الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .
النتائج 1 إلى 17 من 17

الموضوع: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخواني الكرام سوف أضع لكم كلاماً مفصلاً في بيان هل يشترط يطلقون القول بأن الجهاد لا يجب إلا بوجود الإمام الشرعي ، وهذا الكلام ماخوذ من رسالة ( سل الحسام لإبطال شبهة لا جهاد إلا بإمام )
    ونريد منكم التفاعل مع الموضوع وجزاكم الله خير
    يقول صاحب رسالة :( سل الحسام ) في الرد على من أطلق القول دون تفصيل في أن الجهاد لا يجب إلا مع وجود الإمام مـا يلي: ( فنقول وبالله وحده نصول ونجول :
    اعلم علمني الله وإياك أن القول المذكور باطل لا أثارة عليه من علم ولا دليل يقوم به، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح معتبر عند علماء هذا الشأن، بل لم يقل به أحدٌ فيما نعلم والله وأعلم إلا طوائف من المبتدعة حكينا عنهم ذلك فيما مضى وبعض أغمار الطلبة كما ستراه إن شاء الله في خبر العيّاشيّ الفقيه.
    وما كان هكذا فواجب نبذه واطّراحه وعدم الالتفات إليه، وبرهان هذا من وجوه:
    لا يثبت شرط إلا بدليل
    الأول: إن الجهاد في سبيل الله عبادة من العبادات وتكليف من التكاليف الشرعية التي أمر الله بها كلاً بحسبه وعلى قدر وسعه "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " فمن زعم أن شيئاً من التكاليف يسقط عن العباد أو بعضهم في زمن من الأزمنة أو مكان من الأمكنة، أو اشترط للتكليف شرطا، فقوله ردٌ عليه إلا أن يأتي على دعواه بدليل صحيح صريح، وإلا كان قائلاً على الله بغير علم مقدماً بين يدي الله ورسوله، نعوذ بالله من ذلك.
    الأمر بالجهاد في القرآن والسنة:
    وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة على الأمر بالجهاد أمراً مطلقاً ما استثنى الله منه غير أصحاب الأعذار بل ذم القاعدين المتخلفين عن الغزو لغير عذر أشد الذم، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} التوبة38...قال في فتح البيان (3/116): وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت، لأن الله سبحانه نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، فلو لم يكن منكرا لما عاتبهم على ذلك. انتهى. وفضح الله تعالى شأن المنافقين المثبطين عن الجهاد في سبيل الله، القابضين أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله، في سورة التوبة التي سميت بالفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها ( ومنهم .. ومنهم .. ) حتى كادت أن لا تدع أحدا، وسميت البَحوث بفتح الباء صيغة مبالغة لأنها تبحث عن أسرارهم وفي معناها المبعثرة والمثيرة والحافرة وكلها من أسماء السورة، وقد ذكر شيخنا ومفيدنا العلامة أبو زكريا عبدالسلام بن عبدالرؤوف الرستمي نفع الله به في الموسوعة القرآنية المسماة بالفرائد الربانية والفوائد القرآنية في المجلد الثاني (ص/10) قبائح ترك الجهاد في سبيل الله بذكر الآيات الدالة عليها فمن ذلك:
    فسق التارك له الذي يقدم عليه محبة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والمال والتجارة والسكن ، ومنها نفي الإيمان بالله واليوم الآخر عمن يستأذن في ترك الجهاد، ومنها أن القعود عن الجهاد بالمال والنفس من علامات النفاق، وهذا كله من آكد الأدلة على أن الجهاد ركن من أركان الدين كما ذكر الأئمة رحمهم الله، ولأجل ذلك قال من قال من العلماء: إن حكم الجهاد فرض عين كما روي عن ابن المسيب، رواه عنه ابن جرير في التفسير ( 2/200 ) وابن أبي شيبة في المصنف ( 15308) وروي نحوه عن مكحول وهو في المصنف أيضا (15307) وهو قول لطائفة من الشافعية حكاه ابن قدامة في المغني ورده، والمشهور من الأقوال أنه فرض كفاية إلا أن تدعو إليه الحاجة كأن يدهم العدو أو يحضر الصف ويتعين على من عينه الإمام ، وما كان هذا شأنه فكيف يقال بسقوط فرضه بغير شرع ولا توقيف؟!
    ثم إن الجهاد في سبيل الله من الأعمال البدنية والمالية وهو واجب إما بالنفس وإما بالمال أو بهما معاً، وأكثر ما يستعمل فيهما، وربما استعمل في الإعلان بالدعوة وتبليغ الشرع وإقامة الحجة أو بالقتال في سبيل الله وقد ورد في القرآن اثنين وثلاثين مرة بوجوه مختلفة:
    الأول: الأمر به إفراداً وجمعا، فالجمع كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة 35)، وقوله تعالى : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (الحج/78)، والإفراد كقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِي نَ (التوبة /73)، وقوله: وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (الفرقان/ 52).
    قلت: قال في فتح البيان في آية التوبة المذكورة: الأمر للنبي بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده.
    الثاني: بذل الجهد بالدعوة سيما القرآن، كقوله وجاهدهم به – أي بالقرآن – جهاداً كبيرا.
    الثالث: بمعنى القتال في سبيل الله ببذل النفس والمال، وبهذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ( البقرة/218)، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ (الحجرات/15).
    الرابع: بذكر فضائل الجهاد وفوائده الدنيوية والأخروية، ثم عددها شيخنا نفع الله به.
    الخامس: بذكر قبائح ترك الجهاد في سبيل الله، وقد مضت الإشارة إليها.
    قال شيخنا: وأما القتال في سبيل الله الذي هو أهم أنواع الجهاد وأكبرها فذكر في القرآن الكريم في صفة أهل الإيمان أربعا وستين مرة على وجوه مختلفة!
    ثم ذكرها فسح الله في مدته بالخير والبركة
    فيقال لمخترع هذه الشبهة: أي نوع من أنواع الجهاد المذكورة أردت بقولك: لا جهاد إلا بإمام؟!
    أتريد الجهاد بالنفس وقتال العدو؟ أم الجهاد بالمال وإنفاقه في سبيل الله؟ أم جهاد المنافقين؟ أم الجهاد بالدعوة إلى الله وتبليغ الشرع؟ أم جهاد النفس والهوى؟ أم جهاد الشيطان؟ أم تريد هذا كله؟ أم تريد بعض هذا دون بعض؟!
    فإن حدّ المخالف في ذلك حداً فألجمه بلجام المطالبة بالدليل، وقل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؟
    وليت شعري بأي كتاب أم بأية حجة جعلوا الإمام شرطاً لصحة القتال ولم يجعلوه شرطاً لغيره من أنواع الجهاد المذكورة وكل ذلك مأمور به على حد سواء؟!
    فإن قيل: ليس القتال فرضاً في كل حال ولا فرضاً على كل أحد، بخلاف غيره فإنه فرض عين.
    قيل: نعم، وليس كونه من فروض الكفايات أو مندوباً دليلاً على أنه لا يشرع إلا بإمام وإلا لزمكم ذلك في جميع فروض الكفايات والمندوبات.
    وقولكم: بخلاف غيره فإنه فرض عين. يقال في جوابه: والجهاد يصير فرض عين في بعض الصور بالكتاب والسنة والإجماع كما هو حكمه في زماننا، فلم قلتم لا يجوز جهاد الدفع اليوم لعدم الإمام؟!
    وأيضاً فقولكم: بخلاف غيره فإنه فرض عين لا يسلم ، بل من أنواع الجهاد المذكورة ما هو فرض عين، كجهاد الشيطان بعصيانه ومخالفته واتخاذه عدواً والاستعاذة بالله منه والحذر من خديعته ومكره، وكجهاد النفس والهوى بتطويعها لله تعالى وتعويدها الصبر على طاعته واجتناب معصيته، ومنه ما هو من فروض الكفايات كالجهاد بالعلم وتبليغه ونشره، وكالجهاد بإنفاق المال في سبيل الله يجب على الغني دون الفقير الذي لا مال له.
    فإن قيل: الأدلة على وجوب الإمام من الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.
    قيل في جوابه: سلمنا، لكن وجوب تنصيبه شيء وكونه شرطاً لصحة الجهاد شيء آخر، وإنما ننازعكم في الثاني لا الأول، فههنا واجبان: تنصيب الإمام، والجهاد في سبيل الله معه، فإن لم يكن الإمام أو عجز المسلمون عنه لم يسقط فرض الجهاد، كما لو عدم إمام الجمعة والجماعة صلى ظهرا ولم تسقط الصلاة عنه، وهكذا الشأن في جميع التكاليف الشرعية إذا عجز المكلف عن الأعلى لم يسقط عنه التكليف بالكلية بل ينتقل إلى الأدنى، وهذا معنى قولهم: الميسور لا يسقط بالمعسور، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ... الآية، فأمره أن يباشر القتال بنفسه ومن نكل فلا عليه منه، ودعوى أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم خلاف الأصل، والقاعدة المقررة في الباب أن الله تعالى إذا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بلفظ لا تخصيص فيه أو أثبت في حقه حكماً أن أمته يشاركونه في ذلك الحكم ما لم يقم على اختصاصه به دليل ، قال الزجاج: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصر، قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجيء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة، والمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمته، أي: أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له: فقاتل في سبيل الله لا تكلف غير نفسك ولا تلزم فعل غيرك، وهو استئناف مقررٌ لما قبله، لأن اختصاص تكليفه لفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده.
    ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي اسحق قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى مئة من العدو فيقاتل، أيكون ممن يقول الله: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، ورواه الإمام أحمد أيضا . وروى ابن مردويه عن البراء قال: لما نزلت على النبي : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية، قال لأصحابه: وقد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا " قال ابن كثير: حديث غريب.
    إبطال دعوى الشَّرْطِيَّة
    الثاني: يقال لمدعي ذلك: لا شك أنك تعني بالشرط كونه شرطاً شرعياً كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم وليس شرطاً عقليا ولا لغوياً، ثم إن الشرط الشرعي إما أن يكون داخلاً تحت قدرة المكلف وهو مأمور بتحصيله كالوضوء مع الصلاة، وإما أن يكون داخلاً تحت قدرة المكلف ولم يؤمر بتحصيله كالاستطاعة للحج، وثالث وهو شرط خارج عن قدرة المكلف كالحول للزكاة، فمن أي الأقسام تجعل الشرط الذي تذكر؟.
    فإن قال: من القسم الأول.
    قيل له: من الأمور المسلمة عند الفقهاء أن رعاية الشرط إنما تكون بقدر الإمكان ، ألا ترى أن فاقد الماء أو العاجز عن استعماله لمرض أو برد أو نحو ذلك ينتقل إلى البدل الذي دل عليه الشرع وهو التيمم، فإن عجز عن هذا أيضا فهو فاقد الطهورين فيصلي على حاله على الصحيح المختار عملاً بقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا، وقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، ونحو ذلك من أدلة الباب. فيقال: هب أن تنصيب الإمام كما ذكرت، لكن لا يلزم من عدمه سقوط الفرض بالكلية، بل الذي يسقط رتبة من مراتب القتال وهي القتال تحت راية الإمام الذي تجتمع عليه كلمة الأمة، وينتقل إلى الأدنى وهو أن يقاتل كل بحسبه كما دلت عليه الآية.
    وإن قال من الثاني، قيل: لا يصح، بل السعي إلى تنصيب إمام تجتمع عليه كلمة الأمة واجب بالكتاب والسنة والإجماع، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم وهو فرض كفاية على الأمة لأجل تنصيب الإمام، وقد قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، وهذا يتناول عصمته في حياته وبعد موته أن يفعل به ما يخالف الشرع كما قال العلامة ابن حزم الأندلسي رحمه الله، فلا يظن بهم رضي الله عنهم أنهم أخروا واجباً إلا لما هو أوجب والله أعلم، فجعل ما هذا شأنه من القسم الذي لم يؤمر المكلف بتحصيله أبعد من البعيد، وأبعد منه جعله من القسم الثالث وبالله التوفيق.
    لو نَهَى الإمام عن الجهاد فلا سمع له ولا طاعة
    الثالث: اعلم أن الأئمة رحمهم الله تعالى متفقون على أن الإمام المسلم إذا نهى عن الجهاد المتعين فقد أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال ابن رشد: طاعة الإمام لازمة إن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين، كذا في فتح العلي المالك (1\390)، وقال ابن حزم في المحلى (5/352): لا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وفي تاريخ دمشق ( 5/ 22): سئل وكيع بن الجراح عن قتال العدو مع السلطان الجائر؟ قال: إن كان جائراً وهو يعمل بالغزو بما يحق عليه فقاتل معه، وإن كان يرتشي منهم ويهادنهم فقاتل على حيالك. فتأمل قوله هذا: فقاتل على حيالك، فلم يشترط للقتال إماماً. وهذا مع وجود الإمام فكيف إذا لم يكن إمام أصلا.
    وفي نهاية المحتاج للرملي ( 8\60): يكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه، ولا كراهة في حالات: 1- إذا فوت الاستئذان المقصود، أو عطل الإمام الغزو، أو غلب على ظنه عدم الإذن كما بحث ذلك البلقيني. انتهى. ثم ذكر الحالات الأخرى فانظرها هناك.
    ثم إذا كان الجهاد لا يعطل مع وجود الإمام لو نهى عنه فأن لا يعطل مع عدم الإمام من باب أولى .
    وهؤلاء أئمة المالكية رحمهم الله لما وقع بين السلطان أبي عبد الله محمد بن عبد الله السعدي وعمِّه أبي مروان المعتصم خلاف وذلك في القرن العاشر الهجري، خرج السلطان المذكور وقصد (سبستيان) قائد البرتغال، وطلب منه الإعانة لاسترجاع ملكه، فأعانه وشرط عليه أن يعطيه سائر سواحل المغرب، فاجتمع العلماء على خلعه ومبايعة عمه، فبعث ينكر على العلماء صنيعهم، فأجابوه بجواب من كافة الشرفاء والعلماء والصلحاء والأجناد من أهل المغرب يدحضون به أباطيله، وذكروا الأسباب الحاملة على ذلك، ومن أهمها: خذلانه أهل الجهاد، وفراره عنهم، وترك الديار للعدو ينتهبها، وهروبه عن المسلمين . انتهى.
    لا فرق بين اشتراط الإمام للجهاد وغيره من العبادات
    الرابع: ما ذكره بعض مشايخنا من أنه لا فرق بين اشتراط الإمام للجهاد واشتراطه لغيره من العبادات، فيقال على هذا: لا صلاة إلا بإمام، ولا صيام إلا بإمام، ولا زكاة إلا بإمام، ولا حج إلا بإمام، ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر إلا بإمام، ونحو ذلك، وفي هذا تعطيل للشريعة كلها، وما كان جواب المخالف عن هذا كله فهو جوابنا في الجهاد ولا فرق.
    فإن قيل الجهاد عبادة جماعية. قيل: وغيره مما في الشرع من العبادات الجماعية كثيرٌ مما ذكر ومما لم يذكر، كصلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء والجنائز والحج وغير ذلك من أنواع الطاعات والعبادات، ثم كونه عبادة جماعية شيء، وكونه لا يجوز إلا إذا كان المسلمون جماعة واحدة وتحت راية إمام واحد شيء آخر، فافهم.
    في تأخير الجهاد تعطيل للمصالح الكلية الضرورية
    الخامس: إن الجهاد شرع لمصلحة عظيمة لما فيه من حفظ الكليات الخمس التي تجمع مصالح الدين والدنيا وهذا أبين من الشمس، ففيه دحرٌ لعدو الدين وكبت له وردع له عن العدوان على بلاد الإسلام وحملٌ له على الدخول في الدين الحق، مع ما فيه من تأمين السبل وبسط الأمن والخير والدعة في بلاد الإسلام، وحاصل هذا كله إقامة التوحيد وإزهاق الكفر والشرك والتنديد، وتأخير الجهاد وإن عدم الإمام فيه تفويت لهذه المصالح فلا يجوز، نص عليه ابن قدامة في المغني، فقال رحمه الله (10/369): فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره، ونحوه في الشرح الكبير للشمس ابن قدامة، وفي الكافي (4/315): وإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد، وإن حصلت غنائم قسمها أهلها بينهم على موجب الشرع لأنها مالٌ لهم مشتركٌ، فجاز لهم قسمته كسائر الأموال، فإن كان فيها إماءٌ أخروا قسمتهن حتى يظهر إمام لأن في قسمتهن إباحةَ الفروج فاحتيط في بابها.
    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في جواب هذه الشبهة
    في الدرر (8/201): ومعلوم أن الدين لا يقوم إلا بالجهاد، ولهذا أمر النبي بالجهاد مع كل بر وفاجر، تفويتا لأدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وارتكابا لأخف الضررين لدفع أعلاهما، فإن ما يدفع بالجهاد من فساد الدين أعظم من فجور الفاجر، لأن بالجهاد يظهر الدين ويقوى العمل بأحكامه، ويندفع الشرك وأهله حتى تكون الغلبة للمسلمين، والظهور لهم على الكافرين، وتندفع سورة أهل الباطل، فإنهم لو ظهروا لأفسدوا في الأرض بالشرك والظلم والفساد، وتعطيل الشرائع والبغي في الأرض.
    قلت: ويؤيد هذا أن الأئمة رحمهم الله عللوا كثيراً من أحكام الجهاد إثباتاً ونفياً بكونها تفضي إلى تعطيل الجهاد، فدل على أن مراعاة إمضاء هذه الفريضة واجب على كل حال شاء المخالف أم أبى.
    يا مرسل الريح جنوبا وصبا إن غضبت قيس فزدها غضبا
    وهذه إشارة إلى بعض ما عللوه بذلك:
    1-موادعة أهل الحرب وهدنتهم من غير حاجة لا تجوز لأنه يفضي إلى ترك الجهاد الواجب لغير فائدة (الكافي: 4/ 338). وفي فتح العلي المالك(1/289): في الصلح والمعاهدة في المعيار في باب الجهاد: أوقع الخليفة الصلح مع النصارى، والمسلمون لا يرون إلا الجهاد، مهادنته منقوضة وفعله مردود، وكل ما نقل في تعين فرض الجهاد مانع من الصلح، لاستلزامه إبطال فرض العين الذي هو الجهاد المطلوب فيه الاستنقاذ. وقال ابن رشد: الصلح المذكور فيه ترك الجهاد المتعين، وترك الجهاد المتعين ممتنع وكل ممتنع غير لازم.
    2-لا يجوز عقد الهدنة مطلقاً غير مقدر بمدة لأن إطلاقها يقتضي التأبيد فيفضي إلى ترك الجهاد أبدا، كذا في الكافي ونحوه في المغني ( 10/ 509).
    3-عقد الذمة، قال في المغني ( 10/512): ولا يجوز عقد الهدنة ولا الذمة إلا من الإمام أو نائبه، لأنه عقد مع جملة الكفار وليس ذلك لغيره، ويتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة على ما قدمناه، ولأن تجويزه من غير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو إلى تلك الناحية وفيه افتيات على الإمام.
    4-التترس، قال في الكافي (4/286): وإن تترس الكفار بصبيانهم ونسائهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة لأن المنع من رميهم يفضي إلى تعطيل الجهاد. وفي الشرح الكبير (10/395): ولأن كفّ المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم، ونحوه في المغني (10\495)، وفيه (10\496): وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد. وفي مجموع فتاوى ابن تيمية ( 28/537 ): إباحة قتل المسلمين الذين تترس بهم الكفار حماية للمسلمين من الفتنة والشرك. وقال أيضا: بل لو فيهم قوم صالحون من خيار الناس، ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بأسرى المسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار، ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا على أحد قولي العلماء.
    5-بيات الكفار ولو قتل من نسائهم وصبيانهم، قال في الكافي (4\268): يجوز بيات الكفار ورميهم بالمنجنيق والنار وقطع المياه عنهم، وإن تضمن ذلك إتلاف النساء والصبيان ...فإن كان فيهم مسلمون فأمكن الفتح بدون ذلك لم يجز، لأنه تعريض لقتلهم من غير حاجة، وإن لم يمكن بدونه جاز، لأن تحريمه يفضي إلى تعطيل الجهاد.
    6-ومنها الغزو مع كل بر وفاجر، قال في الكافي أيضا (4\281): ويغزى مع كل بر وفاجر، لقول رسول الله : الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أوفاجرا، رواه أبو داود. ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تعطيل الجهاد وظهور العدو. وفي المغني نحوه (10/368)، وقال شيخ الإسلام في المجموع: ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي ، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور، فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم، فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر، فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل مع الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه. انتهى.
    7-فيمن له الحق في عقد الأمان، قال في الكافي (4\331): وللإمام عقده لجميع الكفار لأن له الولاية على جمع المسلمين، وللأمير عقده لمن أقيم بإزائه لأن إليه الأمر فيهم، وأما سائر الرعية فلهم عقده للواحد والعشرة، والحصن الصغير، لحديث عمر في أمان العبد، ولا يصح لأهل بلدة ورستاق ونحوهم لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتئات على الإمام. وقال في (4\332): ويجوز عقده للمستأمن غير مقدر بمدة لأن ذلك لا يفضي إلى ترك الجهاد. وقال في عون المعبود (6\17): ولا يجوز لمسلم أن يعطي أماناً عاماً لجماعة الكفارٍ، فإن فعل ذلك لم يجز أمانة لأن ذلك يؤدي إلى تعطيل الجهاد أصلاً وذلك غير جائز. انتهى.
    8-في صحة الاستئجار على الغزو: قال ابن قدامة في المغني: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد والخرقي على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو لمن لم يتعين عليه ..... ويفارق الحج حيث أنه ليس بفرض عين وأن الحاجة داعية إليه، وفي المنع من أخذ الجعل عليه تعطيل له ومنع له مما فيه للمسلمين نفع وبهم إليه حاجة فينبغي أن يجوز بخلاف الحج. انتهى
    يتبــع الباقي ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    لـم يتعرض أحد من العلماء للشرط المذكور
    السادس: اعلم أن علماء المسلمين على مرّ العصور وكرّ الدهور لا زالوا يفتون بوجوب الجهاد ويشاركون فيه ولم يتعرض أحدٌ منهم للشرط المذكور ، ولا زال الصالحون من أمراء المسلمين بعد عصر الصحابة يقومون به كلٌ بحسبه وعلى قدر ما يفتح الله به مع تفرق المسلمين وعدم اجتماعهم على إمام واحد، بل اتفقت الألسنة على الثناء عليهم، ومدح العلماء جهادهم، كما كان في الخيار من ملوك الأندلس، وكما كان في الدولة الغزنوية التي كان منها القائد المجاهد الكبير السلطان محمود الغزنوي فاتح الهند رحمه الله، وفي الدولة الأيوبية التي كان منها القائد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الذي قاتل الصليبيين في معارك أشهرها حطين في سنة (583) وشاركه في جهاده جماعات من العلماء رحمهم الله، وفي الدولة الخلجية التي كان لها دورٌ في محاربة الهند، وفي دولة المماليك، والسلاجقة، ودولة العثمانيين، ودول بلاد المغرب، كدولة المرابطين، ودولة الموحدين، والدولة المرينية، وغيرهم، فكل هؤلاء كان لهم في جهاد الأعداء صفحات بيضاء خلدت في التاريخ، وكانت سببا في تقويض دعائم الكفر والمحافظة على صرح الإسلام الشامخ ورايته عالية خفاقة بين الملَوَيْن، ولا نعلم أحداً من العلماء طعن في جهادهم للكفار لأنهم لم تجتمع كلمتهم على طاعة خليفة واحد فضلاً عن القول بأن جهادهم كان باطلاً لا يصح!
    ثناء ابن كثير على جهاد الأمراء مع تفرقهم:
    وهذا العلامة الكبير الإمام ابن كثير رحمه الله قد ذمّ ما كان بين ملوك الإسلام وطوائف المسلمين من الخلاف والشقاق مع ثنائه على جهاد من جاهد منهم فقال في تفسيره (2/529): وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرةً ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلداناً كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله تعالى وتوكل على الله فتح عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين وأن يُعْلِيَهُ في سائر الأقاليم إنه جواد كريم. انتهى.
    ومثل هذا الذي قاله ابن كثيرٍ كثيرٌ، تراه في كتب الرجال والطبقات والتراجم وغيرها.
    لا يعرف شيء من الأحكام لا يصلح إلا بالإمام الأعظم:
    ثم يقال لصانع هذه الشبهة: من الإمام الذي أردت بقولك: لا جهاد إلا بإمام؟ أتريد الخليفة الذي تجتمع عليه الأمة ولا ثاني له كالخلفاء الراشدين؟ أم تريد الإمام الذي له ولاية وسلطان على قطر من أقطار المسلمين؟ أم تريد المهدي من آل البيت الذي أخبر به النبي وأنه خارج فينا وحاكم بشريعة الإسلام؟.
    أما الأول: فإن الأمة منذ أكثر من ألف سنة لم تجتمع على طاعة إمام واحد، أفترى أن كل ما كان من الجهاد طيلة هذه المدة كان باطلاً وغاب علم ذلك عن أئمة المسلمين حتى جئت أنت فأتيت بما لم يأت به الأولون؟! بل قد استقرت كلمة العلماء على أن كل من غلب على بلد فله حكم الإمام، ولم يقل أحد منهم أن شيئا من الأحكام لا يصلح إلا بالإمام الأعظم، ومن ذلك الجهاد في سبيله، كما في كتاب الجهاد من الدرر السنية: الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد من البلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم. انتهى.
    وفي كتاب الجهاد من الروضه الندية (714) لأبي الطيب البخاري قال: وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أوسلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمرٌ ولا نهيٌ في غير قطره أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر، الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا يجب على أهل القطر طاعته ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدرى من قام منها أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق، وهذا لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد، فإن أهل الصين والهند لايدرون بمن له الولاية في أرض المغرب عن أن يتمكنوا من طاعته وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن، وهكذا العكس، فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما يدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فإنه مباهتٌ لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها، والله المستعان.انتهى.
    وفي هذا التقرير جواب عن الأول والثاني وإبطال لدعوى المخالف ولله الحمد.
    ومن المناسب أن نذكر هنا ما حكاه الصفدي في الوافي بالوفيات، في ترجمة المستنصر بالله العباسي المصري، الذي ولي الخلافة بعد قتل ابن أخيه المستعصم بثلاث سنين ونصف، فخلا الوقت فيها عن خليفة، وحكى أبو شامة أن ذلك كان في وقت السلطان الملك الظاهر، فكتب كتابا إلى قاضي القضاة نجم الدين بن سني الدولة يخبره فيه بقدوم المستنصر المذكور، فأثبت العلماء نسبه، ثم بايعوه وكان من المبايعين العز بن عبد السلام رحمه الله، كما بايعه قاضي القضاة أيضا.
    فهذه ثلاث سنوات ونصف مضت على الأمة بلا إمام، وذلك في أوائل النصف الثاني من القرن السابع الهجري، والعلماء ومنهم المذكورون أحياء متضافرون، فما أفتى أحد منهم بتعطيل الجهاد في هذة المدة، وزمانهم زمان جهاد، وقِراعٍ وجِلاد، والحمد لله رب العالمين.
    ونحن نزيد على هذا ونقول: إن السلاطين اليوم لم يعطلوا الجهاد فحسب، ولعمر الله لو لم يكن منهم إلا هذا لكانت مخالفتهم وإقامة الجهاد للذب عن الحرمات والكرامات من أعظم الواجبات، فكيف وهم ينهون عن الجهاد في سبيل الله بل هم من أشد الناس حرباً على الجهاد وأهله بل على الشريعة كلها! معطلون لدين الله وأحكامه، قائمون على شرائع اليهود والنصارى في بلاد المسلمين، ساعون في مرضاة الذين كفروا، باذلون لأجل ذلك النفس والنفيس، يصدق في أحدهم قول القائل:
    وكان امرءاً من جندِ إبليس فارتقى به الحالُ حتّى صارَ إبليسُ من جُنْده
    فما أحراهم بقول الإمام ابن حزم الأندلسي في رسائله (3/176): والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستنجدون النصارى، فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم، يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام، وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم، وسلط عليهم سيفا من سيوفه. انتهى.
    فلو حلَف حالفٌ بين الركن والمقام أنه لا حظَّ في الإسلام لمن كان هذا حاله لم يكن حانثا، عجل الله بزوالهم وزوال دولتهم وجعلها في الصالحين من المؤمنين.
    وإذ الحال ما ذكرت، فالواجب على جماعات المسلمين القيام بفرض الجهاد في سبيل الله، وأمراؤهم القائمون بالجهاد هم أهل الولاية في هذا، وفي تقرير هذا وإيضاحه جملة من الأقوال والنقولات:
    أولها: أن جماعة المسلمين تقوم مقام السلطان إذا عدم، كما أفتى به العلماء في خبر العياشي الآتي إن شاء الله، وكما أفتى به جماعة من العلماء بأن الهند أيام الاحتلال الانجليزي صارت دار حرب، فقال العلامة الشيخ عبيد الله السندي: ومعنى فتواه أن أمراء الإسلام قد عجزوا عن مقاومة الأعداء، ففرض المدافعة عن البلاد عاد إلى الجمهور إلى عامة المسلمين.
    وقد ذكر نحو هذا الطاهر بن عاشور رحمه الله.
    وفي الكوكب الدري على جامع الترمذي (1\199) في مبحث اشتراط الإمام للجمعة: أما اشتراط الإمام، فمن اتفق جماعة المسلمين على إمامته فهو إمام، ولا يحتاج إلى الخليفة أو نائبه عينا، إذ الوجه في اشتراطهما الاتفاق ودفع النزاع وهو حاصل.
    ثانيها: أنه قد حكى غير واحد من الأئمة كابن حزم في مراتب الإجماع، وابن العربي في أحكام القرآن، والجصاص في الأحكام أيضا، وابن عطية الأندلسي، والفخر الرازي، ومن المتأخرين أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي المغربي المالكي المتوفى سنة (1258) إجماعَ علماء الملة على أن العدو إذا نزل بلاد المسلمين صار قتاله فرض عين على كل قادر عليه دون قيد أو شرط، وأن مقاتلة العدو الكافر واجبة على كافة أهل الإسلام وهو فرض لا إذن فيه لأحد على أحد، وجد السلطان أم لم يوجد، كان حاضرا أم غائبا، أذن أم لم يأذن ولافرق، هذا حاصل المجموع من كلامهم.
    واعلم أن ما نسوقه من الأدلة هنا هو لدحض القول باشتراط الإمام حتى في جهاد الطلب وبلاد المسلمين آمنة مستقرة وعدو الدين مقموع مخذول مقهور، أما في قتال الدفع – وهو دفع الصائل – كما في زماننا فاشتراطه كما يقول به المغبون أعظم بطلانا، قال شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا. وقال أيضا: فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك أصحابنا وغيرهم.
    قال أبو الوليد: قوله: فلا يشترط له شرط، نكرة في سياق النفي فيعم كل شرط ومنه اشتراط الإمام.
    وقال الشيخ ردا على القاضي الذي قال: إذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد فمن شرط وجوبه الزاد والراحلة إذا كانوا على مسافة القصر قياسا على الحج، فقال ابن تيمية: القياس على الحج لم ينقل عن أحد وهو ضعيف، فإن وجوب الجهاد يكون لدفع الضرر فيكون أوجب من الهجرة، ثم الهجرة لا تعتبر فيها الراحلة، فبعض الجهاد أولى. انتهى.
    أقول: فيقال هنا كذلك: والهجرة واجبة فرارا بالدين من الفتن، ولا يشترط لها إمام، والجهاد واجب أيضا لدفع الفتنة عن المسلمين، بل ربما كان أوجب من الهجرة، فلا يشترط له الإمام من باب أولى، والله أعلم.
    ثالثها: قد أفتى ببطلان القول المذكور جماعات من العلماء كما في خبر العياشي الفقيه، وهذا أوان حكايته، مع سياق قصته كاملة باختصار يسير، لما تضمنته من العبر والفوائد، والله ولي التوفيق. فأقول مستعينا به سبحانه:
    في كتاب (الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 2\ 4 2):
    رياسة ولي الله تعالى أبي عبد الله سيدي محمد العياشي على الجهاد ومبدأ أمره في ذلك
    وهو محمد فتحا بن أحمد المالكي الزياني من بني مالك بن زغبة الهلاليين، وكان من تلامذة أبي محمد بن حسون السلالي دفين سلا، وكان العياشي رحمه الله كثير الورع قليل الكلام مديم الصيام، وكان شيخه رحمه الله قد أمره بالخروج إلى الجهاد وعين له ناحية يقال لها (آزمور )، وأركبه فرسا كانت قد أهديت له، وأعلمه أن سيكون له في الجهاد شأن عظيم، وذلك في أول دولة السلطان زيدان سنة 1013 للهجرة، فخرج وقصد الناحية المذكورة فلم يزل صابرا مثابرا على الجهاد شديد الشكيمة على العدو عارفا بوجوه المكايد الحربية، بطلا شهما مقداما في مواطن الإحجام، وقورا صموتا عن الكلام، وضَيّقَ على النصارى، وكانوا يومئذ قد أمِرَ أمرهم، ففرح بذلك قائد آزمور، وولى السلطان قيادة الثغر إلى العياشي، فنهض بالأمر، واستمر على ما هو عليه من الجهاد حتى منع النصارى الحرث والرعي، فلا زال النصارى يحتالون في أمره، والناس من خصومه تشي به عند السلطان ويخوفونه عاقبته حتى حنق عليه، وبعث إليه قائدا يقال له محمد السنوسي في أربعمائة فارس لقتله! فألقى الله في قلب السنوسي المذكور الشفقة على الشيخ لما يعلم من براءته، وبعث إليه رسولا أن انج بنفسك فإنك مقتول، فخرج العياشي في أربعين بين راجل وفارس وقصد سلا سنة 1023.
    ثم إن النصارى البرتغاليين لعنهم الله استولوا على (المهدية) وأقاموا بها سنين، ثم جلوا عنها واستولى عليها الأسبان، وكانوا قد استولوا من قبل على العرائش، فبعث إليها (فليبس الثالث) من جزيرة قادس تسعين مركبا حربيا واستولى عليها من غير قتال لفرار المسلمين كما في تواريخ الفرنج والله أعلم.
