً وانحلالاً ؟

    4- وأما محذور المشاركة في جيوش الدول الكافرة ؛ فأجيبَ عنه بأن الخدمة في جيوش كثير من تلك الدول اختيارية ، ولو فرض أن المسلم أُكره على ذلك؛ فهو مأمور بأن يفر أو يمتنع ولو زهقت روحه.

    ورُدَّ:

    بأنه كان في مندوحة عن هذا البلاء؛ فلماذا يرمي نفسه في غماره، ولماذا يذلّ نفسه؟ وتقدم قوله – تعالى – (( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً)) [النساء: 97].

    فلم يعذر هؤلاء الذين بقوا في مكة مستضعفين وأكرهوا على مقاتلة إخوانهم المسلمين يوم بدر؛ فكيف بمن قبل بمحض إرادته الانضواء تحت لواء أعداء الله؟

    5- وأما قولكم بتحريم المقام في بلاد الكفر ؛ فليس على إطلاقه ، بل تجري عليه الأحكام الخمسة بحسب الحال كما سبق .

    ورُدّ:

    بأن المتجنس داخلٌ تحت سلطة الكفار وسيُضطهد في دينه لا محالة، ولن يتمكن من إظهاره ، وقد ذكرنا بعضاً من الصور الواضحة في هذا، فالمقام حينئذ محرَّم إجماعاً.

    الفرع الثاني: مناقشة أدلة الفريق الثاني:

    ناقش المحرّمون أدلة المجوزين كما يلي:

    1- أما استدلالكم بحفظ الشريعة للكليات الخمس وأن التجنس وسيلة لذلك؛ ففي غير موضعه؛ لأنه لابد للمحافظة عليها من طريق مشروع في ذلك، لا بفعل المحرمات وترك الواجبات، ومصلحة الدين مقدمة على كل مصلحة سواها، والتجنس هادم للدين حالق له؛ فأين المصلحة فيه؟

    2- وأما تسويتكم بين التجنس والإقامة؛ فلا نُسَلّم لكم أصلاً جواز الإقامة مع المحاذير المذكورة والتي لا انفكاك عنها. قال – تعالى - : (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) [البقرة : 120].

    ولو سُلّم جواز الإقامة فالتجنس محظور؛ لأنه مختلف عنها؛ إذ يلزم منه التزامات وحقوق على المتجنِّس – كما سبق – وليس المقيم كذلك.

    3- وأما استدلالكم بجلب المصالح ودرء المفاسد ؛ فإن مصلحة الرخاء والدعة ليست مقدمة على مصلحة الحفاظ على الدين؛ أفتجعل فتنة الناس كعذاب الله؟ أفتساوي هذه المصالح بالموالاة والتحاكم لغير الله وإهلاك الذرية؟ ولو سلم الأمر من ذلك مع تحصيل تلك المصالح؛ فالضرورة تقدر بقدرها، والضرورة مندفعة بالإقامة ، ولا حاجة للتجنس الذي يلزم منه هذه المحن والبلايا.

    4- أما استدلالكم وكذلك أصحاب القول الثالث بالضرورة؛ فلابد أولاً من تحقق الضرورة المعتبرة ؛ شرعاً لا المتوهمة ولا الحاجية ولا التحسينية؛ كرغد العيش والرفاهية، وهو حال كثير من المتجنسين.

    ولو فرض تحقق الضرورة بشروطها المعتبرة ؛ فلابد أن تقدَّر بقدرها، وألا تزال بضرر مثلها أو أشد، وللإنسان حِيل كثيرة ليتخلص من ضرورته دون اللجوء للتجنس .

    الفرع الثالث: الموازنة والترجيح:

    الذي يظهر بعد عرض أدلة المختلفين وردِّها إلى الكتاب والسنة والمقاصد المرعية المعتبرة، أن مذهب المحرَّمين هو الصحيح، وأدلتهم قوية سالمة من المعارض المساوي فضلاً عن الراجح.

    إلا أنه قد تعتري المسألة أحوال وملابسات تبيح التجنس لضرورة ملجئة فتقدّر بقدرها. وغنيٌّ عن البيان أن الكلام ليس على من تجنس رغبة في الكفر وتفضيلاً لأحكامه واعتزازاً وافتخاراً بتلك الجنسية ، ولا الكلام عمّن يتجنس لتحصيل مصالح دنيوية ليست ضرورية، بل غايتها أن تكون من التحسينيات، فالأول مرتد قطعاً ، ولا يتوقف في هذا عالم، والثاني على خطرٍ عظيم وهو ممن استحبَّ الحياة الدنيا على الآخرة، ويشمله قوله – تعالى – (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)). [التوبة : 24].

