الاقتصاد الاستهلاكي ومواجهته
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الاقتصاد الاستهلاكي ومواجهته

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    8

    افتراضي الاقتصاد الاستهلاكي ومواجهته

    الاقتصاد الاستهلاكي ومواجهته
    السيد سليمان نور الله

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛
    مما لا شك فيه أن الاقتصاد عماد كل أمة ومن أهم مقومات نهوضها وتقدمها، وللاقتصاد القوي دور أساس في الهيمنة الفكرية والسياسية والعسكرية التي يشهدها العالم الآن، ومنذ الانعقاد الأول لقمة الدول الصناعية السبع الكبرى في عام 1971م وهي تركز بشكل قوي في برامجها على مؤامرة إغراق العالم الثالث بالاقتصاد الاستهلاكي حيث تمثلت أهدافها في:
    1- إغداق القروض السهلة على عامة دول العالم الثالث حسب ترتيب موضوع لغايات تنفيذ المؤامرة.
    2- منح المساعدات الكبيرة لبعض البلدان التي تساعد في تنفيذ المخطط عندما تقيم تلك البلدان المبررات للمساعدة مثلما جرى مع بعض الدول العربية.
    3- توجيه تلك القروض والمساعدات إلى قطاع الخدمات وليس الصناعة أو الزراعة، وحمل الدول المستفيدة على توظيف مبالغ ضخمة وخيالية لا طاقة لها بها في هذا القطاع بحجة إقامة البنية الأساسية للتنمية المزعومة علمًا بأن البنية الفوقية مستحيلة أو غير مسموح بها.
    4- فتح أسواق دول العالم الثالث وإغراقها بكل أصناف السلع الرأسمالية المصممة أصلا لمخاطبة الغرائز المتخلفة في الإنسان واستهلاكه جهدًا ووقتًا.
    5- رفع أسعار المواد الخام لما يتعدى المعقول وذلك لتوفير السيولة اللازمة لتنفيذ برنامج المؤامرة خاصة وأن مصادر هذه المواد تقع أصلا تحت سيطرة الدول العظمى حتى ولو كانت في غير بلادها؛ لخلق ازدهار كاذب في البلدان المصدرة للمواد الخام، وخنق الدول الأخرى التي تعارض البرنامج على مبدأ: من لم يمت بالسيف مات بغيره.
    6- خنق الصناعات الوطنية وخاصة تلك التي تستوعب عمالة كبيرة وتشجيع توظيف القدرات الصناعية في الصناعات التكميلية التي تعتمد كلية على المركز الرأسمالي.
    7. قتل الزراعة الفلاحية كعمود هام من أعمدة الاقتصاد الوطني من خلال إغراق السوق بالغذاء الرخيص .
    8. خلق بؤر توتر ونزاعات إقليمية حيثما كان ذلك ممكنًا بقصد إنعاش سوق الأسلحة التي غدت باهظة التكاليف بسبب تطورها واعتمادها أكثر فأكثر على التكنولوجيا .

    وللأسف فإن البلدان الإسلامية تتبع منذ عقود نمطا استهلاكيا مأخوذا عن الثقافة الاستهلاكية الغربية التى تقيس قيمة الإنسان بما في حياته من كماليات، وبمقدار ما يشتريه. وهكذا فقد أصبح طراز المعيشة الغالية، والتى لا تطيقها حتى بعض البلدان الصناعية ، رمز الوجاهة والمكانة الاجتماعية في البلدان الإسلامية الأكثر فقرا. وقد أدت هذه الأنماط إلى جانب عدد من العادات والطقوس غير الإسلامية الممتدة من الولادة حتى الزواج والموت، إلى نمط استهلاك غير منطقي لا تبرره قيم تلك البلدان ولا مواردها. ويضطر ضحايا هذا النوع من المنافسة إلى العيش عيشة تتجاوز إمكاناتهم وإلى اللجوء إلى أساليبَ فاسدةٍ وغير أخلاقية لتغطية العجز الناجم عن الفرق بين الدخل والانفاق غير المنطقي . لذا فقد ارتفع الاستهلاك الإجمالى وتراجعت المدخرات، ويبقى تكوين رأس المال الذي يقوم على المدخرات المحلية غير كاف. وبما أن معظم السلع والخدمات الكمالية التى تنطوي على المباهاة ذات منشأ أجنبي؛ فقد ارتفع الطلب على القطاع الأجنبي ارتفاعا حادا، وكان لابد من تكثير الهوة الفاصلة بالاقتراض من الخارج، مما ساهم في زيادة عبء الدين وما يقترن بذلك من زيادة الضغط على الموارد في المستقبل.
    ومن شأن هذا أن يحتاج إلى تغيير ثوري في طراز الحياة السائد ولا سيما لدى الأغنياء. ولا يمكن السماح للاستهلاك عندئذ بأن يصبح الغاية الوحيدة لحياة الفرد كما هو الحال في ظل الرأسمالية .