    وذكر شارح الزهرة أن العدو النصراني نزل (مرسى الحلق) سنة 1022، وقيل:1023، ليضمها إلى العرائش، ولينضبط له ما بينها من السواحل وتتقوى عساكره فلقي من أهل الإسلام عرق القربة، فخرج أهل سلا إلى العياشي، وذلك بعد سلامته من اغتيال قائد زيدان، وذكروا له خوفهم من النصارى، وأن العدو قد حضر في ألفين من الرماة سوى الفرسان، فأمرهم بالتهيؤ إليهم واتخاذ العُدة، فلم يجد عندهم إلا نحو المائتين منها، فحضهم على الزيادة والاستكثار منها حتى بلغت أربعمائة، ثم نهض إلى المعمورة وصادف بها النصارى غرَّة، فلقيهم إلى غروب الشمس، وقُتل منهم أربعمائة، ومن المسلمين مائتان وسبعون، وهذه أول غزوة له بعد خروجه من (آزمور)، ولما علم السلطان زيدان باجتماع الناس عليه في سلا خاف أمره وبعث إليه من يقتله، فقصد المبعوث سلا وفاوض أشياخها على أن يجعلوا على العياشي عيونا للسلطان، فلما علم الشيخ بذلك انقبض عن الجهاد ولزم بيته، وبقي على هذا الحال حتى وقعت النفرة بين السلطان وأهل سلا، ثم عدوا على الوالي وقتلوه، وعمت الفوضى البلدة وكثرت اللصوص والنهب والعدوان على الحرمات.
    ثم إن أهل سلا أعيانهم وأكابرهم شكوا إليه ما آل إليه حالهم، وطالبوه بالقيام بمصالح المسلمين وأمر الجهاد في سبيل الله ، وبايعوه على الجهاد والقيام بالحق، فأمر أشياخ القبائل أن يضعوا خطوطهم في ظهير بأنهم رضوه وقدّموه ويلتزمون طاعته، وأن كل من خرج عن أمره كانوا معه يدا واحدة على مقاتلته حتى يفيئ إلى أمر الله، فأعطوه ذلك، ووافق على ذلك قضاة الوقت وفقهاؤه، من (تامسنا) إلى (تازا)، وكان الحاملَ له على طلب ذلك منهم أنه بلغه عن بعض طلبة الوقت أنه قال: لا يحل الجهاد إلا مع أمير، ففعل ذلك خروجا من تلك الدعوى الواهية، وإلا فقد كتب له علماء الوقت كالإمام أبي محمد عبد الواحد بن عاشر، والإمام أبي إسحاق إبراهيم الكلالي (بضم الكاف المعقودة)، والإمام أبي عبد الله محمد العربي الفاسي وغيرهم، بأن مقاتلة العدو الكافر لا تتوقف على وجود السلطان ، وإنما جماعة المسلمين تقوم مقامه.
    ولما كمل أمره بايعه الناس على إعلاء كلمة الله وردّ الظلم، فضاق الأمر على عرب المغرب، ونكث بيعته جماعة منهم، فقاتلهم وظفر بهم وعفا عنهم، وتاب بعضهم على يده، وكانت عاقبة من بغى عليه خسرا، ثم تهيأ للخروج إلى (حلق المعمورة) واستعد لقتال ومنازلة من فيه من النصارى، فسار بمن معه إلى (الحلق) ونزل عليه، ورأى في المنام قطعتين من الخنازير معها عنوز، فلما أصبحوا قدمت بعض سفن النصارى بقصد الدخول إلى الحلق، فضيق عليهم رماة المسلمين الذين بالخندق، فأرادوا الهرب إلى البحر، فردهم البحر إلى الساحل، فتمكن المسلمون منهم وقتلوا وسبوا، ووجدوا مع العدو ثلاثمائة أسير من المسلمين، فأعتقهم الله، وأسر من النصارى أكثر من ثلاثمائة، وقتل منهم أكثر من مائتين، وظفر المسلمون ببعض عظماء الروم ففادوا به رئيس الجزائر وكان محبوسا عندهم في قفص من حديد! واستقامت الأمور للعياشي بسلا، وبنى برجين على ساحل (مرسى).
    غزوة الحلق الكبرى
    ثم كانت غزوة الحلق الكبرى، خرج جيش فاس بقصد الجهاد، ونزلوا عين السبع، وكمنوا ثلاثة أيام، وفي الرابع خرج النصارى على غِرَّة فظفر بهم المسلمون، وكان النصارى لما خرج جيش أهل فاس أعلمهم بذلك مسلم عندهم مرتد ، فأعطوه سلعا وجاء بها إلى سلا، يقصد بيعها والتجسس لهم، فأخذ وقتل، وعميت عليهم الأنباء، فلم يشعروا إلا بالخيل قد أحاطت بهم وقتل منهم نحو ستمائة، وغنموا منهم أربعمائة من العدة.
    ولم يحضر العياشي هذه الوقعة حنقا على (يوم المسامير) التي كان النصارى قد صنعوها بأربعة رؤوس ليمنعوا تقدم المسلمين، فبعث الشيخ إلى أهل الأندلس بسلا يصنعون له سلالم يصعد بها إلى من بقي في (الحلق) يستأصلهم، فتثاقلوا عنها غشّاً للإسلام ومناواة لأبي عبد الله، حتى جاء المدد لأهل (الحلق)، وكانت تلك الرابطة بين أهل الأندلس والنصارى متوارثة من لدن كانوا بأرضهم، فكانوا آنس بهم من أهل المغرب ، فلما أُتِيَ أبو عبد الله بالسلالم لم تغن بعد ذلك شيئا، فاستكملت العداوة بينه وبين أهل الأندلس، وكان أهل الأندلس قد أعلموا النصارى بأن محلة أبي عبد الله النازلةَ لمحاصرة (الحلق) ليس لها إقامة! فبلغ ذلك أبا عبد الله، فأقام عليهم الحجة وشاور في قتالهم، فأفتى أبو عبد الله العربي الفاسي وغيره بجواز مقاتلتهم، لأنهم حادّوا الله ورسوله، ووالوا الكفار ونصحوهم، ولأنهم تصرفوا في أموال المسلمين ومنعوهم من الراتب، وقطعوا البيع والشراء عن الناس وخصوا بهم أنفسهم، وصادقوا النصارى، وأمدوهم بالطعام والسلاح، وكان سيدي عبد الواحد بن عاشر لم يجب عن هذه القضية حتى رأى بعينه حين قدم سلا بقصد المرابطة، فرأى أهل الأندلس يحملون الطعام إلى النصارى، ويعلمونهم بعورة المسلمين، فأفتى حينئذ بجواز مقاتلتهم ، فقاتلهم أبو عبد الله وحكم السيف في رقابهم أياما إلى أن أخمد بدعتهم وجمع الكلمة بهم.
    ولما وقعت غزوة الحلق الكبرى قدمت عليه الوفود للتهنئة بالظفر فحضهم على استئصال شأفة من بقي بالحلق من النصارى، وعير العرب بترك الكفار في بلادهم، وقال لهم: والله والله والله إن لم تأخذكم النصارى لتأخذنكم البربر، فقالوا كيف هذا وأنت فينا؟! فقال لهم اسكتوا، أنتم الذين تقطعون رأسي. وهذا من كراماته  .
    قتال نصارى العرائش
    ثم صرف عزمه إلى قتال نصارى العرائش، وتقدم بجمع من المسلمين، فكانوا في الغابة سبعة أيام، وخرج العدو على حين غفلة ومكن الله منه، وفي هذه المدة أخذ حناشا (وهو الجاسوس في كلام أهل المغرب) يدعى ابن عبود، فأراد قتله، فقال له: أبقني، وأنا تائب إلى الله، وأنا أنفع المسلمين إن شاء الله، فتركه، وذهب إلى النصارى، وكانوا يثقون به، حتى كانوا يعطونه الراتب، فقال للنصارى: إن أحياء العرب وحللها قد نزلوا بوادِ العرائش، فلو أغرتم عليهم لغنمتموهم، فخرجوا فمكن الله منهم، وطحنهم المسلمون في ساعة واحدة طحن الحصيد، ولم ينج منهم إلا الشريد، وكان ابن عبود قد بقي في أيديهم فأخذوه ومثلوا به ونزعوا أسنانه وأرادوا قتله لولا أنه رفعهم إلى شرعهم، وكانت هذه الوقعة سنة أربعين وألف، وقتل فيها نحو ألف من النصارى.
    وقاتل نصارى الجديدة بعد أن كانوا في منعة وأذلوا المسلمين، وكان سبب قتاله لهم على ما ذكره قاضي (تامسنا) أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الغنامي أن نصارى الجديدة عقدوا المهادنة مع أهل آزمور مدة، فكان من عزة النصارى وذلة المسلمين في تلك المدة ما تنفطر منه الأكباد، وتخر له الأطواد، وحدث أن زوجة قبطان النصارى طلبت من زوجها أن يخرج بجيشه، ويبعث إلى قائد آزمور أن يخرج بجيش المسلمين، فيلعبوا فيما بينهم، وهي تنظر إليهم، فخرجوا وعدا نصراني على مسلم فقتله، فكلم قائد المسلمين القبطان وأخبره بما وقع، فقال له القبطان مستهزءاً: فما يضركم إن مات شهيدا؟! فلما بلغ الخبر العياشي بات لا يلتذ بطعام ولا منام، وهو يفكر كيف تكون الحيلة في زوال المعرة عن المسلمين بتلك الجهة وغسل أعراضهم من وسخ الإهانة، وهو مع ذلك يخاف من عيون صاحب مراكش وقائد آزمور، إذ كانت تلك النواحي لا تزال تحت حكم السلطان، ولم تدخل في دعوة العياشي، فاحتال عليهم وأمر بعض أولاد أبي عزيز أن يجلبوا إلى النصارى شيئا من القمح خفية، وأن يكون ذلك شيئا فشيئا حتى يذوقوا حلاوته ويطمئنوا ويوهمهم النصح والمحبة، فلما حصل هذا وأطلعوه على غرة النصارى قصد الجديدة، وقدم غزو العرائش، ثمّ أتاها في أول صفر سنة ألف وتسع وأربعين، ومرّ في طريقه بوادِي أم الربيع ملآنا مع أنه لا يدرك له قعر، فقال لأصحابه: توكلوا على الله! ودعا ودعوا، فعبروا والماء يصل إلى قريب من ركب خيلهم، فكانت كرامة عظيمة له، وكان القاضي أبو زيد الغنامي حاضرا لها وشاهدها! ولم يقع مثل هذا إلا للصحابة ، مثل ما وقع لسعد بن أبي وقاص في عبوره دجلة لفتح المدائن، ومثل ما وقع للعلاء في فتح بعض بلاد فارس.
    ولما وصل إلى الجديدة وجد طائفة من أولاد أبي عزيز قد نذروا به، ولجأوا إلى القبطان خوفا منه أن يوقع بهم لأجل مهادنتهم للكفار واتصالهم بهم، فخرج القبطان في خيله، وكان سيدي محمد كامناً بإزاء (الجديدة) بالغابة، فلما انفصل الجيش من (الجديدة) حمل عليهم وقطعهم عنها حتى فرّوا جهة البحر، ولم ينج منهم إلا سبعة وعشرون رجلا، وأسر خمسة عشر، كما قتل البقية، ولما وصل الخبر إلى صاحب مراكش أنكر ما صنع أبو عبد الله كما أنكره قاضيه السكتاني.
    خبره مع أهل الأندلس ومقتله رحمه الله
    كانوا قد تحزبوا عليه، واطلع على خبثهم ونصحهم للكفر وأهله، واستفتى العلماء فيهم فأفتوه بإباحة قتال من هذه صفته، فأطلق فيهم السيل أياما، فقتل من وجد منهم، وهرب أكثرهم إلى مراكش والجزائر، وبعضهم إلى النصارى، وبعضهم إلى (زاوية الدلاء)، فجاء أهلها للشفاعة في أهل الأندلس فأبى أن يقبل فيهم الشفاعة، وقال: إن الرأي في استئصال شأفتهم، فغضبوا، وأجمعوا على حربه، وكان قد كتب إليه في الشفاعة الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدلائي رسالة! فحاربوه وخرج إليهم العياشي فأوقع بهم وهزم جموعهم وفرّقها، ثم قصد طنجة للجهاد، ولما قفل وجد البربر من أهل الدلاء قد وصلوا إلى أطراف (أزغار) ومعهم قبائل التاغي والدخيس وأهل حزبهم من الكدادرة وغيرهم، وعزموا على مصادمته، فأراد غض الطرف عنهم، فلم يزل به أصحابه حتى التقى بهم، وكانت الدبرة على العياشي، وقتل فرسه تحته! فرجع إلى بلاد (الخلط) وأكثر رؤسائهم في حزب التاغي، وبقي العياشي عندهم أياما، فغدروه وقتلوه في (عين القصب)، واحتزوا رأسه، وحمله بعضهم إلى سلا حيث يكثر هناك أعداؤه من أهل الأندلس، وفرح النصارى لعنهم الله بمقتله غاية الفرح وأعطوا البشارة ثلاثة أيام.
    ومن كراماته المتواترة أنهم سمعوا الرأس ليلا يقرأ القرآن جهارا حتى علمه جميع من حضر، فردوه مكانه، وتاب بسبب ذلك جماعة، وكان مقتله رحمه الله في التاسع عشر من المحرم سنة واحد وخمسين وألف.
    وفي هذه المدة رأى رجل مغربي في المدينة النبوية رؤيا منام حدث بها فقال: رأيت في الرؤيا أختي، ورأيت رجلا جالسا مقطوع اليد تسيل يده دما، فقلت له: من أنت؟ قال: الإسلام، قطعت يدي بـ(سلا)، قال: فلما قدم حجاج المغرب آخر العام حدثوا بموته.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    وفي الاستقصا(1\2\177): ثم ختموا أعمالهم بفعلتهم الشنعاء التي ملأت الأفواه وأسالت من الجفون الأمواه، وهي قتلتهم ولي الله تعالى المجاهد في سبيله أبا عبد الله سيدي محمد العياشي المالكي رحمه الله، فما زلنا نسمع أن قبيلة الخلط إنما سلبوا العز منذ قتلهم للولي المذكور، وكان ذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين وألف، والله تعالى أعلم.
    مآثر العياشي وثناء العلماء عليه
    يحكى أنه وجد مقيدا بخط العياشي أن جملة ما قتله من الكفار في غزواته سبعة آلاف وستمائة وسبعون ونيف! ومدحه شعرا جماعة منهم الأديب أبو العباس أحمد الدغوغي، والعلامة الشهير الإمام أبو محمد عبد الواحد بن عاشر، وأثنى عليه الشيخ ميارة فقال: قد من عليّ ذو العظمة والجلال بزيارة الولي الصالح العالم العامل السائح قطب الزمان وكهف الأمجاد، المجاهد في سبيل رب العالمين، المرابط في الثغور مدة عمره لحياطة المسلمين، ذي الكرامات الشهيرة العديدة، والفتوحات العظيمة الحميدة، من لا شبيه له في عصره وماقرب منه ولا نظير، ولا معين له على نصرة الإسلام ولا نصير إلا الله، الذي تفضل به علينا، وأقره بمنه وجوده بين أظهرنا، فهو كما قيل:
    حلف الزمان ليأتين بمثله حنثت يمينك يا زمان فكفر
    وممن أثنى عليه كذلك أبو عبد الله محمد بن العربي الفاسي، وابن أبي بكر الدلائي، وغيرهم.
    وكان فقيها مشاركا في الفنون وله أتباع ظهرت عليهم بركاته، منهم الشيخ أبو الوفاء اسماعيل بن سعيد الدكالي، والمقدم المجاهد أبو العباس الخضر غيلان الجرفطي.
    ثم إن الذين تمالؤوا على قتل العياشي رحمه الله لم تمض مدة يسيرة حتى دارت عليهم دائرة السوء ولم ينج منهم أحد.انتهى خبره رحمه الله.
    يلزم من الشبهة المذكورة تسلط الكفار على المسلمين
    السابع من البراهين المبطلة للشبهة: إعلم أن القول المذكور يلزم منه إقرار تسلط الكفار على بلاد المسلمين وأهل الإسلام والرضا بالإقامة تحت إيالتهم وسلطانهم، وفي هذا لعمر الله ذهاب الدين والدنيا، وإذلالُ الكفار وإزهاق باطلهم وفرض الجزية عليهم وكف عاديتهم صيانة لجناب التوحيد وإزالة للحواجز التي تحول بين الخلق ونور الهدى والحق من أعظم مقاصد الشرع التي فرض الجهاد لأجلها، فلئن غفل المثير لهذه الشبهة عن هذا فقد عظمت منه الزلة، وجانب العلم وأهله، وقد ذكر الشاطبي رحمه الله أن أعظم أسباب زلات العلماء الغفلة عن مقاصد الشرع، ولئن كان القائل بها يعلم هذا واجترأ مع ذلك عليه فما أحراه بقول الفقيه أبي عبد الله الفاسي المالكي فيمن قال بتوقف الجهاد على وجود الإمام وإذنه أنه من أعوان الشيطان، ثم غلظ فيه وقال: كاد أن يكون كفرا.
    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في الدرر (1/167) منكرا على ابن نبهان: فمن ذلك فيما بلغنا عنه: أنه لا جهاد إلا مع إمام، فإذا لم يوجد إمام فلا جهاد، فيلزم على هذا أن ما يلزم بترك الجهاد، من مخالفة دين الله وطاعته جائز بجواز ترك الجهاد، فتكون الموالاة للمشركين والموافقة والطاعة جائزة، واللازم باطل، فبطل الملزوم، فعُكس الحكم الذي دل عليه القرآن العزيز، من أنها لا تصلح إمامة إلا بالجهاد.
    وقد اشتد نكير العلماء رحمهم الله على من رضي بالإقامة في بلد تغلب عليه الكفار لما يستلزمه ذلك من الرضا بهم وبأحكام ملتهم، ولما يقع في النفوس مع كثرة مخالطتهم من الميل إليهم كما وقع لمن بقي من المسلمين في الأندلس وقد مر بك في خبر العياشي، ولمحمد ابن عبد الله الونشريسي المالكي المتوفى سنة (911) رسالة: أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب على ذلك من العقوبات والزواجر، وما حققه فيها من وجوب الهجرة هو الحق الدامغ والبيان البالغ الذي لا محيد عنه ، ولما هاجمت الحملة الفرنسية الصليبية مصر سنة (1798م) وقعد من قعد من العلماء عن جهادهم كتب جماعة من علماء المالكية بالمغرب رسالة بعثوا بها إليهم ينكرون عليهم فيها رضاهم بالإقامة تحت إيالة الكفار كما ذكر ذلك العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم الكتاني رحمه الله في مقال له في بعض أعداد مجلة الحكمة. وكان قد خرج في تلك المدة لقتالهم الشيخ العلامة محمد عابد السندي على رأس جماعة من المتطوعة وكان مقيما بالمدينة المنورة فخطب خطبة حرض الناس فيها على الجهاد في سبيل الله وركبوا البحر لجهادهم. والسندي هذا هو غير السندي صاحب الحواشي على البخاري وبقية الستة. كذا في نيل الوطر من تراجم علماء اليمن في القرن الثالث عشر (2\327).
    وليس هذا موضع الإطالة بنقولات الباب، فإذا كان هذا حكم الإقامة تحت سلطان العدو المتغلب فكيف بمن أفتى بتعطيل الجهاد الذي يفضي تعطيله إلى تسلط العدو على بلاد المسلمين وفساد الدين والدنيا؟! فتبا لهؤلاء أفلا يعقلون!.
    إجماعهم على تعين الجهاد في مواضعَ مبطلٌ للشبهة
    والبرهان الثامن: إجماع الأئمة رحمهم الله على أن الجهاد يتعين في مواضع:
    الأول: أمر الإمام فمن عيّنه الإمام وجب عليه الخروج.
    الثاني: أن يفجأ العدو بعض بلاد الإسلام فيتعين عليهم دفعه، فإن لم يستقلوا لزم من قاربهم، فإن لم يستقل الجميع وجب على سائر المسلمين حتى يندفع العدو.
    الثالث: لاستنقاذ أسارى المسلمين من أيدي الكفار.
    الرابع: أن يحضر المكلف صف القتال.
    وهذا الثاني قد حكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء كما مرّ، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في مختصر الفتاوي المصرية في قاعدة دفع الصائل: إن هذا من أعظم أصول الإسلام وقواعد الإيمان، فلو كان قتال العدو الصائل لا يصح إلا بشرط الإمام لكان إجماعهم على تعينه والحالة هذه باطلا ولاندرج تحت النوع الأول وهو أمر الإمام، فتعين بطلان قولهم ولله الحمد.