    وقوله – جل ذكره - : (( ومن يريد حرث الدنيا نؤته منها، وما له في الآخرة من نصيب )) [الشورى : 20].

    وإنما الكلام في ثلاث حالات، وبيانها كالآتي:

    1) الأقليات المسلمة التي هي من سكان تلك البلاد أصلاً؛ فهؤلاء تثبت لهم الجنسية بمجرد ولادتهم، ولا خيار لهم في ذلك؛ فهم مكرهون عليها ولا إثم على مكره، ولا تستقيم لهم حياة بدون جنسية؛ فهي في حقهم ضرورة ، لكن مع ذلك لابد أن يلتزموا بأحكام الإسلام جهدهم ويُظهروا دينهم وإلا وجب عليهم التحول ولزمتهم الهجرة ، والهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.

    ومن اختار البقاء أو ضاقت به السبل فليعمل على إظهار دينه ما استطاع، أو ليعزم على الهجرة لبلاد المسلمين متى ما أمكنه ذلك ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    2- من اضطر إلى التجنس بسبب اضطهاده في بلده الأصلي، أو للتضييق عليه في نفسه أو عرضه أو قوته، أو كان لا يحمل جنسية أصلاً ومنع من الإقامة إلا بالتجنس ؛ فهؤلاء إن لم يمكنهم دفع ضرورتهم الواقعة المعتبرة؛ فلهم التجنس من باب (( الضرورات تبيح المحظورات)) . قال – تعالى – (( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه)) [الأنعام: 199].

    وقد أباح الشرع النطق بكلمة الكفر حال الإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان. قال – تعالى - : (( من كفر بالله من بعد إيمانه)) [النحل: 106] ، وقال – سبحانه - : (( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة)) [آل عمران : 28].

    ولكن لابد أن تقدَّر الضرورة بقدرها بعد تحقق كونها ضرورة ملجئة، وتعيُّن التجنس مزيلاً لها: بشرط أن لا تذوب شخصيته في شخصية الكفار، وأن يأمن على نفسه وأهله وأولاده الفتنة ، وأن يستشعر انتماءه للإسلام وأهله، وينوي الرجوع إلى بلاد المسلمين متى زال عذره، وأن ينكر المنكرات بقلبه إن لم يمكنه ذلك بيده ولسانه، وأن يتخير البلد الذي يستطيع فيه إظهار دينه بلا غضاضة عليه؛ كحال المسلمين عند هجرتهم إلى الحبشة.

    وانتفاء المفاسد التي ذكرناها آنفاً في حقه؛ فهذا باب يسوغ فيه النظر والاجتهاد والموازنة بين المصالح والمفاسد ، (( والله يعلم المفسد من المصلح)) [البقرة: 220].

    والله عند قلب المرء ولسانه ولا يخفى عليه شيء من أمره . والله – تعالى – أعلم.

    المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلِمه ، ولا يخذله)). فت الألسن. بها أفضل الصلاة أزكى السلام والتحية، فغدت

    مجلة البيان

    العدد 245

    د. محمد بن يسري بن إبراهيم

    رئيس مجلس إدارة مركز فجر للغة العربية
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    80

    افتراضي رد: مسألة التجنس بجنسيات الدول الغير مسلمة و الجنسية المزدوجة

    هناك قول اهمله الجامع ؟؟ وهو ان ذلك كفر بالله العظيم .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    90

    افتراضي رد: مسألة التجنس بجنسيات الدول الغير مسلمة و الجنسية المزدوجة

    بارك الله فيك اخي التونسي على مشاركتك الغنية و ارجوا من الأخوة إثراء النقاش

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    90

    افتراضي رد: مسألة التجنس بجنسيات الدول الغير مسلمة و الجنسية المزدوجة

    ارى ان البحث لم يتطرق بمعمق لحالة الشخص الذي يتجنس لمصالح دينية خاصة الدعوة كما انه لم يتطرق لذوي الجنسيات المزذوجة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •