اعداد: عيسى القدومي 8 مايو، 2013 0 تعليق



من شبهات اليهود وأباطيلهم-«الحق الأبدي لليهود في فلسطين والقدس»




تلك شبهة من شبه اليهود التي أرادوا بإشاعتها التأثير؛ بل وإقناع بعض المخدوعين والجهلة من العرب وغيرهم؛ ولذا يستدل اليهود بهذه الآية الكريمة من كتاب الله -تعالى-{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ } ليزعموا بأن فلسطين حقٌ، كُتبَ ليهود الأمس واليوم، ولا يجوز منازعتهم في هذا الحق.

وقد تناقلها بعض كتاب العرب؛ فكتب أحدهم: «لا أعلم دليلاً من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم يؤكد ضرورة امتلاك العرب القدس، بل على العكس تماماً؛ فالآية تؤكد حق بني إسرائيل فيها»!!

ونجح الباحثون اليهود في استمالة بعض هؤلاء الكتاب العرب إلى خداعهم وتسويغاتهم، وحينما تقرأ مقالاتهم تقف مذهولاً من سوء ما يكتبون ويقولون، فهم من أجل الدفاع عن اليهود ووجودهم في أرض فلسطين يستدلون بآيات من كتاب الله
-تعالى-، وإن دعت الحاجة بنصوص من التوراة المحرفة، ويستعينون بالتاريخ وبالجغرافيا ما أمكن؟!


وسأوجه ردي بداية إلى من خدع من العرب والمسلمين بتلك الشبهة، وأن الآية الكريمة : {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}(المائدة) تؤكد الحق الأبدي لليهود في فلسطين والقدس!!:

1- لا شك أن في قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} (المائدة:21) دليل على أن القدس وفلسطين مقدسة منذ القِدم، قبل أن يحل بها قوم (موسى)؛ لأن وجود المسجد الأقصى في القدس وفلسطين كان قبل حلول بني إسرائيل في فلسطين، وقبل أنبياء بني إسرائيل؛ الذين يزعم اليهود وراثتهم، وكان من تعظيم موسى للأرض المقدسة أن سأل الله -تبارك وتعالى- عند الموت أن يدنيه منها، فقد روى مسلم في «صحيحه» مرفوعاً: «فسأل موسى الله -تعالى- أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فلو كنتُ (أي النبي صلى الله عليه وسلم) ثَمَّ يعني هناك لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر»(1)، قال النووي: «وأما سؤاله -أي: موسى؛- الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضيلة من فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم»(2).

2- سكن أرض فلسطين «الأرض المقدسة» في الماضي أجيال مؤمنة من بني إسرائيل، وأقاموا عليها حكماً إسلاميّاً مباركاً زمن يوشع؛ وطالوت، وزمن داود وسليمان، ولقد كتب الله الأرض المقدسة فلسطين لذلك الجيل المؤمن من بني إسرائيل لإيمانهم وفضلهم على الكافرين الذين كانوا في زمانهم، ومكنهم من دخولها على يد يوشع بن نون؛، ونصرهم على أعدائهم الكافرين، فلما جاءت أجيال جديدة منهم، وخالفت شرط الاستخلاف، ونقضت عهد الله وطغت وبغت، أوقع الله بها لعنته وسخطه، ونزع الأرض المقدسة منهم، وكتب عليهم الشتات والضياع في بقاع الأرض؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَطَّعْنَاهُم ْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} (الأعراف:167-168).

3- الرسل والأنبياء جميعهم -من بُعث منهم إلى بني إسرائيل أو إلى غيرهم من الأمم- دينهم الإسلام، ورسالتهم هي الإسلام، ودعوتهم التوحيد، وأتباعهم الذين آمنوا بهم هم المسلمون، كما قال تعالى على لسان نوح؛ لقومه: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس:72)، وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة:130-132)، وقال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّين َ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (المائدة:111).