    وفي أحكام القرآن لابن العربي المالكي (3\954): وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل، إذا تعين الجهاد على الأعيان بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو لحلوله بالعقر فيجب على كافة الخلق الجهاد والخروج، فإن قصروا عصوا، فإذا كان النفير عامة لغلبة العدو على الحوزة أو لاستيلائه على الأسارى كان النفير عاما، ووجب الخروج خفافا وثقالا وركبانا ورجالا عبيدا وأحرارا.... من كان له أب من غير إذنه، ومن لا أب له، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ويستنقذ الأسرى، ولا خلاف في هذا، فكيف يصنع الواحد إذا قعد الجميع؟ يعمد إلى أسير واحد فيفديه، ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهز غازيا. انتهى.
    الدليل على بطلان ما ذكروه من السنة
    التاسع: قد ثبت في السنة ما يدل على بطلان ما ذكروه، وهذا بيان لما تيسر منه:
    1- أحاديث الطائفة المنصورة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق يزيد بن الأصم قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، ذَكَرَ حَدِيثاً رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ. لَمْ أَسْمَعْهُ رَوىٰ عَنِ النَّبِيِّ عَلَىٰ مِنْبَرِهِ حَدِيثاً غَيْرَهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: «مَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَىٰ مَنْ نَاوَأَهُمْ، إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وفي حديث جابر عند مسلم (2\158): إلى يوم القيامة، وإلى نزول عيسى عليه السلام، وهو عنده أيضا من حديث عقبة بن عامر (13\57) ، ورواه عنهما ابن حبان أيضا عن جابر في (6\265\6705) وعن عقبة في (6\269)، ورواه أحمد في المسند من حديث المغيرة بن شعبة (17824)، ومن حديث معاوية (16530)، ومن حديث عمران بن حصين مرفوعا في (19545)، وموقوفا في (19520)، وعنه مرفوعا أيضا عند أبي داود في السنن (2485) وعنه الحاكم في المستدرك كما قال الحافظ في الفتح، ورواه النسائي في المجتبى (3565) من حديث سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ الْكِنْدِيِّ ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسا عِنْدَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَذَالَ النَّاسُ الْخَيْلَ وَوَضَعُوا السِّلاَحَ وَقالُوا: لاَ جِهَادَ قَدْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِوَجْهِهِ وَقَالَ: «كَذَبُوا الآنَ الآنَ جَاءَ الْقِتَالُ وَلاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ وَيُزِيغُ اللَّهُ لَهُمْ قُلُوبَ أَقْوَامٍ وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَحَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يُوحَى إلَيَّ أَنِّي مَقْبُوضٌ غَيْرَ مُلَبَّثٍ وَأَنْتُمْ تَتَّبعُونِي أَفْنَادا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ». قال السيوطي: قوله: «أذال الناس الخيل» بذال معجمة أي أهانوها واستخفوا بها وقيل أراد أنهم وضعوا أداة الحرب عنها وأرسلوها. شرح السيوطي للسنن (6\524). قال الحافظ رحمه الله: ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس، وأضاف بيت إلى المقدس، وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني ”يقاتلون على الحق".
    وفي جميع ألفاظ الروايات المذكورة وصف الطائفة المنصورة بقتال عدوها ، ثم إنه وصف ملازم لها كما يدل عليه قوله: لا تزال، قال في شرح الأشمونية في باب كان وأخواتها: زال: ماضي يزال، وبرح وانفك وفتئ، ومعنى الأربعة: ملازمة المخبر عنه على ما يقتضيه الحال، نحو: ما زال زيد ضاحكا، وما برح زيد أزرق العينين. قال في حاشية الصبان: أي ملازمة جارية على ما يقتضيه الحال من الملازمة مدة قبول المُخبَر عنه للخبر، سواء دام بدوامه نحو: ما زال زيد أزرق العينين، ما زال الله محسنا، أو لا، نحو: ما زال زيد ضاحكا. فعلم من هذا أن وصف القتال لعدو الدين ملازم للطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، وقد سبق في علم الله تعالى ما أخبر به الصادق المصدوق من افتراق كلمة الأمة وعدم اجتماعها على طاعة إمام واحد، بل وما يقع من افتراق القرآن والسلطان، بل وما يصنعه السلاطين اليوم من الإعراض عن شريعة الرحمن، والتهافت على شرائع عبدة الصلبان، فما أخبرنا النبي أن الجهاد لا يجوز لعدم الإمام ولا أمرنا بتعطيله إلا أن يظهر إمام، بل أخبرنا عن طائفة الحق القائمة به لنلزم غرزها ونقتفي أثرها ونسير على هديها، وأعلمنا بأجلّ صفاتها وهي العلم الذي يتميز به الحق من الباطل، والجهاد الذي تُحمى به حوزة العلم، وبهذين الوصفين قوام الدين، ولهذا قال البخاري رحمه الله لما ترجم بلفظ حديث ثوبان عند مسلم: وهم أهل العلم، وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال سمعت محمد ابن إسماعيل هو البخاري يقول، سمعت علي بن المديني يقول هم أصحاب الحديث، وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، ومن طريق يزيد بن هارون مثله، وروي نحوه عن أحمد بن سنان، وعن غير هؤلاء من الأئمة رحمهم الله، حدثني بعض العلماء أنه تتبع ما صح سنده من ذلك فبلغ سبعة عشر إماما ، فثبت بذلك جمع الطائفة المنصورة بين صفتي العلم والجهاد، ثم إن هذه الطائفة كما ذكر علماؤنا رحمهم الله قد تكون مجتمعة وقد تكون متفرقة، قال الحافظ في الفتح رحمه الله: قال النووي فيه أن الإجماع حجة، ثم قال يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى. فهذه الطائفة المنصورة قد أخبر النبي أنهم نزاع من القبائل، أناس قليل صالحون في أناس كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، وكل منهم مع تباعد ما بينهم قائم بالحق داع إليه مجاهد في سبيله بقلمه ولسانه ، وسيفه وسنانه، كان الإمام أم لم يكن.
    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في دحض هذه الفرية كما في الدرر السنية (8/199): ويقال: بأي كتاب أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟! هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد، والترغيب فيه، والوعيد على تركه، قال تعالى: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ (البقرة:251)، وقال في سورة الحج: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ ... الآية (40). وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه، ولا يكون الإمام إماما إلا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل، وقد قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ... الآية (سبأ:46)، وقال: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ (العنكبوت:6). وفي الحديث: لا تزال طائفة ... الحديث، والطائفه بحمد الله موجودة مجتمعة على الحق، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... إلى قوله: ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. الآيات (المائدة: 54-56) أي واسع الفضل والعطاء عليم بمن يصلح للجهاد. انتهى.
    وفي معنى هذه الأحاديث ما حمل عليه بعض الأئمة حديث ”إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” وذكروا أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد. قاله الحافظ رحمه الله.
    وقال من قبل في (1/197): فنقول للناس حالتان: إحداهما أن يعدموا قدوة وأسوة وإماما يجمع شتات الرأي، ويُردوا إلى الشرع المطهر من غير داع وحادٍ، فإن كانوا كذلك فموجب الشرع والحالة هذه في فروض الكفايات أن يُحَرَّج المكلفون القادرون لو عطلوا فرضا واحدا، ولو أقامه من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين، ولا يثبت لبعض المكلفين توجيه الطلب على آخرين، فإنهم ليسوا منقسمين إلى دَاعٍ ومَدْعُوٍّ وحَادٍ ومَحْدُوٍّ، وليس الفرض متعينا على كل مكلف، فلا يعقل تبين التكليف في فروض الكفايات مع عدم الوالي إلا كذلك، فلنضرب في ذلك الجهادَ مثلا، فنقول: لو شغر الزمان عن والٍ تعين على المسلمين القيام بمجاهدة الجاحدين، وإذا قام به عصبٌ فيه كفاية سقط الفرض عن سائر المكلفين، فهذا إذا عدموا واليا.
    فأما إذا وليهم إمام مطاع، فإنه يتولى جرَّ الجنود، وعقد الألوية والبنود، وإبراء الذمم والعهود، فلو ندب طائفة إلى الجهاد تعين عليهم مبادرة الاستعداد.
    وقال في (1/297): فإذا شغر الزمان عن كاف بقوى ومنعة، فكيف يجري قضايا الولايات، وقد بلغ تعذرها منتهى الغايات؟ فنقول: أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي في مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجمع، وجر العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلوّ الدهر... إلى آخر ما قال، وهو كلام حسن فليراجعه من شاء هناك.
    - ومنه قول شيخ الإسلام للسلطان في مصر لما خرج يستنصره على التتار القادمين إلى بلاد الشام: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه، ويستغله زمن الأمن. (البداية والنهاية : 14/15).
    - ومنه ما مضى في خبر العياشي ، فارجع إليه.
    2- خبر سلمة بن الأكوع في غزوة ذات القَرَد وهي الغزوةُ التي أغاروا فيها على لِقاحِ النبيِّ قبل خَيبرَ بثلاث، رواه البخاري في الصحيح قال: حدّثنا المكيُّ بنُ إبراهيمَ أخبرناَ يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ عن سلمةَ أنهُ أخبرَهُ قال: خرجتُ منَ المدينةِ ذاهباً نحوَ الغابة. حتى إذا كنتُ بثنيةِ الغابةِ لَقِيَني غلامٌ لعبدِ الرحمن بنِ عَوفٍ، قلتُ: ويحَكَ، ما بِك؟ قال: أُخِذَت لقاحُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قلت: مَن أخذَها؟ قال: غَطَفانُ وفَزارةُ. فصرخَتُ ثلاثَ صرَخاتٍ أسمعتُ ما بينَ لابَتَيها: يا صبَاحاه، يا صباحاه. ثمَّ اندفَعتُ حتّى ألقاهم وقد أخذوها، فجعلتُ أرميهم وأقول: أنا ابنُ الأكْوَع، واليوم يومُ الرُّضَّع. فاستنَقَذْتُها منهم قبلَ أن يَشرَبوا، فأقبلْتُ، فلَقِيَني النبيُّ فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ القومَ عِطاش، وإني أعجَلتُهم أن يَشربوا سِقيَهم، فابعَثْ في إثرهم. فقال: يا بنَ الأكْوَع مَلَكتَ فأسْجِحْ، إن القومَ يُقْرَون في قَومهم. وفي رواية مسلم : فقال رسول الله: خير فرساننا اليوم أبوقتادة، وخير رجالتنا اليوم سلمة، قال سلمة ثم أعطاني سهم الراجل والفارس جميعا. ففي هذا الحديث دليل على جواز الخروج إلى الجهاد بغير إذن الإمام إذا تعذر استئذانه، أو فات بانتظار إذنه المقصود. قال في الشرح الكبير: ... إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم، ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذنه، فمدحه النبي ، وقال : خير رجالاتنا سلمة ابن الأكوع، وأعطاه سهم فارس وراجل. انتهى.
    ثم إذا جاز الخروج لقتال الكفار دون إذن الإمام خشية فوات المصلحة ووقوع المفسدة بظهور الكفار على المسلمين فجوازه عند عدم الإمام أولى، وليس يخفاك أن خلو الزمان عن إمام يجرِّئ أعداء الدين على الإسلام وأهله كما تراه في زماننا، فنحن أحوج إلى الجهاد في زماننا منا في زمان إمام وقوة ومنعة، إذ ليس يدفع عدوان المعتدين الكافرين ويرد كيدهم إلا القيام بما أمر الله به من مقاتلته والذب عن حوزة الإسلام وأهله، لا أن يخلى عدو الدين يصنع بأهل الإسلام ما شاء ويعبث بأعراض المسلمات ونحن نرى ذلك ونشاهده ثم لا نحرك ساكنا ونزعم أننا ننتظر الإمام ، ومثل هذا ألحق بكلام المجانين منه بكلام العقلاء، ولعَمْر الله إن يقول هذا مسلم شدا من فقه الشرع شيئا، وإلى الله وحده المشتكى من غربة على غربة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
    3- ما رواه أبو داود في السنن عن بِشْرِ بنِ عَاصِمٍ عن عُقْبَةَ بنِ مَالِكٍ مِنْ رَهْطِهِ ، قالَ: بَعَثَ النَّبيُّ سَرِيَّةً فَسَلَّحْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ سَيْفاً فَلَمَّا رَجَعَ قالَ لَوْ رَأيْتَ مَا لاَمَنَا رَسُولُ الله قالَ أعَجَزْتُمْ إذْ بَعَثْتُ رَجُلاً مِنْكُمْ فَلَمْ يَمْضِ لأمْرِي أنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ يَمْضِي لأمري. قال في عون المعبود (7/288): قال في المجمع في مادة مضى: وفيه إذا بعثت رجلاً فلم يمض أمري أي إذا أمرت أحداً بأن يذهب إلى أمر أو بعثته لأمر ولم يمض عصاني فاعزلوه، وفي بعض الحواشي الهندية على المشكاة: قال الطيبي: إذا أمرت أحدا أن يذهب إلى أمر فلم يذهب إليه فأقيموا مكانه غيره ..... وقال ابن عبد الملك: أي فاعزلوه واجعلوا مكانه أميرا آخر، ورواه أيضا أحمد وابن حبان وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وجه الدلالة أن النبي حرضهم على تغيير أمير السرية الذي عقد له الراية بيده الشريفة تحصيلا لمصلحة الجهاد في سبيل الله، فتنصيب الأمير لتحصيل مصلحة الجهاد إذا لم يكن إمام من باب أولى، ذكر نحوه الشيخ أبو محمد عبد الله بن يوسف عزام رحمه الله.
    قال أبو الوليد: فإن ذكروا حديث أبي هريرة في الصحيحين البخاري في الأحكام ومسلم في المغازي وغيرهما قال: قال رسول الله: مَن أطاعَني فقد أطاعَ اللهَ، ومَن عصاني فقد عَصى اللهَ، ومَن يُطِعِ الأميرَ فقد أطاعَني، ومَن يَعصِ الأميرَ فقد عصاني، وإنما الإمامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ مِن وَرائه، ويُتَّقى به. فإِن أمرَ بتقوَى الله وعَدَلَ فإِنَّ لهُ بذلكَ أجراً، وإن قال بغيرهِ فإِنَّ عليهِ منه. قال النووي: قوله الإمام جنة، أي كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخافون سطوته، ومعنى يقاتل من ورائه أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقاً. وفي عون المعبود (6/436): والمعنى أن الإمام يستتر به وأنه محل العصمة والوقاية للرعية، فالإمام كالمجن والترس، فإن من استتر بالترس فقد وقى نفسه من أذية العدو فكذا الإمام يستتر به في العهود والميثاق والصلح والأمان فالإمام إذا عقد العهد وصالح بين المسلمين وبين غير أهل الإسلام إلى مدة، فالمسلمون يسيرون ويمرون في بلاد أهل الشرك ولا يتعرض لهم مخالفوهم بأذية ولا فساد في أنفسهم وأموالهم لأجل هذا الصلح، وكذا يسير أهل الشرك في بلاد الإسلام من غير خوف على أنفسهم وأمواله، فالستر والمنع عن الأذى والفساد لا يحصل إلا بعهد وأمان الإمام والله أعلم. كذا في الشرح. انتهى.
    قلنا: نعم، وليس ذلك دليل الشرطية، وإلا كان قوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم: إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ. فَإِذَا صَلَّى قَاعِداً فَصَلُّوا قُعُوداً، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه. دليلا على أنه لا صلاة إلا بإمام.
    فإن قالوا: المراد إمام الصلاة.
    قلنا: وكذلك هنا المراد إمام الجهاد، فيدخل في ذلك أمراء الجيوش وقادة السرايا كما يدل عليه ذكر الأمر بطاعة الأمراء في الحديث، ولذا قال الحافظ: والمراد بالإمام كل قائم بأمور الناس والله أعلم، ويؤيد هذا ما رجحه جماعة من العلماء من أن المراد بأولي الأمر كل من ولي شيئا من أمر المسلمين، قال في معارف السنن في بيان الخلاف في معنى أولي الأمر: قيل العلماء من المسلمين، والبيضاوي يرده لأنه ليس لهم حكم مستقل، وهم ينقلون حكم الله ورسوله، وقيل: أمراء المسلمين، ويمكن أن يراد به أن يكون الأمراء علماء، وفي العمدة للعيني: أحد عشر قولا، والقولان هنا لجمهور المفسرين، كالرازي والزمخشري والقرطبي وابن كثير وغيرهم، وقيل: أمراء السرايا، وروي عن أبي هريرة وميمون بن مهران ومقاتل والكلبي، وقيل عام في كل من ولي أمر شيئا، صححه العيني وإليه مال البخاري والرازي واستظهره ابن كثير.
    وأيضا فالمعنى الحاصل من الإمام حاصل بجهاد من جاهد من أمراء المسلمين، قال الشيخ حسن بن عبد الرحمن في الدرر السنية (8/202) كل من أقام بإزاء العدو وعاداه، واجتهد في دفعه، فقد جاهد ولا بد، وكل طائفة تصادم عدو الله ، فلا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم، وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل، كما هو الواقع، فإن تابعه الناس أدَّوا الواجبَ، وحصل التعاون على البر والتقوى، وقوي أمر الجهاد، وإن لم يتابعوه أثموا إثما كبيرا بخذلانهم الإسلام.
