هل يجوز تهنئه فتاه بحلول مناسبه ما


خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

هل يجوز لي أن أهنئ فتاه بحلول شهر رمضان أو أي مناسبه بطريق غير مباشره كرساله نصيه مثلاً،مع العلم اننا غير مرتبطين (غير مخطوبين ) ولكن تجمعنا مشاعر طيبه نأمل من الله عز وجل أن ينعم علينا ويتوجها بالزواج إن شاء الله ( علي وعد إن شاء الله بالتقدم بالخطبه ماي استطعت ذلك)

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:
فإن قاعدة سد الذرائع إلى الحرام أصل مستمر من أصول الشريعة، فكل فعل أفضى إلى المحرم، أو كان سببًا للشر أو الفساد، حرمه الشارع، وكذلك كل ما لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة، نهي عنه، وكل سبب يفضي إلى الفساد نهي عنه؛ إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، ومن باب أولى نهى الشارع عن كل ما كثر إفضاؤه إلى الفساد.
ومن تأمل الأصول السابقة، وعلم أن الفساد والضرر هما سبب التحريم، أدرك الحكمة من نهي الشارع عن العلاقة بين الرجال والنساء؛ لأنه لا يكاد يسلم من الاختلاط أحد، والفعل إذا اشتمل كثيرًا على الحرام، وكانت الطباع تقتضيه، ولم يكن فيه مصلحة راجحة، حرمه الشارع قطعًا، فكيف إذا اشتمل على ذلك غالبًا، فالله تعالى هو الخالق الذي يعلم من خلق، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، لا في ظواهر الأفعال ولا في خفايا القلوب، وهو البارئ للإنسانية والخبير بمسالكها ودروبها، والعليم بما يُصلحها وما يَصلح لها، فصان علاقات الأفراد بتشريعات تلائم النفسَ البشرية؛ وسدَّ كل الذرائع التي توصل إلى الحرام، وأخذ الطريقَ على الرجال والنساء حتى لا يَقعوا في الحرام، فأَمَرَ بَغِضِّ البَصَر، وحرَّم الخلْوة والاختلاطَ بالأجنبية، وحرَّم إقامة علاقة بين الرجل والمرأة خارج نطاق الزوجية ولو بغرض الزواج؛ فالغايةُ النبيلةُ لا تُبَرِّر الوسيلةَ، ومنع الكلام بين الجنسين إلا لمصلحة راجحة أو حاجة شديدة، ولا يكون ذلك إلا بضوابط، ومخالفة هذا التشريع في العلاقات بين الجنسين، هو السبب الرئيسي في الانحراف، والوقوع في الحرام، مع تزيَّن الشيطان؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[النور: 21]
وقد نصَّ أهل العلم على المنع من التكلم مع المرأة الشابة؛ مخافة الفتنة؛ فقال البهوتي – الحنبلي – في "كشاف القناع": "وإن سلَّم الرجل عليها - أي على الشابَّة - لم تردَّه؛ دفعاً للمفسدة". وقال العلامة الخادمي - الحنفي - في كتاب "بريقة محمودية": "التكلم مع الشابة الأجنبية لا يجوز بلا حاجة؛ لأنه مظنة الفتنة".
وكذلك نصوص الشافعية والمالكية أشهر من أن تجهل، وأكثر من أن تذكر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (15/ 419):
"والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز؛ فإن الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة؛ ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرمًا إلا إذا كان لحاجة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما، فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة.
وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز، ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه وأدامه وقال: إني لا أنظر لشهوة كَذًبَ في ذلك؛ فإنه إذا لم يكن له داع يحتاج معه إلى النظر لم يكن النظر، إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك"
وقال أيضًا (28/ 370)
"وكذلك الشر والمعصية: ينبغي حسم مادته، وسد ذريعته، ودفع ما يفضي إليه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة".
هذا؛ ومن رزقه الله علمًا بطبيعة الميل الفطري بين الرجل والمرأة، وأنه ميل عميق في التكوين النفسي والجسدي، لم يتردد في العمل بالحكم الذي قرره الأئمة بحرمة أي علاقة بين الرجال والنساء قبل الزواج، فالله تعالى لما شاء أن تكون امتداد الحياة على الأرض منوطة بالرجل والمرأة، ركب في الفطر ذلك الميل وتلك الإثارة، ومن ثم جاء شريعة سبحانه مناسبة لذلك؛ فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} إلى قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[النور: 30، 31].
"إنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها، فإن الخيال ليكون أحيانًا أقوى في إثارة الشهوات من العيان، وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها، أو حليها، أكثر مما تثيرها رؤية جسد المرأة ذاته، كما أن كثيرين يثيرهم طيف المرأة يخطر في خيالهم، أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم- وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم- وسماع وسوسة الحلي أو شمام شذى العطر من بعيد، قد يثير حواس رجال كثيرين، ويهيج أعصابهم، ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها ردا، والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله؛ لأن منزله هو الذي خلق، وهو الذي {يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، قال صاحب الظلال.
وقال أيضًا:
"إن هذه البشرية - وهي من صنع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده – سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ }، {إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القُفل إلى صانعه، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه، ولا تسلك في أمر نفسها، وفي أمر إنسانيتها، وفي أمر سعادتها أو شقوتها ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة، التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة، وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز، ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه، فترده إلى المصنع الذي منه خرج، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب، الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟}.

ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة، البشرية المسكينة الحائرة، البشرية التي لن تجد الرشد، ولن تجد الهدى، ولن تجد الراحة، ولن تجد السعادة، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير، كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير!".

وعليه؛ فلا يجوز تهنئة الفتاة بدخول رمضان، ولا الكلام معها، حتى يكون بمقدورك الذهاب لخطبتها، واقطع أي تواصل بينكما واحذر من خطوات الشيطان،، والله أعلم.