فشل المنهج العلماني [عبد الله السعوي ]
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: فشل المنهج العلماني [عبد الله السعوي ]

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    22

    افتراضي فشل المنهج العلماني [عبد الله السعوي ]

    فشل المنهج العلماني (1-4)
    عبد الله بن محمد السعوي




    ليس ثمة منظومة فكرية تتغيا تمرير خياراتها لجمهرة برامجها إلا وهي مشدودة على نحو أو آخر في عمق بنية تفكيرها، إلى جملة من المسلمات البديهية في تصورها، والطرح العلماني - كأحد الخطابات التي تنفق جهوداً مضنية في سبيل تعميم ثوابته على أرحب نطاق متاح - يتمحور في أبعاده التنظيرية حول جملة من الثوابت من أبرزها:

    أولاً: الثابت الفكري: من خلال فكرة الرشد الانساني فالمثقلون بالهم العلماني لايفتؤون يؤكدون على أن الانسانية لازالت تنتقل من طور إلى طور عبر مسار بالغ الطول حتى عانقت مرتبة الرشد الإنساني، ذلك المستوى الذي يرشحها وبجدارة للنظر الذاتي في تدبير شؤونها وتشكيل حياتها ورسم أطر الحركة وصياغة آليات الفعل وتدشين طرائق الممارسة، ومن غير حاجة إلى الاهتداء بثوابت الشرع. ونتيجة هذا المنهج هو أن الانسانية ليست بحاجة إلى وصاية الدين، وأن بإمكانها مجافاة نصوص الوحيين واستدبار القيم النصية والضرب صفحاً عن مفهوم السلف الأوائل، والاستغناء المطلق عن المنتج - بفتح التاء - التأويلي المنبثق عن الذهنية المعتبرة، والمتمخض عن وعي الصحابة رضي الله عنهم، يجري هذا بذريعة أن العقل البشري يملك إمكانيات فائقة تؤهله لإنتاج المشاريع الذهنية، والإحاطة بالحقائق والحدود القصوى التي يمكن أن تنتهي إليها الأشياء.

    إن الحقيقة الكبرى التي عزبت عن الوعي العلماني، هي أن الكائن البشري في حاجة ماسة دائماً إلى هدي من خارج ذاته، وتوجيه من بارئه، ولن يتسنى له أبداً أن يسلك سبيله إلا على ضوء منهج المعرفة الذي قننه له موجده، وأنه كلما تجاوز هذا المنهج، وتجافى عن جادته، ضل وتخبط في دياجير الظلمات حتى يؤوب قافلاً إليه.

    ثانياً: من ثوابت العلمانية أنها تتبنى القول بفصل الدين عن السياسة، وترى أنهما ضدان لا يجتمعان، هذا الاعتقاد يقوم على جهل علماني تام بطبيعة كل من الدين والسياسة، ذلك أن الدين في حقيقته منهاج ذو رؤية شمولية يستوعب مفردات الحياة قاطبة، إن الأزمة التي أربكت المنهج العلماني، وجعلته رهيناً للقلق والتمزق والغربة التي دمرت وجوده، هي أنه فقد نصف الحقيقة ولم يعاين سوى شطرها المادي المحض، مما كوّن في أغوار أعماقه منطقة فراغ مقلق لا سبيل إلى إطفاء ظمئه، وشفاء غليله إلا عن طريق الاهتداء بأنوار الوحي التي تمنحه الضياء الكاشف لجادة الطريق. تصطدم العلمانية إبان تسويق ايديولوجيتها المتمثلة بتحجيم الدين وتحسير سلطته والحد من تأثيره في المؤسسات الرسمية للدولة، تصطدم بالمبادئ القرآنية وتجد نفسها أيضاًَ أمام علم من العلوم يقنن آليات التعاطي مع النص، ويضع مبادئ صارمة تؤطر عملية المقاربة التأويلية وترشد حدودها، هذا العلم هو علم أصول الفقه، ولذلك فالمنهج العلماني لكي يزيح هذه العقبة من سبيله، فهو ينفق زخماً من الجهود الإضافية لإثبات تاريخية النص، وأنه محكوم بمرحلة زمنية مشروطة بحيثيات زمكانية تفقده عنصر التعدية التاريخية؛ كثير من الاطروحات العلمانية تستهدف في عمق خطابها مفاهيم (اسباب النزول) لتعزيز مضمون الفكرة الجازمة بتحسير النص القرآني وحصره بظرفه الآني، أي ارتهانه لسبب نزوله وحدثه التاريخي، مبطلين بذلك قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصية السبب) بوصفها بزعمهم منتج بشري لا يتعالى على النقد والتقييم. أيضاً تلح الاطروحة العلمانية على مفهوم (النسخ) تتغيا بذلك تقويل القرآن ما لم يقل، وذلك باستقطار اعتراف من القرآن ذاته بتاريخية جملة من نصوصه التي حكمها قابل للتحوير بتغير الحال والزمن والشخص؛ هذا الارتكاس التأويلي المفرط في محاربته للقرآن مصاب بذعر حاد فهو لا يملك في بعض السياقات الشجاعة الكافية للتصريح بما يراه من اعتقادات ذهنية لأن هذا يجعله في مأزق اجتماعي يتعذر عليه تجاوزه، ولذلك فلكي يتلافى هذه المواجهة التي هو غير مؤهل لها يستصرخ بعض الافكار كبديل متاح يوفر له لونا من التبرير، مثل القول بتاريخية النص واستحالة مفهوم التعدية التاريخية، وهكذا وبمعيارية مناوئة للتعاطي الموضوعي يحيلون الخطاب القرآني الكريم إلى نص مشلول لا يملك القدرة على محاورة المعضلات المستجدة في شتى وجوه الواقعّ!!.

    الخطاب العلماني المتخبط عندما يتعاطى مع علم أصول الفقه فهو لا يتوخى إلا اثبات أن مجمل الضوابط المنهجية المقننة لآليات المقاربة للنص، ليست إلا مواضعات بشرية تعارفت عليها فعاليات تعيش صيرورة تاريخية معينة مشروطة بحيثياتها، هذا الخطاب يروم التقعيد لقواعد أصولية حديثة انطلاقاً من عقليته المحدودة.

    ثالثاً: ثابت علمي ومؤداها أن العلمانية: هي حراك ديناميكي يبعث العلم ويعلي من قيم العقل، أما الدين فهو المرحلة الطبيعية للفكر الخرافي والفكر الأسطوري، ولهذا فالايديولوجية العلمانية تتماهى وعلى نحو مكثف مع النظرة الوضعية التي تولى كبر التنظير لها (أوجست كونت)؛ المنهج العلماني ينسجم مع هذه الرؤية ويتبنى مقتضياتها من خلال نقل ميكانيكي واستنساخ لا واع للتجربة الغربية، الخطاب العلماني يجهل - والجهل خاصية لازمة وجزء من التركيبة التكوينية لهذا الخطاب - أن الدين نزعة فطرية لدى كل المجتمعات البشرية يقول (بلوتارك في القرن الاول للميلاد): (من الممكن أن تجد مدناً بلا أسوار وبلا ملوك وبلا ثروة وبلا آداب وبلا مسارح ولكن لم ير إنسان قط مدينة بلا معبد ولا تمارس العبادة) ويقول (ماكس مولر): (إن الدين قوة من قوى النفس وخاصية من خواصها... وإن فكرة التعبد من الغرائز البشرية التي فطر عليها الانسان منذ نشأته الأولى).

    ويرى علماء الاجتماع أن الدين يعد من ابرز الركائز التي قام عليها بناء المجتمع البشري - يقول (أرنست رينان) (من الممكن ان يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه وكل شيء نعده من ملاذ الحياة ونعيمها ومن الممكن أن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة ولكن يستحيل أن ينتهي التدين أو يتلاشى) إن العلمانية المعاصرة في البلاد الإسلامية تنطلق في موقفها من الدين على ضوء توجيهات عدد من الكتب من أبرزها ثلاثة:

    الأول: كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين، شكك من خلاله طه حسين في مدى صحة القصص القرآني عن الأنبياء والكعبة!!، وطرح تساؤلاً عن المانع الذي يمنعنا عن اعتبارها جزءاً من أساطير الأولين، طه حسين - الذي بات عقله لقمة سهلة المنال لتيار التغريب - في هذا الكتاب المناقض لكل ما هو عقلي!، يباشر نقداً مأفوناً لجملة من الثوابت العقدية، فيصادمها بشكل صارخ تحت شعار المنهج العلمي في التفكير!!، طه حسين كشف بطريقة تعاطيه مع الثوابت الإسلامية عن بؤس العقلية التي يفكر بواسطتها هذا التيار المسف في وجدانه الديني إلى الحضيض!.