    وأما القائم به: فكلما قلت أعوانه وأنصاره، صار أعظم لأجره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، كما قال تعالى ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (الحج:78) وقال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا... الآية (العنكبوت :69) وقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ... الآية (الحج 39) وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ (المائدة :54) وقال: فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ.. . الآية (التوبة :5) وقال: كم من فئة ... الآية (البقرة: 249) وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ.. . الآية (الأنفال: 65) وقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ... الآية: البقرة: 216).
    ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه، لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف، لما ذكرت من الآيات، وقد تقدم الحديث: لا تزال طائفة ... الحديث.
    فليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلا ما استثني في سورة براءة، وتأمل قوله: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ (الحج:40) وقولَه : وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ... الآية (المائدة:56) وكل يفيد العموم بلا تخصيص، فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن؟
    وقد عرفت مما تقدم أن خطاب الله تعالى يتعلق بكل مكلف من الأولين والآخرين، وأن في القرآن خطابا ببعض الشرائع ، خرج مخرج الخصوص وأريد به العموم، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِي نَ ... الآية (التوبة:73) وقد تقدم ما يشير إلى هذا بحمد الله، وذلك معلوم عند العلماء، بل عند كل من له ممارسة في العلم والأحكام، فلهذا اقتصرنا على هذا القول، وبالله التوفيق. انتهى كلام الشيخ رحمه الله .
    وأيضا فمن العلماء من جعل الحديث عاما في جمع الأمور، ويؤيده ذكر الصلاة في رواية مسلم ، قال في حاشية المشكاة (2/329) ناقلا عن اللمعات: وإنما ذكر القتال لأنه أهم الأمور وأوكدها في الاستظهار والاتقاء، ويحتمل أن يكون قوله: ويتقي، إشارة إلى التعميم في جميع الأمور ولا يخص بالقتال كما أشار إليه بقوله فإن أمر بتقوى الله وعدل... إلخ، فافهم. انتهى. وعليه فيلزم من استدل بالحديث على اشتراط الإمام للقتال أن يقول باشتراطه في غيره، وهو باطل كما علمت وبالله وحده التوفيق.
    يلزم من هذه الشبهة سقوط الموالاة والمناصرة بين المؤمنين
    البرهان العاشر: يلزم من القول المذكور ترك ما أمر الله تعالى به من الموالاة بين المؤمنين ومناصرة بعضهم بعضا ، وحسبك بذلك إثما مبينا، وقد روى أحمد وأبو داود في السنن واللفظ لأحمد قال : ثنا أحمد بن حجاج قال: أنا عبد الله ـ يعني ابن المبارك ـ قال: أنا ليث بن سعد فذكر حديثاً، قال: وحدَّثني ليث بن سعد قال: حدَّثني يحيـى بن سليم بن زيد مولى رسول الله أنه سمع إسماعيل بن بشير ـ مولى بني مغالة ـ يقول: سمعت جابر بن عبد الله و أبا طلحة بن سهل الأنصاريين يقولان: قال رسول الله «ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً عند موطن تنتهك فيه حرمته، ويتنقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته. قال في النهاية: الخذل ترك الإعانة والنصرة، قال في العون: والمعنى ليس أحد يترك نصرة مسلم مع وجود القدرة عليه بالقول أو الفعل عند حضوره أو غيبته أو إهانته أو ضربه أو قتله أو نحوها. انتهى. وفي سند الحديث عندهما إسماعيل بن بشير وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب. وإنما ذكرته لكثرة من يحتج به في مثل هذا الموطن لأنبه عليه، وإلا فيغني عنه آيات بينات، وأحاديث نبويات صحيحات، وهذا منها تحفة الثقات:
    1- قوله تعالى: وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، قال ابن جريج: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. الطبري: (10/39). ورجحه ابن جرير رحمه الله. ونحوه لابن كثير. وفي إغاثة اللفان للعلامة ابن القيم رحمه الله 1/253: فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض. ومن تراجم ابن حبان: ذِكْرُ البيانِ بأَنَّ المهاجرين والأنصارَ بعضُهم أولياءُ بَعْضٍ في الآخرةِ والأُولى.
    2- وقوله تعالى: وَٱلْمُؤْمِنُون وَٱلْمُؤْمِنَات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
    3- وقوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَ ِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً. قال عبد الرحمن الثعالبي في الجواهر الحسان: (ٱلقَرْيَةِ) هنا: مَكَّة بإجماعٍ، والآيةُ تتناوَلُ المؤمنين والأسرَىٰ في حواضِرِ الشِّرْك إلَىٰ يوم القيامة. قال ابنُ العربيِّ في أحكامه: قال علماؤُنَا رحمهم اللَّه: أوجَبَ اللَّهُ تعالى ٰ في هذه الآيةِ القِتَالَ؛ لاستنقاذ الأسرَىٰ مِنْ يَدِ العدُوِّ، وقد رَوَى الأئمَّة أنَّ النبيَّ قَالَ: أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ. يعني: الأسيرَ، قال مالكٌ رحمه اللَّه: علَى النَّاسِ أَنْ يَفُكُّوا الأسرَىٰ بجميعِ أموالِهِمْ؛ وكذلك قالُوا: عليهمْ أنْ يُوَاسُوهُمْ. انتهى. وللقرطبي نحوه، وقال– أعني القرطبي في قوله تعالى : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِين َ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً: كأن هذا المعنى: لا تَدَع جهاد العدوّ والاستنصار عليهم للمستضَعفِين من المؤمنين ولو وحدك؛ لأنه وَعَده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى ٰ رسوله بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمِن له النصرة. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلاَّ أنه لم يجىء في خبر قطُّ أن القتال فُرض عليه دون الأُمة مدّة ما؛ فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يُقال لكل واحدٍ في خاصة نفسه؛ أي أنت يا محمد وكل واحد من أُمّتك القول له؛ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ. ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده؛ ومن ذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالِفتي، وقول أبي بكر وقت الردة: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي. انتهى.
    4- وقوله تعالى : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُ مْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. قال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأندلسي القرطبي رحمه الله: قوله تعالى : وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُ مْ فِي ٱلدِّينِ، يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم. إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدّته. ٱبن العربي: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة؛ حتى لا تبقى منا عين تطرِف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في ٱستخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم. كذلك قال مالك وجميع العلماء؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما حلّ بالخلق في تركهم إخوانَهم في أسر العدوّ وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوّة والجَلَد.
    قال أبو الوليد عفا الله عنه: رحم الله الإمام ابن العربي يقول هذا في زمان تخفق فيه رايات الجهاد، ويُنادى به في كل واد وناد، فماذا نقول نحن في زمان نكّست فيه أعلامه، وأفتى بتعطيله دعيّ العلم حتى أنكرته محابره وأقلامه، ولست أدري ما يصنع صبيان الفقهاء هؤلاء بهذه الحجج الواضحة، والبراهين اللائحة، الداحضة لشبهاتهم والدامغة لأباطيلهم وتلك هي الفاضحة، وليت شعري بأي شيئ يجيب المغبون ربه إذا سأله عن خذلان المؤمنين والمؤمنات، وهو متكئ شبعان على أريكته يرى علوج النصارى يعبثون بأعراض الطاهرات، وقد سفكوا الدم الحرام في عرصات الحرمات، فإن سمع ( وا إسلاماه ) أجاب: لا جهاد إلا بإمام وإن دُنّست الكرامات، فدعه عنك وانبذه نبذ النواة فقد مات قلبه قبل الممات، فاللهم إنا نبرأ إليك من الضلالة، ونعوذ بك من سُوء العمل وزيغ المقالة، وهذا مزيد من الأدلة بسطاً للعذر، وإظهاراً للحق ولله الحمد والشكر.
    5- وعن ابن عمر أن رَسُول اللَّهِ قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره اللَّه يوم القيامة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قال في رياض الفالحين: (ولا يُسلمه) بضم التحتية: أي: إلى من يظلمه ويهينه. وفي لسان العرب لابن منظور: قال ابن الأَثير يقال أَسْلَمَ فلانٌ فلاناً إِذا أَلقاه فـي الهَلَكَة ولم يَحْمِهِ من عدوِّه. وقوله في الحديث: لا يظلمه ولا يسلمه: هو بمعنى النهي بل أبلغ من النهي الصريح، فالنفي هنا نظير ما في قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية، وقوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون على قول بعضهم، والمعنى: لا ينبغي للمسلم أن يسلم أخاه المسلم ، أو ليس ذلك من شأن المتصف بصفة الإسلام.
    فائدة: قوله تعالى : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ، قيل معناه: لا يظلم بعضكم بعضا، فكما أن الرجل لا ينبغي أن يظلم نفسه، فكذلك لا ينبغي أن يظلم أخاه لأنه كنفسه، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، قال ابن كثير: وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة كما قال عليه الصلاة والسلام: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. انتهى. وهذا كقوله تعالى: فلا تقتلوا أنفسكم، وقولِه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ، وقولِه: فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ، ثم قوله: فيهن: يعني في الأشهر كلها، كما قال ابن عباس وعطاء، وعندهما أن الضمير في قوله: فيهن، راجع إلى قوله: اثنا عشر شهرا، لا إلى الحُرم فقط، وإنما خُصت بالذكر لمزيد فضلها وعظيم حرمتها. وتأمل كيف عطف على هذا قوله تعالى : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِين َ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم ْ كَآفَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ، ففيه تنبيه – والله أعلم – على ما يجب على المؤمنين من نصرة بعضهم بعضا، وأن من الظلم للمؤمنين تركَ عدو الله يستبيح بيضتهم ويعتدي على حرماتهم، وهو ظلم للنفس على الحقيقة، بل كل ظالم لغيره فهو ظالم لنفسه، وظلمه للمؤمنين بخذلانهم وإسلامهم لعدوهم يلزم منه تسلط العدو على الدار، واستباحتُه الحمى والذمار، فهو معين بفعله هذا عدوه على نفسه وإخوانه، ولذا أمرنا تعالى بقتالهم كافة كما يقاتلوننا كافة، وهذا إغراء وتهييج للمؤمين، والمعنى كما قال القرطبي رحمه الله: بحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم، وبالله التوفيق .
    6- وما رواه مسلم في صحيحه من حديث النعمان بن بشير قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّىٰ، ورواه أحمد عن النعمان أيضا، وفي معناه ما رواه البخاري عن أَبي موسى أن النبي قال: المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضاً، ثم شبَّكَ بين أصابعه. وفي تحفة الأحوذي: وزاد البخاري: ثم شبك بين أصابعه إلخ، والحديث رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان دون الزيادة المذكورة، وعند أحمد من طريق أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي يحدث عن رسول الله قال: إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد في الرأس، قال ابن كثير: تفرد به أحمد، ولا بأس بإسناده. والحديث من آكد الأدلة على تعظيم حرمة المؤمن ووجوب مناصرته على كل قادر على نصرته، فلا جرم أن البخاري بوب عليه في كتاب المظالم: باب نصر المظلوم ، وقال الحافظ في شرحه: هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفعل ظلما، ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كثير. انتهى. وقال النووي رحمه الله: هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه. انتهى. وبوب ابن حبان: ذكر الأمرِ بمعونةِ المسلمين بعضِهِم بعضاً في الأسباب التي تُقَرِّبُهُم إلى الباري جلَّ وعلا.
    فكيف يحِلُّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر يرى ما يحُلُّ بأهل الإسلام مشرقا ومغربا من القهر والظلم وهو قادر على نصرتهم بنفسه وماله، ثم يقعد عنهم ويخلي بينهم وبين عدوهم يستعبد شريفهم ويُهين كريمهم – وكلهم شريف كريم – بحجة انتظار الإمام ؟! أفترى الأحاديث المذكورة تعطل، والأحكامَ المبينة تهمل، بمثل هذه الدعوى العارية عن الدليل، المبطلة للشرع الجليل؟! نعوذ بالله من ظلمة جهل يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر.
    7- وما رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك  قال: قال رسولُ الله: انصُرْ أخاكَ ظالِماً أو مَظلوماً، قالوا: يارسولَ الله، هذا ننصُرهُ مَظلوماً، فكيفَ ننصُرهُ ظالِماً؟ قال: تأخُذُ فوقَ يدَيهِ. ورواه عن أنس أحمد والترمذي وقال حسن صحيح، وابن حبان، وفي الباب عن عائشة وابن عمر وجابر رضي الله عنهم أجمعين، قيل: أول من قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما: جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي ، قال البيهقي: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسا ومعنى، وقال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية (91) من سورة النحل: الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجاباً عاماً على من قدر من المكلّفين، وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى : إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (الشورى:42).
    وقوله: أو مظلوما، عام في رفع كل ظلم يقع عليه، قال في دليل الفالحين: بأن تعدى علـيه إنسان فـي نفسه أو ماله أو عرضه. قلت: ولو كان الظالم مسلما، فكيف إذا كان عدوا للدين، صائلا على الدين والنفس والمال والعرض جميعا؟!
    بِجَبْهَةِ العِيرِ يُفْدَ حَافِرُ الفَرَسِ
    البرهان الحادي عشر: اعلم -وفقك الله-أن في الشبهة المذكورة مصادمةً للسنن الشرعية والكونية الموصلة إلى حصول التمكين لدين الله في الأرض، لأنها كما أشرنا من قبل تعطيلٌ للجهاد الذي هو من أعظم أسباب التمكين، وليس يخفى على العاقل ما يصنعه أعداء الدين من التآمر على أهل الإسلام في زماننا هذا على وجه الخصوص، حتى إنّ اللسان ليعجز عن وصفه، بل إن الكيد قد بلغ أصول الإسلام وقواعده، يريدون بذلك خلخلة ثوابته وتحطيم مبادئه وزعزعة ثقة أبناء المسلمين به، فليس من سبيل لردِّ هذا الكيد وقطع حبال المكر وتخليص الأمة مما هي فيه إلا بالجهاد في سبيل الله، فبالجهاد تخوض الأمة أحشاء الظلماء، وبه تعلوا هامة العلياء، وها هم المسلمون قد مرت عليهم عقود وعقود منذ سُلِبُوا مجدهم التليد، وفقدوا عزهم العتيد، وقد سلكوا في محاولة إعادة ما فقدوه مناهج عددا، وجرَّبوا طرائق قِددا، فما زادتهم إلا مهانة ووهنا، وما ازداد أعداء الدين إلا عدوانا وطعنا، وكلما قام داع إلى الجهاد الذي به حياة الأمة وخلاصُها كادوا يكونون عليه لِبَدَاً، لأنهم يعلمون أن الجهاد لدين الإسلام كالروح للجسد، وهو أنجع السبل وأقربها، بل السبيل الأوحد لجمع كلمة أهل الإسلام، وعلى قدر ما تبذل الأمة من الجهاد في سبيل الله يكون اجتماع الكلمة، ومن شاء فلينظر في مرآة التاريخ، وليقرأ تجارب الأمم والدول، علَّها تشرق في سماء معارفه شمس الحقيقة، وما أحسن ما قال القائل:
    ولربما انتفع الفتى بعدوه كالسم أحيانا يكون دواء
    فالسعي للتمكين في الأرض، وجمعِ كلمة الأمة على طاعة إمام واحد، يستلزم الأخذ بجملة من الأسباب الشرعية، والجريَ وَفق سنن كونية لا تتغير ولا تتبدل، وتلك السنن لا تخص الأمة وحدها، بل تشترك فيها أمم الأرض كلها، وهذا موجز في بيانها.
    نكات في قاعدة الأسباب:
    اعلم – علمني الله وإياك – أن الله تبارك وتعالى جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وجعل عباده سكانا لهذه الدار فأعمرهم إياها، وأعلمهم أنهم لها مفارقون وعنها راحلون إلى دار باقية لا يحولون عنها ولا يزولون، وأرشدهم في محكم شريعته إلى أن التزود من الأولى إلى الآخرة قائم على ركنيين ركينين وأصلين ثابتين:
    الأول: ما أنزله لهم من الوحيين الشريفين وما بين فيهما من العقائد والأحكام والعبادات والمعاملات مما في الأخذ به سعادة الدارين والفوز بإحدى الحسنيين.
    والثاني: ما أودعه الله تبارك وتعالى في هذا الكون من المنافع والأسرار والحكم مما تنبئ به صفحة الكون المعمور، وتدل عليه آيات الكتاب المسطور.
    والدليل من الكتاب والسنة على الأول أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يعرف وأظهر، ومن المشكلات توضيح الواضحات. وأما الثاني: فلو لم يكن فيه إلا آية واحدة في الكتاب لكفى، كقوله تعالى: (أَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ويقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) ونحو ذلك من الآيات، فكيف إذا علمت أن الكتاب قد أرشد إلى عشرات بل مئات منها؟!
    وتحرير المقام في هذا الموضع يطول وربما خرج بنا عن مقصود الكتاب، لكننا ننبه على جملة من الفوائد تبصرة وعبرة وتذكرة لأولى الألباب، وفي هذا جملة من الحقائق التي تعين على الفهم وبلوغ المقصود:
    الأولى: أن الله تعالى خلق الأسباب والمسببات وزاوج بينهما، كالدواء مع الشفاء، والنكاح مع الولد، والشبع مع الأكل ونحو ذلك، بل كل أمر الدنيا قائم على هذا المعنى، بل الدنيا كلها سبب موصل إلى الآخرة فافهم.
    الثانية: أن من الأسباب ما هو متعلق بالفرد كالدواء مع الشفاء، ومنه ما هو متعلق بالمجموع أعني مجموع الأمة، كتعاون الأفراد على القيام بما يسد خلة الجماعة ولا قيام لها إلا به، كأنواع الطاعات والقربات التي تؤلف بين القلوب، كالتناصح والتزاور وعيادة المرضى واتباع الجنائز وبر الوالدين وصلة الأرحام، وكفروض الكفايات من صناعة وتجارة وزراعة وتربية وتعليم وإعداد وتجييش للجيوش وحفظ الأمن ونحو ذلك، وكل هذا داخل في جملة الأسباب ولا فرق.
    الثالثة: وكما جعل الله النتائج ثمار الأسباب، جعل لكل سبب منها قدراًَ لا يقع المسبب إلا عنده، (قد جعل الله لكل شيء قدراً) و(شيء) نكرة في سياق الإثبات تعم كما تعم في سياق النفي على الصحيح فيدخل في هذا العمومِ الأسبابُ، ويدل لهذا قول النبي لمن شكا إليه مرض ابن أخيه: "اسقه عسلا" ثم قوله له بعد الأولى والثانية: "صدق الله وكذب بطن ابن أخيك" فلما كانت الثالثة شفي، فعلم من هذا أن الله كما جعل العسل سببا للشفاء، جعل لما يتناوله المريض منه قدراً لا يقع الشفاء إلا عنده، ولو اقتصر على مادون هذا القدر لم يقع! وبهذا تعلم قدر الجناية على الشرع ممن تعاطى السبب ناقصا ثم زعم أن العسل لا شفاء فيه !!!
    وهكذا الشأن في جميع الأسباب:
    - فالطبيب يصف للمريض الدواء ويلزمه بقدر منه لا يقع الشفاء إلا عنده، ولو اكتفى ببعضه وزعم أن الدواء فاسد لا يعالج المرض! قيل له: جانبت الصواب فيما زعمت، بل يلزمه إكمال تعاطي السبب ليحصل الشفاء.
    - والجائع لو تناول بعض الطعام أو قليلا منه وزعم أن الطعام لا يدفع الجوع لقيل له: أخطأت، بل الجوع لا يندفع إلا بقدر من الطعام يحصل عنده الشبع وإلا لم يحصل.
    - والزارع لو سقى الزرع مرة أو مرتين ثم زعم أن الزرع لم ينبت أو يبس ولم يثمر، لأن الماء لا ينبت زرعا ولا يصلح سببا لذلك لقيل له قصرت.
    - ولو أن من أراد حفظ سورة من القرآن كرر قراءتها مرة أو مرتين أو عشرا ثم زعم أن التكرار لا يصلح سبباً للحفظ! قيل له: ليس الأمر كما ظننت، بل جعل الله للتكرار قدرا لا يقع الحفظ إلا عنده وإلا فلا.
    - ولو أن متعلما حصّل قدرا من العلم، ثم خلاّه وزعم أن العلم لا يُبَلِّغُ مراتب العلماء، لأنه لم يبلغها بما حصله من العلم، لقيل له على العلم جنيت، بل يلزمك كد الليل والنهار حتى تبلغه، وإلا لحقت بركب الجاهلين وتخلفت مع المتخلفين.
    - ولو صال صائل على مسلم واقتحم عليه داره فضربه المسلم بعصا ليدفعه عن حوزته وحريمه، ثم قعد وزعم أن ضربه لا يدفعه وخلى بينه وبين ما يريد لقيل له تماديت وافتريت، بل الواجب عليك بذل ما تقدر عليه من الأسباب والتَّحَيُّلُ له بكل أمر مشروع، فإن لذلك قدراً لا يندفع الصائل إلا ببذله، وإلا لم يندفع.
    - ومثل هذا فيما لو صالت أمة كافرة على بلدة من بلاد المسلمين، وقام أهلها بدفع العدو لكنهم عجزوا عنه، أو بذلوا في دفعه دون القدر الواجب الذي يقع عنده السبب، وزعم زاعم أن الجهاد في سبيل الله لا يصلح سببا لدفع العدو لأنه لم يندفع بقتال من قاتل! لقيل له: كذبت، بل لا يندحر العدو إلا بقدر من السبب يجب تحصيله، إما على أهل تلك الناحية أو على من يليهم من المسلمين إن عجزوا وتكاسلوا.
    - وقبل سنين أوائلَ هذه الحرب الصليبية لقيت بعض العلماء، وزعم أن التجربة (ويعني بها قتال الروس وجهادهم فيما مضى في أفغانستان) قد دلت على أن الجهاد في سبيل الله لا يصلح سببا لإقامة الدين والشرع ولا للتمكين لدولة الإسلام! وهذه الدعوى جناية على الشريعة أولاً وعلى عبادة الجهاد ثانياً، بل الجهاد في سبيل الله من أعظم الأسباب الموصلة إلى ذلك، وإنما جعل الله لحصول المسبب وهو التمكين في الأرض والاستخلاف فيها قدراً من السبب-ومنه الجهاد- يجب بذله ولا يتم التمكين إلا به.
    وقولي في الجهاد (من أعظم الأسباب) أشير بها إلى أن التمكين لدولة المسلمين في الأرض يستلزم الأخذ بأسباب أخرى، وأن يبذل من كل منها القدر الواجب الذي لا يتم المسبب إلا به.
    وهذا يدلك على أمور:
    الأول: أن الجهل بهذا الذي ذكرناه حمل كثيرا من الدعاة والمتصدرين للعلم على الخوض في مناهج دخيلة للسعي في التمكين للدين وإقامة الشرع، كالانتخابات، والحوارات، والاقتصار على الدعوة، أو التربية، أو طلب العلم، مع الإعراض عن النهج القويم والسنن المستقيم في قيام الجماعات والأمم والدول!
    والثاني: خطأ من يظن أن الجهاد هو السبب الأوحد الموصل إلى التمكين في الأرض، فخلوا الأسباب الأخرى معطلة هملا، ومن أخذ بشيء منها لم يُحَصِّلْ منه ما وجب، فطال الأمر، وضعفت الهمم، وتخاذل الناس، واتهم الجهاد وأهله والله المستعان، وهذا المقام يحتاج إلى كثير من البسط والإيضاح وضرب الأمثلة لتتجلى حقيقته للعيان، ومحله "أرائك الحكمة" وبالله التوفيق .
    - واعلم أن مقادير الأسباب التي يجب تعاطيها يستوي فيها جميع الناس مؤمنهم وكافرهم كما يستوون في نفس الأخذ بالأسباب وتولد المسبَّبات عنها، فكما يستوون في التداوي لدفع المرض، والطعام لدفع ألم الجوع، والنكاح للولد، يستوون كذلك في إقامة الجماعات وحماية الأمم وبناء الدول، والفرق إنما هو في الاعتقاد والقصد، فالمسلم يعتقد أن الله وحده خالق الأسباب ومقدرها، وخالق المسببات، وأن الأسباب لا تفعل بنفسها ، وأن الأخذ بها عبادة، لأنه أمربها ولا تعبد إلا بما شرع سبحانه، فكل سبب دل الشرع على المنع منه أعرض عنه إلى ما سواه من المباحات، ثم قصده من ذلك كله إعزاز الدين وإقامة الشرع وصلاح الخلق وبلوغ مرضاة الله تعالى ، والكافر على العكس من ذلك كله .
    - فإن قلت: فما حد القدر الذي يجب تعاطيه من الأسباب لتحصل عندها المسببات؟
    قلت: ما أثبت له الشرع حداً حددناه به، كالزكاة وصدقة الفطر لدفع حاجة الفقير، وكخمس الغنيمة لسد حاجة الأصناف الخمسة المذكورة في الآية، وأربعة أخماسها لسد حاجة الغانمين، ونحو ذلك.
    - وما لا حد فيه، فحده حصول المسبب المطلوب، كالتداوي فإننا نستدل بحصول الشفاء على القدر المطلوب من الدواء، وكالشبع نستدل بحصوله على القدر المحتاج إليه من الطعام، وكبلوغ الزرع الحصاد نستدل به على القدر المطلوب من الماء والشمس والهواء، وكحفظ السورة من القرآن نستدل به على القدر المطلوب من عدد مرات التكرار، وكزوال المنكر نستدل به على القدر الواجب من الإنكار، وكاندحار العدو نستدل به على القدر الواجب بذله من القتال لدفعه، وكالتمكين لدولة الإسلام في الأرض نستدل به على حصول القدر الواجب من الأسباب المبذولة لقيامها، ففي كل هذا وأمثاله نستدل بحصول المُسَبَّبِ على حصول القدر الواجب من السبب وليس العكس.
    وهنا نكتة لطيفة وسر من أسرار الحكمة الربانية في هذا أنبهك عليه: وهي أن الله تعالى جعل مقادير الأسباب متفاوتة في تحصيل المسببات بين العباد، حتى في السبب الواحد نفسه، فما يصلح من قدر الدواء لبرء شخص قد لا يقع به برء غيره، لحاجة هذا الآخر إلى قدر آخر من الدواء، وهكذا في دفع ألم الجوع، فالقدر الذي يندفع به ألم الجوع من الطعام عن شخص لا يكفي لغيره، وهكذا عدد مرات التكرار التي يقع بها الحفظ تختلف بين إنسان وغيره، وربما كان الفرق في مقادير الأسباب لاختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، كالفرق في إعداد العُدَّةِ الواجبة لدفع الصائل، أو إقامة شرع الله تعالى في الأرض والتمكين له بإقامة دولة الإسلام، بين زماننا هذا والزمن الأول الذي كان القتال فيه بالسيف والرمح ولما تظهرْ فيه بعدُ كثير من العلوم التي هي اليوم من أعظم أسباب القدرة والقوة والتمكين، كأنواع العلوم التي تساس بها الأمم والدول، والتراتيب الإدارية، والعلوم القتالية، والصناعات الحربية ، وغير ذلك مما يصعب حصره ويطول عده، فاشدد على هذه النكتة يدك، فإنها تدلك على كثير من مواطن الخلل في تفكير كثير من المسلمين خاصتهم وعامتهم من جهة، وعلى الخلل والقصور في العمل لهذا الدين من جهة أخرى.
    - فإن قلت: فما علة التفاوت في مقادير الأسباب؟! وهلاَّ كانت واحدة يستوي فيها الإنسان والزمان والمكان؟!
    قلت: هي نفس العلة التي لأجلها جعل الله عقول الناس وفهومهم على مراتب مختلفة تتفاوت في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، فعالم وأعلم منه، وطالب وأطلب للعلم منه، وجاهل وأجهل منه، وهي نفس العلة التي لأجلها أخفى الله تعالى أنواع المصالح فيما أودعه في هذا الكون من المنافع والحكم والأسرار، وهي أعني العلة في هذا كله: جعلُ الله تعالى هذه الدار دارَ امتحان وابتلاء، يسعي الناس فيها ويكدون ويكدحون ويتنافسون في اجتلاء مخبآتها ومعرفة كنوزها وأسرارها، كما يتنافس العلماء في استخراج درر الكتاب والسنة بالخوض في بحريهما وتنزيل أحكامهما على ما يستجدُّ من الحوادث والنوازل، فما تراه ظاهرا من العلوم اليوم كان خفيا في أمس الذاهب، وما خفي اليوم أظهر الساعون منه في غد بقدر ما آتاهم الله من المواهب، وفي هذا السعي – وحديثنا عن الأخذ بالأسباب – تتفاوت الهمم وتختلف العزائم، في الأفراد والجماعات والدول، فمن وفقه الله ووجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك ورأى نفسه في الساقة عند أذناب الإبل وغيرَه على رأس القافلة فلا يلومَنَّ إلا نفسه! .
    - والأخذ بالأسباب سنة كونية لا تتخلَّف ولا تتبدل ولا محاباة فيها لأحد على أحد، أعني من جهة التوصل بها إلى المسببات، وكون هذه الثانية مترتبةً عليها وثمرةً لها، وإلا فنفس الأخذ بالسبب عبادةٌ مع صدق النية وصفاء الطوية، وأعني بكونها سننا كونية أنها يستوي في أصل التوصل بها إلى المسبَّبَات- المؤمن والكافر- كما ذكرت في مقادير الأسباب التي يجب تعاطيها من قبل.
    - فإن قلت: فنحن نرى الإنسان يسعى في الأخذ بسبب من الأسباب جهده ثم يتخلف حصولُ المسبب؟!
    - قلت: لأنه قد يظن الشيء سببا موصلاً إلى المسبب وليس سببا في نفس الأمر، كمن يتعاطى دواء لعلاج داء معين وليس علاجاً له في نفس الأمر، فإنه لا يحصل به المسبَّب الذي هو البرء، ويلزمه لدفع الداء السعي في البحث عن الدواء الموافق للداء، وليس السعي الأول بأوجب من الثاني، ولا الثاني بأوجب من الثالث وهكذا، وهذا هو معنى قوله: (ما أنزل الله من داء إلا وله دواء علمه من علمه وجهله من جهله) وقوله: ( فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله ).
    - وهذا منزل يتفاوت فيه الناس أيضا كل بحسب همته وعلى قدر صبره، يتفاوت فيه الأفراد كما تتفاوت فيه الأمم، وهو باب يدخل تحته كل ما سبيله البحث والتجربة:
    - فمن سعى في تحصيل رزق من وجه ولم يحصل له، أُمر بتحصيله من وجه ثان وثالث ورابع وهكذا، ولو زعم أن عدم حصوله من الوجه الأول دليل على عدم حصوله مما عداه من الوجوه كان زعمه ردا عليه.
    - ومن سعى ليعف نفسه بالنكاح فردت عليه خِطْبته في الأولى أمر بخطبة ثانية فثالثة فرابعة وهكذا على مثال ما سبق.
    - ومن سعى إلى الهجرة من طريق وَحِيلَ بينه وبينها، فزعم أنه لا يستطيع الهجرة واختار الإقامة بين ظهراني الكفار، لم تقبل دعواه ولا عذر له حتى يسعى إليها من طريق ثان وثالث ورابع وهكذا، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه.
    - ومن سعى إلى دفع عدو صائل فعجز عن التَّحَيُّلِ لدفعه من وجه، وجب التحيل من وجه ثان وثالث ورابع وهكذا، حتى يندفع عدو الدين ويخزى، ولا يجوز له أن يخلِّيَ بينه وبين دار الإسلام بحجة عجزه في الأولى والثانية وهكذا.
    - ومثل هذا يقال في السعي لتحصيل علم، أو صناعة، أو إعداد، أو
    قتال عدو، أو خدعة في الحرب، أو لبناء مدينة، أو تربية، أو تعليم، أو طب، أو تجارة، أو غير ذلك من جميع ما تحتاج الأمم إليه.
    - نعم للصدق مع الله تعالى وإخلاص النية مدخل عظيم في هداية العبد إلى صحيح السبب وتوفيقه إلى الأخذ به، والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم.
    - واعلم أن من المُسَبَّبَاتِ ما يجنيه الفرد متى تعاطى سببه كالبرء مع التداوي، ومنه ما يجنيه مجموع الأمة، فيحتاج إلى سعي المجموع، كالجهاد في سبيل الله والسعي للتمكين لدينه في الأرض، وهذا الثاني كل واحد فيه يكمل الآخر، فيحتاج إلى العلم بسياسة الأمم والممالك والدول، ومعرفة أصولها وقواعدها وثغرات الضعف فيها، ليتكامل السبب في مجموعه وإلا تخلف المسبَّب! وعلماء هذا الفن يقولون: "سياسة الأمم مقيسة على سياسة الأفراد"، وهذه جملة من وعاها وزاوج بينها وبين ما قدمناه فتحت له من الفهم أبوابا وأبوابا، وفي هذا القدر كفاية وبالله وحده التوفيق.
    الجهاد باب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    وهذا لا يحتاج إلى إمام
    البرهان الثاني عشر: أن الجهاد في سبيل الله ضرب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الجصاص في أحكام القرآن رحمه الله (4/319) ، وغيره من العلماء، ومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو ركن الدين كما قال النووي رحمه في شرح مسلم وغيره من العلماء لم يشترط أحد من العلماء له إماما، بل ولو وجد الإمام لم يشترط إذنه في ذلك، كما دل عليه حديث أنس في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، حتى إنه لو رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر كان علينا معاونته في ذلك، كان الإمام أم لم يكن، والجهاد باب من أبواب الأمر والنهي، فيقال فيه ما قيل في الأمر والنهي، إذ حكم بعض الشيء حكم جميعه، وبالله التوفيق.) إنتهى .
    ننتظر منكم التعليق على هذا الكلام ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    بارك الله فيك
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    جزاك الله خيرا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    جزاك الله خيراً أخي أبو محمد التونسي
    جزاك الله خيراً أخي بندر
    ومــا أنا إلا ناقل هــذا العلم وهـذا الفضل
    فنسأل الله أن يجازي كاتبه خير الجزاء .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أود من الأخ الكريم ...التفريق بين الجهاد عندما يكون فرض عين وعندما يكون فرض كفاية...كما بين المؤلف..
    وأهل السنة متفقون أن الجهاد سنة ماضية خلف كل إمام بر أوفاجر...كما ذكر ذلك الأئمة في رسائلهم..بل
    وكتب الفقه مليئة بهذا القيد..بل العبادات لايمكن أداءها إلا بإمام كالصلاة والزكاة والصيام والحج ومنها الجهاد...كما ذكر المؤلف....
    فكيف يضبط الجهاد في سبيل الله من دون قائد يقود المعارك...بل كيف يعد الجيش ..وكيف...وكيف..جمي ذلك يندرج تحت سلطة ولي الأمر ونوابه.
    ...ثم أين أنت من الأحاديث الواردة في أخذ الإذن من الوالدين عند الجهاد.
    أخي الكريم...أريد فقط أن تثبت أن أحد من الصحابة رضي الله عنهم خرج وقاتل المشركين بدون إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    344