4- الذين قدر الله أن يتحرر بيت المقدس على أيديهم وسلطانهم وإقامة حكم الله عليها هم المسلمون، ومن هؤلاء: المسلمون بقيادة يوشع ابن نون، والمسلمون المجاهدون الذين من بينهم داود؛، وجاء بعد داود؛ ابنه سليمان، وعلى عهده كان بيت المقدس عاصمة للدولة الإسلامية وليست عاصمة لليهود كما يزعمون! والمسلمون صحابة رسول الله -رضوان الله عليهم-، فعلى أيديهم بدأت معارك التحرير بما في ذلك بيت المقدس، وشاء الله أن يتحرر ويقوم عليها حكم الإسلام على عهد عمر بن الخطاب عام (15 هـ)، والمسلمون بقيادة نور الدين محمود ابن زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، وغيرهم من الحكام المسلمين هم الذين قادوا المجاهدين المسلمين، حتى تحقق على أيديهم تحرير بيت المقدس بعد (93) عاماً من اغتصابها(3).

5- يجب أن نفرق بين أنبياء بني إسرائيل ومن آمن معهم، وتاريخهم المشرق الذي حكمهم فيه مؤمنوهم وصالحوهم، وقادهم فيه أنبياؤهم، فهذا التاريخ نعده تاريخاً إسلاميّاً، مثل تاريخ موسى وهارون، وتاريخ داود وسليمان، وتاريخ زكريا ويحيى، وتاريخ عيسى عليه السلام، وبين التاريخ الأسود الذي يقوم على الكفر والتكذيب، ومحاربة الحق ونقض العهود، وقتل الأنبياء وممارسة الظلم، والسعي في الفساد ونشر الرذائل والمنكرات، فهذا التاريخ هو التاريخ الحقيقي لليهود، وهذا ما نتبرأ منه وننكره، ونحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق والعصيان.

6- هناك أخطاء في أذهان الكثيرين لا بد أن تصحح؛ فأنبياء بني إسرائيل ليسوا يهوداً ولكن اليهودي هو من كفر برسالة نبيه من بني إسرائيل، وأن لا صلة ليهود اليوم بسلالة بني إسرائيل -وهذا بإثبات اليهود أنفسهم واعترافهم-، وأن لا حق لليهود في القدس ولا غيرها من أرض فلسطين؛ لا من قريب ولا من بعيد.

والأرض المقدسة لا تتغير بملك الكافر، فتبقى قدسيتها ومكانتها لحين تحريرها من أيدي الأعداء، وقد نبه الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود في رسالة له باسم: «الإصلاح والتعديل فيما طرأ على اسم اليهود والنصارى من التبديل»، وفيها تحقيق بالغ أن «يهود» انفصلوا بكفرهم عن بني إسرائيل زمن بني إسرائيل؛ كانفصال إبراهيم عن أبيه آزر.

والكفر يقطع الموالاة بين المسلمين والكافرين؛ كما في قصة نوح مع ابنه، ولهذا فإن الفضائل التي كانت لبني إسرائيل ليس ليهود فيها شيء، ولهذا فإن إطلاق اسم: (بني إسرائيل) على يهود يكسبهم فضائل، ويحجب عنهم رذائل؛ فيزول التمييز بين «إسرائيل» وبين يهود المغضوب عليهم؛ الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة»(4).

7- إن هذه الأرض -بيت المقدس- هي للمسلمين ما داموا أنصاراً لدين الله، فقد ارتبط امتلاك هذه الأرض بالإيمان بالله، فقد كان الكنعانيون هم سكان فلسطين في عهد موسى، ولما أنجى الله سيدنا موسى؛ ومن معه من بني إسرائيل من فرعون أمرهم موسى بأمر الله: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (المائدة:21-22)، وجواب هذا: أن اليهود الذين غضب الله عليهم ولعنهم في القرآن؛ إنما كان ذلك بسبب سوء أعمالهم، بدليل قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} (النساء:155-156)، فهؤلاء إنما غضب الله عليهم بسبب عملهم، أما القدس اليوم التي نتحدث عنها فهي وقف إسلامي، بعد فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لها، وهذا أمر مجمع عليه عند عامة الأئمة قديماً وحديثاً، ولم ترد فيه المخالفة، ولا عبرة بتقاعس المسلمين اليوم عن النصرة، فالحجة على من ضيع وخالف.

8- الإيمان بهذه الشبهة فيه تكذيب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ الذي بشر بفتح بيت المقدس قبل أن يفتح؛ فقد جاء عن عوف ابن مالك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك -وهو في قبة من أَدم-، فقال: اعدد ستاً بين يدي الساعة: «موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر؛ فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً»(5).

فهؤلاء مع جهلهم بالعلم الشرعي يؤولون الآيات القرآنية والأحداث التاريخية؛ ليقنعوا غيرهم بأننا كيف نمنع اليهود حقّاً قد أعطاهم الله إياه؟ وليعلم هؤلاء بأنهم يشككون بتلك الأقوال في صحة فتح بيت المقدس، بل ببطلان فتح المسلمين القدس، وكتابة الشروط العُمرية، وكأن المسلمين منذ الفتح إلى الآن معتدين على حقوق غيرهم!!

9- ما جاء في تفاسير أهل العلم وكتبهم يدحض شبهاتهم، واستدلالاتهم:

أ) جاء في (تفسير الطبري) للآية: «حرم الله تعالى على قائلي ذلك -فيما ذكر لنا- دخولها حتى هلكوا في التيه، وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشام؛ فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون؛ بعد وفاة موسى بن عمران»(6).

ب) يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في «تفسيره»: «كان بنو إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: {وأني فضلتكم على العالمين} (البقرة:47)؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة، فقيل لهم: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} (المائدة:21)، و«الأرض المقدسة» هي: فلسطين، وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى لأنهم هم عباد الله الصالحون، والله تعالى يقول: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء:105)، وقال موسى لقومه: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده}، ثم قال: {والعاقبة للمتقين} (الأعراف: 128)، إذاً المتقون هم الوارثون للأرض، لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين، أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها، وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم صار أحق الناس بهذه الأرض المسلمون»(7).

جـ) أفرد البخاري في (صحيحه) باب أسماه: (باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة)؛ وشرح ابن حجر هذا الباب بقوله: «أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت، فلم يدخل الأرض المقدسة مع يوشع إلا أولادهم.. ولم يدخلها معه أحد ممن امتنع أولاً أن يدخلها؛ ومات هارون ثم موسى قبل فتح الأرض المقدسة»(8).

د) قال الألباني -رحمه الله- في (السلسلة الصحيحة): «وقال الله -تعالى- لموسى: {سأوريكم دار الفاسقين} (الأعراف:145)، وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة، ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين، وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة... فأحوال البلاد كأحوال العباد؛ فيكون الرجل تارة مسلماً، وتارة كافراً، وتارة مؤمناً، وتارة منافقاً، وتارة برّاً تقيّاً، وتارة فاسقاً، وتارة فاجراً شقيّاً، وهكذا المساكن؛ بحسب سكانها»(9).

هـ) ما جاء في «إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد» يفسر الآية بالآتي: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} (المائدة:21): يعني: أرض فلسطين، ليخلِّصوها من الوثنيين؛ لأنها كانت بيد الوثنيِّين، وموسى؛ أُمر بالجهاد لنشر التّوحيد ومحاربة الشرك والكفر بالله، وتخليص الأماكن المقدَّسة من قبضة الوثنييِّن، وهذا من أغراض الجهاد في سبيل الله.

{التي كتب الله لكم} (المائدة:21): لأن الله كتب أن المساجد والأراضي المقدَّسة للمؤمنين من الخلق من بني إسرائيل وغيرهم.

{كتب الله لكم}: شرع أن تكون الولاية عليها للمؤمنين؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء: 105)، فالوِلاية على المساجد لا سيما، المساجد المبارَكة؛ وهي: المسجد الحَرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، وسائر المساجد، كون الولاية عليها للمؤمنين، ولا يجوز أن يكون للكفار والمشركين من الوثنيِّين والقبوريِّين سلطة على مساجد الله تعالى، {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة:17-18)»(10).

و) قال ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى»(11) في توضيحه لهذا الأمر: «{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (المائدة:21-22) الآيات، وقال تعالى لما أنجى موسى وقومه من الغرق: {سأوريكم دار الفاسقين} (الأعراف:145)، وكانت تلك الديار ديار الفاسقين؛ لما كان يسكنها إذ ذاك الفاسقون، ثم لما سكنها الصالحون صارت دار الصالحين.

وهذا أصل يجب أن يعرف، فإن البلد قد تحمد أو تذم في بعض الأوقات لحال أهله، ثم يتغير حال أهله فيتغير الحكم فيهم؛ إذ المدح والذم والثواب والعقاب إنما يترتب على الإيمان والعمل الصالح، أو على ضد ذلك من الكفر والفسوق والعصيان»(12).

10- عقيدتنا في أنبياء الله -تعالى- من بني إسرائيل أو غيرهم هي دعوة إلى الإسلام؛ لذا ننكر على الجهلة من الكُتّاب ذمهم وطعنهم لأنبياء بني إسرائيل، واعتبارهم يهوداً داخلين في دائرة العداء، ووصفهم بأوصاف لا تليق بأنبياء الله -تعالى-، فمنهم من ذم موسى وهارون إ، ومنهم من حقد بكتاباته على داود؛ لأنه قتل جالوت، ووصف فترة حكمه بالفساد، ومنهم من وصف سليمان؛ بالملك اليهودي المستبد؛ لأنه استعمر بلاد العرب حتى اليمن، ومنهم أساء إلى يوشع بن نون فتى موسى عليه السلام؛ لأنه دخل فلسطين وقاتل أهلها من العرب، فهم -بجهلهم- يكرهون كل من كان من بني إسرائيل ولو كان صالحاً تقيّاً، أو نبيّاً رسولاً! ويمدحون كل من وقف أمام بني إسرائيل ولو كان كافراً ظالماً! ولا يفرقون بين أنبياء بني إسرائيل ومن آمن معهم، وتاريخهم المشرق الذي حكمهم فيه مؤمنوهم وصالحوهم، وقادهم فيه أنبياؤهم، فهذا التاريخ نعده تاريخاً إسلاميّاً مثل تاريخ موسى وهارون، وتاريخ داود وسليمان، وتاريخ زكريا ويحيى، وتاريخ عيسى عليه السلام، وبين التاريخ الأسود الذي يقوم على الكفر والتكذيب، ومحاربة الحق، ونقض العهود، وقتل الأنبياء، وممارسة الظلم، والسعي في الفساد ونشر الرذائل والمنكرات، فهذا التاريخ هو التاريخ الحقيقي لليهود، وهذا ما نتبرأ منه وننكره، ونحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق والعصيان.

وفي الختام نقول: كيف تكون الأرض المقدسة لمن أعرض عن شرائع الله -تعالى- وفرائضه ووصاياه؟ وكيف تكون الأرض المقدسة لمن عبد غير الله -تعالى-، وعبد الآلهة والأوثان؟ وكيف تكون الأرض المقدسة لمن كذب الرسل وقتل الأنبياء وأساء الأدب معه تعالى؟ وكيف تكون تلك الأرض المباركة حق لمن كفر من بني إسرائيل؟ ولمن ادعى كذباً أنهم أحفاد نبي الله يعقوب؟

ولا شك أن هذه الأرض لأهل الإيمان والتقوى طال الزمان أو قصر، فالنصر والتمكين لدين الله قادم لا محالة بنا أو بغيرنا، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}( التوبة: 33)، فالنصر موعود الله تعالى للجباه الساجدة، والقلوب الموحدة، والأيدي المتوضئة، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَ ّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَ ّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55).

وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه سيحقق النصر على أيدي المؤمنين أتباع هذا الدين في الأرض المقدسة على أعدائهم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة، حتى يأتي أمر الله؛ وهم كذلك»(13).

الهوامش:

1- رواه مسلم، برقم (3474).

2- «شرح النووي لصحيح مسلم» (8/103).

3- انظر للاستزادة: «أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ: ليس لليهود حق في فلسطين»،
د. جمال عبد الهادي، (ص34-38).


4- «معجم المناهي اللفظية» للشيخ بكر أبو زيد، (ص93).

5- رواه البخاري، برقم (3176).

6- «تفسير الطبري» (2/ 134).

7- «تفسير القرآن» محمد صالح العثيمين، (ج3 ص117).

8- «فتح الباري» (4/404)

9- «السلسلة الصحيحة» (ج8 ص356).

10- «إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد» (ج3ص98).

11- «الفتاوى الكبرى» لابن تيمية، (6/225).

12- المصدر السابق.

13- أخرجه الطبراني في «الكبير» رقم (754)، وصححه الألباني في «الصحيحة» رقم (270).








اعداد: عيسى القدومي