أثر السياق في فهم الإحالة في القصة القرآنية


السياق إطار عامٌّ تنتظم فيه عناصر النصّ ووحداته اللغوية ، ومقياس تتصل بوساطته الجملُ فيما بينها وتترابطُ ، وبيئة لغوية وتداوليّة تَرْعى مجموع العناصر المعرفية التي يقدّمها النصّ للقارئ .
ويضبط السياق حركات الإحالة بين عناصر النص ، فلا يفهمُ معنى كلمة أو جملة إلا بوصلها بالتي قبلها أو بالتي بعدها داخل إطار السياق .
وكثيرًا ما يرد الشبه بين الجمل والعبارات مع بعض الفوارق التي تميز بينها ، ولا نستطيع تفسير تلك الفوارق إلّا بالرجوع إلى السياق اللغوي ولحظ الفوارق الدقيقة التي طرأت بين الجمل ، فكلُّ مساق للألفاظِ يجرُّ ضربًا من المعنى بجزئياته وتفاصيله(1).
والسياق هو الصورةُ الكليّةُ التي تنتظمُ الصُّورَ الجزئيةَ ، ولا يُفهمُ كلُّ جزء إلّا في موقعه من الكلّ .
ويعدُّ التحليلُ السياقي وسيلةً من وسائل تصنيف المدلولات، لذلك يتعيّن عرض اللفظ القرآني على موقعه لفهمِ معناه ودفعِ المعاني غير المرادة .
وللسياق في النص القرآني أنواع ، لا بدّ من توجيه الانتباه إليها ، منها :
السياق المكاني : ويعني سياق الآية داخل السورة ، وموقعها بين السابق من الآيات واللاحق ، أي مراعاة سياق الآية في موقعها من السورة ، وسياق الجملة في موقعها من الآية ، فيجب أن تُربَطَ الآيةُ بالسياق الذي وردت فيه ، ولا تقطع عما قبلها وما بعدها .
والسياق الزمني للآيات أو سياق التنزيل : ويعني سياق الآية بين الآيات بحسب ترتيب النزول .
والسياق الموضوعي : ومعناه دراسةُ الآية أو الآيات التي يجمعها موضوع واحد – سواءٌ أكان الموضوعُ عامًّا كالقصص القرآني، أو الأمثال ، أو الأحكام الفقهية، أم كان خاصًّا كالقصة المخصوصة بنبيٍّ من الأنبياء، وحكم من الأحكام أو غير ذلك-، وتتبُّعُ مواقعها في القرآن الكريم كلِّه.
والسياق المقاصديّ : ومعناه النظر إلى الآيات القرآنية من خلال مقاصد القرآن الكريم ، والرؤية القرآنية العامّة للموضوع المعالَج .
والسياق التاريخيّ : بمعنييه : العامّ ، وهو سياق الأحداث التاريخية القديمة التي حكاها القرآن الكريم ، المعاصرة لزمن التنزيل . والخاص : وهو أسباب النزول .
والسياق اللغوي : وهو دراسة النص القرآني من خلال علاقات بين ألفاظه بعضها ببعض ، والأدوات المستعملة للربط بين هذه الألفاظ ، وما يترتّب على تلك العلائق من دلالات جزئية وكليّة .
وغالبًا ما يكون السياق اللغوي هو المحيل إلى سياق الموقف فيما يسمّى بالإحالة الخارجية (2).
وعند دراسة النص القرآني ينبغي تحكيمُ كلِّ هذه الأنواع من السياق عند إرادة دراسة النص القرآني بمنهج سياقيّ متكامل (3).
والمتتبعُ للنصّ القرآنيّ يدركُ أنّ المساقاتِ فيه تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل ، مما هو معلوم في علمي البيان والمعاني(4)، فالضابط الذي يلزم في فهم النص هو الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها ممّا تبيّنه أسباب النزول . وبهذه الطريقة نتمكن من فهم مقاصد الشارع مقرونًا بمعرفة أحوال نزوله ، أمّا إذا تفرّق النظر في الأجزاء بسبب الجهل بأسباب التنزيل فلا يتوصَّلُ إلى إدراك المقاصد على الوجه المراد ، ويوقعُ هذا الجهلُ في الشُّبهِ ، ويوردُ النصوصَ الظاهرةَ موردَ الإجمالِ فيقع الاختلافُ والنزاع(5).
والإحالة في كثير من أحوالها لا تفهم إلا من خلال السياق ، وإن كان فهمها في المقام الأوّل يعتمد على داخل النصّ فإنّ دي بوجراند ودريسلر يذكران أنّه ليس في جميع السياقات يمكن استخدام الصيغ الكنائية ( الضمير ، واسم الإشارة ، والموصول ، ... ) حتى لا يحدث لَبْسٌ في المعنى ، فقد يعود الضمير إلى مرجعين ، فيصبح الضمير مرجعًا مشتركًا ، وعندئذٍ لا يسهم المعجم في حل هذا الإشكال ، وإنّما يحلّ بوساطة معرفة العالم ( world Knowledge )(6).
فالبحث في الإحالة يتأسس على السؤال الآتي : كيف تفسّر الإحالة ؟ وأيّ العوامل تُؤدِّي دورًا في تفسير العملية ؟
فليست المعرفة النحوية فقط كافية في تحديد عودة الضمير ، بل إن الاكتفاء بها قد يكون سببًا في تضليل المتلقي وبُعده عن الفهم الصحيح للإحالة ، ونلحظ ذلك في مبدأ القرب الذي يرى أن الضمير يحيل إلى أقرب مذكور ! أضف إلى ذلك طول المدة التي قد تستغرقها القراءة ، مما يدلّ على أهميّة معرفة القارئ العامّة ، وهي عامل تداولي مهم عندما تكون المفاتيح النحوية ناقصة (7).
إنّ ما طرحه نانبورغ في الهجوم على معالجة الإحالة من منظور دلالي بحت ، واستبداله بطرح وظيفي أو مقامي هو ما أيّده براون ويول في تحليلهما للخطاب ، ففهمنا لكلمات مثل ( الدجاجة ) و( الصحيفة ) في الأمثلة الآتية :
(أ) نقرت الدجاجةُ الأرضَ (ب) كانت الدجاجة مع صلصة اللوبيا لذيذة .
(أ) تزن الجريدة خمسة أرطال (ب)أنهت الجريدة عقد جون .
يعتمد على معرفتنا المقامية بالمجال الإحالي لمثل هذه الكلمات ، وهو مجال شديد التحديد متأثّر بطبيعة الإسناد وبسياق الكلام ، ولنا أن نقول هنا إنّ هذه العوامل تؤثّر في تصوّر ( السامع / القارئ ) للكيانات الواردة في الخطاب (8).




المرجع :
الإحالة وأثرها في تماسك النص في القصص القرآني ، د. أنس بن محمود فجّال ، رسالة دكتوراه ، جامعة صنعاء ، 2009م .



د. أنس بن محمود فجّال
أستاذ جامعي
ماجستير في والصرف - دكتوراه في اللسانيات النصية والنحو
دكتوراه في اللغويات ( النحو والصرف ) واللسانيات