    ولا شك أن الاقتصاد ضروري لتلبية ضرورات الأمة وحاجاتها، وعندما اهتمت دول العالم بعلم الاقتصاد فمن أجل تحقيق التوازن بين الحاجات الإنسانية والموارد المتاحة، والتوازن بينهما يقتضي العمل على تنمية الموارد وترشيد الحاجات، وتنمية الموارد تتحقق بالبرامج الجادة لاكتشافها أو ابتكارها مع حسن استغلالها وتوزيعها بحكمة تعمل على الحفاظ عليها دون إهدارها.
    أما ترشيد الاحتياجات فيكون من خلال ترشيد الاستهلاك والإنفاق عليه؛ بدءا من الخلية الأولى في المجتمع وهو الفرد، ويجمع الإسلام ذلك كله في كلمة جامعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله امرءا اكتسب طيبا، وأنفق قصدا، وقدم فضلا ليوم فقره وحاجته" حيث إنه لا إنفاق أو استهلاك بدون كسب وإنتاج.
    وفي الحقيقة فإن العامل الأهم لحل المشكلة الاقتصادية هو الحاجات التي تؤدي إلى ضبط الاستهلاك وبالتالي ترشيد الإنفاق؛ لذا نرى الكثير من النصوص الشرعية والأصول الفقهية تركز في خطابها الاقتصادي والمالي على الإنفاق وترشيد الاستهلاك، ومن ذلك:
    - أن الإنفاق وبالتالي الاستهلاك يكون في حدود الدخل والكسب؛ وهذا ما يدل عليه قوله تعالى:{ لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا } ومن شأن هذا التوجيه أن يحقق التوازن بين الموارد والحاجات ولا يدفع الإنسان لزيادة استهلاكه عن دخله مما يدفعه إلى المداينة.
    - الإنفاق على الضرورات أولا ثم الحاجيات ثم التحسينات أو الكماليات وفق ما هو مقرر في أصول الفقه.
    - الإنفاق على الأوجه التي تفيد الإنسان بما يؤدي إلى المحافظة على الموارد وحسن تخصيصها، وهذا ما يظهر في نهي الإسلام عن التبذير الذي يعرف بأنه: صرف الشيء فيما لا ينبغي، وهو الصرف في المعاصي، لذا يقول سبحانه وتعالى: { وءاتِ ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } .
    - الإنفاق في حدود المطلوب بلا إسراف ولا تقتير؛ حيث يعرف الإصراف بأنه: صرف الشيء فيما ينبغي زيادة على ما ينبغي، ويعرف التقتير بأنه: صرف الشيء فيما ينبغي أقل مما ينبغي، وفي ذلك يقول تعالى: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } وقوله تعالى: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } . مما يبين عظمة الإسلام في توجيهاته وأحكامه لحل المشكلة الاقتصادية .

    وفي مواطن كثيرة من السنة المشرفة نجد ما يدعو إلى ترشيد الاستهلاك الفردي والجماعي ويحث عليه؛ ومن ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة " بل توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسرف في الأكل والشرب بالعذاب، فقال: " إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب أو الفضة؛ إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " لذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: " وأسألك القصد في الفقر والغنى " والقصد هو التوسط بلا إفراط ولا تفريط وهو معنى ترشيد الاستهلاك، والقصد في الإنفاق يأتي بالبركة في الطعام؛ قال صلى الله عليه وسلم: " إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، وليسلت أحدكم الصحفة ، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة " والبركة تزيد في الطعام وتجعله شفاء من الأمراض.
    ومعنى هذا ألا تبقى فضلات تلقى في القمامة ولا ينتفع بها أحد، في حين أن هناك من الناس من يحتاج إليها، وإلى الأقل منها. كما أنه ينبغي ألا يستهان بالقليل من نعم الله، ولو كان لقمة تسقط من الإنسان، فينبغي له أن يميط عنها الأذى ويأكلها، ولا يدعها تذهب هدرا بلا فائدة، فمثل هذا الإهدار للشيء يعبر عنه الشرع بأنه يذهب للشيطان. فكل ما لا يستفاد منه فمآله إلى الشيطان. وقد تقول: ما قيمة لقمة تسقط أو فضلة تبقى من صحفة؟! ولكن الذي ينظر إلى ذلك على مستوى الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، ومستوى وجباتٍ ثلاث كل يوم؛ يعلم أن ذلك يقدر في مجموعه وفي النهاية بعشرات الملايين.
    ويتحدث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحتاج البيت من فراش، ويرشد إلى عدم التوسع في ذلك من غير مبرر ولا حاجة داعية، فيقول صلى الله عليه وسلم: " فراش للرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان " ذلك أنه زيادة لغير حاجة ولا مصلحة .
    وفي حديث جبريل الشهير أخبر أن من علامات الساعة أن يفيض المال ولا يحسن الناس إنفاقه أو استهلاكه، حتى أنهم يتطاولون في البنيان: " وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " وتطاولهم في البنيان يفيد تسابقهم وتنافسهم فيه، وهذا علامة على الزخارف والانغماس في حب الدنيا بعدما كانوا حفاة بلا نعل، عراة بلا ثوب عالة بلا طعام لا يعرفون من الحرف والصناعات إلا رعاية الأغنام وإن كانت هذه الأوصاف لا تعتبر ذما، كما أن الوصف " يتطاولون في البنيان " لا يعتبر ذما؛ لأن البناء ليس محرما بشروط ، فقد جاء في الحديث: "إن المسلم يؤجر في كل شيء إلا في شيء يجعله في هذا التراب " وعنه صلى الله عليه وسلم: " أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا " يعني إلا ما لا بد منه، والذي يفهم من هذا الباب أن للمسلم أن يبني بيته فيما يحتاج إليه ويوسع لنفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أحب المسكن الواسع وجعله من السعادة فيما رواه ابن حبان: " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق " وأحاديث النهي والتحذير الواردة في السياق إنما عن الإسراف والزخرفة والمباهاة؛ مثل النقوش ووضع الذهب وغيره بالأسقف والجدران . هنا نعود إلى القواعد العامة: فالبناء ليس محرما في أصله،ولكن له ضوابطه { ولا تجعل يدك مغلولة إل عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } و{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } إنه تحذير من بسط اليد الزائد كالتبذير والترف.
    تعال معي ننظر إلى الناحية الاقتصادية في أمتنا خاصة في المباني، ماذا نلاحظ: أبنية للمحرمات: دور "الأوبرا"، والمسرح، والسينما، واستوديوهات، معاهد الرقص، صالات "الديسكو"، "البارات".... ألخ. أبنية لا تعرف لماذا؟ الأبراج (برج القاهرة مثلا) الأشكال التي يسمونها جمالية، وليست بسيطة بل ذات أشكال باهظة التكاليف. القصور: لفرد واحد قد يبني عدة قصور وكل قصر عدة مباني، وكل مبنى فيه كذا وكذا.. لماذا؟ وفي الأثر: "حجرة لك، وحجرة لأهلك، وحجرة لولدك، وحجرة لابنتك، وحجرة للضيف، وما زاد للشيطان" حتى المساجد: أطول مئذنة .. زخارف هي للمساجد من علامات الساعة.
    القرآن يخبرنا: { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله } إن استرضاء مشاعر المسلمين بذلك لا ينفع عند الله، الذي يرضاه الله إيمان وجهاد.
    الزخارف: إذا كان منهي عنها بالمساجد فكيف بالبيوت التي ينفق الملايين على إضاءتها .. يستوي في ذلك ما يعرف بالدول الغنية أو الفقيرة؛ لأن كل دولة فيها أهل الترف.
    إن هذا كله يضيع حق الفقراء والمساكين واليتامى. إن هذا كله يضيع حق المجاهدين. نعم قد يعطي بعض أهل الخير أو يعطي بعض الناس – على استحياء – فتات موائدهم.
    لكن الحديث الآن على المناخ العام { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } إن دقة ألفاظ الحديث تبدو في قوله صلى الله عليه وسلم: " يتطاولون في البنيان" في الأعمال التي لا تُوجِدُ أمةً ذات اقتصاد قوي - بلغة العصر مجتمع استهلاكي لا إنتاجي.
    إذن لا بد من تبعية هذه الدول اقتصاديا لغيرها؛ أي: لعدوها ... إن الأمة التي تسلم اقتصادها لعدوها ستعيش في دائرته .. ستجد نفسها تعبث بالشريعة الإسلامية في مجال الاقتصاد: ستتعامل بالربا المُجلِب لحرب الله ورسوله، ستتعامل بالرشوة الملعون صاحبها، تقسو القلوب، تمنع الزكاة، لا تُقبل الدعوات.
    كل ذلك في عموم المجتمع – إلا ما رحم ربي وقليل ما هم – لأنهم يريدون التفاخر. والتبعيةُ للغير تؤدي إلى هلكة المجتمع، والمعصيةُ لله تجلب غضب الله
    لذلك كان " أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " من علامات الساعة .
    ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة تامة في ترشيد الاستهلاك؛ حيث كانت حياته الشريفة بعيدة عن كل مظاهر الترف والسرف، وكتب السيرة النبوية تذكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ فراشا وطيئا، وكان ينام على الحصير حتى وُجد أثره في جنبه، وكانت وسادته حشوها من ليف، ولم يشبع طوال عمره تقربا إلى الله ورعاية لحقوق فقراء المسلمين مخافة أن يكونوا جياعا وهو شبعان، عن أبي هريرة رضي الله عنه: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير " وصار الصحابة رضوان الله عليهم على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أبو بكر رضي الله عنه لما ولي الخلافة، قال الصحابة: افرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه. قالوا: نعم، بردان: إذا أخلقهما وضعهما، وأخذ مثلهما، وظهران: إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، قال أبو بكر: " رضيت " وفي رواية أنهم قسموا له خمسين ومائتا دينار في السنة، وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله، فذهب إلى السوق ليتدبر طعام بيته، فلقيه عمر، فأخذ بيده ليخرجه من السوق، فقال أبو بكر لا حاجة لي في إمارتكم، رزقتموني ما لا يكفيني ولا عيالي، فقال عمر: فإنا نزيدك ، فقال أبو بكر: ثلاثمائة دينار، والشاة كلها، فوافق له عمر وعلي على ذلك . ولما حضرته الوفاة قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين، فرفع إلى عمر بن الخطاب لقوح وعبد وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر: " لقد أتعبت من بعدك " ولما ولي عمر رضي الله عنه الخلافة قال: إني كنت امرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحل لي في هذا المال – وعلي رضي الله عنه ساكت – فأكثر القوم، فقال: ما تقول يا علي؟ قال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك غيره، فقال القوم: القول ما قاله علي، يأخذ قوته . قال سعد بن أبي وقاص: والله! ما كان عمر بن الخطاب بأقدمنا هجرة، وقد عرفت بأي شيء فضلنا؛ كان أزهدنا في الدنيا .

    هذا وقد حدد الإسلام المعايير الكمية والنوعية لاستهلاك السلع والخدمات ترشيدا للاستهلاك؛ فلا يسمح للفرد المسلم أن يستهلك الأشياء كيفما شاء بلا ضوابط؛ بل يحدد له المعيار المناسب الذي يصلح حياته دون أن يسبب ضررا للمجتمع حوله، مراعيا في ذلك الطبقات المتلفة في المجتمع، والظروف والأحوال المحيطة به. فتناول الشرع إنفاق المسلم في المال والثياب والطعام والشراب وبناء المسكن وما يلزمه من المستلزمات. ومن ذلك:
    المال: الذي إن أفرط المسلم في إنفاقه، اضطر إلى الاستدانة والتحرج أمام الناس، وقد تعوذ منها المصطفى صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال " وحين أراد كعب بن مالك أن ينخلع من ماله توبة إلى الله تعالى، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " كما منع سعد ابن أبي وقاص أن يتصدق بجميع ماله، واكتفى منه بالثلث، والثلث كثير، ثم وجهه للمصلحة المالية التي يحتاجها ورثته من بعده فقال: " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لهم من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " وأراد صحابي أن يتصدق ببيضة من ذهب وقال: ما أملك غيرها، وأصر على التصدق بها، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " يقول الإمام الخطابي في شرح الحديث: وفي الحديث من الفقه؛ أن الاختيار للمرء أن يستبقي لنفسه قوتا، وألا ينخلع من ملكه أجمع مرَّة واحدة، لما يخاف عليه من فتنة الفقر، وشدة نزاع النفس إلى ما خرج من يده، فيندم؛ فيذهب ماله، ويبطل أجره، ويصير كلا على الناس، وإنما لم ينكر على أبي بكر الصديق خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه، ولم يخف عليه الفتنة، كما خافها على الرجل الذي رد عليه الذهب وقد مر قريبا بعض من الآيات التي تحض على التوسط في الإنفاق وتنهى عن التبذير والتقتير معا
    أما اللباس: فالغرض الأول منه ستر العورة، ثم ما يكفي المرء لدفع الحر والبرد عنه { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } وكذلك لباس الحرب { وسرابيل تقيكم بأسكم } فهذا من نعم الله تعالى التي يجب إظهارها { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } فإن أراد التزين لقوله تعالى: { يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } فالمنهي عنه الإسراف في ذلك ويشتد النهي إذا كان في المجتمع ذوو الحاجة من الفقراء ممن لا يجدون ما يدفع عنهم البرد والحر. كما راعى الشرع الحالة النفسية لكل من الرجل والمرأة في اللباس؛ حيث أحل الحرير والذهب للنساء، وحرمهما على الرجال " الذهب والحرير حل لإناث أمتي، وحرام على ذكورها "
    أما المأكل والمشرب: فقد حرم الشرع على المسلم أنواعا من الطعام والشرب، ضررها ظاهر ولا نفع لها، كما أنها تستنزف ماله وتجعله دائم الإسراف إذا أدمنها: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق } وقال تعالى: { يا يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} ثم أحل له ما وراء ذلك وأمرنا أن نأكل منه بالقصد دون اعتداء { يا أيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صفات المؤمن وصفات الكافر بمقدار ما يأكل كل منهما: " المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء " والمعنى أن الكافر يأكل سبعة أضعاف ما يأكل المؤمن، أو تكون شهوته سبعة أضعاف شهوته، وذكر المعي كناية عن الشهوة؛ لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام وتأخذه كما يأخذ المعي، وليس المعنى زيادة عدد معي الكافر على معي المؤمن وقد ثبت علميا ضرر كثير من المأكولات باهظة الثمن كالمعجنات " بيتزا، برجر " وكذلك المياه الغازية فلا يكثر المسلم من ذلك، والأولى اجتنابه.
    وأما المسكن: فقد سبق الكلام في حديث جبريل: " وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " فالأصل في المسكن أن يكون مناسبا للستر عن أعين الناس ملائما لطلب الراحة من عناء الكد والعمل، حافظا لكل فرد في البيت حقه في الخلوة والاستتار عن غيره دون أن ينكشف عليه، كل ذلك دون إسراف في الاتساع أو الارتفاع أو الزخرفة والهندسة التي ينفق فيها البعض بلا طائل.
    وأما الزينة: فهي في الأصل مباحة ما لم يصبها إسراف أو مخيلة، وقد حرم الشرع أنواعا من الزينة بعينها وجلها مما يستنزف مالا ويستهلك إنفاقا، كاتخاذ الأواني من الذهب أو الفضة، ونحت التماثيل المحرمة، وقد وجدنا في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة من يهتم بمثل هذه المحرمات ويتفاخر بها، في حين أنه قد نما إلى علمه قطعا أن هناك ملايين من إخوانه المسلمين من لا يجد قوت يومه.

    فإذا انضبط المسلم بتوجيهات الشرع أمرا ونهيا، واستحضر أمامه حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، واقتدى بهم في حياته الاقتصادية، استطاع بذلك أن ينظم أموره المالية، ويرشد اقتصاده، ويقضي حياته مستورا دون دين أو فاقة، ساعيا في ذلك لطلب الرزق الحلال، مستمدا البركة فيه من الله عز وجل.
    ولا ينس الفرد المسلم داخل أسرته أن يدربهم على ترتيب أمورهم المالية منضبطين بشرع الإسلام الحنيف؛ بخاصة أبناءنا الصغار، حتى ينشؤوا على الخير والمصلحة الخاصة والعامة، فيسعدون في مستقبلهم، الذي هو أمل الأمة
    والنفس كالطفل إن أهملته سب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

    وكتبه السيد سليمان نور الله

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    8

    افتراضي رد: الاقتصاد الاستهلاكي ومواجهته

    أهم المراجع:
    - اقتصاد الاستهلاك أو المؤامرة الكبرى لفؤاد النمري - منتدى الصوت الحر
    - ترشيد الاستهلاك الفردي في الاقتصاد الإسلامي لمنظور أحمد الأزهري ط1 دار السلام القاهرة 1422هـ - 2002م.
    - رواه الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق ابن النجار عن عائشة رضي الله عنها، وأورده السيوطي في الجامع الكبير 173 – 14358 وفي الجامع الصغير 4/ 4418 ورمز له بالضعف.
    - الطلاق : 7
    - الإسراء: 26
    - الفرقان: 67
    - الأعراف 31
    - بتصرف من تقديم الأستاذ الدكتور محمد عبد الحليم عمر لكتاب ترشيد الاستهلاك الفردي في الاقتصاد الإسلامي.
    - رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم.
    - رواه مسلم عن أم سلمة.
    - جزء من حديث رواه النسائي رقم 1305 كتاب الصلاة باب الدعاء بعد الذكر عن عمار بن ياسر، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
    - يعني يتتبع ما بقي فيها من الطعام، ويمسحها بالإصبع ونحوها.
    - رواه مسلم وغيره عن أنس رضي الله عنه.
    - رواه مسلم عن جابر.
    - السنة مصدرا للمعرفة والحضارة للدكتور يوسف القرضاوي ط1 دار الشروق القاهرة 1417هـ - 1997م.
    - اشتهرت هذه الرواية عن مسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصل الحديث عند البخاري وأحمد وغيرهما، وهو متواتر عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم، وانظر الهداية الربانية للشيخ عبد الخالق حسن الشريف ( 2 / 17 ، 18 ) ط1 دار التوزيع والنشر الإسلامية القاهرة 1412هـ - 1991م.
    - الهداية الربانية ( 2 / 30 ).
    - متفق عليه من رواية قيس بن أبي حازم واللفظ للبخاري.
    - رواه أبو داود عن أنس – رقم: 5237 كتاب: الأدب – باب: ما جاء في البناء.
    - رواه ابن حبان في صحيحه عن برقم: 1232 كتاب النكاح – باب فيما يرغب فيه من النساء وما ينهى عنه.
    - الهداية الربانية ( 2 / 30 ، 31 ).
    - الإسراء: 29.
    - الإسراء: 16.
    - الواقعة: 45.
    - التوبة: 19.
    - الرعد: 11.
    - الهداية الربانية ( 2 / 118 : 121 ).
    - رواه البخاري والترمذي – كتاب الأطعمة.
    - الرياض النضرة في مناقب العشرة ( ص 291 ) والخليفة الأول أبو بكر الصديق شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي ( ص 136 ).
    - تخريج الدلالات السمعية للخزاعي التلمساني( ص 804 ) باب أرزاق الخلفاء- ط وزارة الأوقاف المصرية 1981م.
    - أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن عساكر في تاريخه.
    - رواه البخاري رقم 6369 كتاب الدعوات.
    - رواه البخاري.
    - متفق عليه.
    - رواه أبو داود عن جابر رقم 1673 كتاب الزكاة.
    - معالم السنن في شرح سنن في داود للخطابي ( 2 / 311 ) ط أنصار السنة 1948م وترشيد الاستهلاك الفردي في الاقتصاد الإسلامي ( ص 221 ).
    - النحل : 81.
    - النحل : 81.
    - الأعراف: 31.
    - رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن أرقم وعن واثلة.
    - المائدة: 3.
    - المائدة: 90.
    - المائدة: 87 ، 88.
    - متفق عليه من حديث عمر وحديث أبي هريرة.
    - إحياء علوم الدين للغزالي ( 3 / 82 ) ط دار المعرفة بيروت.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •