خطباؤنا وموسم مشهود!



أحمد بن عبد المحسن العساف




هل يأتي على المسلمين موسم يستعدّ له الجميع مثل رمضان وما يتبعه من أعياد؟ فحتى مواسم الدّراسة، والزّراعة، وفصول السّنة، تختلف مستويات العناية بها، وبعضها ينتهي دون أن يشعر به فئام من المجتمع. ومع أنّ مردة الشّياطين يؤمنون بمصيرهم نحو التّصفيد، إلّا أنّهم يصرفون جهودهم قبل حلول رمضان، ويوكلون لأصاغرهم القيام بما يستطيعون من أعمال خلاله، أخزاهم الله ولا قوّاهم.
وفي هذا الموسم يحضر المصلّون بضعة خطب مشهودة جامعة إن في رمضان أو العيد، وتشترك مع خطبة عرفة بكونها موسميّة مهمّة يجب على من يرتقي المنابر فيها أن يهتبل فرصة إقبال المستمعين عليه بقلوب خرج منها الشّيطان، وأرواح عمرها الإيمان، ونفوس تهفو لروح وريحان، وتلك المزيّة لا تكون إلّا في العيدين ورمضان، حتى لو غالب المصلّين النّعاس، وأتعبهم الجوع أو العطش، فالفطنة حاضرة، والوعاء جاهز لما يوضع فيه، والرّجيم مقموع مطرود.
فربّما لا يحتاج المصلّي من الخطيب إلى تكرار أحكام الصّيام التي سمعها في المساجد ووسائل الإعلام، وباتت معروفة من توالي تردادها الحسن، ويبقى الأمر الأهم أن يستقر في وعي أبناء الأمّة أنّهم صاموا وأفطروا وامتنعوا عن المباح استجابة لأمر الله الذي دعانا لما يحيينا، وهو أمر مستمر قبل رمضان وخلاله وبعده، وفي الصّيام وغيره، وفيما نحب أو نكره، فنحن أمّة تتباهى بالعبوديّة لله ربّ العالمين.
أمّا أحكام زكاة الفطر فيحفظها الباعة ويفتون بها أحيانًا، وهي منتشرة مشاعة، بيد أنّ الخطيب الألمعي سيخبر مستمعيه عنها وعن حقوق المجتمع على أفراده، وأثر الفرد في مجتمعه، وما النّتيجة التي سيجنيها أيّ مجتمع إن تكاتف غالب أفراده ومجموعاته على فعل الإحسان، وسدّ النقص، وإصلاح الخلل، ولكلّ واحد طريقته في الإفادة، ومنهجه في الأداء، وإنّما الشّأن أن ننفع ولا نضر، ونعين ولا نعيق.
وما أحسن عبادة الاعتكاف وأجمل ظلالها على الرّوح والعقل والنّفس، فكأنّ الإنسان عقبها مثل ثوب علاه غبار كثيف ثمّ غسل بأنصع صابون، ومع فضل الاعتكاف، وأهميّة ترغيب الصّائمين به، وإعانتهم عليه، إلّا أنّ الالتفات للمعنى أولى وهو تمتين العلاقة مع الله، وهجر البيئة التي لا تهيئ المرء لآخرته وخير دنياه، ثمّ العودة إليها بعزيمة ماضية على التّحسين والمصابرة عليه، وتلك منقبة للخلوة، وثمرة للتّسلح بالإيمان، ولازم يتلو اكتساب الصّفاء بعد الغرق في متاهات الحياة وصوارفها.
كما يحظى القرآن بمكانة مضاعفة خلال رمضان، وأفضل من الحثّ على قراءته فقط، دعوة عباد الله إلى تدبّره والعمل به، مع الوقوف عند القضايا الكبرى التي دارت حولها أكثر الآيات والسّور، ومعرفة العبر التي وقفت معها قصص القرآن وأمثاله، وما أحرى أمّة اقرأ بأن تلتصق بكتاب مولاها في كلّ آن وحال ومكان، فهو النّجاة وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله وحديثه وقيله الحسن الصّادق، وحبله المتين، ونوره المبين؟
ومع ضرورة بيان أحكام زكاة الأموال والصّدقات التي ينشط لها الأغنياء في رمضان، يقتضي رفع الوعي إحاطة أتباع محمّد عليه الصّلاة والسّلام بما تُرمى به هذه العبادة الرّكنيّة من تهم وأباطيل جعلتها موضع الشّك ومحلّ الرّيبة، وأحاطتها بعراقيل وأشواك، وتلك جناية الغلو وخطيئة التبعيّة، وفي كلّ بلاء، والله يحمينا ويقينا، ولن يكون لشعائر ديننا نصيب من تعظيم أعادينا مالم يشاهدوا تعظيمنا لها، ودفاعنا عنها.
وبما أنّ الأسرة تجتمع في رمضان على وجبتي الفطور والسّحور بصورة نادرة التّعاقب في غيره، فمن الرّبط الجميل أن يبصّر الخطيب المنصتين له بما يحاك للأسرة المسلمة من كيد يفصم عراها، ويحدِث الشّقاق بين أفرادها، فالزّوجان في خلاف، والإخوان في خصام، ويعاني الآباء من العقوق، وتُبتلى البيوت بالشّقاء، ويزداد في الأقارب الفرقة والتّناحر، ولا علاج إلّا بأسرة متآلفة متماسكة تكون درعًا حصينة في وجه الفاسدين المفسدين.
ومن معاني رمضان والعيدين العظيمة المغفول عنها، معنى الفرح بنعمة الإسلام، والفرح بنعمة بلوغ الموسم، والفرح بنعمة الصّيام والقيام والتّمام، وما أجدر الخطيب بأن يزفّ البشرى لمستمعيه بأنّ هذا الفرح سعادة وأجر وقبول من الله، ويمثّل خصوصيّة ثقافيّة لأمّتنا، وأيّ أمّة تفقد ما يخصّها سوف تذوب، وحين تنغمس في باطل غيرها فلا غرابة أن تختفي وتنطمس معالمها.
بينما يصبح من الحكمة حين يستعرض أبناء الأمّة المسلمة ما جاء عن إمامهم صلّى الله عليه وسلّم بخصوص فضائل رمضان وأحكامه، وهو زمن حبيب حتى لكثير من العتاة والمقصّرين، المسارعة لتذكير الحاضرين تحت المنابر أنّ هذا العلم المنيف نقله إلينا البخاري ومسلم وأصحاب السّنن، وقبلهم أحمد ومالك، عن التّابعين والصّحابة، ومن لمز أحدًا من هذه السّلسة المضيئة الطّاهرة، فإنّما يستهدف هدم الدّيانة من أصلها وإن حلف -حلفة فاجر- أنّه لا يبتغي إلى هذا سبيلًا.
يا له من شهر جمّ العبر والمعاني، ففيه وحدة الأمّة الإسلاميّة، واتّصال حاضرها بماضيها إلى الجناب الكريم صلّى الله عليه وسلّم، ويتجلّى به معنى استثمار الفرص، فهو شهر من سنة، وهي عشر ليال من ثلاثين، وهي هي ليلة واحدة عن أزيد من ثمانين سنة، فلم تضيع من أمّتنا الفرص واحدة تلو الأخرى؟ وهو شهر معارك فاصلة انتصر المسلمون فيها على أعاديهم، بعد انتصارهم على أنفسهم سرًّا وجهارًا، وهو شهر يؤكّد قرب الخلق من خالقهم وإن اجتالتهم الشّهوات والشّبهات.
فيا خطيبنا المبارك، أنت منبع العلم، ومعدن الفهم، وموئل البصيرة، والنّاطق بالحكمة، وحين تعلو منابرنا في أيّ زاوية من عالمنا الإسلامي، فكلّ من حضر معك أو استمع إليك سيقبس منك، وإنّا لا نظنّ بك إلّا خيرًا، ونأمل منك أن تكون فوق منبرك معلّمًا، وواعظًا، ومربيًا، وأستاذًا من أساتذة الوعي، وأحد بناة المفاهيم الرّاسخة التي ينكشف بها الزّيف، ويتحطّم عندها مكر الّليل والنّهار، وما تظاهر عليه أهل الكفر والنّفاق، وإنّك لقادر، وإنّك لموفق، فاغترف من الحسنات إذ جاءت إليك تسعى!