    الثاني: كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبدالرزاق، والذي بذل وسعه لفصل الدين عن السياسة والحياة، والتأكيد على أن الإسلام دين فقط لا دولة، وعلى أن الرسول لم يمارس الحكم ولم يقم الدولة!، وأن الدولة التي أسسها الخلفاء الراشدون نهضت متكئة على طغيان القوة، لا على أساس شرعي.

    الثالث: كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لطه حسين، والذي دعا فيه إلى الغربنة وإلى الاستقطاب الميكانيكي لحضارة الآخر، وعدم الفلترة الانتقائية، بوصف ذلك هو السبيل المضمون لتبوؤ قمة سامقة في السلم الأممي!.

    طه حسين يصرح في هذا الكتاب - وذات غياب للوعي، وفي لحظة عشق وهيام بالأوربة - بأن طريق التقدم والتطور ليس له إلا طريق واحد وهو (أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يُحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع) انظر (مستقبل الثقافة في مصر)1-41 وهكذا طه حسين يناقض نفسه بنفسه، فهو هنا يناقض ما دعا إليه في كتابه (الشعر الجاهلي) ص21 عندما دعا إلى تجسيد الشك الديكارتي، وعدم الاستسلام المجرد، والإذعان المطلق!!.

    ضعف المحاكمة العقلية عند طه حسين، حدت به إلى قبول الأشياء - مادامت من الغرب - على علاتها، فلا يحاول تقييمها أو البحث في تناقضاتها وثغراتها، حيث يتقبلها وهو يصرح بذلك، حيث يرى أن من واجبنا: (أن نُشعر الأوربي بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونُقوّم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها) انظر (مستقبل الثقافة)1-44 مشكلة طه حسين أنه نظر إلى الغرب بذهول بالغ، فتضخم الغرب في حسه، حتى أغلق عليه منافذ التفكير، واستولى على بنيته الذهنية، على نحو جعله لا يرى إلا ما يراه الغرب الذي هام على وجهه في الظلمات!.

    ومما يثير العجب، أنه يوجد هناك من يهيم بطه حسين، ويعشقه حتى الموت!، كما نرى عند أحد الكتاب في أحد صحفنا المحلية، حيث كتب مقالاً بعنوان (طه حسين.. الإبحار في بحر الظلمات) هذا المقال المكتظ بالمغالطات المعرفية، لايستحق الوقوف عنده لمناقشته، بحكم أنه مقال لا علمي، بل هو مقال تطبيلي في العمق!، التمجيد التبجيلي، هو الملمح الأبرز في هذا المقال الفارغ إلا من التكرار الببغائي، طبعاً هذا التبجيل ليس مستغرباً، فإن أسوأ ما يمكن أن يصاب به شخص مّا، هو أن يتمكن غيره من احتلال وعيه، وهذا ما نراه عند هذا الكاتب، حيث ملأ عليه طه حسين أقطار وعيه، فاتخذ من طه حسين شيخاً له، فسلمه عقله، فلا يفكر إلا بواسطته، فصار طه حسين عبارة عن أعمى، يقود أعمى مثله!، بل المريد هنا أشد عمى من شيخه!، فالشيخ إن كان قد يوجد له بعض العذر- هذا على سبيل الافتراض! - لأنه فقد عينيه، ويبدو أنه بفقدهما، فقد حقائق قيمية كبرى!، فمريده الذي له أعين لكن لا يرى بها - لأنه مصاب بالعور الفكري، وإن تحامل على نفسه، وغالَب هذا الحَوَل المنهجي، ورأى، ذات صحوة مّا، فإنه يرى بشكل مقلوب - فهذا ليس له عذر، ولا يغفر له هذا التكلس الفكري.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: فشل المنهج العلماني [عبد الله السعوي ]

    فشل المنهج العلماني (2-4)
    عبدالله بن محمد السعوي




    مع أن طرح طه حسين كفاعلية تدميرية، يفتقد لأدنى مقومات التأثير في الوعي العام، ولا يمتلك ما يؤهله ولا لأدنى درجات القبول!، فهو طرح يُرفض بالفطرة إلا أن هناك من رشح نفسه -كما هو حال هذا الكاتب- ليكون طبالاً لطه حسين ، وزماراً يهتف باسمه، ويسبح بحمده، ..

    ..عبر عقلية رغبوية لا طاقة لها بالوصول إلى عمق طرح طه حسين، والوقوف على تناولاته الكارثية المناوئة وبشدة للنص القرآني، جهل هذا الكاتب بمبادئ البنية العميقة في ثقافتنا الإسلامية، وتواضع قدراته المعرفية -هذا إن كان ثمة وجود لها!- في المجال العقدي، وافتقاده للنضج الفكري الحي والفاعل، هو السبب الذي جعله يتقبل بسهولة كل فكرة مهما أقذعت في مصادمتها للنص، بل حتى لو كانت تشكيكاً بالقرآن الكريم، مادامت صادرة عن طه حسين!، فهي تنطلي عليه، بل يسارع - وبإمعية متناهية - إلى تصديقها، ومن ثم التأسيس عليها!!، عبر وعي وصل في التعصب منتهاه، ومن المعروف أن التعصب يقوض مقدرة صاحبه على النقد، ويضعف استجابته لدواعيه، بل وتجعله يرى أبشع السلبيات على أنها أبرز الإيجابيات، هذا الكاتب أتي من ناحية جهله، وخمول عقله المعرفي، هذا التبلد العقلي الحاد، هو الذي جعله يصف كتابا مثل كتاب (في الشعر الجاهلي) بقوله: (فأول مرة يحاول باحث عربي ممارسة البحث العلمي الموضوعي المجرد، وأول مرة يخرج الباحث العربي -كشرط للموضوعية العلمية- من التزاماته الخاصة، ويطرح بحثاً عقلانياً -أو هكذا يريد له أن يكون- يمكن أن يخاطب به الإنسانية جمعا، بعيداً عن عقائدها وقومياتها، وتصوراتها الخاصة عن نفسها) هكذا، وبسطحية متكاملة -منعته من مشاهدة كل أبعاد الصورة، والإحاطة علما بكافة معالمها- يبجل كتاباً لا ينطوي في حقيقته إلا على التشكيك بآيات القرآن، ومن ثم تقويض البني العقدية، ومبادئها العليا!!، إنها مهزلة بكل المقاييس، أن يعظم بالتقليد والتهويل، من لا يستحق إلا التجهيل والتضليل!!، عندما تستمر هذه الوتيرة في التصاعد، فإن بنياننا الأخلاقي والاجتماعي سيكون مرشحاً وبجدارة لأبشع الأخطار؛ هذا المتيم الذي قبل بوصاية طه حسين عليه، هو في الحقيقة جاهل مركب، أي أنه جاهل، ويجهل أنه جاهل، فهو متناقض ولا يعي أنه متناقض!، فهو في الحين الذي يدعو فيه إلى وجوب الاستقلالية العقلية، وعدم قبول الوصاية من أي كان!، هو في نفس الوقت، متخم وعيه بالأفكار الرجعية، لأنه سلم عقله لرموزه، وتعامل معهم على نحو تقديسي، فبات أسيراً لطه حسين والطهطاوي، وقاسم أمين، وسلامة موسى، فهو مريد مخلص لهؤلاء، يقدم لهم فروض الولاء والطاعة، ولا يحيد عن منهجهم قيد أنملة، ثمة عشق صوفي يأخذ بتلابيب عقله، ويصرفه عن معاينة المكنون العفن الثاوي في عمق طرح سادته الأولياء!، سبب سهولة انقياد هذا الوعي، وتخدره أمام أطروحات طه حسين، وأطروحات غيره من متبني الفكر العلماني، هو ضآلة محصلته المعرفية وفي الجانب الشرعي على وجه الخصوص، وكذلك نتيجة لضعف شخصيته الثقافية على نحو عام، ولهذا فالفكرة لديه تستمد قيمتها من مكانة قائلها، لا من مدى اقترابها من الحقيقة، ومن مدى ما تنطوي عليه من طاقة إبداعية معينة!، وعوداً على بدأ، فثمة عاشق آخر للغرب لا يقل عن طه حسين، وهو (سلامة موسى) حيث يقول: (أنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب، وفي كل ما أكتب أحاول أن أغرس في ذهن القارئ تلك النزعات التي اتسمت بها أوروبا في العصر الحديث، وأن أجعل قرائي يولون وجوههم نحو الغرب، ويتنصلون من الشرق (انظر اليوم والغد) 8-9.

    رابعاً: مفهوم المعرفة، فالخطاب القرآني في جانب المعرفة ربط بين العقل والقلب بوشائج محكمة فلم يركز على العقل وحده كما هو الشأن عند الفلسفة اليونانية ولم يركز على القلب وحده كما فعلته الفلسفة الغنوصية. هذا التكامل في مفهوم المعرفة بات مقدمة أولية لتجسيد التكامل في كل تفاصيل الحياة بل والتكامل والترابط بين الحياة والموت؛ الإسلام أكد أن ثمة أدوات معرفة غير العقل لكي يستكمل الإنسان الوعي ويستوعب النظرة الشاملة للكون والحياة ومن تلك الوسائل الوحي والنبوة، ووظيفة الرسل هي هداية الإنسان وتعريفه بما هو خارج نطاق عقله، ودلالته على الأبعاد المتباينة لعالمه، سواء عالم الشهادة المنظور، أو عالم الغيب المتصور؛ أما العلمانية فقد شطرت المعرفة شطرين واعتمدت العقل وحده، فاعتبرت الإنسان قيمة مادية خالصة، وقضت على جانب محوري من كيان الإنسان ووجوده وهو الكيان الروحي. الوعي العلماني سيطر عليه العمه -وهو أشد من العمى- فحجب عنه الحقائق وأوقعه في مستنقع الانشطارية على نحو جعله يفهم الحياة بمقياس ناقص الأدوات وبنظرة عاجزة عن وعي منهج المعرفة القائم على الترابط، والتواصل والتكامل والاتصال؛ إن الخطأ القاتل الذي سقطت العلمانية في فخه، هو اعتقادها بسيادة العقل، وأن ليس ثمة حقيقة إلا وهي خاضعة للعقل، واعتباره المنهل الوحيد للمعرفة مصادرة بذلك كل آليات المعرفة الأخرى من وحي وتاريخ وفطرة، وفات على وعيها أن العقل لا يملك القدرة على الحكم على الأشياء إلا إذا حصرها بين جناحي الزمان والمكان، وثمة حقائق كبرى ليس مؤهلاً بوسائله الحسية المتاحة له أن ينظر فيها، فهو محدود لا يتصور غير المحدود بل هو عاجز عن استكناه أبعاد الكائن الإنساني؛ المنهج العلماني يحارب القيم الأخلاقية عبر القول بنسبية الأخلاق وخضوعها لعاملي الزمان والمكان وتباين ظروف الحياة.

    إن القول بهذا هو من انتكاسات الفلسفة المادية فثبات القيم والأخلاق حقيقة أكدها الخطاب القرآني ولا سبيل إلى تجاوزها {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}. الفطرة لها دور استقلالي عن الزمان وليس ثمة تبديل لسنن الله في الخلق ولا تحويل؛ إن العلمانية -كجسم غريب على المجتمع الإسلامي- بكل تحدياتها ومفاهيمها الأيديولوجية إفراز لبيئة الغرب والتجربة العلمانية منيت بفشل ذريع في المكان الذي نبتت ونمت وترعرعت فيه، وعجزت عن إثبات فاعليتها في وطنها الذي تخلقت فيه!، فكيف يراد منها أن تكون صالحة في بيئة أخرى مباينة تماماً من حيث المعطيات الحياتية والمقومات الفكرية؟! العلمانية عاشت في صيرورة تطورها انفصاماً نكداً بين الدين والعقل على نحو لم ولن يرد في واقع فعلي على امتداد تاريخ حضارتنا الإسلامية، ومن هنا فمحاولة استنباتها في الواقع الإسلامي محاولة عابثة محكوم عليها بالفشل مقدماً؛ مأساة العلمانية أنها منبوذة في سياق الوعي الثقافي العام، إلا من أقلية ضئيلة تردد - وبتكرار إمعي- كثيراً مما لا تفقه له معنى!.

    انشقاق هذه الأقلية الذين استطاع المنهج العلماني أن يجرفهم، حتى باتت عقولهم المتهالكة متخمة بالجهل العلماني، انشقاق هذه الأقلية عن بقية المجتمع ليس خسارة للمجتمع بل هو مكسب يضاف إلى رصيده، إنهم ليسوا إلا حمولاً ثقيلة تنزاح عن كاهل الجسد الاجتماعي المتضرر باصطحابها، إن المجتمع برمته لا يتشرف بانتمائهم إليه، بل يلفظهم، لأن ضررهم المتعدي أكبر من نفعهم، بل حتى نفعهم ليس وارداً بوجه من الوجوه، فالضرر سمة لازمة لهم لا تني ترافقهم، ولا تنفك عنهم بحال، إنهم ليسوا إلا نقاطاً كالحة السواد تدنس بياض الوجه الاجتماعي الذي يجب أن يحتفظ بنقائه بعيداً عن هذا العنصر السرطاني؛ إنهم لا يضيفون شيئاً حتى للعلمانية ذاتها، وإن كان ثمة إضافة مّا، فهي محصورة في تكثير سوادها القطيعي!.

    عشاق العلمانية لا ينخرطون في بنيتها العامة، لجاذبية تتوافر عليها، أو لأطر معرفية ذات بعد نوعي تطرحها، وإنما هو عشق للسلوك الموضوي فالموضة المناوئة للماضوي هي عنصر الاستقطاب في هذا المجال؛ العاشق العلماني لتضاؤل حصافته العقلية متيم بالعلمانية، وهذه عادة الجاهل، فهو عندما يحب يصاب بالعمى، فلا توسط لديه، بل يعشق حتى النخاع، ولذا فهو يتجاوب -نتيجة لهذا الزخم من الحب الأنثوي الذي يتملكه- بشكل أبله مع كل أطروحة علمانية، تجده مأخوذاً بشعاراتها عن حقيقتها، مسكوناً بوعودها الطوباوية، وجنتها الموهومة التي مكانها في الأذهان لا في الأعيان!؛ المتناغم مع العلمانية يؤتى من جهة تسطح تفكيره، وهذا يجلي لنا أن العلمانية لم تفرض ذاتها على مريديها (البسطاء) بفعل موضوعية منطقها الداخلي، ونقاء منتجها الأيديولوجي، وفعالية دورها في تجسيد التطور، وإنما بفعل ارتكاس متلقيها في أحط دركات الجهل، وضمور قدراته النقدية!؛ فثمة عقول ليست إلا قاعاً صفصفاً خاوية من العلم، متشبعة بنقيضه، هذا الجهل هو ما يجعل أحدهم ينتشي جذلاً عندما يوصف بأنه علماني، فهذا دلالة في حسه المتدهور، على التميز الذي - في رأيه - يعز على غيره!؛ هناك من يبتهج ويتمايل من شدة الفرح، عندما يوصف بأنه علماني، أو ينعت بأنه ليبرالي، عندها، ترتسم الابتسامات البلهاء الصفراء على شفتيه، مع أنه لا يفقه معنى العلمانية!، ولو سألته عن معالم العلمانية، وطبيعة نظرياتها، وخطوطها العريضة، وعن خصائصها العامة، وعن أبرز منتهجيها، وعن موقفها من الدين، وعن موقف الإسلام منها، وهل هناك فرق بين العلمانية والليبرالية، وإذا كان ثمة فرق، فما معالمه؟! لو سألته عن ذلك، لأسقط في يده، ولحار جواباً!!. الوعي العلماني، وعي منغلق قرائياً، غير متفتح، حتى وإن خيل له غير ذلك، فهو لا يقرأ، وإن قرأ ففي الكتب التي تنسجم وخطه الفكري، تلك التي تعزز ما لديه من مفاهيم، وترسخ ما يؤمن به من أفكار، ولذلك هو يشعر بنوع من الاستغراب، وتنتابه الصدمة حينما يسمع أن لابن تيمية أو لابن القيم أو لأحمد بن حنبل أو للشافعي أو لابن حجر أو للنووي أو للعز بن عبدالسلام أو للشاطبي أو لأبي حنيفة أو لأحد علماء الأمة المعاصرين آراءً تهدم ما تأصل لديه من عادات فكرية متجذرة، سبب اندهاشه، هو تقوقعه، واحتباسه داخل دائرة قرائية محدودة لا يتجاوزها بحال، مما جعله لا يرى إلا في اتجاه واحد، وذلك لعجزه عن التواصل القرائي الفاعل مع مفكري الأمة الكبار الذين يعيشون خارج دائرته، فهو لا يعرف كتبهم، وإن عرفها لم يقرأها، وإن قرأها لم يفهمها؛ إن الانفتاح القرائي، وعدم الانحباس في الأنساق المعرفية السائدة، والتماس القرائي مع مختلف المنظومات الفكرية، وقراءة وجهات النظر المتعارضة، والوقوف عن كثب على المبادئ والأدبيات التي تشكل فكر متباين المكونات، أمر على درجة عليا من الأهمية، فهو يخلص البنية العقلية من سلبيات الرؤية الأحادية، ولكن هذا مشروط بأن يكون لدى القارئ قدرة على سبر أغوار الأشياء، وعلى التقييم والتقويم والتصويب، فلا يسلم عقله للمؤلف، وينساق معه دون أن يشعر، وأيضاً لا يتمنع لمجرد التمنع، وإنما قراءة نقدية موضوعية، تفلتر المقروء، وتميز سلبياته من إيجابياته.

    إنه بانغلاقه القرائي في منظومة فكرية محددة، حجّر واسعا، وحصر نفسه من خلال دورانه في فلك مختزل، أغلق بموجبه منافذ البصيرة في وجه أشعة النور القادمة من بعيد؛ إنه لو غرد خارج سربه، وقرأ لعلماء الأمة، ولعمالقتها العظام، لحرر وعيه من ذلك الاحتلال، ولكان أكثر تعقلا، ولتفتح لبه، وتضاعفت إمكانياته، ولبات لديه أفق واسعا يمكنه من محاكمة كل ما يرد على ذهنه من أطروحات، محاكمة إيجابية قوامها الموضوعية والتجرد، وسوف يستعصي بالتالي على القولبة، والبرمجة، والتجيير الخاص.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    972

    افتراضي رد: فشل المنهج العلماني [عبد الله السعوي ]

    مقالات رائعة وذكية تقدمتها مقالات مثلها في الجودة للمؤلف حفظه الله
    الا ان ماذكره الاستاذ من :

    إن العلمانية المعاصرة في البلاد الإسلامية تنطلق في موقفها من الدين على ضوء توجيهات عدد من الكتب من أبرزها ثلاثة:

    الأول: كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين،---
    الثاني: كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي ---
    الثالث: كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لطه حسين، --
    --

    كان امرا قديما فالمناهج الجديدة لتحليل النصوص والكتب العلمانية الرئيسة التي اخذت عنها والتي ذكر الاستاذ انهم يعتمدون عليها حلت محل هذه الكتب الثلاثة وغيرها من الكتب مثل كتب لويس عوض واسماعيل مظهر وفؤاد ذكريا وخالد محمد خالد في قديمه والدكتور محمد احمد خلف الله
    المناهج الجديدة جعلت من كتب حسن حنفي وعلي حرب وطرابيشي وابوزيد وفاطمة المرنيسي والعشماوي واركون والجابري وهاشم صالح وخليل عبد الكريم والقمني مراجع يعتمد عليها للباحثين العلمانيين الجدد لانها تجاوزت مرحلة طه حسين وعلي عبد الرازق بمراحل كما عبر عن ذلك خليل عبد الكريم في تعليقه علي كتاب القصص الفني في القرآن لمحمد احمد خلف الله
    وهي انما جاءت بتدشين المناهج الجديدة الغربية في الحقل الاسلامي بغية تدميره من الداخل وفتح ثغرات لتمرير العلمانية الشاملة بعد صنع نتائج كبيرة بالعلمانية الجزئية في شقها الافقي وهو فصل الدين عن السياسة
    ونحن ان شاء الله لهم بالمرصاد
    طارق منينة
    صاحب كتابي اقطاب العلمانية في العالم العربي والاسلامي

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •