مسألة تحكيم الشريعة مسألة خلافية ؟!!!!(الجزء الثاني )(نداء إلى البرلمانيين الإسلاميين) (مقال للشيخ أبي يونس العباسي)

نداء إلى البرلمانيين الإسلاميين
أبو يونس العباسي
الحمد لله وحده , والصلاةوالسلام على من لانبي بعده , سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه وسلم تسليما كثيرا وبعد :
يا أيها البرلمانيون الإسلاميون : لماذا دخلتم المجالس الوثنية , ونحيتم شريعة رب البرية -سبحانه وتعالى- عن الحكم والفصل في نزاعات الناس؟ قالوا :لأن مصلحة الشعب في دخول هذه البرلمانات . قلت : لستم أنتم من يحدد ماهية المصلحة , إن الذي يحدد ماهية المصلحة هو الله تبارك وتعالى , ودخول البرلمانات كفر بالله تعالى , فهل فعل الكفر مصلحة , نعم هو مصلحة ولكنها مصلحة ملغاة . ثم قولوا لي : ألستم أنتم من علمنا أن مصلحة الدين هي أولى المصالح وأولى الضروريات الخمسة التي أمرت الشريعة بالحفاظ عليها , وأنه إذا تعارضت مصلحة الدين مع غيرها من المصالح قدمت مصلحة الدين , والسؤال الموجه لكم الآن لماذا لا تقدمون مصلحة الدين ؟.
يا أيها البرلمانيون الإسلاميون : لماذا دخلتم المجالس الوثنية , ونحيتم شريعة رب البرية -سبحانه وتعالى- عن الحكم والفصل في نزاعات الناس؟ فقالوا : لكي ندفع الضرر الأشد بفعل الضرر الأخف . فقلت : وهل هناك ضرر أكبر من ضرر الكفر الذي تلبستم به بدخولكم للبرلمانات الوثنية , وترككم لتحكيم دين رب البرية جل وعلا , وإن لم يكن الأمر هكذا , فما هو المقصود بقوله تعالى :"والفتنة أكبر من القتل " وقوله :"والفتنة أشد من القتل" اللهم إنا نعوذ بك أن نجادل بالباطل لندحض به الحق .
فقالوا لي : آه , تريدنا أن نترك الحكم والسيادة للعلمانيين , فأنت من شيوخ العلمانية المعادي للمجاهدين . فقلت : أن تتركوا الحكم للعلمانيين مؤقتا , إلى أن تصلوا للحكم بطريق ليس فيها كفر وشرك , خير من أن تستعجلوا الثمرة وتشاركوهم في كفرهم الناتج عن تحكيمهم للقوانين الوضعية الخبيثة . فقالوا : والله يا أخانا إن دخولنا للبرلمانات التشريعية (الوثنية) ما هو إلا وسيلة لإرجاع الخلافة . فقلت : نحن لسنا ميكافليين , إن رسولنا صلى الله عليه وسلم علمنا أن (الغاية لا تبرر الوسيلة) وأن الغاية النبيلة لا بد من الوصول إليها بوسيلة نبيلة , والوسيلة النبيلة هي التمسك بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم , وعدم الانحراف عنه , والدعوة الجادة إليه , وحمايته , والجهاد دونه , عندها سيمكن الله لنا وبأدنى الإمكانيات إذ إن النصر من عند الله العزيز الحكيم وهو صاحب الأرض يرثها من يشاء من عباده , وعباده الذين يشاء أن يرثوا الأرض هم من وحده قولا وعملا ثم أعدوا ما يستطاع من الأسباب المادية , قال الله تعالى : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" أما استعجال الثمرة قبل أوانها فقد قيل في ذلك : من استعجل الشيئ قبل أوانه عوقب بحرمانه .
-وها أنتم دخلتم البرلمانات الوثنية فلم تصلحوا , بل أفسدكم العلمانيون , وأرجعوا دعوتكم إلى الوراء ما الله به عليم , وحاربوكم وحالوا بينكم وبين الإصلاح والتغيير الذي أردتموه (كما حصل في الجزائر وفلسطين وغيرها) بل منعوكم من الترشح لها (كما حصل في مصر في الانتخابات الأخيرة) أو زوروا الانتخابات (كما حصل في الأرن في الانتخابات الأخيرة) وذلك لتعلموا أن الإصلاح والتغيير مع عبيد أمريكا واليهود لا يكون بدخول المجالس الوثنية وإنما يكون بالوسائل التالية :
-قال الله تعالى : "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" - قال الله تعالى : "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" - قال الله تعالى : "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ " (تأمل اللطيفة في الجمع بين إنزال الكتاب والحديد ) - قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "قوام هذا الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر" - وكما قيل يوما : لا يفل الحديد إلا الحديد وألف قذيفة من كلام لا تساوي قذيفة من حديد - قال أبو تمام : السيف أصدق أنباء من الكتب ***في حده الحد بين الجد واللعب
هكذا يحسم الأمر مع عبيد اليهود والنصارى مع توفر التوحيد الحقيقي طبعا قبل العدة والعتاد , وإلا إذا استوينا في المعصية كانت الغلبة للأقوى , ما قلناه آنفا هو سنة اله في حسم المعارك بين الإسلام والكفر ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا , فهل ستفقهون هذه السنة , أم ستظلون تقرصون وتقرصون من نفس الجحر , الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لايلدغ المؤمن من الجحر مرتين ".
يا أيها البرلمانيون الإسلاميون : لماذا دخلتم المجالس الوثنية , ونحيتم شريعة رب البرية -سبحانه وتعالى- عن الحكم والفصل في نزاعات الناس؟ قالوا : البرلمان منبر للدعوة إلى الله تعالى !!! فقلت : نعم صدقوا ولكن هو منبر للصد عن سبيل الله , هو منبر للكفر والشرك والإلحاد , ما أشد عجبي وعجب كل عاقل منكم , ضاقت عليكم الدنيا حتى جعلتكم لم تجدوا إلا البرلمان للدعوة إلى الله , ويا ليتكم تدعون إلى الله , لا بل تشاركون المشرعين في تشريعاتهم وكأنكم قد نسيتم أن التشريع من خصائص الله والله وحده . قالوا : هو منبر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قلت : حقا هذا زمن العجائب , وزمن تبديل الحقائق , وتسمية الأشياء بغير اسمها , وإلا كيف يسوغ تسمية الكفر معروفا والمنكر توحيدا , حقا هذا هو الاستخفاف بعقول الناس واستغباؤهم كما كان يفعل فرعون " فاستخف قومه فأطاعوه " ولكن لسنا فراعنة حتى نطيعكم , بل نقول لكم : (معروف مين والناس نايمين العبوا غيرها ) سامحوني على هذا الأسلوب فالأمر كما قيل : هم يبكي وهم يضحك, حقا نقول : اللهم ثبت علينا العقل والدين .
يا أيها البرلمانيون الإسلاميون : لماذا دخلتم المجالس الوثنية , ونحيتم شريعة رب البرية -سبحانه وتعالى- عن الحكم والفصل في نزاعات الناس؟ قالوا : لماذا تضيق واسعا , نحن نستفيد من النظم الجاهلية في خدمة الدعوة , والنبي كان يستفيد من النظم الجاهلية في خدمة الدعوة , فاقرأوا السيرة ثم تعالوا وحاورونا. فقلت : آه , تقصدون أن النبي استفاد من عمه في حماية الدعوة , ولكن هل استفادة النبي بعمه فيها محذور شرعي كما هو الحال في مسألة تحكيم الشريعة , للأسف قياس مع الفارق , وستقولون أيضا : النبي استفاد من جوار المطعم بن عدي , ولكن هل في جوار المطعم محذور شرعي كالدخول في المجالس الوثنية , أيضا هو قياس مع الفارق , اللهم سلمنا من الجدل بالباطل وعن الباطل اللهم آميين .
-قالوا لي يوما : أنت من أعداء الإسلام السياسي ولذلك أنت تحرم الدخول في المجالس التشريعية (الوثنية) . فقلت : بل أنا أدعو إلى الإسلام الكامل : إسلام العقيدة والعبادة والجهاد والاجتماع والاقتصاد والتربية والتعليم والصحة .......إلخ , ولكن السياسة التي أدعوا إليها سياسة مضبوطة بالمنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم , بخلاف سياستكم غير المنضبطة إلا بالهوى أو بالشهوات , أو بالنزوات , وفي بعض المرات تكون منضبطة بالشرع حتى لا أظلمكم .
يا أيها البرلمانيون الإسلاميون : لماذا دخلتم المجالس الوثنية , ونحيتم شريعة رب البرية -سبحانه وتعالى- عن الحكم والفصل في نزاعات الناس؟ قالوا لي : من تكون أنت أمام فلان وفلان وعلان ممن أجاز المشاركة في هذه المجالس . فقلت : ومن يكون هؤلاء أمام علماء السلف قاطبة الذي حرموا تحكيم القوانين الوضعية , ثم إن العبرة بالدليل من الكتاب والسنة أو مابني عليهما , لا بأقوال الرجال , فإنه لا يوجد طاعة مطلقة إلا لله ورسوله أما من سواهما فطاعته تابعة لطاعة الله ورسوله , قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " فأنت ترى أن الله لم يقل " وأطيعوا أولي الأمر" مع أنه قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول والسر في ذلك ما أسلفناه أن طاعة أولي الأمر (العلماء والأمراء) ليست مطلقة ولكنها تابعة لطاعة الله ورسوله , أوما سمعتم ابن عباس لما قال لمن رد قول رسول الله بقول أبي بكر وعمر(وهما أبو بكر وعمر) قال له : يوشك أن تنزل عليك حجارة من السماء , أقول لك : قال رسول الله , وتقول : قال أبو بكر وعمر , ورحم الله الإمام مالك لما قال : كل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذ القبر (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم).
يا أيها البرلمانيون الإسلاميون : لماذا دخلتم المجالس الوثنية , ونحيتم شريعة رب البرية -سبحانه وتعالى- عن الحكم والفصل في نزاعات الناس؟ فقالوا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ويوسف -عليه السلام- والنجاشي - رضي الله عنه - فقلت : آه , تقصدون أن هؤلا ء تركوا تحكيم الشريعة وهم من هم , أيها البرلمانيون الإسلاميون : يؤسفني أن أقول لكم : خاب ظنكم ودحضت حجتكم .
-أما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه - فمن سيصدقكم أنه ترك تحكيم الشريعة , وهو من هو في شدة التمسك بالحق , لا يعرف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -من قال عنه بأنه : ترك تحكيم الشريعة في عام الرمادة ولا في غيره , فإن السبب في عدم قطع يد السارق في عام الرمادة لأنه ليس سارقا على الحقيقة , إذ السارق من يسرق ليغتني , لا من يسرق ليعيش أو ليسكت كلب الجوع , وهكذا كان عام الرمادة , عام اشتدت فيه حاجة الناس واشتد عوزهم فسرقوا , فكانت الحاجة الشديدة والعوز الرهيب والجوع الفظيع شبهة درأ بها عمر - رضي الله عنه الحد - والنبي يقول : ادرؤا الحدود بالشبهات , ثم كيف لعمر أن يعطل حدا هكذا بدون سبب شرعي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كما عند أبي داوود وصححه الألباني عن عائشة رضي الله عنها : أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ومن يجترئ إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب فقال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .ثم يقال عمر ترك تحكيم الشريعة , سبحانك يا ربنا هذا بهتان عظيم.
-أما شبهة النجاشي فهي أسخف من السخيفة , فالنجاشي أظهر الإسلام والموافقة على ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- وشهد أن ما جاء به محمد وما جاء به عيسى - عليهما السلام - يخرجان من مشكاة واحدة , ولم يبال بحاشيته , ولم يكن يطيعهم في الفساد والإفساد إذا أغروه به , بل كان يحكم بين الناس بما يعلمه أنه الأقرب إلى الحق والأرضى لله رب العالمين , وما بلغه من شريعة محمد طبقه , وما لم يبلغه , فهو معذور فيه , إذ إنه مات والشريعة لما تكتمل , فقد أدى النجاشي ما وجب عليه من الشرع حتى لاقى ربه , أما القول بأنه لم يحكم الشريعة هكذا , فهو قول يفتقر إلى دليل , حاشا سوء الظن بالنجاشي -رضي الله عنه - نسأله تعالى أن يقينا سوء الظن بالمسلمين.
-أما الشبهة في حق يوسف -عليه السلام- أنه لم يحكم الشريعة , ففيها قلة أدب مع نبي من أنبياء الله ما لا يليق بمسلم أن يكون من أهلها , فحاشاه - عليه السلام - ثم حاشاه ألا يحكم الشريعة , وهو من قال الله حاكيا عنه قوله : "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه" وهذه الآيه تحمل معنى جليلا ألا وهو : أن تحكيم الشريعة من توحيد الألوهية , فهل يسع سيدنا يوسف والفاروق والنجاشي أن يخلوا بتوحيد الألوهية , سبحانك ربنا هذا إفك مبين , وهل يتصور بناء على هذا أن يشارك يوسف - عليه السلام - في حكومة طاغوت يحكم قوانين البشر , حاشاه ثم حاشاه , ولذلك جاء عند القرطبي أن هذا العزيز أسلم لله رب العالمين بعد أن دعاه يوسف -عليه السلام - للإسلام , وهذا يتوافق مع قوله تعالى : "وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ " إذ لو كان يوسف -عليه السلام-وحاشاه ,يحكم قوانين البشر لما سمى الله وصوله إلى وزارة التموين تمكينا , لأن التمكين هو أن نسوس الكون بمن فيه بالمنهج الذي أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد ثبات على الدين في فترة الابتلاءات .
إخواني الموحدين : هذه كلمات آمنت بها , واعتقدت أن الحق في قولها ونشرها , ولا أدعي العصمة , فهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وللمنهج الذي جاء به من عند ربه حال حياته ومن بعد وفاته , ما كان في هذا المقال من صواب فمن الله وحده , ما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان , وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء , إلا ما رحم ربي , وأستغفر الله إنه كان غفارا, وأما الخطأ فأرجع عنه ولا أتعصب له , إذا دل الدليل الساطع عليه , وأسأله تعالى أن يلهمني رشدي والمسلمين , وأن يثبتني على الحق إلى ان ألقاه , إنه ولي ذلك والقادر عليه , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكم : ابو يونس العباسي
مدينة العزة غزة
25جمادى الآخر ,1429ه
الموافق29|6|2008