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    قوام الدين بكتاب يهدي و سيف ينصر

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    الرحالة .. بارك الله فيك على المرور
    وما ذكرته من ملاحظات قد سبق توضيحها في المشاركة الأساسية فما عليك إلا أن تقرأ البحث بتأني سوف تجد التوضيح . وجـزاك الله خيراً .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    195

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    السلام عليكم الشيخ الدهلوي صاحب البحث الجهادي أقول لك لا أعرف قولا لعالم معتبر يجيز الجهاد في سبيل الله من دون امام انما الخلاف فيما يخص بجهاد الدفع و الذب عن بيضة الدولة الاسلامية.نعم لقد أبهرت جماعات آيات الجهاد و أحاديثه و ما فيها من فضل فتجاوزوا شروط تحقيق هذه الأجور و الدثور فاساؤوا أحيانا و خالفوا الشرع احيانا أخرى و وقعوا و أوقعوا غيرهم من الشباب أحداث أسنان في ورطات و لقد ألفت رسالتين احداهما بعنوان:اتحاف الاخوة و الأحباب بالفرقان بين الجهاد و الارهاب و الأخرى بعنوان:أين الشرع القويم المتين من ظاهرة تكفير حكام المسلمين كنت منصفا فيهما منطلقا من قولة الامام الشافعي رحمه الله:رأيي صواب يحتمل الخطأ و راي خصمي خطأ يحتمل الصواب و لقد طلب مني من أجهله أن أرسلهما اليه لينشرهما ألا و هو المشرف على موقع المسلم نت و زعم أنه يدعى:د/محمد العتيق على عنوان بريد ألكتروني أحتفظ به و كنت أود من موقع الألوكة أن ينشرهما حتى تعم منهما الفائدة و يتلقيان لما يستحقان من التدقيق و التمحيص انطلاقا من قوله تعالى:فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض و مما ينفع الناس يقينا هدايتهم الى الجادة و حثهم على طريق السلف الصالح الذين لم يجاهدوا الا مع امام و هذا محل اجماع كما أن طاعة ولاة الأمر محل اجماع ينبني على آي من الذكر الحكيم و أحاديث مستفيضة و متواترة و الله الموفق للصواب

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    أخي مصطفى
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
    أولاً بارك الله فيك على المرور .. وواضح جداً أنك لم قرأ البحث جيداً لأنك نسبت البحث لي ولستأ نا من كتبه بل أنا ناقل له فقط .
    ثانياً : ماذا أنك لم تق رأ البحث جيداً .. سوف أقول لك أقرأ البحث مرة أخرى بتأني وسوف تجد توضيح ما قلته من ملاحظات
    وجزاك الله خيراً على المرور والملاحظات .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    195

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    الأخ الكريم الدهلوي السلام عليكم مرة أخرى لقد رجعت الى النص ثانية و قرأته بامعان و ترو فما وجدتك تبرأت منه و لا عزوته لغيرك و في النص جهد كبير الا أن صاحبه غفل عن الكثير و هو شروط الجهاد و عتاد الجهاد و قوة المسلمين و عتادهم مقارنة مع أعدائهم فبالرغم من أنني لم أكن استرسلت فيها في نقلتي فقد بينت أن في حالة سبات المسلمين و ضعفهم يعمل بآيات الصبر و الصفح خلافا للذين يحكمون آية السيف و يزعمون أنها نسخت كل آية فيها صبر أو صفح للكفار و مع أنني أول من جمع هذه الآيات و قدمتها متتالية في كتابي اكمال المنه في معرفة النسخ من القرأن و السنة و كذلك في رسالتي :اتحاف الاخوة و الأحباببالفرقان بين الجهاد و الارهاب و هذه الآي التي يزعمون أنها نسختها آية السيف معروف عند جمهور الأصوليين أنها من المنسأ من القرآن كما أن هذه الجماعات التي تحكم آية السيف لا تقرأ باب الصلح و لا الهدنة و أريد أن أختم هذه الكلمة بالملاحظة التالية التي أهملها صاحبك و هي الصلح لتتباين الماقف :ذكر عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام كتاب الجهاد باب الأمان ص103:الاجماع عن صحة أمان الامام لجميع الكفار و ذكر ابن المفلح في المبدع كتاب الجهاد باب الأمان 3/393 الاجماع على صحة أمان المسلم المكلف الحر من فتنة أو غير ذلك أم بشيء يأخذونه منهم لا على حكم الجزية اذا كانت الجزية انما شرطها أن تؤخذ منهم و هم بحيث تنفذ عليهم أحكام المسلمين و أما بلا شيء يأخذونه منهم و كان الأوزاعي يجيز أن يصالح الامام الكفار على شيء يدفعه المسلمون الى الكفار اذا دعت الى ذلك ضرورة فتنة أو غير ذلك من الضرورات و قال الشافعي :لا يعطي المسلمون الكفار شيئا الا أن يخافوا أن يصطلموا لكثرة العدو و قلتهم أو لمحنة نزلت بهم و ممن قال باجازة الصلح اذا رأى الامام في ذلك مصلحة المسلمين الامام مالك بن أنس و الشافعي و أبو حنيفة قلت و هنا يتبين شرط وجود امام يعرف أين المصلحة انطلاقا من ضروري مقاصد الشرع و هي أساسا:درء المفاسد أو دفعها و جلب المصالح للأمة الاسلامية و مكارم الأخلاق و محاسنها و هذا ما لم يعرج اليه صاحبك و هو أساس هذه الحياة لذلك جاء في الحديث الذ ي حسنه البعض:لا ينبغي للمرأ أن يذل نفسه فالوا و كيف يذل نفسه قال:أن يعرضها ما لا يطيق فالله أراد بالمسلمين العزة و التمكين في الأرض فالذين يريدون لهم المذلة و التشرذم و التيه و الضياع و الدمار لا يفهمون حقيقة هذا الدين و الله أعلم من كل عليم و السلام عليكم أولا و آخرا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    344

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى ولد ادوم أحمد غالي مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم الشيخ الدهلوي صاحب البحث الجهادي أقول لك لا أعرف قولا لعالم معتبر يجيز الجهاد في سبيل الله من دون امام انما الخلاف فيما يخص بجهاد الدفع و الذب عن بيضة الدولة الاسلامية.

    1-هناك أقوال أخي الكريم لعلماء معتبرين يجيزون الجهاد بدون إمام

    قال ابن حزم _المحلى_
    يغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلب والمحارب كما يغزى مع الإمام ويغزوهم المرءُ وحده إن قدر أيضاً


    قال صديق خان _الروضة الندية_
    الأدلة على وجوب الجهاد من الكتاب والسنة وردت غير مقيدة بكون السلطان أو أمير الجيش عادلاً بل هذه فريضة من فرائض الدين أوجبها الله على عباده المسلمين من غير تقيد بزمان أو مكان أو شخص أو عدل أو جور


    قال عبد الرحمان حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب _الدرر السنية_
    وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله ولا يكون الإمام إلا بالجهاد لا أنه لا يكون جهاد إلا بالإمام


    2-ذكرت أخي الكريم أن الخلاف في جهاد الدفع في وجوب لجهاد بالإمام,

    أين هذا الخلاف أخي الكريم؟

    ممكن توضح لنا؟
    قوام الدين بكتاب يهدي و سيف ينصر

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    195

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    السلام عليكم الاخوة كلام ابن حزم حجة عليكم لا لكم فالأمير سواء كان فاسقا او متغلبا أو غير عادل يبقى أميرا تجب طاعته و الجهاد معه كما كان الحال في العصر الأموي و العباسي و قد نقلنا عن ابن القطان الفاسي عن الرسالة:و أجمعوا أن السمع و الطاعة واجبة لأئمة المسلمين و أجمعوا على أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة و اشتدت وطأته من بر و فاجر لا يلزمهم الخروج عليه بالسيف جاروا أو عدلوا و أجمعوا على أن يجيرهم العدو و يحج معهم البيت و تدفع اليهم الصدقات اذا طلبوها و تصلى معهم الجمع و الأعياد و قال ابن حزم في مراتب الاجماع: و اتفقوا أن الامام الواجب امامته فان طاعته في كل ما أمر ما لم يكن معصية فرض و القتال دونه فرض و خدمته في ما أمر به واجبة و أحكامه و أحكام من ولى نافذة و عزله من عزل نافذ و قال:و اتفقوا أن للامام ان رأى أن يجمع المسلمين على ديوان فله ذلك و فيه اجماعات أخرى تبين أن للامام مسؤوليات تجعل الجهاد لا غنى عنه أو عن من أمره ثم ان الحاجي الضروري من هذه الشريعة الغراء هو درء المفاسد و جلب المصالح و مكارم الأخلاق و محاسنها كما نص على ذلك ابن عاصم في كتابه مرتقى الوصول و امام المسلمين أدرى بمعرفة مصالح المسلمين من غيره من الرعية خاصة اذا كان يستشير أهل الحل و العقد من ذوي الأحلام و النهى و ذلك لأن الشباب المتحمس للجهاد و الذي لا يعرف من أحكامه شيئا و لا يعرف عنه الا لآيات و الأحاديث التي وردت في الترغيب فيه قد يشتاق اليه ظانا أن الشهادة تجعله ينال احدى الحسنيين بينما يرى الامام و معه أهل الحل و العقد أن الصلح أفضل في تلك الآونة و تلك الظرفية الزمنية و لقد بينت ذلك جيدا في كتابي :اتحاف الاخوة و الأحباب بالفرقان بين الجهاد و الارهاب و قد بينت في تدخلي أعلاه أقوال الأئمة أصحاب المذاهب من أنواع من الصلح فالمسلم له ثلاثة أبعاد ما لم يدركها يبقى تائها حائرا ناقصا هي:الشعور و الشعار و الشرع و كثيرا ما يبقى الشباب الجهادي على مستوى الشعور و الشعار بينما البعد الثالث و هو الشرع أساس كل شيء في المسلم فينبغي أن ينطلق من الشرع و يرجع اليه في شعوره و شعاره و الله الموفق

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    في أرض الله
    المشاركات
    293

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته رسالة ماشاء الله فصاحبها متمرس في الجهاد قولا وعملا وهو محدث مجاز في الكتب الستة إن لم تخني الذاكرة شكرا لك ... بارك الله فيك ...

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    اخواني الكرام ..نعلم ان ابو بصير ورفاقه ممن اسلم وهاجر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت صلح الحديبية..وحتى لايتم تسليمهم لقريش حسب بنود المعاهدة هربوا الى العيص على ساحل البحر الاحمر وقاموا بمهاجمة قوافل قريش..اذا كان ماقاموا به جهاد وهو والذي ارسل رسوله بالحق جهاد..فمن هو إمامهم في جهادهم..وهو ليس جهاد دفع بل جهاد طلب ..والدليل أن قريشا ارسلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبطل شرطها وتطلب ان يضم اليه ابابصير ورفاقه رضي الله عنهم اجمعين..

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    54

    افتراضي رد: الـرد على من أطلق القول دون تفصيل بأن الجهاد لا يجب إلا بإذن الإمام .

    طبعاً دفع الصائل لا يحتمل طلب إذن فلا وقت لذلك ! فقد تنتهك الأعراض وتُسفك الدماء بسبب هذا الشرط ودفع الصائل واجب ولو كان الصائل مُسلماً ! ومن قُتل دون دمه وعرضه وماله فهو شهيد .
    إلى الأخ مصطفى : هل يجوز عقد صلح دائم مع الكفار ؟وهل يجوز التوقيع على ميثاق أبدي معهم ؟ أليس هذا إسقاط لفريضة الجهادوتعطيل لمقاصد الجهاد ؟
    إلى الإخوة الذين يقولون بوجوب طلب الإذن : هل يجب بل هل يجوز طلب الإذن من الإمام الذي عقد صلحاً دائماً غير شرعي مع الكفار أو وقع على ميثاق أبدي معهم ؟!
    إلى الإخوة الذين لا يقولون بوجوب الإذن : مسألة فقهية : الجهاد عبادة والعبادة يجب أن تكون وفق السنة ووفق هدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، هل من هدي النبي أن يقوم كل مسلم أو أي مسلم بالهجوم على من يريد من الكفار في أي وقت يريد ؟ أليس هذا ضد مقاصد الجهاد ؟ أليست هنالك خطوات مُتبعة في طريقة الجهاد ؟ ألا يُقال هنا أنه إذا كان هناك إذن عام فلا يجب طلب الإذن وأما إذا كان هناك نهي من ولي الأمر فهذا داخل في وجوب طاعته ( طبعاً مع مراعاة الملاحظات السابقة )
    (.. تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •