مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام) - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 119

الموضوع: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)


    المحافظة على الصلاة في رمضان

    اللجنة العلمية



    الأسباب المعينة على قيام الليل


    1 - الإخلاص لله - تعالى -:
    كما أمر الله - تعالى - بإخلاص العمل له دون ما سواه:"وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"، فكلما قوي إخلاص العبد كان أكثر توفيقاً إلى الطاعات والقربات، وفي حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" (رواه أحمد صحيح الجامع 2825). قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية. قال ابن القيم - رحمه الله -: وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون توفيقه سبحانه وإعانته؛ فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم ونياتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك.
    ولذا حرص السلف الكرام أشد الحرص على إخفاء الطاعات كقيام الليل؛ سأل رجل تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه - فقال له: كيف صلاتك بالليل؟ فغضب غضبا شديدا ثم قال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في السر أحب إلي من أن أصلي الليل كله، ثم أقصه على الناس. وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله، فإذا قرب الفجر رجع فاضطجع في فراشه، فإذا طلع الصبح رفع صوته كأنه قد قام تلك الساعة.
    2 - أن يستشعر مريد قيام الليل أن الله - تعالى - يدعوه للقيام:

    فإذا استشعر العبد أن مولاه يدعوه لذلك وهو الغني عن طاعة الناس جميعا كان ذلك أدعى للاستجابة، قال - تعالى -:"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً"، قال سعد بن هشام بن عامر لعائشة - رضي الله عنها -: أنبئيني عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ألست تقرأ"يا أيها المزمل"قلت: بلى، فقالت: إن الله - عز وجل - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حولا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. رواه مسلم.
    3 - معرفة فضل قيام الليل:

    فمن عرف فضل هذه العبادة حرص على مناجاة الله - تعالى -، والوقوف بين يديه في ذلك الوقت، ومما جاء في فضل هذه العبادة ما ثبت من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم"رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يوما ويفطر يوماً"متفق عليه. وعن عمرو بن عبسة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن"رواه الترمذي والنسائي. وفي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته فيقول الله - جل وعلا -: أيا ملائكتي انظر إلى عبدي ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي"رواه أحمد وهو حسن، صحيح الترغيب 258.
    وقيام الليل يطرد الغفلة عن القلب كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية لم يكتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين"رواه أبو داود وابن حبان وهو حسن، صحيح الترغيب 635. قال يحيى بن معاذ: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
    4 - النظر في حال السلف والصالحين في قيام الليل ومدى لزومهم له:

    فقد كان السلف يتلذذون بقيام الليل، ويفرحون به أشد الفرح، قال عبد الله بن وهب: كل ملذوذ إنما له لذة واحدة إلا العبادة؛ فإن لها ثلاث لذات: إذا كنت فيها، وإذا تذكّرتها، وإذا أعطيت ثوابها. وقال محمد بن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة. وقال ثابت البناني: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل، وقال يزيد الرقاشي: بطول التهجد تقر عيون العابدين، وبطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. قال مخلد بن حسين: ما انتبهت من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله ويصلي، فأَغتمُّ لذلك، ثم أتعزى بهذه الآية"ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ". وقال أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته. وعن القاسم بن معين قال: قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية"بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ"يردده ويبكي، ويتضرع حتى طلع الصبح. وقال إبراهيم بن شماس: كنت أرى أحمد بن حنبل يُحيي الليل وهو غلام. وقال أبو بكر المروذي: كنت مع الإمام أحمد نحوا من أربعة أشهر بالعسكر ولا يدع قيام الليل وقرآن النهار، فما علمت بختمة ختمها، وكان يسرّ ذلك. وكان الإمام البخاري يقوم فيتهجد من الليل عند السحر فيقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال.
    وقال العلامة ابن عبد الهادي يصف قيام شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان في ليله منفرداً عن الناس كلهم خالياً بربه، ضارعاً مواظباً على تلاوة القرآن، مكرراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرة. وقال ابن رجب في شيخه الإمام ابن القيم: وكان ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، ولم أشاهد مثله في عبادته وعلمه بالقرآن والحديث وحقائق الإيمان. وقال الحافظ ابن حجر يصف شيخه الحافظ العراقي: وقد لازمته، فلم أره ترك قيام الليل بل صار له كالمألوف.
    5 - النوم على الجانب الأيمن:

    وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرشد أمته إلى النوم على الجانب الأيمن، كما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلّفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"متفق عليه. وعن البراء بن عازب - رضي الله عنهما -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن"متفق عليه، وعن حفصة - رضي الله عنها - قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خده الأيمن رواه الطبراني، صحيح الجامع 4523. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: وفي اضطجاعه - صلى الله عليه وسلم - على شقه الأيمن سر، وهو أن القلب معلّق في الجانب الأيسر، فإذا نام على شقه الأيسر استثقل نوماً؛ لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم لقلق القلب وطلبه مستقره وميله إليه.
    6 - النوم على طهارة:

    تقدم حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة"متفق عليه، وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما من مسلم يبيت على ذكر طاهراً فيتعارّ من الليل، فيسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه"رواه أبو داود وأحمد، صحيح الجامع 5754. وجاء من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"طهّروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا بات معه في شعاره ملك، لا يتقلب ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك، فإنه بات طاهراً"رواه الطبراني، قال المنذري: إسناد جيد، صحيح الجامع 3831.
    7 - التبكير بالنوم:

    النوم بعد العشاء مبكراً وصية نبوية، وخصلة حميدة، وعادة صحية، ومما جاء في فضله حديث أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها"رواه البخاري، نقل الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض في قوله:"وكان يكره النوم قبلها"قال: لأنه قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها مطلقا، أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم قبل الصبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام الليل. وقال ابن رافع: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينِشّ الناس بدِرّته بعد العتمة ويقول: قوموا لعل الله يرزقكم صلاة. ومما يتعلق بالنوم: اختيار الفراش المناسب، وذلك بعدم المبالغة في حشو الفراش، وتليينه وتنعيمه لأن ذلك من أسباب كثرة النوم والغفلة، ومجلبة للكسل والدّعة، وثبت من حديث عائشة - رضي الله عنها -قالت: كانت وسادة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ينام عليها بالليل من أدم حشوها ليف. رواه أبو داود وأحمد، صحيح الجامع 4714. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن عمر بن الخطاب دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على حصير قد أثر في جنبه الشريف فقال عمر: يا نبي الله لو اتخذت فراشاً أوْثر من هذا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها. رواه أحمد والحاكم، صحيح الجامع 5545. وكان علي بن بكار - رحمه الله - تفرش له جاريته فراشه، فيلمسه بيده ثم يقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك ليلتي، ثم يقوم يصلي إلى الفجر. ومن ذلك عدم الإفراط في النوم والاستغراق فيه، قال إبراهيم بن أدهم: إذا كنت بالليل نائما، وبالنهار هائماً، وفي المعاصي دائماً، فكيف تُرضي من هو بأمورك قائماً؟
    8 - المحافظة على الأذكار الشرعية قبل النوم:
    فإن هذه الأذكار حصن حصين يقي بإذن الله من الشيطان، ويعين على القيام، ومن هذه الأذكار ما ثبت من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلّفه عليه، ثم ليضطجع على شقّه الأيمن، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"متفق عليه. وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما يقرأ"قل هو الله أحد"، و"قل أعوذ برب الفلق"، و"قل أعوذ برب الناس"، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات"متفق عليه. وعن أبي مسعود - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"متفق عليه. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوى إلى فراشه قال:"الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي له"رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -وقصة الشيطان معه قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي"الله لا إله إلا هو الحي القيوم"حتى تختمها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: صدقك وهو كذوب"متفق عليه. وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنته فاطمة - رضي الله عنها - لما جاءت إليه تطلب منه خادماً، فقال لها ولعلي: ألا أدلكما على خير لكما من خادم، إذا أويتما إلى فراشكما، فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فإنه خير لكما من خادم"متفق عليه. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"اقرأ: قل يا أيها الكافرون عند منامك، فإنها براءة من الشرك"رواه البيهقي، صحيح الجامع 1172. وعن حفصة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خده الأيمن وقال: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك"رواه أبو داود، صحيح الجامع 4532. وعن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا أتيت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متّ متّ على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول"متفق عليه. وينبغي كذلك أن يحافظ المسلم على الأذكار الشرعية عند الاستيقاظ، ومنها: ما ثبت من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره"رواه الترمذي والنسائي، صحيح الجامع 326. وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ ثم صلى قُبلت صلاته"رواه البخاري. قال الإمام ابن بطال: وعد الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن من استيقظ من نومه لَهِجا بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك، والاعتراف بنعمه بحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به بتسبيحه والخضوع له بالتكبير، والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه - سبحانه و تعالى -. وعن البراء بن عازب - رضي الله عنهما -قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا استيقظ من نومه قال:"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور"رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استيقظ من الليل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم ينظر إلى السماء ويقرأ العشر آيات الخواتم من سورة آل عمران:"إن في خلق السماوات والأرض …"الآيات. رواه مسلم، قال الإمام النووي: فيه استحباب مسح أثر النوم عن الوجه، واستحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم.
    9 - الحرص على نومة القيلولة بالنهار:

    وهي إما قبل الظهر أو بعده، فعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل"رواه الطبراني، الصحيحة 2647، قال إسحاق بن عبد الله: القائلة من عمل أهل الخير، وهي مجمة للفؤاد مَقْواة على قيام الليل. ومرّ الحسن البصري بقوم في السوق في وسط النهار فرأى صخبهم وضجيجهم، فقال: أما يقيل هؤلاء، فقيل له: لا، فقال: إني لأرى ليلهم ليل سوء.
    10 - اجتناب كثرة الأكل والشرب:

    فإن الإكثار منهما من العوائق العظيمة التي تصرف المرء عن قيام الليل، وتحول بينه وبينه كما جاء في حديث المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما ملأ آدمي وعاءا شرا من بطنه، حسْب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه"رواه الترمذي وابن ماجه، صحيح الجامع 5674. وعن أبي جحيفة - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل تجشأ في مجلسه: أقصر من جشائك، فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة"رواه الحاكم، صحيح الجامع 1190. قال سفيان الثوري: عليكم بقلة الأكل تملكوا قيام الليل. ورأى معقل بن حبيب قوماً يأكلون كثيراً، فقال: ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة. وقال وهب بن منبه: ليس من بني آدم أحب إلى شيطانه من الأكول النوام.
    11 - مجاهدة النفس على القيام:

    وهذا من أعظم الوسائل المعينة على قيام الليل؛ لأن النفس البشرية بطبيعتها أمارة بالسوء تميل إلى كل شر ومنكر؛ فمن أطاعها فيما تدعو إليه قادته إلى الهلاك والعطب، وقد أمرنا الله - تعالى - بالمجاهدة فقال:"وَجَاهِدُو ا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ"وقال سبحانه:"وَالَّذِ ينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" وقال - تعالى -:"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعً"وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"المجاهد من جاهد نفسه في الله"رواه الترمذي وابن حبان، الصحيحة 549. وفي حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الرجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عُقَد؛ فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله - عز وجل - للذين من وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه، ويسألني؛ ما سألني عبدي فهو له"رواه أحمد وابن حبان، صحيح الترغيب 627. قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين عاماً حتى استقامت لي. وقال ثابت البناني: كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة. وقال عمر بن عبد العزيز: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. وقال عبد الله بن المبارك: إن الصالحين فيما مضى كانت تواتيهم أنفسهم على الخير، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره؛ فينبغي لنا أن نكرهها. وقال قتادة: يا بن آدم إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا بنشاط، فإن نفسك إلى السآمة وإلى الفترة وإلى الملل أميل، ولكن المؤمن هو المتحامل.
    12 - اجتناب الذنوب والمعاصي:

    فإذا أراد المسلم أن يكون مما ينال شرف مناجاة الله - تعالى -، والأنس بذكره في ظلم الليل، فليحذر الذنوب، فإنه لا يُوفّق لقيام الليل من تلطخ بأدران المعاصي، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إني لا أقدر على قيام الليل؛ فصف لي دواء؟ فقال: لا تعصه بالنهار، وهو يُقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف. وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد إني أبِيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعِدّ طهوري؛ فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن: ذنوبك قيدتْك. وقال رحمه الله: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم مكبّل، كبلتك خطيئتك.
    13 - محاسبة النفس وتوبيخها على ترك القيام:

    فمحاسبة النفس من شعار الصالحين، وسمات الصادقين قال - تعالى -:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ". قال الإمام ابن القيم: فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء حتى على سمعه وبصره وقلبه كما قال - تعالى -:"إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا"؛ فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.
    وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله - تعالى -، وتجعله قادرا على التغلب على مغريات الحياة الفانية، وعلى مجاهدة النفس في وقت هدأت فيه الأصوات، ونامت العيون وتقلب النّوام على الفرش. ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة، وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله - تعالى -:"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ".
    وقيام الليل سنة مؤكدة حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على أدائها بقوله:"عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد"رواه الترمذي وأحمد.
    وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل"، وقد حافظ النبي - صلى الله عليه وسلم - على قيام الليل، ولم يتركه سفرا ولا حضرا، وقام - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حتى تفطّرت قدماه، فقيل له في ذلك، فقال:"أفلا أكون عبدا شكورا؟ "متفق عليه.
    وهكذا كان حال السلف الكرام عليهم رحمة الله - تعالى -؛ قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور. وقال أحمد بن حرب: عجبت لمن يعلم أن الجنة تزيّن فوقه، والنار تضرم تحته، كيف نام بينهما. وكان عمر بن ذر إذا نظر إلى الليل قد أقبل قال: جاء الليل، وللّيل مهابة، والله أحق أن يهاب، ولذا قال الفضيل بن عياض: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قومي خذي حظك من الآخرة. وقال الحسن: ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل، ونفقة المال، فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره.
    وكان نساء السلف يجتهدن في قيام الليل مشمرات للطاعة، فأين نساء هذه الأيام من تلك الأعمال العظام. قال عروة بن الزبير أتيت عائشة - رضي الله عنها -يوماً لأسلم عليها فوجدتها تصلي وتقرأ قوله - تعالى -:"فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ"تردد ا وتبكي، فانتظرتها فلما مللت من الانتظار ذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت إلى عائشة فإذا هي على حالتها الأولى تردد هذه الآية في صلاتها وتبكي. وفي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال لي جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة. رواه الحاكم، صحيح الجامع 4227. وقامت معاذة العدوية من التابعيات الصالحات ليلة زفافها هي وزوجها صلة بن أشيم يصليان إلى الفجر، ولما قتل زوجها وابنها في أرض الجهاد، كانت تحيي الليل كله صلاة وعبادة وتضرعاً، وتنام بالنهار، وكانت إذا نعست في صلاتها بالليل قالت لنفسها: يا نفس النوم أمامك. وكانت حبيبة العدوية إذا صلت العشاء قامت على سطح دارها، وقد شدت عليها درعها وخمارها، ثم تقول: إلهي، غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك، ثم تقبل على صلاتها ومناجاتها لربها إلى السحر، فإذا جاء السحر قالت: اللهم هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري هل قبلت مني ليلتي فأهني، أم رددتها علي فأعزي. وقامت عمرة زوج حبيب العجمي ذات ليلة تصلي من الليل، وزوجها نائم، فلما دنا السحر، ولم يزل زوجها نائماً، أيقظته وقالت له: قم يا سيدي، فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.
    نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)


    المحافظة على الصلاة في رمضان

    اللجنة العلمية




    كيف تقوم رمضان وأنت فرح مسرور؟


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد ..
    فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري ومسلم وابن عساكر والبغوي وصححه الألباني].
    وهذه جائزة كبرى لأن من لا ذنب له فلا عقوبة عليه، وقد سلمت له حسناته ومن جاء يوم القيامة ولا ذنب عليه فهو السعيد حقاً قال تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ} [آل عمران: 185].
    ولما كان قيام الليل والتهجد من أشق العبادات ومن أعظمها أجراً، فإنني جمعت بحمد الله مجموعة من التنبيهات التي تيسر لك القيام، بل قد تجعلك تقوم وأنت فرح مسرور سعيد، لا ترى أنك قد أُعطيت من قرة العين وفرحة القلب مثله.
    1 - تذكر أنك بحضرة الملك:

    تذكر وأنت تقوم في الصلاة أنك بحضرة الملك الذي تناجيه ويناجيك، ويذكرك حال ذكرك له، فإن الله سبحانه وتعالى قد قسم الصلاة بينه وبين عبده، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين: قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
    وتذكر أنك عندما تذكر الله في نفسك فإن الله يذكرك في نفسه، وتذكر أنك أقرب ما تكون من الله عندما تكون ساجداً، وإذا تذكرت ذلك كله علمت أنك في مقام القرب، ومن كان في مقام القرب تنزلت عليه الرحمات والبركات. فأي سعادة هذه لمن يستشعر هذا الشعور؟!

    2 - الصلاة أحسن عملك:

    لا عمل للإنسان قط أشرف وأنفع من الصلاة، فأما عمل الدنيا فركعتان يركعهما العبد خير له من الدنيا كلها وما فيها وهذه على الحقيقة واليقين فقدر أنك لو كنت في عمل دنيوي يدر عليك ألف ألف مليوناً في عشر دقائق، فإنك بصلاة ركعتين قد حزت أكبر من ذلك وأفضل آلاف الآلاف من المرات ولتكن موقناً بذلك.
    وأما عمل الآخرة فالصلاة أفضل العمل لقوله صلوات الله عليه وسلم: «الصلاة خير موضوع» [حسنه الألباني].
    3 - اتعب في الصلاة .. فالنصب مقصود:

    النصب في الصلاة مقصود ومحبوب للرب فانصب في صلاتك: طولَ قيامٍ، وطولَ ركوعٍ وسجود .. فإن الله لما أمر رسوله وأصحابه بقيام الليل قال لهم: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً () إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 5 - 6].
    فالتهجد وترك النوم ثقيل على النفس والقيام الطويل متعب، ولكن اعلم أن هذا مقصود ومحبوب عند الله تعالى.
    فلتحب ما يحب الله وقد قال الله لرسوله: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح: 7] أي إذا فرغت من عمل الدنيا فانصب في العبادة والنصب هو (التعب) ومن أجل ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه.
    4 - إذا نصبت في الصلاة فاذكر الأسوة:

    إذا نصبت في صلاتك فتذكر رسول الله الذي كان يقوم حتى تتفطر قدماه، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتذكر قيام الصحابة والسلف الصالح فقد أتوا في هذا الباب من العجائب، فكان منهم من يقرأ القرآن كله في ثلاث ليال فقط ويعيش على ذلك عمره كله ومن يختم في سبع، ومن يختم في عشر ... وكانوا كما قال تعالى: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17].
    وقال سبحانه وتعالى أيضاً {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعا} [السجدة: 16].

    5 - تفكر فيما تقول:

    يجب أن تصلي وأنت حاضر القلب تفكر فيما تقول وتتدبر ما تقرأ من القرآن، وما تسمع منه، وكان رسول الله عند قراءته لا تمر عليه آية فيها رحمة إلا وقف عندها وسأل الله، ولا تمر عليه آية فيها عذاب إلا وقف عندها واستعاذ بالله.
    فتدبر معاني التسبيح والتحميد والتكبير وكلمات تعظيم الرب وتمجيده وذكره.

    6 - أكثر من الطلب والدعاء:

    أنت بحضرة الملك وتناجي الرب الذي لا ينقصه عطاء ولا يثقله دعاء، والذي كلما سألته ازددت منه قرباً، ولك حباً فادع متضرعاً راجياً حاضر القلب موقناً بالإجابة.

    7 - لا تنتظر آخر السورة ومتى يركع الإمام:
    عش مع القراءة، واحيا مع القرآن، وتدبر ما تقرأ أو تسمع، وعند ذلك يسهل عليك الصلاة ولو بقيت الليل كله ولا تنتظر آخر السورة أو حتى يركع الإمام فإنك إن فعلت ذلك ثقلت عليك الصلاة.

    8 - لا تلتفت إلى شيء خارج الصلاة:

    فرغ قلبك من شغل الدنيا، ومن كل شيء سوى الصلاة واشتغل وأنت في الصلاة بالصلاة وحدها، وكلما نزعك الشيطان من الصلاة إلى شيء خارجها فذكرك أمراً ما فاستعذ بالله من الشيطان وعد إلى صلاتك ثانية. وجاهد نفسك في هذا جهاداً فإن الشيطان حريص كل الحرص أن يشوش عليك صلاتك ويذكرك ما لم تكن تذكره ويأخذك بعيداً عنها.

    9 - طهر فاك .. ونظف ثيابك .. وتعطر .. وخذ أحسن زينتك:

    لا تأت صلاة الليل إلا وأنت في أكمل الزينة، وأتم الطهارة والنظافة وأطيب رائحة تقدر عليها، بدءاً بتنظيف الفم بالسواك أو ما يقوم مقامه من فرشاة ومعجون، وإياك أن تصلي بفم ينبعث منه رائحة كريهة فإنك بهذا تؤذي المؤمنين وتؤذي الملائكة التي تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وبهذا تكون محل السخط لا محل الرضا والقبول. وخذ أحسن ما عندك من الثياب، وقد كان السلف يحتفظون بأفضل ما يقدرون عليه من الثياب لقيام العشر من رمضان. وتطيب بأحسن ما قدرت عليه من الطيب، واعلم أن هذا كله محبوب لله، محبوب لملائكته، والله نظيف يحب النظافة طيب لا يقبل إلا طيباً.
    وأعلم أن الاغتسال ونظافة الفم والثياب والطيب يشرح النفس ويبعث النشاط وبالتالي يسهل عليك الصلاة ويطيب لك القيام.

    10 - لا تصل وأنت حاقن أو حاقب أو جائع تشهى الطعام أو ناعساً يغلبك النوم:

    لا تأت الصلاة وهناك ما يشوش ذهنك ويصرف فكرك، وأعظم ما يشوش الذهن ويذهب الفكر أن تكون حاقناً. يدافعك البول، أو حاقباً، تدافع الغائط. أو جائعاً بحضرة طعام تشتهيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» [صححه الألباني] والأخبثان هما البول والغائط ....
    فيستحسن أن تستعد لصلاة القيام بالفراغ التام مما يشوش ذهنك، وبأن تتناول شيئاً من طعام يقيتك ولا يثقلك، وقد أخذت قسطاً من النوم استعداداً للقيام، واحتسب نومتك كما تحتسب قومتك.

    11 - اخشع في صلاتك:

    والخشوع يكون بسكون القلب وسكون الجوارح فاحبس قلبك في الصلاة واحبس جوارحك على حركة الصلاة فقط قياماً وركوعاً وسجوداً. ولتكن يداك حيث علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام والركوع والجلوس والسجود والتشهد، ولتكن عيناك ناظرة إلى موضع سجودك وفي جلوسك لا تتعدى ركبتك .. ولا تلتفت فإن الالتفات سرقة يسرقها الشيطان من صلاتك. فلا تجعل للشيطان حظاً من صلاتك.

    12 - رتل القرآن وصل خلف القارئ المُجيد:

    أمر الله رسوله أن يُرتل القرآن في صلاة الليل فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ?1? قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ?2? نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ?3? أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [سورة المزمل: 1 - 4]، وترتيل القرآن بتجويده وإحسان قراءته وتحسين الصوت به .. وقد بينه النبي بقوله: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» [قال النووي اسناده جيد]، وقال: «الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» [صححه الألباني]، وقال: «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» [رواه ابن تيمية]، فتغن بالقرآن في صلاة الليل أو صل عند من يحسن القراءة ويتغنى بالقرآن ويضبط أحكام قراءته، فإن هذا أبهج للنفس وأقوى على القيام.

    13 - أخلص عملك لله:

    وأعلم أن ملاك ذلك كله أن تقوم لله لا مرائياً بعملك، فإن المرائي لا يقدر من عمله على شيء، ولا يناله منه حسنة واحدة، ولم يستفد إلا نصبه وتعبه.



    14 - من كانت تنبعث منه رائحة كريهة فانصح له بالخروج من المسجد:

    قال صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس» [صححه الألباني]، وكانوا يُخرجون من المسجد من تُشم منه رائحة خبيثة.
    فإذا رأيت من هو كذلك فانصح له بالخروج من المسجد حتى لا يأثم ويؤذي عباد الله وملائكته.

    15 - ليلة القدر فرصة عُمر فلا تضيع منك:

    قيام ليلة القدر وحدها خير من قيام ليالي ألف شهر أي أنها أفضل من أن تقوم ليالي ثلاث وثمانين سنة وشهرين. وهذا فضل عظيم ... عظيم لا يتصور مقداره، وقد تضاعفت فيه الحسنات ثلاثين ألف مرة .. فإياك وإضاعة ذلك.
    وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتماً، وفي لياليها الوتر (21،23،25،27،29) كما جاء به الحديث وقد أعلم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم في المنام ثم لما خرج ليخبر الناس بها كان هناك رجلان يتلاحيان (يستبان سباً شديداً) فانشغل النبي بذلك فنسيها ثم قال صلى الله عليه وسلم هي في الليالي الوتر من العشر الأواخر.
    فاستيقظ لها وأيقظ أهلك، وحتى أولادك المميزين، واخرج لصلاة الليل فيها في أحسن ثيابك وأكمل هيئتك، وأحسن عطرك، وكأن هذا يوم عرسك، فإن السماوات كلها محتفلة والملائكة فيها نازلة، وجبريل في الأرض مع المؤمنين قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ?1? وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ?2? لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ?3? تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ?4? سَلَامٌ هِيَ حَتَّى? مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة الفجر: 1 - 5] والروح .. هو جبريل.
    فادخل هذا الحفل العظيم المشهود .. وفز بالجائزة الكبرى ..
    ولا رثاء ولا عزاء للضائعين والضائعات والغافلين والغافلات الذين آثروا الحياة مع الشهوات والتفاهات.
    16 - صل صلاة مودع كأنك تراه:

    من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم: «صل صلاة مودع كأنك تراه» [صححه الألباني]، والمعنى صل وأنت تظن أن هذه الصلاة هي آخر عهدك بالدنيا، وأنت مرتحل بعدها إلى الآخرة وصل كأنك ترى الله أمامك!!

    17 - صل قاعداً أو على جنبك إن كنت لا تستطيع القيام ولك أجر القائم:

    وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» [رواه البخاري وابن العربي والصعدي وصححه الألباني].

    18 - صل قاعداً في النفل وإن كنت تستطيع القيام ولك نصف أجر القائم:

    إذا كنت تستطيع القيام وأحببت أن تصلي قاعداً فلك نصف أجر القائم .... قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا، فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما، فله نصف أجر القاعد» [رواه البخاري وصححه الألباني].

    19 - لا تخجل أن تصليٍ قاعداً:

    فإن هذا الخجل يحرمك أجراً عظيماً. فإن كنت معذوراً لا تستطيع القيام فلك الأجر كاملاً وإن كنت تستطيع القيام وصليت في النفل جالساً فلك نصف الأجر فلا تحرم نفسك، ولا يمنعك الخجل من الناس من الأجر العظيم.

    20 - اجلس في المسجد وإن لم تستطع الصلاة:

    إذا لم تستطيع أن تصلي قائماً ولا قاعداً ولا مضطجعاً فاشهد المسجد ودعوة المسلمين فإن المكث في المسجد ولو بغير صلاة عبادة عظيمة فإن الملائكة تصلي على من جلس في المسجد بعد الصلاة تدعو له وتقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    المحافظة على الصلاة في رمضان

    اللجنة العلمية

    تربية الأولاد على الصلاة في رمضان!
    مقدمة:
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    أيها الأب الكريم؛ أيتها الأم الحنون؛ أيها المربي الفاضل:
    إنّ أولادنا أمانة عندنا، وهبها الله تعالى لنا، وكم نتمنى جميعاً أن يكونوا صالحين، وأن يوفقهم الله في حياتهم الدينية والدنيوية.
    وإنّ رمضان ظرفٌ مناسبٌ جداً لتدريبهم على الصلاح، وعلى الصلاة التي هي عنوان الصّلاح والفلاح!
    تذكَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم:
    «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» [رواه البخاري 893، ومسلم 1829]. وأولادنا سوف نُسأل عنهم!
    وتذكّر دعاء المؤمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَ ا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان: 74].
    وفي أسلوب معاملة أولادنا، يُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع» [رواه أحمد 20394، والترمذيّ 1951 وضعفه الألباني]. والقول المأثور: "لاعبوا أولادكم سبعاً، وأدّبوهم سبعاً، وصاحبوهم سبعاً"، ولنعلم أن أولادنا في حاجةٍ لأمور كثيرة، فهم في حاجة للحبّ وفي حاجة للتقدير وللحرية وللنجاح.
    أيها الأب الكريم؛ أيتها الأم الحنون:
    أنتم النماذج لأولادكم، وتذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» [رواه الترمذي 1376، وقال: حسن صحيح، والنسائي 3651]. فليكن هدفنا أن نجعل من أولادنا أفراداً صالحين!
    وتذكّروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق» [صححه الألباني].
    ومما لاشك فيه: أنَّ تربية الابن على الصلاة فريضة شرعية؛ لإعداد الفرد الصالح والأسرة الصالحة والمجتمع الصالح الذي يطلق عليه القران الكريم: (الأمة الوسط)، والتي حمّلَها ربُّ العالمين مسئولية إقامة الحياة على منهاجه وشريعته، لتكون نظاماً حياتياً شاملاً.

    كيف نربي أولادنا على الصلاة؟
    قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].
    أيها الأب، أيتها الأم:
    نعلم جميعاً مكانة الصلاة في الإسلام، فمن قول النبي صلى الله عليه وسلم: « ... وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ» [رواه أحمد 11884، والنسائي 3939 قال الألباني حسن صحيح].
    يتبيّنُ لنا: أن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، ووصية النبي صلى الله عليه وسلم عند الوفاة، وهي وصية للأمة كلها: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» [رواه أبو داود وصححه الألباني].
    لذلك يجب أن نعلم أن تعويد الطفل على الصلاة هدف حيوي في التربية الإيمانية للطفل، وتذكَّر بأن الطفولة ليست مرحلة تكليف، وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد، وصولاً إلى مرحلة التكليف عند البلوغ، فيسهل على الطفل أداء الواجبات والفرائض.
    مراحل الصلاة:
    أولاً: مرحلة تشجيع الطفل على الوقوف في الصلاة:
    ففي بداية وعي الطفل يطلب منه الوالدان الوقوف بجوارهما في الصلاة، رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا عرف الغلام يمينه عن شماله فمروه بالصلاة» [رواه أبو داود، والبيهقي وضعفه الألباني].
    ولنعلم جميعاً أن الأبناء في بداية طفولتهم قد يمرُّوا أمام المصلين ويجلسوا أمامهم وقد يبكون، فلا حرج على الوالد أو الوالدة في حمل طفلهم في الصلاة حال الخوف عليه، خاصّة إذا لم يكن بالبيت من يلاعبه، وليتذكّر الآباء أن صلاة الجماعة بالمسجد هي الأفضل، ومع ذلك فقد طالبنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأداء النوافل والمستحبات في المنزل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً» [رواه أحمد 13986، ومسلم 778]. وفي رواية: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً» [رواه البخاري 432، ومسلم 888]، فحينما يرى الطفل والده ووالدته يصليان فإنه سوف يقلدهم.
    ثانياً: أبناء مرحلة ما قبل السابعة:
    وهي مرحلة الإعداد للصلاة، وتشمل:
    - تعليم الطفل بعض أحكام الطهارة البسيطة: في أهمية التحرُّز من النجاسة، والاستنجاء وآداب قضاء الحاجة، وضرورة المحافظة على نظافة جسمه وملابسه، مع شرح علاقة الطهارة بالصلاة.
    - تعليم الطفل الفاتحة وبعض قصار السور استعداداً للصلاة.
    - تعليمه الوضوء وتدريبه على ذلك عمليّاً كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون مع أبنائهم.
    - وقبيل السابعة نبدأ بتعليمه الصلاة وتشجيعه على أن يصلي فرضاً أو أكثر يومياً مثل صلاة الصبح قبل الذهاب إلى الروضة أو إلى المدرسة، ولا نطالبه بالفرائض الخمس جملة واحدة قبل سن السابعة.
    - وتذكّر أيضاً: أهمية اصطحاب الطفل إلى صلاة الجمعة بعد أن تعلّمه آداب المسجد، فيعتاد الطفل على إقامة هذه الشعائر، ويشعر ببداية دخوله المجتمع واندماجه فيه.
    ثالثاً: مرحلة ما بين السابعة إلى العاشرة:
    ففي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» [رواه أبو داود 494، واللفظ له، والترمذي 407، والدارمي 1431 وحسنه لألباني].
    فيجب أن نعلّم الطفل هذا الحديث حتى يعرف أنه قد بدأ مرحلة المواظبة على الصلاة، ولهذا ينصح بعض المربين أن يكون يوم بلوغ الطفل السابعة حدثاً متميزاً في حياته، وقد خصّص النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات متواصلة لتأصيل أمر الصلاة في نفوس الأبناء، وتكرّر طلب الصلاة من الطفل باللين والرفق والحب, وبنظرة حسابية نجد أن عدد التكرار يصل خلال هذه الفترة إلى:
    عدد الصلوات / عدد الأيام / أعوام / المجموع ... 5 × 354 × 3 = 5310 صلاة.
    أيّ: أنَّ الوالدين سيذكّرون أولادهم ويدعونهم إلى الصلاة بقدر هذا العدد الضخم في هذه الفترة مع أول حياتهم، وهذا يوضح لنا أهمية التكرار في العملية التربوية، مع ما يناسب ذلك من بشاشة الوجه وحسن اللفظ.
    وفي هذه الفترة يتعلم الطفل أحكام الطهارة، وصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض الأدعية الخاصة بالصلاة، ونحثّه على الخشوع وحضور القلب، وقلة الحركة في الصلاة، ونذكر له حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنّ العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» [رواه أحمد 18415، وأبو داود 796، والنسائي 796 وصححه الألباني]. على أن نتدرّج معه في ذلك دون إكراه لصغر سنه.
    رابعاً: مرحلة الأمر بالصلاة والضرب عليها:
    من الضروري أن نكرّر دائماً في مرحلة السابعة على مسمع الطفل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حدد مبدأ الضرب بعد العاشرة تحذيراً من الانصياع وراء الشيطان، فإذا أصر بعد ذلك على عدم المداومة على الصلاة لابد أن يعاقب بالضرب، ولكن يظل الضرب معتبراً بالشروط التي حددها لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
    إذا نشأ الطفل في بيئة صالحة واهتم والداه بكل ما ذكرناه، وكانا قدوة له في المحافظة على الصلاة، فإنه من الصعوبة ألا يرتبط الطفل بالصلاة ويحرص عليها، خاصة مع التشجيع المعنوي والمادي.
    وفي هذه المرحلة (بعد العاشرة) يجب على الوالد -أو من يقوم بتربية الأولاد- أن يعلمهم أحكام صلاة الجماعة، وصلاة السنن مثل ركعتي الفجر والشفع والوتر.
    يجب الاهتمام بصلاتي الفجر والعشاء في هذه المرحلة، وإيقاظ الطفل لأداء صلاة الفجر بالمسجد حتى يتعوَّدها، ويكون الوالد قدوة لولده في ذلك، وتعويد الطفل على المداومة على كل الفرائض مهما كانت الأسباب، خاصّة أثناء الامتحانات: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. فإن فاتته صلاة ناسياً فليصلها متى تذكّرها، فإذا فاتته تكاسلاً فلنعلمه أن يسارع بالاستغفار، وأن يعمل من الحسنات كالصدقات من مصروفه، وغير ذلك من أعمال الخير؛ لعل الله تعالى أن يغفر له، وذلك كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» [رواه أحمد 20847، والترمذيّ 1987 وحسنه الألباني]. وحبذا لو أسهم المسجد في توفير النشاطات التي يجذب بها كقيام الليل، وحلقات القرآن، ودروس السيرة، والرحلات.
    وننبه بعد ذلك على الخطوات السابقة واتفاق الوالدين عليها وتعاونهما معاً من أجل أن يكونا قدوة للطفل، وعلى الوالدين أن يكثرا من هذا الدعاء: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ? رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40]، {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَ ا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

    نصائح للوالدين:
    (1) على الأب والأم أن يحرصا على أن يرى ابنهما فيهما دائماً يقظة الحسّ نحو الصلاة:
    أ- فمثلاً: إذا أراد ابنك أن يستأذن للنوم قبل العشاء، فليسمع منك وبدون تفكير أو تردد: "لم يبق على صلاة العشاء إلا خمس دقائق، نصلي معاً ثم ننام بإذن الله".
    ب- وإذا طلب الأولاد منكم الذهاب للنزهة أو زيارة أحد الأقارب وقت المغرب فليسمعوا منكم: "نصلي المغرب أولاً ثم نخرج".
    جـ- من وسائل إيقاظ الحس بالصلاة لدى الأولاد: أن يسمعوا منكم ارتباط المواعيد بالصلاة فمثلاً: "سنقابل فلان في صلاة العصر، وسيحضر لزيارتنا بعد صلاة المغرب".
    (2) نسأل الله العفو والعافية، إذا حدث أن مرض الصغير خاصة بعد سنّ العاشرة؛ فعلينا أن نعوّده أداء الصلاة حسب الاستطاعة، حتى ينشأ ويتعوّد أنّه لا عذر له في ترك الصلاة حتى إن كان مريضاً.
    (3) إذا كنت في سفر: فعليك أن تعلّم ولدك رخصة القصر والجّمع، وتعلمه نعمة الله في الرُّخص وأنَّ الإسلام تشريع مملوء بالرحمة.
    (4) تدرَّج في تعليم ولدك النوافل بعد أن تعلمه الفرائض.
    (5) اغرس في ولدك الشجاعة من أجل دعوة زملائه للصلاة، وألا يجد حرجاً في إنهاء مكالمة تلفونية، أو حديث مع شخص بالمدرسة أو النادي، أو غير ذلك من أجل أن يلحق بصلاة الجماعة في المسجد، وأيضاً اغرس فيه ألا يسخر من زملائه الذين يهملون الصلاة بل يحرص على دعوتهم إلى هذا الخير.
    (6) حاول أن تجلس مع زوجتك كل يوم جمعة، ولا تنس قراءة سورة الكهف، والإكثار من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والغدو المبكر لصلاة الجمعة، والإنصات للخطبة، ولبس أحسن الثياب؛ لينشأ الأطفال على هذا الخير.
    (7) احرص أن يحضر أولادك صلاة العيدين والاستسقاء فيتعلق أمر الصلاة بقلوبهم، وردّد أمامهم أنك صليت صلاة الاستخارة وسجدت سجود الشكر.
    (8) مكافأته على تحريه الدائم للحلال والحرام، وعلى التحلّي بالطاعات، لتعويده الإخلاص وتنمية ضميره الديني والخلقي، وتعريفه بما قاله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «إنّ للحسنة نوراً في الوجه، وضياءاً في القلب، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب» [رواه أحمد 10846].
    أي أنَّ علامة الطاعة أو المعصية التي عملت في الخفاء بعيداً عن رقابة الناس يظهرها الله على صاحبها في سلوكه بين الناس، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
    (9) مشاركته في ترديد أذكار اليوم والليلة ومتابعته فيها، وتعريفه بمعنى قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ? وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [سورة العنكبوت: 45]، وتعريفه أن الأدعية والأذكار والصلاة تحصن المسلم من كيد الشيطان: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَ?نِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، وتعريفه بأن الصلاة والذكر من أهم أسباب حفظ الإنسان.
    (10) تحبيبه في حفظ القران والأحاديث النبوية، ومتابعته في ذلك، وتعريفه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يجيء القرآن يوم القيامة؛ فيقول: يا رب حلّه، فيُلْبَس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب؛ زده. فيُلْبَس حلة الكرامة. ثم يقول: يا رب؛ ارض عنه. فيرضى عنه. فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة» [رواه الترمذيّ 2915، والدارميّ 3311 وحسنه الألباني].
    (11) استخدام كل الوسائل المباحة شرعاً لغرس الصلاة في نفوس أولادنا ومن ذلك:
    - المسطرة المرسوم عليها كيفية الوضوء والصلاة.
    - جداول الحصص التي تحث على الصلاة.
    - أشرطة الكاسيت والفيديو، وبرامج الكمبيوتر التي تعلّم الوضوء والصلاة وغيرها.
    (12) اهتم وأنت تعلم أولادك بالآتي:
    - ترديد الأذان مع المؤذن والدعاء بعده.
    - دعاء الخروج من المنزل لأداء الصلوات.
    - دعاء دخول المسجد والخروج منه.
    - دعاء دخول الخلاء لقضاء الحاجة، وكذا الخروج.
    - التسبيح بعد كل صلاة.
    وغير ذلك من الأمور المبينة في شرح الصلاة وفرائضها وسننها وأعمالها القلبية.
    كما يجب تحذير الابن من أداء الصلاة بطريقة نقر الغراب، أو سرقة الصلاة، ويجب تذكيره بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أسوأ الناس: سرقة الذي يسرق من صلاته! قالوا: يا رسول الله؛ وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها. أو قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» [رواه أحمد 22136، والدّارمي 1328]. كما يجب أن نبين لهم حرمة ترك الصلاة وعقوبة تاركها.
    كيف نعامل أطفالنا؟
    - لقد حثَّ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على استخدام الرّفق في كل شيء فقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [رواه أبو داود 4941، والترمذيّ 1924 وصححه الألباني].
    - على كل من يوجه الأطفال أن يجتنب كثرة الأوامر.
    - يجب أن يُثاب الطفل على السلوك الطيب بجوائز معنوية مثل إظهار الرضى، وأن يُثاب كذلك بجوائز أخرى مادية.
    - في حال وقوع الطفل في خطأ: فلابد أن يُنبه على خطئه برفق ولين، ويتم تصحيحه، وألا نقول له: "إنك أخطأت"، ولكن نقول: "هذا الفعل خطأ".
    أما إذا تكرَّر الخطأ عدة مرات فيمكن حرمانه من بعض ما يحب، فإذا استمر فيمكن اللجوء إلى أسلوب الزّجر ولكن دون إهانة أو تحقير وبخاصة أمام الأقارب والأصدقاء، لأن ذلك يؤدّي إلى الشعور بالنقص.

    العقوبة البدنية:
    ونتيجتها سريعة فهي تؤدي إلى نظام ظاهري سطحي يخدع، يغري الوالد بسرعة اللجوء إليها، وهذا خطأ، ولكن إذا استخدمها الأب فهناك شروط:
    1 - الضرب للتأديب كالملح للطعام، لابد أن يكون قليلاً حتى لا يفقد قيمته.
    2 - أن يكون غير شديد وغير مؤذٍ.
    3 - لا تضرب وأنت في حالة غضب شديد خوفاً من إلحاق الضرر بالولد.
    4 - تجنّب الأماكن الحساسة كالرأس والوجه والصدر والبطن.
    5 - لا تزد الضربات على ثلاث إذا كان الولد دون الحلم.
    6 - قم بذلك بنفسك ولا تتركه لأحد.
    7 - من الخطأ عدم إيقاع العقاب بعد التهديد.
    8 - يجب نسيان ما يتعلق بالذّنب بعد توقيع العقوبة مباشرة.
    9 - لا ترغم الطفل على الاعتذار بعد توقيع العقوبة مباشرة.
    10 - يجب ألا نطلب من الطفل أو نرغمه على عدم البكاء بعد العقوبة؛ لأنه ربما يبكي لإحساسه بالألم.

    وصايا:
    أيها المربي الكريم نوصيك بهذه الوصايا:
    - عرّفوا أولادكم بين يدي من سيقفون؟!، إنهم سيقفون بين يدي العليم الخبير الذي لا يغفل ولا ينام.
    - أعينوا أولادكم على الخشوع وعلى تقوى الله.
    - أرشدوهم إلى الإخلاص لله، لأنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.
    - طهّروا أرزاقكم، ولا تطعموا أولادكم إلا من الرّزق الحلال، فإن الجسد الذي ينبت من حرام فالنار أولى به.
    - اقرأ القران، وعلّم ولدك حسن تلاوته، واشرح له المعاني التي اشتمل عليها.
    - ذكّر ولدك بنعم الله، واجعله يفكر في آياته في السماء وفي الأرض وفي النفس وفي كل ما حوله.
    - اغرس في ولدك الأخلاق، فإنها أساس هذا الدين بعد الإيمان، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» [رواه أحمد 8729].
    - ليعلم الوالدان أن الضمير الخلقي للأولاد يتشكل منذ الطفولة المبكرة، وأنه يتكون من مشاعره حول ما هو حلال وما هو حرام، وما هو شر وما هو خير.
    - إنّ الطفل منذ سن مبكرة يحتاج إلى الضبط والتوجيه من الكبار بعيداً عن القسوة والتدليل، لأنه في هذه السن يكون حريصاً على طاعة الكبار، لأن رضاه عن نفسه يتوقف على شعوره برضى الكبار عنه وحبهم له، فنجده يتقبّل القيم الخلقية دون مناقشة، إرضاءاً لوالديه وأصدقائه والكبار حوله، وبذلك يتكون ضميره الخلقي، أما قرب البلوغ فإنه لا يقبل أي مبدأ إلا بعد مناقشته والاقتناع به.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)


    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية





    الشَّريعة الإسلاميَّة تقوم على التَّيسير ورفع الحرج

    يدلُّ على ذلك:
    أولاً: من القرآن الكريم:
    قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة:185)، قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله: "فهذه الآية أصل القاعدة الكبرى التي تقوم عليها تكاليف هذه الشريعة".
    ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: "لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة:284) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الرُّكَب، فقالوا: أي رسولَ الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نُطيق: الصلاةِ والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآيةُ ولا نُطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتُريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا!؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير!) قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلمَّا اقترأها القومُ ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة:285) فلمَّا فعلوا ذلك نسخها اللهُ تعالى فأنزل الله عز وجل! فأنزل الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: نعم! {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: نعم! {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: نعم! {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: نعم"!، وفي روايةٍ "قال: قد فعلتُ"!
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتأمل قول الله عزّ وجل: {إلا وُسعَهَا} كيف تجد تحته أنّهم في سَعَةٍ ومنحة من تكاليفه، لا في ضيقٍ وحرجٍ ومشقة، فإنّ الوُسع يقتضي ذلك، فاقتضت الآية أنّ ما كلّفهم به مقدور لهم من غير عسرٍ ولا ضيقٍ ولا حرج عليهم".
    وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (الحج:78).
    يقول ابن كثير: "أي ما كلّفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشقّ عليكم، إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً".
    يقول الإمام الشاطبي: "إنّ الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمَّة بلغت مبلغ القطع".
    ثانياً: من السنة المطهّرة:
    سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الأديانِ أحبُّ إلى الله؟ قال: "الحنيفيّة السّمحة"، قال الشَّاطبيُّ: "وسُمِّي أي الدِّين بالحنيفية، لما فيها من التَّيسير والتّسهيل".
    وروى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "إنّ الدّينَ يُسرٌ، ولن يُشادّ الدّينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغُدوة والرَّوحة، وشيء من الدُّلجة". وعن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفّروا).
    وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ).
    وقالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيِّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً".
    وقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشُقّ على المؤمنين -وفي رواية: على أمَّتي- لأمرتهم بالسِّواك عند كلّ صلاة)، وقد ورد بهذا الأسلوب أحاديث كثيرة.
    وبالجملة كما يقول الشيخ صالح السدلان: "من تتبع الشريعة الغراء في أصولها وفروعها يجد ذلك واضحاً جلياً في العبادات والمعاملات والحقوق والقضاء والأحوال الشخصية، وغير ذلك مما يتصل بعلاقة الخلق بخالقهم وعلاقة بعضهم ببعض، بما يضمن سعادتهم في الدُّنيا والآخرة".



    موجزٌ عن أصحاب الأعذار وما يجب عليهم
    الحمد لله رب العالمين، شرع فيسّر {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج 78]
    والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه خير القرون، ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
    فإننا نبين الذين يجوز لهم الإفطار في شهر رمضان وما يجب عليهم، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، وعلى الذين} [البقرة 185] في هاتين الآيتين الكريمتين وجوب الصيام على كل مسلم عاقل، خال من الموانع، أدرك شهر رمضان، فيلزمه الصيام أداء في شهر رمضان أو قضاءً إن لم يتمكن من الصيام أداءً لعذر من الأعذار الشرعية، وأصحاب هذه الأعذار الذين يرخص لهم في الإفطار هم:
    1 ـ المريض الذي يشق عليه الصيام فيستحب له أن يفطر أخذا بالرخصة، وذلك إذا كان الصوم يضره أو يؤخر برأه أو يضاعف عليه المرض.
    2 ـ المسافر الذي حل عليه شهر رمضان وهو في سفر أو أنشأ سفرا في أثناء الشهر تبلغ مسافته ثمانين كيلو متراً فأكثر، وهي المسافة التي كان يقطعها الناس على الأقدام وسير الأحمال في مدة يومين قاصدين، فهذا المسافر يستحب له أن يفطر سواء شق عليه الصيام أو لم يشق، أخذا بالرخصة، وسواء كان سفره طارئاً أو مستمرا كسائق سيارة الأجرة الذي يكون غالب وقته في سفر بين البلدان، فهذا يفطر في سفره ويصوم في وقت إقامته، وإذا قدم المسافر إلى بلده أثناء النهار وجب عليه الإمساك بقية اليوم ويقضيه كما سبق، وإن نوى المسافر في أثناء سفره إقامة تزيد على أربعة أيام فإنه يلزمه الصوم وإتمام الصلاة كغيره من المقيمين، لانقطاع أحكام السفر في حقه، سواء كانت إقامته لدراسة أو لتجارة أو غير ذلك، وإن نوى إقامة أربعة أيام فأقل، أو أقام لقضاء حاجة لا يدري متى تنقضي فله الإفطار لعدم انقطاع السفر في حقه.
    3 ـ الحائض والنفساء، يحرم عليهما الصوم مدة الحيض والنفاس، لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنا نؤمر بقضاء الصوم" [لما سألتها امرأة فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة " أخرجه البخاري رقم 321، ومسلم رقم 335/69]، ويحرم على الحائض أن تصوم في وقت الحيض بالإجماع.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ثبت بالسنة وإجماع المسلمين أن الحيض ينافي الصوم، فلا يحل مع الحيض أو النفاس.
    ومن فعلته منهن حاله لم يصح منها، قال: وهو وفق القياس، فإن الشرع جاء بالعدل في كل شيء، فصيامها وقت خروج الدم يوجب نقصان بدنها وضعفها، وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض فيكون صومها ذلك صوما معتدلا، لا يخرج فيه الدم الذي يقوي البدن الذي هو مادته بخلاف المستحاضة، ومن ذرعه القيء مما ليس له وقت يمكن الاحتراز منه فلم يجعل منافيا للصوم.
    4 ـ والمريض مرضا مزمنا لا يرجى برؤه ويعجز معه عن الصيام عجزا مستمرا، فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا بمقدار نصف صاع من البر وغيره وليس عليه قضاء.
    5 ـ والكبير والهرم الذي لا يستطيع الصوم فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه [إذا كان عقله باقيا أما إذا لم يكن عنده عقل ولا فكر فلا شيء عليه].
    6 ـ الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو على ولديهما من ضرر الصيام، فإن كلا منهما تفطر وتقضي قدر الأيام التي أفطرتها، وإن كان إفطارها خوفا على ولدها فقط أضافت مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم، والدليل على إفطار المريض المزمن والكبير الهرم والحامل والمرضع قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة184] كما فسرها ابن عباس رضي الله عنهما بذلك.




    أحكام صيام كبير السّن

    -(متى عجز الكبير عن الصيام سقط عنه وانتقل إلى الإطعام، وعليه يُحمل قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين} البقرة: ١٨٤!
    فإن بلغ سنا لا عقل ولا معرفة لديه سقط عنه على الصحيح إلى غير بدل؛ لإلحاقه بمن رُفع عنه القلم، فهو أولى بالسقوط عن الصغير. )
    [ابن جبرين: فتاوى الصيام ]

    من أسباب الفطر في رمضان كبر السن، فكبير السن الذي لا يستطع الصيام أو يشق عليه ذلك مشقة غير معتادة بصفة مستمرة يجوز له الفطر وتجب عليه الفدية.
    وقد أجمع أهل العلم على عدم وجوب الصيام على المسن الذي يشق عليه ذلك مشقة غير معتادة بحيث تجهده أو يتضرر منها بالهلاك أو المرض، واختلفوا في الواجب عليه.
    قال الكاساني: " وكذا كبر السن، حتى يباح للشيخ الفاني، أن يفطر في شهر رمضان؛ لأنه عاجز عن الصوم ".
    قال القاضي عبدالوهاب: " إن الشيخ الهرم لا يلزمه الصوم لأنه يضعف عنه ويؤدي إلى تلفه، وذلك سقط للتكليف عنه، وإنما قلنا لا إطعام عليه، خلافا لأبي حنيفة والشافعي، لأنه مسوغ له الفطر كالمريض".
    قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: " وأجمعوا على أن المشائخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام، أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا".
    قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجز عن الصوم أن يفطروا".
    وقال ابن قدامة: " أن الشيخ الكبير والعجوز إذا كان يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا...".
    و تدل على ذلك الأدلة الآتية:
    1- قول الله سبحانه وتعالى: âŸwß#Ïk=s3リ!$#$²¡ø ÿtRžw&#206$ygyèó™ã"صل ى الله عليه وسلم"á.
    2- â$tBu"صلى الله عليه وسلم"Ÿ@yèy_ö/ä3ø‹n=tæ’ÎûÈûïÏd 9$# ô`ÏB8lu�xmá.
    3- وقوله سبحانه وتعالى: â߉ƒÍ�リ!$#ãNà6 /u�ó¡ãŠø9$#Ÿwu"صلى الله عليه وسلم"߉ƒÍ�ãƒãNà 6Î/uŽô£ãèø9$#á.
    فهذه الآيات تدل على أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف أحداً بما لا يستطيع أداءه من العبادات، وأن الحرج مرفوع في الدين، وأن الله تعالى يريد بالمكلفين اليسر ولا يريد بهم العسر، فإذا كان المسن يشق عليه الصيام مشقة شديدة فلا يجب عليه الصوم بدلالة هذه الآيات الكريمات.
    4- وقوله سـبحانه وتعـالى: â `yJsù šc%x. Nä3ZÏB $³ÒƒÍ�£D ÷"صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"& 4’n?tã 9�xÿy™ ×o£‰Ïèsù ô`ÏiB BQ$§ƒ"صلى الله عليه وسلم"& u�yzé& 4 ’n?tãu"صلى الله عليه وسلم"šúïÏ%©!$# ¼çmtRqà)‹ÏÜム×ptƒô‰Ïù ãP$yèsÛ &ûüÅ3ó¡ÏB á.
    وجه الاستدلال: استدل العلماء بالآية الكريمة على عدم وجوب الصيام على المسن العاجز عنه من وجهين:
    الأول: أن المراد بالآية الكريمة الذين لا يطيقون الصوم، أي لا يستطيعون الصوم، فلهم الإفطار وعليهم فدية طعام مسكين، على تقدير حرف «لا»، وقد جاءت نظائر هذا التقدير في كتاب الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: â ßûÎiüt6ムª!$# öNà6s9 b"صلى الله عليه وسلم"& (#q�=ÅÒs? 3 ª!$#u"صلى الله عليه وسلم"Èe@ä3Î/ >äóÓx« 7OŠÏ=tæ á.
    أي: لئلا تضلوا.
    وقوله تعالى: â $uZù=yèy_u"صلى الله عليه وسلم"’Îû ÇÚö‘F{$# zÓÅ›¨u"صلى الله عليه وسلم"u‘ b"صلى الله عليه وسلم"& y‰ŠÏJs? öNÎgÎ/ á .
    أي: لئلا تميد بهم.
    والثاني: أن هذه الآية الكريمة خاصة بالشيخ الكبير والمرأة المسنة اللذان لا يستطيعان الصيام، فلهما أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكيناً.
    قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً».
    4- وقوله سبحانه وتعالى: â`yJsùšc%x.Nä3ZÏB$³Òƒ �£D÷"صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"&4’n?tã9�xÿy™ ×o£‰Ïèsùô`Ïi BBQ$§ƒ"صلى الله عليه وسلم"&u�yzé&4’n?tãu" صلى الله عليه وسلم"šúïÏ%©!$#¼çmtR qà)‹ÏÜ&#227 ;ƒ×ptƒô‰ÏùãP$yèsÛ& üÅ3ó&# 161;ÏBá.
    وجه الاستدلال: أن الآية الكريمة تدل على جواز الفطر لمن يستطيع الصوم مع المشقة الشديدة؛ لأن الطاقة هي أن يقدر الإنسان على الشيء مع الشدة والمشقة، فمن كان يقدر على الصوم مع المشقة الشديدة يجوز له الفطر.
    وأخرج ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال في تفسير هذه الآية الكريمة: " من لم يطق الصوم إلا على جهد فله أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، والحامل والمرضع، والشيخ الكبير، والذي به سقم دائم".
    4-ما رواه الحسن البصري وإبراهيم النخعي -رحمهما الله تعالى- أن
    أنس بن مالك رضي الله عنهما لما كبر أطعم عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر عاماً أو عامين.
    5-أن المسن الذي يشق عليه الصيام مشقة شديدة، لا سبيل لرفع المشقة والحرج عنه إلا الفطر فيجوز له ذلك.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية

    أحكام صيام المريض

    -الأعذار نوعان:
    إما : عذرٌ يرجى زواله (فيه القضاء)
    أو عذر لا يُرجى زواله (فيه الإطعام)!
    وغير القادر ينقسم إلى قسمين:
    القسم الأول: أن يكون عجزه عن الصوم مستمراً دائماً كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، فهذا يطعم عن كل يوم مسكيناً، فإذا كان الشهر ثلاثين يوما أطعم ثلاثين مسكيناً، وإذا كان الشهر تسعة وعشرين يوماً أطعم تسعة وعشرين مسكيناً، .....
    أما القسم الثاني من العجز عن الصوم: فهو العجز الذي يرجى زواله وهو العجز الطارئ، كمرض حدث للإنسان أثناء الصوم، وكان يشق عليه أن يصوم، فنقول له: أفطر واقض يوماً مكانه؛ لقول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعِدّةٌ من أيّامٍ أخر} البقرة: ١٨٤
    [فقه العبادات ــ لابن عثيمين].
    -(والمرض المبيح للفطر عند جمهور السلف والأئمة، هو ما يؤدي الصوم معه إلى ضرر فى النفس أو زيادة فى العلَّة أو إبطاء فى البرء وانما أبيح الفطر للمرض دفعا للحرج والمشقة وقد بنى التشريع الإسلامى على التيسير والتخفيف)!
    و(معرفة حد المرض المبيح للفطر كما فى فتح القدير وغيره: تكون باجتهاد المريض، والاجتهاد غير مجرد الوهم والتخيل، بل هو غلبة الظن عن أمارة أو تجربة أو إخبار طبيب مسلم حاذق غير معروف بما يُنافى العدالة.
    والأمارة هى العلامة الظاهرة التى تنذر بالضرر، والتجربة هى تكرُّر وقوع ذلك عند اتحاد المرض فاذا تحقق ما ذكر جاز للمريض الفطر ووجب عليه قضاء ما أفطره بعد زوال العذر فاذا مات، وهو على هذه الحالة لم يلزمه القضاء لعدم إدراكه عدة من أيام آخر ولا فدية عليه مادام يرجى أن يبرأ من مرضه!
    أما اذا تحقق اليأس من الصحة، كالمرضى المصابين بأمراض مستعصية شاقة فيجب عليه الفدية اذا أفطر كما ذكره الكرمانى وقال: (فيندرج فى ذلك أمراض السل والقرحة المعوية والقرحة الإثنا عشرية والحميات القلب والكبد والمرارة وسائر الأمراض الشاقة التى يعسر معها الصوم ويفضي إلى تفاقمها أو تأخر برئها أو فساد عضو فى البنية .

    المرض هو السقم، وهو نقيض الصحة، أو هو خروج الجسم عن حالة الاعتدال التي تعني قيام أعضاء البدن بوظائفها المعتادة، فما يعوق الإنسان، عن ممارسة أنشطته الجسدية، والعقلية، والنفسية، بصورة طبيعية.
    والأمراض مختلفة في ذاتها، فمنها المرض الخفيف: كالصداع، والزكام الخفيف، ومنها الشديدة والخطيرة والمزمنة، كما أنها تختلف بحسب الأبدان التي تصاب بها، فقد ينقلب الزكام الخفيف إلى مرض شديد وخطير على الحياة إذا أصيب به الشيخ الطاعن، أو الرضيع الهزيل فالأمر نسبي وليس فيه مقياس ثابت ولا قاعدة مطردة وإنما العبرة بواقع كل شخص وبطاقته وقوة تحمل.
    والمرض الذي يعتبر من أسباب التيسير والتخفيف، هو المرض الذي يؤثر على المكلف بالعجز جزئياً أو كلياً، أو يخشى منه الزيادة في المرض، أو تأخر في البرء.
    وقد وضح أهل العلم ضابطاً للمرض المبيح للتخفيف وهو أن: " المريض إذا خشي من الإتيان بالمطلوبات الشرعية على وجهها ضرراً من أهم تسديد أو زيادة مرض، أو تأخر برء، أو فساد عضو أو حصول تشويه فيه، فإنه يعدل إلى الأحكام المخففة".
    ينبغي للمريض الصبر واحتساب الأجر على ما يصيبه، قال الله تعالى: ] إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب [ وقال تعالى]وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الـْمُجَاهِدِين َ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ َخْبَارَكُم [وقال تعالى] مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِير * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور [وقال تعالى] مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ [وقال تعالى] وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الـْخَوفْ وَالـْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الـْمُهْتَدُون [ وقال تعالى] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين [.
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ... والصبر ضياء "، وعن صهيب رضي الله عنه ،قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كله خير،وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن،إن أصابته سرّاءُ شكر فكان خيراً له،وإن أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيراً له".
    و عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: " ما يصيب المسلم من نصبٍ، ولا وصبٍ، ولا همٍّ، ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه".
    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يصيبه أذىً: من مرضٍ فما سواه إلا حَطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها ".
    وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها إلا كُتب له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة".
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يرد الله به خيراً يُصِبْ منه".
    وعن أنس رضي الله عنه يرفعه: " إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء و إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط".
    وعن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه ، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: " الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة".
    والمسلم يسأل الله العفو والعافية ولا يسأله البلاء، فإذا حصل له شيء صبر واحتسب؛لحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبيصلى الله عليه وسلمقال على المنبر: " سلوا الله العفو والعافية؛فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقين خيراً من العافية".
    وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله ؟ قال: " سل الله العافية " فمكثت أياماً ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ فقال لي: " يا عباس يا عمَّ رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والآخرة".
    المرض نوعان :
    النوع الأول: المرض الذي يُرجى برؤُه ، فهذا النوع من المرض من أسباب جواز الفطر، فرخص الله سبحانه وتعالى للمصاب بهذا النوع من المرض في الفطر، وأوجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ قال الله تعالى: ] أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [وقال تعالى:] فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ .
    والمريض في شهر رمضان له ثلاث حالات:
    الحالة الأولى: أن لا يَشقَّ عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم؛ لأنه ليس له عذر يبيح له الفطر.
    الحالة الثانية:أن يشق عليه الصوم ولا يضره، فيفطر، ويكره له الصوم مع المشقة؛ لأنه خروج عن رخصة الله تعالى، وتعذيب لنفسه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب أن تُؤتَى رخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته ".
    قال ابن حزم رحمه الله: " واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام أنه يجزِئه، واتفقوا على أن من آذاه المرض وضَعُف عن الصوم فله أن يفطر".
    الحالة الثالثة: أن يضرَّهُ الصوم، فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم؛ لقول الله تعالى:]وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[وقال تعالى:] وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ ؛ ولقول سلمان لأبي الدرداء:"...إن لربِّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه" فأتى النبيصلى الله عليه وسلمفذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " صدق سلمان "، ومن حق النفس على المسلم أن لا يضرَّها مع وجود رخصة الله تعالى؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار ".
    وإذا حدث له المرض في أثناء يوم من أيام رمضان وهو صائم وشقَّ عليه إتمامه جاز له الفطر؛لوجود المبيح للفطر.
    وإذا برئ في نهار رمضان وقد أفطر أول النهار للعذر لم يصح صومه ذلك اليوم؛لأنه كان مفطراً أول النهار؛لأن الصوم لا يصح إلا بنية قبل طلوع الفجر،ثم الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
    وينبغي له الإمساك بقية يومه ويجب عليه القضاء بعدد الأيام التي أفطرها؛ لقول الله تعالى: ] فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [.
    وإذا ثبت عن طريق طبيب مسلم حاذق موثوق بدينه وأمانته أن الصوم يسبب له المرض أو يزيد مرضه، ويؤخر بُرْأَه ؛ فإنه يجوز له الفطر، محافظةً على صحته، واتقاءً للمرض، ويقضي عن هذه الأيام التي أفطرها .
    قال العلامة ابن قدامة: " والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي يخاف زيادة المرض في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفاً مما يتجدّد بصيامه من زيادة المرض، وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه".
    النوع الثاني: المرض الذي لا يرجى برؤه، فإذا ثبت أن المرض لا يرجى زواله وذلك عن طريق طبيب مسلم حاذق ثقة ؛ وأنه يضر معه الصوم ؛ فيجوز للمريض في هذه الحالة الفطر، لقول الله تعالى: ] فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ [ ولقوله تعالى: ]لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [ .
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية

    أحكام صيام المسافر


    - (الحمد لله: الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين، سواء كان سفر حج، أو جهاد، أو تجارة أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.
    وتنازعوا في سفر المعصية، كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك، على قولين مشهورين، كما تنازعوا في قصر الصلاة.
    فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة: فإنه يجوز فيه الفطر مع القضاء باتفاق الأئمة، ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادراً على الصيام أو عاجزاً، وسواء شق عليه الصوم، أو لم يشق، بحيث لو كان مسافراً في الظل والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر. .....)
    [مجموع فتاوى ابن تيمية].
    - ( ويفطر من عادته السفر، إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم، وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين، ونحوهم. وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه. ، فأما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافراً فهذا لا يقصر، ولا يفطر. )
    [مجموع فتاوى ابن تيمية].
    - (مَن يقصد بسفره التحيل على الفطر، فلا يجوز له الفطر؛ لأن التحيل على فرائض الله لا يسقطها)‏.‏ [مجموع فتاوى ابن عثيمين]
    - ينطبق حكم السفر على سائقي الشاحنات الذين يسوقون خارج المدن
    [مجموع فتاوى ابن عثيمين]
    - إذا قدم المسافر المفطر من سفر فليس عليه الإمساك في يومه و عليه القضاء
    [الشرح الممتع]
    - لا حرج عليه في ذلك [أن يسافر الصائم من بلده الحار إلى بلد بارد أو إلى بلد نهاره قصير ] إذا كان قادراً على هذا الشيء، فإنه لا حرج أن يفعل؛ لأن هذا من فعل ما يخفف العبادة عليه، وفعل ما يخفف العبادة عليه أمر مطلوب. ، "وقد كان النبي "صلى الله عليه وسلم"يصب على رأسه الماء من العطش أو من الحر وهو صائم". انظر: أبو داود (2365)، وأحمد (15903). .... وعلى هذا: فلا مانع من أن يبقى الصائم حول المكيف، وفي غرفة باردة، وما أشبه ذلك)
    [مجموع فتاوى ابن عثيمين]
    - حكم صيامه [المعتمر] أنه لا بأس به، وقد سبق لنا قبل قليل أن المسافر إذا لم يشق عليه الصوم فالأفضل أن يصوم، وإن أفطر فلا حرج عليه، وإذا كان هذا المعتمر يقول: إن بقيت صائماً شق عليّ أداء نسك العمرة، فأنا بين أمرين: إما أن أؤخر أداء أعمال العمرة إلى ما بعد غروب الشمس وأبقى صائماً، وإما أن أفطر وأؤدي أعمال العمرة حين وصولي إلى مكة، فنقول له: الأفضل أن تفطر وأن تؤدي أعمال العمرة حين وصولك إلى مكة؛ لأن هذا ــ أعني أداء العمرة من حين الوصول إلى مكة ــ هذا هو فعل رسول الله "صلى الله عليه وسلم".
    [ابن عثيمين ــ فقه العبادات]

    السُّفْر جمع سافر، والمسافرون جمع مسافر، والسفر والمسافرون،بمعن ىً. وسُمِّيَ المسافر مسافراً؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه،ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء،وسُمِّيَ السفر سفراً؛لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيُظهِر ما كان خافياً منها.
    فظهر أن السفر:قطع المسافة، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال،ومنه قولهم:سفرت المرأة عن وجهها:إذا أظهرته،والسفر:ه الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصداً مكاناً يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة.
    وقيل: السفر لغة: قطع المسافة.
    والسفر شرعاً: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل، ومشي الأقدام. والمسافر: هو من قصد سيراً وسطاً ثلاثة أيام ولياليها وفارق بيوت بلده.
    والسفر من أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية لاسيما في مجال العبادات، قال الله سبحانه وتعالى: "صلى الله عليه وسلم"     "صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"  .
    وقال تعالى:"ص ى الله عليه وسلم" "صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"   "صلى الله عليه وسلم" .
    ومن الأحكام المخففة في السفر الطويل: جواز المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، وقصر الصلاة الرباعية المفروضة، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً عند جمهور الفقهاء، والفطر في رمضان من أجل السفر والقضاء في أيام أخر.
    وأما السفر القصير، وهو مطلق الخروج عن بلد الإقامة، فمن أحكامه جواز ترك الجمعة والجماعة، والتنقل على الدابة، وجواز التيمم.
    أنواع السفر :
    1- سفرٌ حرامٌ، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله، أو حرمه رسوله "صلى الله عليه وسلم"، مثل:من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات،وقطع الطريق،أو سفر المرأة بدون محرم.
    2- سفر واجب، مثل السفر لفريضة الحج،أو السفر للعمرة الواجبة،أو الجهاد الواجب.
    3- سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع.
    4- سفر مباح،مثل:السفر للتجارة المباحة،وكل أمر مباح.
    5- سفر مكروه،مثل:سفر الإنسان وحده بدون رفقة، إلا في أمر لا بد منه؛ لقول النبي "صلى الله عليه وسلم":" لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحده" .
    فهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيحرم على كل مسلم أن يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمَّد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والسفر المستحب، والمباح، وله أن يأخذ برخص السفر من: الفطر في شهر رمضان، وقصر الصلاة، وغير ذلك من الرخص التي شرعها رسول الله "صلى الله عليه وسلم".
    اختلف العلماء رحمهم الله في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر، من: الفطر في رمضان، والقصر، والجمع، وصلاة النافلة على الراحلة، وصلاة المتنفل الماشي، والمسح على الخفين، والعمائم، والخمار ثلاثة أيام بلياليها، وترك الرواتب، وترك بعض الأعمال المستحبة التي يشغل عنها في السفر، على أربعة أقوال:
    القول الأول: رخص السفر تكون في السفر الواجب، والمندوب، والمباح، أما السفر المحرم والمكروه، فلا تباح فيه هذه الرخص.
    القول الثاني: لا يترخص برخص السفر إلا في الحج والعمرة، والجهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المحرم والمكروه والمباح فلا.
    القول الثالث: لا يأخذ برخص السفر إلا في سفر الطاعة ؛لأن النبي "صلى الله عليه وسلم"إنما قصر في سفر واجب أو مندوب.
    القول الرابع: ذهب الإمام أبو حنيفة، وشيخ الإسلام بن تيمية، وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه يجوز القصر والفطر، وجميع رخص السفر حتى في السفر المحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعاً في جنس السفر، ولم يخص سفراً دون سفر، وهذا القول هوالصحيح ؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر".
    و لكن من قصد بسفره التحيل على الفطر، فالفطر عليه حرام، و لا يجوز له ذلك؛ لأن الحيل لا تبيح المحرمات، ولا تبطل الواجبات، فيحرم السفر؛ لأنه وسيلة إلى الفطر، ويحرم الفطر لعدم العذر.
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: " لا يجوز للإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحاً ".
    السفر الذي يبيح الفطر في رمضان:
    السفر الذي يبيح الفطر في رمضان هو السفر الذي يجيز للمسافر أن يقصر فيه الصلاة .
    ومسافة السفر عند الحنفية هي مسيرة ثلاثة أيام سيراً وسطاً.
    وعند المالكية، والشافعية، والحنابلة، مسيرة يومين قاصدين، أي ستة عشر فرسخاً أو ثمانية وأربعين ميلاً.
    وقد دل جواز الفطر في السفر الكتاب والسنة، الإجماع:
    أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى:  فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
    وأما السنة؛
    فلقول النبي "صلى الله عليه وسلم": "إن الله وضع عن المسافر الصوم "، وأحاديث أخرى كثيرة.
    وأما الإجماع، فأجمع المسلون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة؛ وإنما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر.
    قال الإمام البخاري رحمه الله: " باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمَّى النبي "صلى الله عليه وسلم"، يوماً وليلةً سفراً، وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ، وهي ستة عشر فرسخاً".
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " قوله: بابٌ: في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر ولا يسوغ له في أقلَّ منها... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة".
    وكأن البخاري رحمه الله يشير إلى حديث أبي هريرة  المذكور عنده في الباب، وهو قول النبي "صلى الله عليه وسلم":" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة ".
    وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله: " لاتقصر إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمّ".
    والمسافة من مكة إلى الطائف ثمانية وثمانون كيلو، ومن مكة إلى جدة تسعة وسبعون كيلو، و من مكة إلى عسفان ثمانية وأربعون ميلاً. وهذه المسافة عليها الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي والإمام مالك رحمهم الله تعالى.
    قال العلامة ابن باز رحمه الله: " وقال بعض أهل العلم: إنه يحدد بالعرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفراً في العرف يُسَمَّى سفراً، وما لا فلا، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم، وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم، فينبغي الالتزام بذلك ".
    و جاء تحديد المسافة من فعل ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم بأربعة برد: جمع بريد، والبريد مسيرة نصف يوم، وسُمِّيَ بريداً؛ لأنهم كان فيما مضى إذا أرادوا المراسلات السريعة يجعلونها في البريد، فيرتبون بين كل نصف يوم مستقراً ومستراحاً يكون فيه خيل إذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس ؛لتستريح وركب فرساً آخر إلى مسيرة نصف يوم،فيجد بعد مسيرة نصف يوم مستراحاً آخر فيه خيل ينزل عن الفرس التي كان عليها ثم يركب آخر وهكذا، لأن هذا أسرع،وفي الرجوع بالعكس،فالبريد عندهم مسيرة نصف يوم،فتكون الأربعة البرد مسيرة يومين،وقَدَّرُو ا البريد بالمسافة الأرضية بأربعة فراسخ،فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخاً،والفرسخ قدَّروه بثلاثة أميال،فتكون ثمانية وأربعين ميلاً،والميل من الأرض منتهى مد البصر؛لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه،والميل كيلو وستين في المائة أي 1600م،فأربعة برد= 1600×48 ميلاً = 76,8كيلو. و قد ثبت أن ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم أنه قال: " لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان، والطائف، وجدة" والمسافة بين مكة والطائف 88كيلو، وبين مكة وجدة 79. فإذا قصد المسافر هذه المسافة فله أن يأخذ برخص السفر عند الجمهور .
    وأما في الزمن فقيل: إن مسيرته يومان قاصدان بسير الإبل المحملة، " قاصدان" يعني معتدلان، بمعنى أن الإنسان لا يسير منها ليلاً ونهاراً سيراً بحتاً، ولا يكون كثيرا النزول والإقامة، فهما يومان قاصدان.
    ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا حد للسفر بالمسافة بل كل ما يُعدُّ سفراً في العرف، ويتزود له الإنسان ويبرز للصحراء؛ لأنه يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد، فهو سفر، ورجح هذا جمع من أهل العلم، منهم العلامة ابن عثيمين، واختاره ابن قدامة في المغني.
    ويفطر المسافر إذا فارق عامر بيوت قريته، أو مدينته،أو خيام قومه وجعلها وراء ظهره، إذا كان سفره تقصر في مثله الصلاة، قال ابن قدامة رحمه الله في الرد على من قال يفطر إذا عزم على السفر ولبس ثياب السفر:" ولنا قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  وهذا شاهد،ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد،ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة".
    واحتج من قال بجواز إفطار المسافر إذا عزم على السفر ولبس ثياب السفر بما يلي:
    أولا: حديث أنس بن مالك ، فعن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رُحلت له راحلته ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب".
    قال الترمذي: " وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي".
    وقال ابن قدامة: " ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين؛ ولذلك لا يقصر الصلاة، فأما أنس فيحتمل أنه كان برز من البلد خارجاً منه، فأتاه محمد بن كعب في ذلك المنزل".
    ثانياً: عن عبيد بن جبر قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي "صلى الله عليه وسلم"في سفينة من الفسطاط في رمضان فَرُفِعَ ثم قرب غداه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، قال: اقترب، قلت: ألست ترى البيوت ؟ قال: أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله "صلى الله عليه وسلم"؟ فأكل.
    قال العلامة ابن القيم ى: " وفيه حجة لمن جوّز للمسافر الفطر في يومٍ سافر في أثنائه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقول عمرو بن شرحبيل والشعبي، وإسحاق، وحكاه أنس، وهو قول داود وابن المنذر، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة لا يفطر ... ".
    وقال العلامة ابن عثيمين: " هل يشترط أن يفارق قريته؟ أو إذا عزم على السفر وارتحل فله أن يفطر؟ الجواب في هذا قولان .. عن السلف، والصحيح أنه لا يفطر حتى يفارق القرية ؛ لأنه لم يكن الآن على سفر، ولكنه ناوٍ للسفر؛ ولذلك لا يجوز أن يقصر الصلاة حتى يخرج من البلد، فكذلك لا يجوز له أن يفطر حتى يخرج من البلد".
    إقامة المسافر التي يفطر فيها ويقصر فيها الصلاة:
    إذا نوى المسافر الإقامة أثناء سفره في بلد أكثر من أربعة أيام، فإنه يُتِمُّ الصلاة، ويصوم إذا كان في رمضان؛ لأن النبي "صلى الله عليه وسلم"قدم مكة في حجة الوداع، يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام بها : الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم صلى الفجر يوم الخميس ثم خرج إلى منى، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي "صلى الله عليه وسلم"قصر، وأفطر إن كان في رمضان، وإذا أجمع أكثر من ذلك أتم وصام.
    قال الإمام ابن قدامة: " وجملة ذلك أن من لم يُجمع إقامةً مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر و لو أقام سنين".
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي "صلى الله عليه وسلم"لما دخل مكة؛ فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، و إن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال: غداً أسافر، أو بعد غد أسافر ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي "صلى الله عليه وسلم"أقام بمكة بضعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة، والله أعلم".
    وكذلك الصيام في رمضان والإفطار، فإن أجمع إقامة أربعة أيام فأقل قصر وأفطر، وإن أجمع على الإقامة أكثر من ذلك أتم وصام، وعليه: الإمام الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول هؤلاء الأئمة وجمهور أهل العلم معهم تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط؛ لأن ما زاد عن أربعة أيام غير مجمع عليه، وما كان أربعة أيام فأقل مجمع عليه أي داخل في المجمع عليه، وبهذا يخرج المسلم من الخلاف، ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، والله  أعلم.
    إذا سافر سفراً شبه دائم في العام:
    مثل سفر سائقي الشاحنات، وغيرهم الذين يسافرون كثيراً؛ فإن لهم الإفطار، والترخّص برخص السفر، إذا كانت المسافة التي يقطعونها في سفرهم مسافة قصر، وعليهم قضاء الأيام التي أفطروها من رمضان قبل دخول رمضان المقبل؛ لعموم قول الله تعالى:  وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ، وإليهم اختيار الأيام التي يقضون فيها ما أفطروه من أيام رمضان،جمعاً بين دفع الحرج عنهم، وقضاء ما عليهم من الصيام، سواء كان القضاء في أيام الشتاء أو غيرها.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية


    أحكام صيام الحائض والنفساء

    - بعض النساء تطهر في آخر الليل، وتعلم أنها طهرت ولكنها لا تصوم ذلك اليوم ظناً منها أنها إذا لم تغتسل لم يصح صومها وليس الأمر كذلك، بل صومها يصح وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.
    فالمرأة إذا غربت الشمس، وهي لم تر الحيض خارجاً فصومها صحيح حتى لو خرج بعد غروب الشمس بلحظة واحدة فصومها صحيح. [فقه العبادات لابن عثيمين. ].
    - وإن أحست الحائض بانتقال الدم أو ألمه،ولكنه لم يخرج ولم يبرز إلا بعد غروب الشمس فصومها صحيح [مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين]
    - لا حرج في ذلك [استعمال حبوب منع الحمل لتأخير الحيض] ؛ لما فيه من المصلحة للمرأة في صومها مع الناس وعدم القضاء ، مع مراعاة عدم الضرر منها ؛ لأن بعض النساء تضرهن الحبوب.[مجموع فتاوى بن باز ]

    إذا حاضت المرأة أو نفست أفطرت، فإن صامت لم يجزئها، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء، لايحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: " كنا نحيض على عهد رسول الله "صلى الله عليه وسلم"فنؤمر بقضاء الصوم و لا نؤمر بقضاء الصلاة" والأمر إنما هو للنبي "صلى الله عليه وسلم"، و عن أبي سعيد الخدري t عن النبي "صلى الله عليه وسلم"قال:" أليس إذا حاضت لم تصلِ ولم تصم"، والحائض والنفساء سواءٌ؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وحكمه حكمه، ومتى وُجدَ الحيض أو النفاس في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، سواء وجد في أوله بعد طلوع الفجر أو في آخره، قبل غروب الشمس، ولو صامت الحائض أو النفساء مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها.
    وإذا طهرت الحائض أو النفساء في أثناء نهار رمضان لم يصحَّ صومها بقيةَ اليوم؛ لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وعليها الإمساك بقية اليوم في أصح قولي العلماء؛ لزوال العذر الشرعي الذي أبيح لها الفطر من أجله.
    واختلف العلماء رحمهم الله تعالى، في إمساك الحائض إذا طهرت، أثناء النهار على قولين:
    القول الأول: يلزمها الإمساك بقية اليوم؛ لزوال العذر الشرعي، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وعليه أكثر أصحابه، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وقال به الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح؛ لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ أوجب الإمساك. قال العلامة ابن باز رحمه الله: " عليها الإمساك في أصح قولي العلماء، بزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم، كما لو ثبت رؤية رمضان نهاراً؛ فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده؛ فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء؛ لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم والله ولي التوفيق".
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فأما من يجب عليه القضاء إذا زال عذره في أثناء اليوم مثل: الحائض تطهر، والمسافر يقدم، والمريض يصح؛ فإن القضاء يجب عليهم رواية واحدة؛ لوجود الفطر في بعض اليوم، وينبغي لهم الإمساك أيضاً".
    القول الثاني: لا يلزمها الإمساك، وهو رواية عن الإمام أحمد، وإليه ذهب مالك والشافعي، وذكر عن ابن مسعود t. وهذا القول الذي رجحه ابن عثيمين رحمه الله.
    وإذا طهرت الحائض أو النفساء في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب عليها الصوم؛ لأنها أصبحت من أهل الصيام، وليس فيها ما يمنعه، ويصح صومها حينئذٍ ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لقول عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: كان رسول الله "صلى الله عليه وسلم"يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم.


    أحكام صيام الحامل والمرضع

    - (الحامل لا تخلو من حالين:
    إحداهما: أن تكون نشيطة قوية لا يلحقها مشقة ولا تأثير على جنينها، فهذه المرأة يجب عليها أن تصوم؛ لأنها لا عذر لها في ترك الصيام.
    والحال الثانية: أن تكون الحامل غير متحملة لصيام: إما لثقل الحمل عليها، أو لضعفها في جسمها، أو لغير ذلك، وفي هذه الحال تفطر، لاسيما إذا كان الضرر على جنينها، فإنه قد يجب الفطر عليها حينئذ. وإذا أفطرت فإنها كغيرها ممن يفطر لعذر يجب عليها قضاء الصوم متى زال ذلك العذر عنها، فإذا وضعت وجب عليها قضاء الصوم بعد أن تطهر من النفاس، ولكن أحياناً يزول عذر الحمل ويلحقه عذر آخر وهو عذر الإرضاع، وأن المرضع قد تحتاج إلى الأكل والشرب لاسيما في أيام الصيف الطويلة النهار، الشديدة الحر، فإنها قد تحتاج إلى أن تفطر لتتمكن من تغذية ولدها بلبنها، وفي هذه الحال نقول لها أيضاً: أفطري، فإذا زال عنك العذر فإنك تقضين ما فاتك من الصوم.) [مجموع فتاوى ابن عثيمين]
    - (الحامل لا يضرها ما نزل منها من دم أو صفرة، لأنه ليس بحيض ولا نفاس، إلا إذا كان عند الولادة أو قبلها بيوم أو يومين مع الطلق، فإنه إذا نزل منها دم في هذه الحال صار نفاساً، وكذلك في أوائل الحمل فإن بعض النساء لا تتأثر عادتهن في أول الحمل فتستمر على طبيعتها وعادتها، فهذه يكون دمها دم حيض.) [مجموع فتاوى ابن عثيمين]


    و قد دل على إعتبار الحامل والمرضع من أصحاب الأعذار في رمضان حديث أنس بن مالك الكعبي  عن النبي "صلى الله عليه وسلم"أنه قال: " إن الله  وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام".
    قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى:" وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل:إذا خافتا على أنفسهما أو ولد هما تفطران ثم تقضيان".
    و اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم الحامل والمرضع على أقوال على النحو الآتي:
    القول الأول: إن حكمهما حكم المريض في جميع الأحوال، سواء كان خوفهما على أنفسهما أو على ولديهما، أو على أنفسهما وولديهما، فعليهما الإفطار عند الخوف، وتقضيان بدون إطعام؛ لقول الله تعالى:  فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  فالحامل والمرضع كالمريض تماماً؛ ولحديث أنس بن مالك الكعبي  " إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم " .
    فدل على أنهما كالمسافر في الصوم تفطران عند الخوف على أنفسهما أو ولديهما، وتقضيان الصيام بدون إطعام كما يقضي المسافر، وممن قال بهذا القول: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، والثوري، وعطاء، والزهري، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه؛ لحديث أنس الكعبي المذكور آنفاً؛ لأنه لم يأمر فيه النبي "صلى الله عليه وسلم"بكفارة؛ ولأنه فطر أبيح لعذر فلم يجب به كفارة، كالمريض.
    وأخذ بهذ القول العلامة ابن باز رحمه الله، و جحه العلامة ابن عثيمين رحمه الله وقال: " وهذا القول أرجح الأقوال عندي؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض والمسافر، يلزمهما القضاء فقط دون الإطعام".
    ووعليه فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، حيث جاء في إحدى فتاويها بهذا الخصوص: " إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من الصوم أفطرت وعليها القضاء فقط، ... وكذلك المرضع إذا خافت على نفسها إن أرضعت ولدها في رمضان، أو خافت على ولدها إن صامت ولم ترضعه، أفطرت وعليها القضاء فقط، شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم، أو يخشى على نفسه مضرة، قال الله تعالى:  وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 
    القول الثاني: التفصيل في الحامل والمرضع، فإن خافتا على أنفسهما الضرر إذا صامتا فلهما الفطر، وعليهما القضاء لا غير، وهذا لا خلاف فيه. لأنهما بمنزلة المريض الذي يخاف على نفسه الضرر.
    وإن خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما أفطرتا وقضتا، كالحالة الأولى.
    وإن خافتا على ولديهما الضرر، أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً، وبالإطعام مع القضاء في هذه الحالة، قال به مجاهد، والإمام أحمد، والشافعي، وذكر رواية عن الإمام مالك . وأما الرواية الأخرى عن الإمام مالك ففرّق فيها بين الحامل والمرضع، فقال: الحبلى تقضي ولا تكفّر لأنها بمنزلة المريض، والمرضع تقضي وتكفّر؛ لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل؛ولأن الحمل متصل بالحامل، والخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها،وبه قال الليث.
    واستدل من أوجب الكفارة مع القضاء على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما ولم تخافا على نفسيهما، بما رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما:  وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ، قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا.
    قال أبو داود:"يعني على أولادهما: أفطرتا وأطعمتا".
    القول الثالث: الحامل والمرضع، إذا خافتا على ولديهما أو على أنفسهما، تطعمان ولا تقضيان، وبه قال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها: " تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مُدّاً من حنطة".
    وعن سعيد بن جبير، عن ابن عمر وابن عباس: " الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي".، وأخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، والطبري في تفسيره، عن ابن عباس بلفظ: " إذا خافت الحامل والمرضع على ولدها في رمضان،قال:يفطرا ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً و لا يقضيان صوماً ".وعن ابن عباس في قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ  قال: أثبتت للحبلى والمرضع.
    ولكن هذا القول ضعفه كثير من أهل العلم ؛ لقول النبي "صلى الله عليه وسلم": " إن الله  وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام". فدل هذا الحديث الصحيح على أن الحامل والمرضع كالمسافر في حكم الصوم تفطران وتقضيان.
    والحامل والمرضع لهما ثلاث حالات:
    الحالة الأولى: إذا خافتا على أنفسهما فقط، فحكمهما كالمريض: مع عدم المشقة مطلقاً: أي لا يشق عليها الصيام فيحرم عليها الإفطار، ويجب الصوم، ومع المشقة التي تتحملها يكره الصيام، و مع المشقة التي لا تتحملها أو تضرها يحرم عليها الصيام. وعليها أن تقضي عدد الأيام التي أفطرتها فقط بلا خلاف في هذه الحال.
    الحالة الثانية: إذا خافتا على ولديهما الضرر، فتفطران؛ لإنقاذ معصومٍ، وتقضيان الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح بدون إطعام .
    الحالة الثالثة: إذا خافتا على أنفسهما وولديهما أفطرتا، وتقضيان عدد الأيام التي أفطرتهما فقط على الصحيح.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)


    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية


    حكم صيام ذوي الأعمال الشّاقة
    ضابط المشقة المبيحة للإفطار
    أن المشقة الحاصلة لأصحاب الأعذار من المرضى والمسنين وغيرهم بسبب الصوم تنقسم إلى قسمين:
    القسم الأول: مشقة لا ينفك عنها الصوم غالباً، كمشقة الصوم في شدة الحر أو البرد، ومشقة طول النهار، وحصول الجوع والعطش المعتادين، فهذه المشقة لا أثر لها في الإفطار، ولا يجوز لصاحب العذر أن يفطر بسببها؛ لأن هذه المشقة لو أثرت لفاتت معها مصالح العبادات في جميع الأوقات أو في غالبها ولفات ما رتب عليها من الأجر والمثوبة.
    القسم الثاني: مشقة ينفك عنها الصوم غالباً، وهذه المشقة يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراتب:
    الأولى: مشقة عظيمة فادحة يخاف منها الهلاك، أو هلاك منافع الأعضاء، أو المرض الشديد، فهذه المشقة موجبة للإفطار قطعاً؛ لأن حفظ النفس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للهلاك بالصوم.
    الثانية: مشقة خفيفة كأدنى صداع أو سوء مزاج خفيف، وهذه المشقة ملحقة بالقسم الأول، ولا أثر لها في التخفيف وغير مبيحة للفطر، لأن تحصيل مصالح الصوم وما رتب عليه من الأجر والمثوبة أولى من دفع هذه المفسدة الخفيفة التي لا أثر لها.
    الثالثة: مشقة متوسطة بين المرتبة الأولى والثانية، بحيث هي أخف من المرتبة الأولى، وأشد من المرتبة الثانية، فهذه المشقة إذا دنت من أي من المرتبتين الأولى والثانية أخذت حكمها، فإذا كانت تسبب المرض والضعف الشديد فهي مبيحة للفطر، وإذا كانت لا تسبب المرض في الحال أو المآل، بل تزول مع الإفطار بعد الغروب فهي غير مبيحة للفطر.
    وهذه المرتبة مما قد تختلف حولها أنظار المجتهدين، فقد يعتبرها البعض من المرتبة الأولى، وبينما يعتبرها الآخرون من المرتبة الثانية، فيعمل في هذه الحالة بقاعدة التقريب، وهي أن تلحق بأقرب المرتبتين، أو تلحق بما ورد فيه النص بجواز الإفطار كالسفر، فإذا كانت هذه المشقة تماثل المشقة الواقعة بالسفر المبيح للفطر فيجوز له الفطر.
    و هناك أمران آخران يمكن الاستعانة بهما في مثل هذه الحالة:
    الأول: مراجعة طبيب مسلم ثقة ليقرر إمكانية الصوم من عدمها، وإذا كان يضره ذلك في الحال أو المآل أم لا، ولاسيما مع تقدم آلات وأجهزة الكشف عن الأمراض، وآلات قياس الحالة الصحية للإنسان.
    الثاني: ما يعرفه الشخص صاحب العذر من نفسه بالتجربة إذا كان يضره الصوم أم لا، وما مدى ذلك الضرر.
    فتاوى:
    - شخص يعمل في فرن للرغيف و يواجه حر النار الشديد طوال ساعات النهار وهو صائم، لذلك فهو يواجه عطشا شديدا وإرهاقا في العمل: ( لا يجوز لذلك الرجل أن يفطر بل الواجب عليه الصيام، وكونه يخبز في نهار رمضان ليس عذرا للفطر، وعليه أن يعمل حسب استطاعته. ) [فتاوى اللجنة الدائمة ــ فتوى: 13489]
    - الامتحان المدرسي ونحوه لا يعتبر عذرا مبيحا للإفطار في نهار رمضان، ولا يجوز طاعة الوالدين في الإفطار للامتحان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة بالمعروف ،كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن النبي "صلى الله عليه وسلم") [فتاوى اللجنة الدائمة ـــ فتوى:9601]
    الجوع أو العطش الشَّديدان:
    إذا غلب الصائم الجوع أو العطش الشديد الذي يخاف منها الهلاك أو نقصان العقل، أو ذهاب البصر أو السمع أو بعض الحواس الأخرى، فيجوز أن يفطر بما يسدّ رمقه، ثم يُكمل صيامه ويقضي؛ لقول الله تعالى: ] وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[ ، وقال تعالى:]وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[ ، وقال تعالى:]وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[ ، وقال الله تعالى: ] يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ ؛ وقضى رسول الله "صلى الله عليه وسلم"أن: " لا ضرر و لا ضرار"، وهذا بمنزلة من فقد الطعام والشراب، ثم وجد الميتة، فله أن يأكل منها ما يسد رمقه ثم يُمسك، وقد قال الله تعالى: ] فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم[ ؛ ولقوله تعالى: ]فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم [ وغير ذلك من الأدلة.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)


    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية


    أحكام القضاء والكفّارة


    - الأفضل أن يكون القضاء متتابعاً و الأحوط الشروع فيه بعد يوم العيد (في اليوم الثاني من شوال) . [الشرح الممتع ـــ ابن عثيمين]
    - يجوز التنفل بالصوم قبل القضاء إن كان في الوقت متسع و تقديم القضاء أفضل. [السابق]
    - من أخر القضاء إلى بعد رمضان بدون عذر فهو آثم و يقضي و لا إطعام عليه [مجموع فتاوى ابن عثيمين]
    - الشيخ الكبير و( المريض مرضاً لا يرجى زواله لا يلزمه الصوم؛ لأنه عاجز، ولكن يلزمه بدلاً عن الصوم أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، هذا إذا كان عاقلاً بالغاً، وللإطعام كيفيتان:
    الكيفية الأولى: أن يصنع طعاماً غداءً أو عشاءً، ثم يدعو إليه المساكين بقدر الأيام التي عليه كما كان أنس بن مالك  يفعل ذلك حين كبر. أخرجه البخاري معلقاً.....
    والكيفية الثانية: أن يوزع حبًّا من بر، أو أرز، ومقدار هذا الإطعام مد من البر أو من الأرز، والمدّ يعتبر بمد صاع النبي "صلى الله عليه وسلم"وهو ربع الصاع، وصاع النبي "صلى الله عليه وسلم"يبلغ كيلوين وأربعين غراماً، فيكون المدّ نصف كيلو وعشرة غرامات، فيطعم الإنسان هذا القدر من الأرز أو من البر، ويجعل معه لحماً يؤدمه) [مجموع فتاوى ابن عثيمين]

    فدية الإفطار مشروعة في حق المسنين ومن في حكمهم من المصابين بعجز دائم بحيث لا يمكنهم الصيام أبدا.
    تعريف الفدية :
    قال ابن فارس: " الفاء والدال والحرف المعتل كلمتان متباينتان جداً، فالأولى، أن يجعل شيئ مكان شيء حمى له، والأخرى شيء من الطعام. فالأولى قولك: فديته أفديه: كأنك تحميه بنفسك أو بشيء يعوض عنه، يقولون: هو فداؤك، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت، يقال: هو فداك ...، يقال تفادى الشيء، إذا تحاماه وانزوى عنه، والأصل في هذه الكلمة ما ذكرناه، وهو التفادي: أي أن يتقي الناس بعضهم ببعض، كأنه يجعل صاحبه فداء نفسه، والكلمة ا لأخرى الفَدَاء ممدود، وهو سطح التمر بلغة عبد القيس ... والفَداء: جماعة الطعام من الشعير والتمر ونحوها ".
    "والفدية من فدى من الأسر يفديه فَِدى: إذا استنقذه بمال، واسم ذلك المال الفدية، وهي عوض الأسير، وجمعها فدىً وفديات، وفاديته مفاداة وفداء مثل قاتلته مقاتلة قتالاً، أي: أطلقته وأخذت فديته".
    "وقيل المفاداة: أن تدفع رجلاً وتأخذ رجلاً، والفدى أن تشتريه، وقيل هما واحد، وتفادى القوم: اتقى بعضهم ببعض، كأن كل واحد يجعل صاحبه فداه، وفدت المرأة نفسها من زوجها تفدي وافتدت، أي: أعطته مالا حتى تخلص منه بالطلاق".
    و يراد بالفدية في اصطلاح الفقهاء : " ما يقي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة قصّر فيها أو عجز عن أدائها حقيقة أو حكما ".
    أما الفدية في باب الصيام فتطلق على الطعام الذي يخرجه المسن أو المريض الذي لا يستطيع الصيام ويدفعه إلى مسكين بدلاً عن الصيام.
    أدلة مشروعية فدية الإفطار:
    لقد دلت على مشروعية فدية إفطار المسن أدلة من الكتاب، والسنة، والأثر:
    1- قول الله سبحانه وتعالى: "صلى الله عليه وسلم"                "صلى الله عليه وسلم" "صلى الله عليه وسلم"      "صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"     "صلى الله عليه وسلم"   "صلى الله عليه وسلم"               "صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"          .
    وجه الاستدلال: ما ثبت من تفسير عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: أن الآية مخصوصة بالشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيجوز له الإفطار ويفدي عن كل يوم مسكيناً: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً».
    2- ما سبق من تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- للآية فله حكم الرفع ولا يمكن أن يقول ذلك برأيه.
    3- ما ثبت عن أنس بن مالك  أنه لما كبر ولم يستطع الصوم أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً.
    حكم فدية الإفطار :
    اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
    القول الأول: تجب الفدية على المسن ومن في حكمه من امصابين بعجز دائم عن الصوم إذا أفطر بسبب العجز أو المشقة، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، فبه قال الحنفية، والشافعية على الصحيح من مذهبهم، وهو مذهب الحنابلة، وقول علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس، وأبي هريرة، وأنس بن مالك من أصحاب النبي "صلى الله عليه وسلم"، وبه قال سعيد بن جبير، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وطاووس -رحمهم الله تعالى-.
    قال الكاساني: " وأما الجوع والعطش الشديد الذي يخاف منه الهلاك فمبيح مطلق للفطر ... وكذا كبر السن حتى يباح للشيخ الفاني أن يفطر في شهر رمضان؛ لأنه عاجز عن الصوم وعليه الفدية عند عامة العلماء ".
    وقال النووي: " قال الشافعي والأصحاب: الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم، أي يلحقه به مشقة شديدة، والمريض الذي لا يرجى برؤه لا صوم عليهما بلا خلاف ... ويلزمهما الفدية على أصح القولين، والثاني لا يلزمهما".
    قال ابن قدامة: " أن الشيخ الكبير، والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطر ويطعما عن يوم مسكينا".
    استدل أصحاب هذا القول الأول بأدلة من الكتاب، والسنة، والأثر، والإجماع، والمعقول:
    1- قول الله سبحانه وتعالى:      "صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"     "صلى الله عليه وسلم"   "صلى الله عليه وسلم"       .
    وجه الاستدلال: استدل أهل العلم بهذه الآية الكريمة على وجوب فدية إفطار المسن من ثلاثة وجوه:
    الوجه الأول: ما سبق ذكره من تفسير عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- للآية الكريمة -وهو تفسير ثابت- أن الآية الكريمة مخصوصة بالشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيجوز له الإفطار ويطعم بدلاً عن ذلك كل يوم مسكيناً، وقال: «ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصيام فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً».
    وبناءً على هذا الوجه للآية الكريمة ثلاثة تفسيرات عند العلماء:
    أ- أن معنى الآية الكريمة على قراءة رسم المصحف «يُطيقونه» أي يقدرون على الصوم مع تحمل المشقة؛ وذلك لأن الطاقة هي الإتيان بالشيء مع الشدة والمشقة، بخلاف الوسع فهو القدرة على الشيء على وجه السهولة.
    ب- على قراءة «يُطوَّقونه» بفتح الطاء وتشديد الواو بالبناء على المفعول وتخفيف الطاء، من طوق بضم أوله، أي يُكلَّفونه على مشقة فيه وهم لا يطيقونه لصعوبته؛ فعليهم الإطعام.
    ج- على تقدير «لا» النافية، فيكون المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وهذا له نظائر وردت في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:      ...، أي: لا تفتأ تذكر يوسف، وقوله سبحانه وتعالى:     "صلى الله عليه وسلم" ... ، أي: لئلا تضلوا.
    وقد نوقش الاستدلال على هذا الوجه بأن الآية منسوخة، وقد ثبت القول بنسخها عن عدد من الصحابة، ومنهم عبدالله بن عمر، وسلمة بن الأكوع، وعليه فلا يصح الاستدلال بها.
    وأجيب عن هذه المناقشة بأن النسخ عند المتقدمين من علماء الصحابة وغيرهم أعم مما اصطلح عليه المتأخرون من الأصوليين وغيرهم، فالنسخ عند المتقدمين قد يكون بمعنى التخصيص، وبناءً عليه فيكون المراد بالنسخ على قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع -رضي الله عنهم- تخصيص الآية على المسن ومن في حكمهم ممن لا يطيقون الصيام أو يطيقونه بمشقة شديدة توفيقاً بين الأدلة.
    يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في ذلك: "...ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه؛ حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي بيانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه مالا يُحصى، وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر".
    الوجه الثاني: أن المراد بالذين «يطيقونه» هم من كانوا يطيقون الصوم في شبابهم من المسنين، ثم عجزوا عنه لما كبروا فعليهم الإطعام بدلاً عن ذلك.
    الوجه الثالث: أن الله سبحانه وتعالى جعل الفدية في هذه الآية الكريمة معادلة للصوم في أول الأمر؛ لما كان الناس مخيرين بين الصوم والفدية؛ فلما تعذر أحد البدلين، ثبت الآخر، أي لما تعذر الصوم ثبت الفدية؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى لما جعل الفدية عديلاً للصوم في مقام التخيير، دل ذلك على أنها تكون بدلاً عنه في حال تعذر الصوم، وذلك لما يكون المكلف لا يستطيع الصوم كالمسن ومن في حكمه.
    2- حديث معاذ بن جبل  قال: إن رسول الله "صلى الله عليه وسلم"قدم المدينة فصام عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله عز وجل فرض شهر رمضان فأنزل الله تعالى ذكره:  "صلى الله عليه وسلم"      ...  حتى بلغ:  "صلى الله عليه وسلم"      ...  فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنزل الله عز وجل:        .
    3- ما سبق ذكره من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: أن الآية ليست بمنسوخة وأنها خاصة بالشيخ الكبير والشيخة العجوز، لا يستطيعان الصيام فيفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً.
    وجه الاستدلال من الحديثين: أنهما يدلان على ثبوت حكم الفطر ووجوب الفدية على المسن الذي لا يستطيع الصوم.
    4- ما ثبت عن أنس بن مالك  أنه لما كبر ولم يستطع الصوم فأفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً.
    وجه الاستدلال: أن عمل أنس بن مالك  بمقتضى الآية يدل على أن الإطعام هو واجب المسن ومن في حكمه ممن لا يستطيع الصيام، ويؤيده ما روي وثبت عن غيره من الصحابة كعلي، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس -رضي الله عنهم-.
    5- الإجمـاع:

    أن إخراج الفدية بدلاً عن الصيام مع العجز ثابت عن عدد من الصحابة
    -رضي الله عنهم- قولاً وفعلاً، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فيكون إجماعاً لا يسع مخالفته.
    قال أبو بكر الجصاص -رحمه الله تعالى-: «وقد ذكرنا قول السلف في الشيخ الكبير وإيجاب الفدية عليه في الحال من غير خلاف أحد من نظرائهم فصار إجماعاً لا يسع خلافه».
    وقال الماوردي -رحمه الله تعالى-: «ويدل على ما ذكرناه -أي وجوب الفدية- إجماع الصحابة، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، وعبدالله بن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- أنهم قالوا: الهِمُّ عليه الفدية إذا أفطر، وليس لهم في الصحابة مخالف».
    ونوقش دعوى الإجماع بعدم التسليم، وذلك لثبوت القول بنسخ الآية والخلاف في المسألة عن بعض الصحابة كعبدالله بن عمر وسلمة بن الأكوع، فلا يصح دعوى الإجماع مع ثبوت خلاف هؤلاء.
    قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: «وأما الفدية فلم تجب بكتاب مجتمع على تأويله ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة، ولا عن من بعدهم».
    ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بأن وجود الخلاف بين الصحابة في ذلك ليس صريحاً، والخلاف بينهم إنما هو في كون الآية منسوخة أو محكمة، ولا يلزم من القول بنسخ الآية عدم وجوب الفدية على المسن المفطر، وذلك لاحتمال أن يكون المراد بقول من قال بالنسخ تخصيص الآية على بعض المشمولين لمقتضاها، وهم المسنون ومن في حكمهم من المرضى، ولثبوت وجوب الفدية على المسن المفطر بالسنة الثابتة، ولعل هذا يفسر وجود قولين عن بعض الصحابة كابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- في المسألة قول بالوجوب، وقول بنسخ الآية، وفسر على أنه قول بعدم وجوب الفدية.
    6- أن الصوم لما فات المسن العاجز مست الحاجة إلى الجابر، وقد تعذر جبره بالقضاء لعجز المسن عنه، فجعلت الفدية بدلاً للصوم شرعاً في هذه الحالة للضرورة، كما تجعل القيمة بدلاً في ضمان المتلفات بجامع تعذر الإتيان بالمثل في الحالتين.
    القول الثاني: يستحب للمسن دفع الفدية إذا أفطر بسبب العجز أو المشقة، وإلى هذا ذهب المالكية.
    قال ابن رشد: « وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا، فقال قوم عليهما الإطعام، وقال قوم ليس عليهما إطعام، وبالأول قال الشافعي ... وبالثاني قال مالك، إلا أنه استحبه».
    واستدل أصحاب هذا القول بما سبق ذكره من أثر أنس  وحملوه على الاستحباب.
    ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن الأثر المذكور يفيد الوجوب، ولا صارف من الوجوب إلى الاستحباب، ووجود الخلاف بين الصحابة لا يمكن أن يكون صارفاً عن الوجوب إلى الاستحباب.
    القول الثالث: لا شيء على المسن إذا أفطر بسبب العجز أو المشقة، لا يجب عليه ويستحب له إخراج الفدية، وإلى هذا ذهب الشافعية في قول، والظاهرية، وبه قال مكحول ، وربيعة، وأبو ثور، وابن المنذر -رحمهم الله تعالى-.
    قال ابن حزم : " والشيخ والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم، فالصوم لا يلزمهما، ... وإذا لم يلزمهما الصوم فالكفارة لا تلزمهما؛ لأن الله تعالى لم يلزمهما إياها، ولا رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، والأموال محرمة إلا بنص أو إجماع".
    واستدل أصحاب هذا القولبأدلة من السنة والمعقول:
    1- ما ثبت من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قرأ «فدية طعام مساكين» وقال: هي منسوخة».
    2- ما ثبت أنه لما نزل قوله تعالى:  "صلى الله عليه وسلم"        كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
    وجه الاستدلال من الحديثين: أن إخراج الفدية كان حكماً خاصاً في بداية فرضية الصيام، وكان هناك خياراً بين الصوم والفدية، فلما نسخت الآية سقطت حكمها وهو الفدية، فلا تجب لا على المسن ولا غيره.
    ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
    الأول: أنه ثبت عن بعض الصحابة كابن عباس بأن الآية محكمة وخاصة بالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، وعليه فلا يصح الاستدلال بالحديثين لأن قول هذين الصحابيين ليس حجة على غيرهما.
    الثاني: أنه لا تلازم بين القول بالنسخ وبين عدم وجوب الفدية، لاحتمال أن يكون المراد بالنسخ التخصيص كما هو اصطلاح المتقدمين من الصحابة وغيرهم.
    3- أن المسن في هذه الحالة معذور، فلا تجب عليه الفدية لعجزه، كما لا تجب الفدية على المريض والمسافر إذا أفطرا.
    ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأنه قياس على المسافر والمريض، فلا يصح قياسه عليهما لأنهما يتمكنان من القضاء والمسن بخلاف ذلك، على أن المريض لو عجز عن القضاء فحكمه حكم المسن في وجوب الفدية عليه، ولأن هذا قياس في مقابل النص فلا يصح.
    4- أن مال المسن في هذه الحالة حرام، ولا يجوز إيجاب شيء فيه ما لم يوجبه الله ورسوله "صلى الله عليه وسلم"، ولا يوجد دليل الفدية عليه فلا تجب.
    5- أن المسن في هذه الحالة عاجز عن الصيام، والله سبحانه وتعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه، لأنه لا يوجب فرضاً إلا على من يطيقه، والعاجز عن الصوم كالعاجز عن القيام في الصلاة، فلا يجب عليه شيء لأن الله سبحانه وتعالى لم يوجب عليه شيئاً.
    6- أن الفدية لم تجب بكتاب مجتمع على تأويله، ولا سنة يفقهها من تجب الفدية بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة، ولا عن من بعدهم، والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه، وذمة المسن بريئة فلا تجب عليه الفدية.
    ويمكن أن تناقش هذه الأدلة الثلاثة بأنها في حقيقتها مطالبة بالدليل، وقد سبق ذكر الأدلة على وجوب الفدية فيجب الأخذ بها والعمل بمقتضاها.
    الترجـيح:
    ولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول بوجوب الفدية على المسن
    المفطر الذي أفطر بسبب العجز عن الصوم، أو بسبب المشقة الشديدة عليه،
    لما يلي:
    1-لقوة أدلة هذا القول، وكثرتها، حيث استدلوا بالكتاب والسنة الثابتة، والأثر الثابت، وسلامة هذه الأدلة من المناقشة المؤثرة عليها.
    2-لضعف استدلال القولين المخالفين، وهي في حقيقتها مطالبة بالدليل فقد سبق ذكر الأدلة.
    3-أن القول بعدم وجوب الفدية على المسن المفطر مبني على القول بنسخ الآية، وهو غير مسلم لثبوت القول بكونها محكمة عن عدد من الصحابة، وعمل بعض الصحابة بمقتضاها، ولأنه لا تلازم بين القول بالنسخ والقول بعدم وجوب الفدية، وذلك لاحتمال أن يكون مراد من قال بالنسخ التخصيص أو التقييد، ولثبوت الفدية بالسنة الصحيحة كحكم مستقل.
    4-أن في هذا القول جمعاً بين الأدلة، وتوفيقاً بين ما نقل من الأقوال المتعارضة بين الصحابة
    من حيث النسخ وعدمه.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية


    نوع فدية إفطار المسن ومن في حكمه
    ما نوع الفدية الواجبة على المسن المفطر و من في حكمه ، هل هي أنواع معينة من الطعام أو أي طعام يكون من قوت أهل بلد المسن؟ هل يقدم الطعام مطبوخاً أو غير مطبوخ؟
    نوع الأطعمة المجزية عن الفدية:
    ما نوع الأطعمة التي تجزئ عن فدية إفطار المسن؟ هل تشترط فيها أنواع معينة من الأطعمة، أو تجزئ كل طعام كان من قوت أهل البلد؟
    اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
    القول الأول: أنه تجزئ عن فدية إفطار كل ما كان من قوت أهل البلد، كالبر، والشعير، والتمر، والأرز ونحوها، وإلى هذا ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية، وهو قول طاووس، وسعيد بن جبير، والثوري، والأوزاعي -رحمهم الله تعالى-.
    قال الكاساني: « ومقدار الفدية مقدار صدقة الفطر: وهو أن يطعم عن كل يوم مسكيناً مقدار ما يطعم في صدقة الفطر ».
    وقال في مقدار وجنس صدقة الفطر: « وأما بيان جنس الواجب وقدره وصفته، وأما جنسه وقدره فهو نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من تمر، وهذا عندنا ... ودقيق الحنطة وسويقها كالحنطة، ودقيق الشعير وسويقه كالشعير عندنا، وعند الشافعي لا يجزئ، بناء على أصله من اعتبار المنصوص عليه، وعندنا المنصوص عليه معلول بكونه ما لا متقوماً على الإطلاق».
    وقال ابن عبد البر: « ومن عجز عن الصيام بكبر أفطر، وأطعم عن كل يوم مد قمح إن كان قوته، وإلا فمن قوته بمد النبي "صلى الله عليه وسلم"، وذلك عند مالك استحباب، وعند غيره إيجاب ».
    وقال الشربيني: « يخرج مد من طعام، وهو رطل وثلث بالرطل البغدادي كما مرّ، وبالكيل المصري نصف قدح من غالب قوت بلده ».
    وقال المرداوي: « والمراد بالإطعام هنا -أي في فدية الإفطار- ما يجزئ في الكفارة، قاله الأصحاب ».
    وقال: « والمخرج في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، واقتصر الخرقي على البر والشعير والتمر، وإخراج السويق والدقيق هنا من مفردات المذهب، وفي الخبز روايتان، وكذا السويق ... و الرواية الثانية يجزئ، وهو اختيار الخرقي، قال المصنف، وهذه أحسن، قلت وهو الصواب ... وإن كان قوت بلده غير ذلك أجزأه منه ».
    استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
    1- قول الله سبحانـه وتعـالى: â ’n?tãu"صلى الله عليه وسلم"šúïÏ%©!$ # ¼çmtRqà)‹ÏÜ&#22 7;ƒ ×ptƒô‰Ïù ãP$yèsÛ &ûüÅ3ó¡Ï B á.
    وجه الاستدلال: أن الآية قضت على أن الواجب هو الإطعام، والإطعام يصح إطلاقه على قوت أهل البلد، فيجزئ عن الفدية.
    2- ما ثبت عن أنس t أنه لما كبر وعجز عن الصيام، أطعم عن كل يوم مسكيناً.
    وجه الاستدلال: أن أنساً t أطعم بدل كل يوم مسكيناً، وإخراج قوت البلد يعتبر إطعاماً فيصح إخراج كل ما كان طعاماً.
    3- أن المقصود في الكفارات والفدية هو الإطعام، كما نصت الآية الكريمة، وهذا يتحقق بإخراج كل ما يقتات منه أهل البلد، وليست مقصورة على أنواع معينة، فيجزئ عن الفدية إخراج كل ما كان قوتاً لأهل بلد المسن المفطر.
    القول الثاني: أنه لا تجزئ عن فدية إفطار المسن إلا أنواعاً معينة من الطعام، هي: البر والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا في الدقيق، والسويق، والخبز، وهذا مذهب الحنابلة.
    استدل أصحاب هذا القول بالقياس على صدقة الفطر، فكما لا يجزئ في صدقة الفطر غير أنواع محددة من الطعام فكذا هنا؛ لأن النص ورد بإجزاء أنواع معينة من الطعام فيقصر عليها.
    ويمكن أن يناقش هذا الدليل من وجهين:
    الأول: بأن الأصل المقيس عليه مختلف فيه، فلا يصح القياس.
    الثاني: أنه قياس في مقابل النص فلا يصح.
    الترجيـح:
    ولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول القائل بإجزاء كل ما كان من قوت أهل البلد، وذلك لظاهرية الكريمة، ولأن مقصود الإطعام يحصل بذلك فيجزئ.



    حكم إخراج الوجبات الغذائية وتقديمها للمساكين وحكم إخراج قيمتها النّقديّة

    إذا كان على المسن فدية الإفطار فهل يجزئه عنها إعداد الوجبات الغذائية كالغداء والعشاء وتقديمها للمساكين ليأكلوا منها؟
    لأهل العلم في ذلك قولان:
    القول الأول: إجزاء الوجبات الغذائية، كالعشاء والغداء وتقديمها للمساكين ليأكلوا منها، وإلى هذا ذهب الحنفية، والحنابلة في رواية، وهو قول أنس بن مالك  من الصحابة، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وقال إنه مذهب أكثر السلف.
    قال ابن نجيم: « وإنما أبيح له الفطر لأجل الحرج، وعذره ليس بعرض الزوال حتى يصار إلى القضاء، فوجب الفدية لكل يوم نصف صاع من بر أو زبيب أو صاعاً من تمر أو شعير كصدقة الفط، لكن يجوز طعام الإباحة أكلتان مشبعتان».
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : « وإذا جمع عشرة مساكين وعشاهم خبزاً وأدماً من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ذلك عند أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهم ».
    استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
    1-قول الله سبحانـه وتعـالى:  "صلى الله عليه وسلم"       .
    وجه الاستدلال: أن الآية الكريمة نصت على الإطعام، وهي الأصل في وجوب فدية إفطار المسن، والإطعام كلمة عامة يدخل فيها الإطعام بالوجبات المطبوخة دخولاً أولياً، فتدل الآية على إجزاء ذلك.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «...ولهذا قال من قال من العلماء الإطعام أولى من التمليك؛ لأن المملَك قد يبيع ما أعطيته، ولا يأكله، بل قد يكنزه، فإذا أطعم الطعام حصل مقصود الشارع قطعاً».
    2- ما صح عن أنس بن مالك  أنه لما كبر ولم يستطيع الصيام أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً.
    وجه الاستدلال: أن أنساً  صنع طعاماً وقدمه للمساكين عن فدية الإفطار، فدل على إجزاءه ذلك، لكونه فعل صحابي.
    3-أن إعداد الوجبات الغذائية، وتقديمها للمساكين هو إطعام حقيقة، فيجزئ كما لو كان طعامه براً فأطعمه منه.
    4-أن الله سبحانه وتعالى أمر بالإطعام، وتقديم الوجبات المطبوخة إطعام حقيقة، فيجزئ من باب أولى.
    القول الثاني: عدم إجزاء الوجبات المطبوخة عن فدية إفطار المسن، بل لابد من إخراج الطعام غير المطبوخ، وإلى هذا ذهب الشافعية، والحنابلة على المذهب.
    قال الشربيني: « الواجب الحبّ، حيث تعين فلا تجزئ القيمة اتفاقاً، ولا الخبز ولا الدقيق ولا السويق ونحو ذلك؛ لأن الحب يصلح لما لا تصلح هذه الثلاثة ».
    وقال ابن قدامة: « فإن أخرج من الدقيق أو السويق أجزأه، لما ذكرنا فيماتقدم وإن غدّى المساكين أو عشاهم لم يجزئه في أظهر الروايتين عنه ».
    واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
    1-أن فدية إفطار المسن مقدرة بمد أو نصف صاع، فإذا أطعم طعاماً جاهزاً مطبوخاً فلا يعلم أن كل واحد من المساكين قد استوفى القدر الواجب له، فلا يجزئ.
    ونوقش هذا الدليل بعدم التسليم بأن الفدية مقدرة بالشرع، وعلى فرض التسليم بأنه مقدر به، فإذا أشبع كل واحد من المساكين فيكون المسكين قد أخذ حقه.
    2-أن الواجب تمليك المسكين الطعام، لأنه يتمكن به من التصرف الذي لا يمكنه مع الإطعام.
    ونوقش بعدم التسليم باشتراط التمليك بل المطلوب الإطعام،وهذا يتحقق بتقديم الوجبات المطبوخة.
    3-أن الواجب تمليك المسكين الطعام، وتقديم الوجبات المطبوخة إباحة وليس بتمليك.
    ونوقش بعدم التسليم بأن الواجب التمليك، بل الواجب هو الإطعام «وغاية ما يقال أن التمليك قد يسمى إطعاماً، كما يقال: «أطعم رسول الله "صلى الله عليه وسلم"الجدة السدس»... لكن يقال: لا ريب أن اللفظ يتناول الإطعام المعروف بطريق الأولى؛ ولأن ذلك إما يقال إذا ذكر المطَعم، فيقال: أطعمه كذا، فأما إذا أطلق، وقيل: أطعم هؤلاء المساكين، فإنه لا يفهم منه إلا نفس الإطعام، لكن لما كانوا يأكلون ما يأخذونه سمي التمليك للطعام إطعاماً؛ لأن المقصود هو الإطعام، أما إذا كان المقصود مصرفاً غير الأكل فهذا لا يسمى إطعاماً عند الإطلاق».
    الترجيـح:
    ولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول، وهو القول بجزاء إخراج الوجبات الغذائية المطبوخة عن فدية إفطار المسن لما يلي:
    1-لقوة أدلة هذا القول حيث استدلوا بنص الآية الكريمة، والأثر الثابت الصحيح عن أنس ، والمعقول السالم عن المعارض.
    3-لأن هذا أقرب إلى مقاصد الشارع.
    مقدار الوجبات المجزية :
    ما هو القدر المجزئ من الوجبات الغذائية عن فدية الإفطار ؟ هل تكفي وجبة واحدة أو لابد من وجبتين؟
    اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:
    القول الأول: أن القدر المجزئ هو وجبة واحدة مشبعة كالغداء أو العشاء، وإلى هذا ذهب جمهور القائلين بهذا القول.
    نقل ابن قدامة في المغني أن الإمام أحمد سئل عن امرأة أفطرت رمضان؟ فقال: « ثلاثين يوماً؟ قال: فاجمع ثلاثين مسكيناً وأطعم مرة واحدة ».
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: « وإذا جمع عشرة مساكين وعشاهم خبزاً وأدماً من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ذلك عند أكثر السلف ».
    استدل أصحاب هذا القول بقول الله سبحانه وتعالى:  "صلى الله عليه وسلم"       .
    وجه الاستدلال: أن الواجب إطعام المسكين، ويصح إطلاق الإطعام على إطعام المسكين وجبة واحدة، فهي القدر الواجب إذا كانت مشبعة، وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل.
    القول الثاني: أن القدر المجزئ هو وجبتان مشبعتان، وإلى هذا ذهب الحنفية.
    قال ابن نجيم: « ... فوجب الفدية لكل يوم نصف صاع من بر أو زبيب أو صاعاً من تمر أو شعير كصدق الفطر، لكن هنا يجوز طعام الإباحة أكلتان مشبعتان».
    ولم أجد لأصحاب القول الثاني -الحنفية- القائلون بإجزاء وجبتين مشبعتين دليلاً، ولعلهم استندوا إلى أن وجبة واحدة لا تكفي لإطعام يوم كامل فقالوا باشتراط وجبتين.
    ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأنه لم يرد في الآية الكريمة ولا في غيرها من الأدلة اشتراط إطعام المسكين يوماً كاملاً، فيعمل بإطلاق الآية وتكفي وجبة مشبعة واحدة، لأن ذلك يسمى إطعاماً.
    الترجيـح:
    ولعل الراجح -والله سبحانه وتعالى أعلم- هو القول الأول القائل بإجزاء وجبة واحدة لما يلي:
    1- لقوة دليل هذا القول حيث استدلوا بالآية الكريمة وظاهرها يؤيده.
    2- لعدم وجود دليل للقول المخالف.
    حكم إخراج القيمة عن فدية الإفطار:
    هل يجزئ إخراج فدية الإفطار نقداً، وذلك بإخراج مبلغ مالي ودفعه للمساكين؟
    اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
    القول الأول: عدم إجزاء إخراج القيمة، وإلى هذا ذهب الشافعية، والحنابلة على المذهب0
    قال الشربيني: « الواجب الحب، حيث تعين فلا تجزئ القيمة اتفاقاً».
    وقال المرداوي: « وإن أخرج القيمة أو غدىّ المساكين أو عشاهم لم يجزئه، هذا المذهب، وعليه جماهير ا لأصحاب ».
    استدل أصحاب هذا القول بأدلة بما يلي
    1-قول الله سبحانـه وتعـالى:  "صلى الله عليه وسلم"       .
    وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى ذكر في الآية الكريمة الطعام، وإخراج القيمة ليس بطعام، فلا يجزئ.
    2-القياس على صدقة الفطر، فكما لا يجزئ إخراج القيمة في صدقة الفطر، فكذلك هنا، بجامع أن كلاً منهما إخراج طعام واجب.
    القول الثاني: إجزاء إخراج القيمة، وإلى هذا ذهب الحنفية.
    قال الكاساني: « وأما صفة الواجب فهو أن وجوب المنصوص عليه من حيث أنه مال متقوم على الإطلا في من حيث أنه عين، فيجوز أن يعطى من جميع ذلك القيمة دراهم أو دنانير أو فلوساً أو عروضاً أو ما شاء، هذا عندنا ».
    واستدل أصحاب هذا القول بما يلي :
    1-أن المقصود هو إغناء المسكين، وهذا يحصل بدفع القيمة له، بل دفع القيمة يحصل به المقصود على وجه أتم وأكمل؛ لأنه أقرب إلى دفع الحاجة، فيجزئ.
    ويمكن أن يناقش هذا الدليل بعدم التسليم بأن المقصود إغناء المسكين، بل المقصود إطعامه، وهو لا يحصل بدفع القيمة فلو أخذ القيمة فقد لا يصرفها على الطعام، فلا يحصل بها المقصود.
    2-القياس على صدقة الفطر، فكما يصح إخراج القيمة في صدقة الفطر يصح هنا؛ بجامع أنهما إطعام واجب.
    ويمكن أن يناقش بأنه قياس على مسألة مختلف فيها فلا يصح.
    3- أن المقصود رفع حاجة المسكين وهذا يحصل بدفع القيمة.
    ويمكن أن يناقش بأن المقصود إطعام المسكين.
    الترجيـح:
    ولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول الأول القائل بعدم إجزاء القيمة لكونه أقرب إلى ظاهر الآية.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    أصحاب الأعذار في رمضان

    اللجنة العلمية




    حكم صيام صاحب العذر مع تحمل المشقة
    إذا كان صاحب العذر من مريض أو مسن غيرهما بلغ من الضعف ما يشق عليه الصيام مشقة شديدة فيجوز معها الفطر، ومع ذلك أراد أن يتحمل المشقة ويصوم، فهل يجزئه ذلك؟
    اتفق أهل العلم على صحة صوم المسن وإجزائه في هذه الحالة.
    قال السرخسي -رحمه الله تعالى-: " وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم نصف صاع من حنطة... ولنا أن الصوم قد لزمه لشهود الشهر، حتى لو تحمل المشقة وصام كان مؤدياً للفرض".
    وقال النووي رحمه الله تعالى: " واتفقوا على أنه لو تكلف الصوم فصام فلا فدية، والعجوز كالشيخ في هذا، وهو إجماع".
    وقال ابن قدامة: " فإن تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروهاً، لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى وقبول رخصته ويصح صومه ويجزئه".
    أيهما أفضل لصاحب العذر الصوم أم الفطر ؟
    اختلف أهل العلم في الأفضلية بالنسبة للمريض والمسافر، على أربعة أقوال:
    القول الأول: أن الصوم مكروه، فالفطر أفضل، وإلى هذا ذهب الحنابلة.
    قال ابن قدامة: " فإن تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروهاً، لما يتضمنه عن الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبوله رخصته، ويصح صومه ويجزئه".
    واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
    1- قول الله سبحانه وتعالى: âŸwu"صلى الله عليه وسلم"(#ûqè=çFø)s?& #246;Nä3|¡àÿR" صلى الله عليه وسلم"&á.
    2- وقوله سبحانه وتعالى: âŸwu"صلى الله عليه وسلم"(#qà)ù=è?&#246;/&#228;3ƒ&#207;‰÷ƒ"صل ى الله عليه وسلم"'&#206;/’n<&#206;)&#207;ps3è=÷kJ9$ #&#225;.
    وجه الاستدلال: أن الآيتين الكريمتين تتضمنان النهي عن قتل النفس وإهلاكه، وهذا يقتضي النهي عن الإضرار بالنفس، فالصوم مع تحمل المشقة الشديدة فيه خوف هلاك النفس، وإضرار بها فيكره الصوم مع تحمل المشقة وجواز الفطر.
    3- قول الرسول "صلى الله عليه وسلم": «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».
    وجه الاستدلال: أن النبي "صلى الله عليه وسلم"أمر بالإتيان بالمأمور حسب الاستطاعة، والصيام مع تحمل المشقة الشديدة فيه تحميل للنفس فوق طاقتها، فيكره.
    4- أن الصوم مع تحمل المشقة وجواز الفطر فيه إضرار بالنفس، فكان مكروها.
    4- أن الصيام مع جواز الفطر وتحمل المشقة ترك لتخفيف الله سبحانه وتعالى ورخصته، فكان مكروهاً.
    القول الثاني: إذا تضرر بالصوم فالفطر أفضل من الصوم وإلا فالصوم أفضل وإلى هذا ذهب الشافعية.
    وقال النووي: " وأما أفضلهما فقال الشافعي والأصحاب: إن تضرر بالصوم فالفطر أفضل وإلا فالصوم أفضل ".
    واستدل أصحاب هذا القول بما يلي :
    1-قولـه سـبحانـه وتعـالى: â&#223;‰ƒ&#205;�&#227;ƒ &#170;!$#&#227;Nà6&#206;/u�&#243;&#161;&#227;Š&#248; 9$#Ÿwu"صلى الله عليه وسلم"&#223;‰ƒ&#205;�& #227;ƒ&#227;Nà6&#206;/uŽô£&#227;è&#248;9$#&#225; .
    وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى بين في هذه الآية الكريمة أنه يريد اليسر بعباده ولا يريد بهم العسر، والفطر أيسر فكان أفضل.
    2-حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي "صلى الله عليه وسلم"قال: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".
    وجه الاستدلال: أن إتيان رخص الله سبحانه وتعالى مرغب فيها والفطر في هذه الحالة رخصة، فكان أفضل.
    3- أن الفطر في هذه الحالة أيسر على المسن فكان أفضل.
    القول الثالث: أن الصوم أفضل، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية.
    قال الكاساني: " ثم الصوم في السفر أفضل عندنا إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه".
    وقال ابن رشد: " هل الصوم أفضل أو الفطر؟ إذا قلنا أنه من أهل الفطر على مذهب الجمهور، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب، فبعضهم رأى أن الصوم أفضل، وممن قال بهذا القول مالك، وأبو حنيفة، وبعضهم رأى أن الفطر أفضل... وبعضهم رأى أن ذلك على التخير وأن ليس أحدها أفضل".
    واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
    1- قوله سبحانه وتعالى÷"صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم""صلى الله عليه وسلم"&u�yzé&4’n?t&#22 7;u"صلى الله عليه وسلم"š&#250;ï&#207;%©!$ #¼çmtRqà)‹&#207;&#220;&#2 27 ;ƒ×ptƒô‰&#207;ù&#227;P$ yès&#219;&ûü&#197;3&#243;&# 161;&#207;B(`yJsùt&#237;§qs& #220;s?#[Ž&#246;�yzuq&#223;gsù&#214 ;Ž&#246;�yz¼&#227;&©!4b" صلى الله عليه وسلم"&u"صلى الله عليه وسلم"(#q&#227;Bq&#221;&#19 3;s?&#214;Ž&#246;�yz&#24 6;Nà6©9(b&#206&#243;OçFZ&#228;.tbq&#223;Jn= ÷ès?&#199;&#202;&#209 ;&#205;&#200;&#225; .
    وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية الكريمة الأعذار المبيحة للفطر، ثم بين في نهايتها أفضلية الصوم بقوله: فدلت الآية على أن الصوم أفضل.
    ونوقش هذا الاستدلال بأن حكم الآية منسوخة؛ وذلك لأن في البداية كانت فرضية الصوم على وجه الخيار، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً ثم نسخ فله الخيار في حق من يستطيع الصيام ولا يشق عليه ذلك مشقة شديدة، وبقي الحكم في حق أصحاب الأعذار، وبناء على هذا لا يصح الاستدلال بالآية على هذا الوجه.
    2- حديث أنس t قال: سئل رسول الله "صلى الله عليه وسلم"عن الصوم في السفر، فقال: «من أفطر فرخصة ومن صام فالصوم أفضل».
    وجه الاستدلال: أن الحديث دل على أن الأفضل الصيام لكونه عزيمة، والفطر رخصة، فالإتيان بالعزيمة أفضل من الرخصة.
    ونوقش هذا الدليل يقول العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-: " والصواب في هذا الحديث الوقف، وأنه شاذ مرفوعاً".
    ومع ذلك يمكن أن يناقش من وجهين:
    الأول: أنه معارض بأحاديث ثابتة عن النبي "صلى الله عليه وسلم"كقوله: «ليس من البر الصوم في السفر».
    الثاني: أنه محمول فيما إذا كان المسافر لا يجد مشقة في الصيام بأن كان سفره مريحاً، وأما إذا كان سفره شاقاً يشق معه الصوم فالأفضل الفطر جمعاً بين الأحاديث.
    3- أن المريض والمسافر إما أن يصوما في رمضان أو في غيره، ورمضان أفضل الوقتين فكان الصوم أفضل من الفطر.
    ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأن ذلك أفضل إذا كان لا يشق عليه مشقة شديدة تضر به، وأما إذا كانت تضر به فالفطر أفضل لأنه أيسر.
    4- أن الفطر في هذه الحالة رخصة، والصيام عزيمة، والإتيان بالعزيمة أفضل، فكان الصيام أفضل.
    ويمكن أن يناقش بعدم التسليم بأن الإتيان بالعزيمة أفضل في جميع الحالات، بل الإتيان بالرخصة عند تحقق موجباتها أفضل ولاسيما إذا كان الإتيان بالعزيمة يسبب ضرراً وحرجاً شديدين.
    القول الرابع: استواء الفطر والصوم، وإلى هذا ذهب بعض العلماء.
    واستدل أصحاب هذا القول بما يلي والمعقول:
    1- ما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري t قال:" كنا نغزو مع
    رسول الله "صلى الله عليه وسلم"في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن".
    وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على استواء الأمرين.
    ويمكن أن يناقش الحديث بأنه يدل على استواء الأمرين إذا كان الصيام لا يؤدي إلى مشقة شديدة، وأما إذا كان يؤدي إلى مشقة وحرج شديدين فالفطر أفضل.
    2- ما ثبت من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله "صلى الله عليه وسلم"عن الصيام في السفر فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر».
    وجه الاستدلال: أن النبي "صلى الله عليه وسلم"خير السائل بين الأمرين فدل على استوائها.
    ويمكن أن يناقش بأنه محمول على استواء الأمرين إذا لم تكن هناك مشقة في الصيام، وأما إذا كان يؤدي إلى المشقة، ولاسيما المشقة الشديدة فالفطر أفضل جمعاً بين الأدلة.
    الترجيـح:
    ولعل الراجح -والله تعالى أعلم- هو القول بكراهية الصيام في هذه الحالة، لما يلي:
    1- أن في الصيام مع المشقة الشديدة إضرار بالنفس بل فيه خوف هلاكها، وهذا منهي عنه في الشريعة.
    2- أن هذا القول متوافق مع أصول الشريعة وقواعدها العامة المقتضية للتيسير ورفع الحرج، وعدم الإضرار بالنفس.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية

    مفهوم الصدقة وعلاقتها برمضان
    الصدقة لها مفهومان: مفهوم عام واسع شامل لكل خير: (تعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة) ، فهذا من مفهوم الصدقة العامة الشاملة، وللصدقة نوع آخر أخص من سابقه، وهي الصدقة الجارية، التي لها أجر بالغ في إزالة الشح والبخل عن الإنسان، وهذا الأثر التربوي هو الذي نحتاج إليه؛ فإن كثيراً من الناس لا يشعر بأنه بخيل، بل يظن نفسه كريماً، لكنه إذا راجع نفسه لن يذكره الشيطان بما أنفق من ماله إلا ما كان في سبيل الله ليستكثره، ومن هنا لا يستشعر أنه بخيل في التعامل مع ربه الكريم الذي أنعم عليه بأنواع النعم، ولطف به بأنواع الألطاف، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] .
    والصدقة إذا أطلقت في الكتاب والسنة فيقصد بها الزكاة المفروضة والنافلة، فقوله صلى الله عليه وسلم: {فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم} وقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة:60] يعني: الزكاة، فهي تشمل هذا وهذا والحمد لله.
    وأصل الصدقة مأخوذة من الصدق، ولهذا يلزم المتصدق أن يكون صادقاً، فإن كان كذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله يقبل الصدقة بيمينه، ثم يربيها للعبد كما يربي أحدكم فلوه) ، والفلو: هو المهر، فكما أنك تربي فرسك فيكبر على عينك -ولله المثل الأعلى- فإن الله عز وجل يأخذ الصدقة بيمينه فيربيها للعبد حتى تصير كأمثال الجبال! وهناك كثير من العباد يفاجئون بمثل هذه الحسنات التي ما كانوا يتوقعونها، يتصدق بصدقة وهو مخلص فيها ثم نسيها، فيفاجأ هذا الرجل بجبال من الحسنات من أين هذه الجبال؟! إنها من الصدقة التي وضعها يوماً ما في يد مسكينٍ أو فقيرٍ أو معول ونسيها: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:75] ، في كتابٍ عند الله تبارك وتعالى.

    العلاقة بين الصوم والإنفاق
    ونحن نستقبل موسم التقوى نؤكد على هذه الصلة الوطيدة بين الصيام والإنفاق والجود، ولقد كان المثل الأعلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فهو الذي يكشف لنا عن حقيقة هذا التلازم وهذا الترابط الوثيق بين رمضان والصيام وبين الإنفاق والصدقة، ففيما روى ابن عباس رضي الله عنهما، (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس) ، فهل هناك تعبير أبلغ من هذا؟ هو أجود الناس، أي: بلغ الرتبة العليا في الكرم والجود والسخاء.
    ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم (كان أجود الناس) هذه المرتبة العليا، فهل بعد ذلك من شيء؟ لا.
    قال: (وكان أجود ما يكون في رمضان) أي: يزداد جوداً إلى جود، وكرماً إلى كرم، وعطاءً إلى عطاء، وسخاءً إلى سخاء.
    (فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) تعبير بليغ.
    (الريح المرسلة) أي: المطلقة.
    فهل تتقسط؟ وهل تأتي شيئاً فشيئاً؟ إنها تأتي مندفعة قوية هادرة، وكذلك كان هذا الوصف لجود المصطفى صلى الله عليه وسلم، وللأسف الشديد كذلك نذكر المال الذي ينفق على عكس مراد الله، وعلى عكس هذه الصورة المشرقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الإنفاق للصد عن الدين ولإغراق المسلمين في الغفلة والهوى والشهوة، كما أسلفت في ذلك، وينبغي أن ننتبه إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ، وأخبرنا الحق جلا وعلا فقال: {أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة:267] ، والكسب الخبيث الذي نرى صوره -كما قلت- معلنة محرم مقطوع بحرمته ليس فيه خلاف، وليس هناك تشدد بالقول بحرمته؛ لأن الآيات بذلك نطقت، والأحاديث بذلك شهدت، ومع ذلك نرى صوره كل عام تتكرر وتزداد، ولعلنا نستحضر أمراً وإن كان الفارق موجوداً، لكننا نقوله حتى نتعظ ونعتبر: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَه َا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال:36] ، هذه صورة لأهل الكفر.
    وللأسف أن بعض أهل الإسلام يوافقونهم في ذات العمل: {يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} تكون العاقبة مشابهة {فَسَيُنفِقُونَ َا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال:36] ، نسأل الله عز وجل السلامة.
    وقال تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران:116] ، هذه صور خطيرة نحذر منها كل من يشارك فيها، وكل من يسعى لها، حتى المتصل إذا اتصل بهذه القنوات الفاسدة التي تستخدم الطرائق المحرمة والتي فيها ما فيها، فهو يسهم كذلك بمال في جانب وعمل وميدان محرم فيكون مشاركاً في الإثم، نسأل الله عز وجل السلامة: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:55] ، وقد اشتكى وشكا موسى عليه السلام من ذلك الحال الذي كان عليه فرعون قوة ومالاً، ثم دعا دعاءه الشهير: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} [يونس:88] ، وهذه الدعوات التي نسأل الله عز وجل أن تنصرف عن كل من يتذكر ويتعظ ينبغي أن يحذر منها الغافلون والسالكون في هذه المسالك الخطيرة ذات العواقب الوخيمة، نسأل الله عز وجل السلامة.
    والحق جل وعلا يقول: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276] ، فلن يزداد الخير ولن يضاعف أجر، ولن تكون بركة إلا فيما هو في مرضاة الله، وأما كل ما هو زيادة فيما هو من الحرام فإنها زيادة سحت له عاقبة في الدنيا قبل الآخرة، وأظن الشواهد عند كل أحد كثيرة، ويكفينا في ذلك الوعيد الشديد الوارد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم المروي من طرق شتى: (كل جسم) ، وفي رواية: (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) .
    نسأل الله عز وجل السلامة.
    ونتأمل كيف كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن مسعود في البخاري قال: (لما نزل فضل الصدقة كنا نحامل) أي: ليس عندنا مال.
    ومن ليس عنده مال فليس عليه زكاة، ولا تطلب منه الصدقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصدقة ما كان عن ظهر غنى) ، يعني: بعد أن تستغني تصدق بما يزيد.
    لكن الصحابة المحبين للخير الراغبين في الأجر يقولون: (كنا نحامل) أي: يعمل أحدهم حاملاً، فيحمل حتى يأخذ أجراً.
    لماذا يأخذ هذا الأجر؟ هل ليوسع على أهله وليدخر قرشه الأبيض ليومه الأسود؟ كلا.
    إنما يريد أن يحصل على شيء من المال لكي ينفق فيكتب من المتصدقين ويكون من المنفقين، فإذا كان هذا فما حال الذين عندهم فائض ثم لا ينفقون ولا يكتبون في هذا الباب؟ وحديث أبي سعيد الخدري يدل على ذلك: (من كان له فضل ماء فليعد به على من لا ماء له، من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، من كان له فضل طعام فليعد به على من لا طعام له، قال: حتى ظننا أن لا حق لأحد منا فيما فضل من ماله) .
    فهذه فرصة عظيمة، وينبغي أن لا نجعل إنفاقنا في شيء مما حرم الله، وأن نسارع إلى تلك الميادين، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته ومرضاته
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية

    فضل الصدقة والبذل والإحسان
    ينبغي للمسلم أن يبذل وينفق ويحسن من مال الله الذي أعطاه، فهو يرى بنفسه كثرة المصائب والمحن على المسلمين، وأن في كل مكان مأساة، فلماذا إذاً نبخل؟!
    لماذا يضيق بعض الناس ويتبرّم من كثرة الهيئات الخيرية، والمؤسسات الدعوية التي تطالبه بالبذل والعطاء؟! إنها ظاهرة صحية، ودليل على صحوة الأمة وقيامها بواجباتها تجاه المسلمين في كل مكان.
    إن الجميع يشهد بالخير لهذه البلاد بهيئاتها ومؤسساتها الخيرية، ويذكرها بالفضل والإحسان لمد يد العون للمسلمين في كل مكان، وفّق الله القائمين عليها لما يحبه ويرضاه، وأعانهم على ما فيه خير للإسلام ونصرة لهذا الدين.
    ولكن الخرق اتسع على الراقع، ومن حق إخواننا في الهيئات والمؤسسات الوقوف معهم وبذل المال لهم، والذب عن أعراضهم، والدعاء لهم، فأنت تدفع المال فقط، وهم ينظمون ويخططون ويسافرون ويتعرضون للأخطار، قاموا بواجب النصرة ومد يد العون على قدر ما يجدون ويستطيعون، فهل بعد هذا نضيق بكثرة طلباتهم؟! إنهم لا يطلبون لأنفسهم شيئا، ولا يعملون بمقابل، إنما هو لك يصل لمستحقيه؛ لتعذر أمام الله {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60].
    ثم لماذا هذا الإمساك العجيب عندما ينادي منادي الإنفاق للمسلمين؟! يا سبحان الله! هل حدثتك نفسك وأنت تدفع مائة ريال أو ألف ريال أنك دفعت ثلث مالك؟! هنا يأتي الدليل على صدق الانتساب إلى هذا الدين، والدليل على حمل هم المسلمين، والصدق لنصرة المسلمين، وصدق الدمعة التي تسيل.
    {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران:92] .
    إن أبا بكر تبرع بماله كله، وعمر بنصفه، وعثمان جهز جيشا للمسلمين، هكذا فلتكن النصرة للمسلمين، وهذا هو صدق اليقين بما عند رب العالمين: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل:96] {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص:60] .
    هكذا فلتكن النصرة، بمثل هذه الصراحة مع أنفسنا، وبمثل هذا التفكير نجد الإجابة عن الذل الذي نعيشه والهوان الذي أصابنا، نجد الإجابة عن حال المسلمين ومآسيهم في كل مكان إنه حب الدنيا وكراهية الموت، والإسراف على الشهوات والإمساك في الواجبات.
    انظر إلى نفسك عند شراء الطعام والشراب، بل عند شراء الجرائد والمجلات انظر إلى نفسك عند بناء البيت وتأثيثه.
    انظري إلى نفسك أيتها الأخت! عند شراء اللباس وأدوات الزينة، وملابس الأطفال وألعابهم، كم ننفق على أنفسنا وشهواتها، وكم ننفق لنصرة ديننا وعقيدتنا؟! {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] لنغير ما بأنفسنا، ولنقوِ الصلة بيننا وبين ربنا لنحي قلوبنا بكثرة ذكر الله؛ لتكون لينة رقيقة رحيمة شفيقة، لنبذل أموالنا وأنفسنا من أجل ديننا وعقيدتنا.
    إن من منع ماله في سبيل الله منع نفسه من باب أولى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ} [التوبة:111] أفلا تريد الجنة؟ لماذا إذاً هذا الصيام؟ لماذا هذا القيام؟! إن الأمر إعداد للقلوب لتتصل بعلام الغيوب، ليس تجويعاً وتعطيشاً أو تعبا أو سهراً، بل لتعويد هذه القلوب على الصبر والمرابطة، والسهر من أجل الله، عندها يهون عليها بذل المال، بل حتى بذل النفس في سبيل الله، لهذا كان الرجل ينفق ماله كله أو نصفه في سبيل الله، وما قيمة المال وقد بذل نفسه من قبل؟! فإياك والبخل {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} [محمد:38] .
    وإن كنت فقيراً معدماً، أو لم تجد ما تنفقه على إخوانك فهناك وسيلة أخرى، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الدال على الخير كفاعله) فلماذا لا تجمع المال من أهلك وجيرانك وأحبابك وخلانك؟! نعم.
    كن حصالة للمسلمين، تجد الخير العميم والأجر العظيم من رب العالمين.

    ذكر أحد الإخوة أنه قبض على مزارع في أحد المزارع هنا، هندوسي لا يقرأ ولا يكتب، وكان يدور على المزارعين الهندوس في المزارع القريبة منه ويجمع التبرعات، أتدري لماذا؟! إنه يجمع الأموال من أجل بناء المعبد الهندوسي مكان المسجد البابري، بعد أن تنادى الهندوس لجمع التبرعات لبناء هذا المعبد، وقبل ذلك تجمّع آلاف الهندوس وهم يحملون فئوسهم ومعاولهم لهدم المسجد، وهُدم حجراً حجراً، وقتلوا آلاف المسلمين الذين تحركوا لحماية مسجدهم، لكنهم ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، ثم تنادوا لجمع التبرعات لبناء المعبد الوثني على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي بأسره.
    إنه رجل وثني عامي جاهل كبير في السن، جاء يبحث عن لقمة العيش ليسد بها جوعته، وهو في غربة بعيد عن الأهل والزوج والولد، ومع ذلك ما شغله ذلك كله عن أن يتحرك لنصرة وثنيته، وحمْل الهمِّ لحجر لا يضر ولا ينفع يعبد من دون الله.
    فأين أنتم يا أهل التوحيد! يا من تسجدون وتركعون لله وحده؟! أين أنتم من نصرة دينكم؟ وأين الهمُّ لإخوانكم المستضعفين المضطهدين في كل مكان؟ أين أنتم يا من تنعمون بمال الله؟! إن من يبخل اليوم بماله يبخل غداً بنفسه، وبئس القوم نحن إذ لم نقدم أموالنا وأنفسنا من أجل ديننا وعقيدتنا.
    صور مشرقة لنفوس مسلمة: إن ثمة صوراً نسمعها تتردد هنا وهناك، تحكي جانباً مشرقاً لنفوس مسلمة، نجد فيها ذلك الإنسان الذي نفتش عنه، أذكر منها: ذلك الغلام الصغير يوم أن جاء لمناسبة عائلية يحمل بين يديه علبة حليب فارغة، وقد كتب عليها (تبرعوا لإخوانكم المسلمين) أخذ يدور بها على الرجال فرداً فرداً، فلما انتهى نقلها إلى النساء، فلما سألته: من أين لك هذه الفكرة؟ ذكر أن أستاذه تكلم اليوم عن أطفال الصومال الجائعين، وما يجب لهم علينا كمسلمين!! فهل نعجب من هذا الطفل الصغير، أم من أستاذه الكبير؟! وسمعت عن ذلك العامل المصري الذي جاء يبحث عن لقمة العيش، لما سمع منادي الصدقة وحال إخوانه، لم يجد ما يتصدق به إلا ساعة كانت تلف معصمه، مدها لإمام المسجد وهو يقول: والله الذي لا إله غيره! لا أملك سواها، فلما علم به تاجر غيور اشتراها بألف ريال.
    وأولئك الأطفال الذين تبرعوا بكرتهم لأطفال الصومال -كما يقولون-.
    وتلك الفتاة المعوقة التي تبرعت بعربتها لمعوقي البوسنة والهرسك.
    وتلك المرأة التي جمعت حليها فتصدقت بثمنه لمسلمي البوسنة والهرسك.
    وذلك الطفل الصغير في الصف الأول الابتدائي يدفع فسحته -ريالاً واحداً- لأستاذه نصرة منه لأطفال البوسنة.
    وتلك الطفلة الصغيرة التي جاءت لأبيها تدفع له حصالة العمر تبرعاً للمسلمين.
    وذلك التاجر الذي ما كفاه دفع الآلاف للمسلمين، بل سافر بنفسه ليرى بعينه، ويمد بيده، ويقيم المساجد والمشاريع.
    والصور والمواقف كثيرة، وليست غريبة على قلوب خالط الإيمان شغافها.
    إنها عواطف ومشاعر ذلك الإنسان الذي نفتش عنه لو صاحبها همُّ دائم، ودعاء لا ينقطع، وجهد مستمر مستطاع.
    أكّد ابن القيم أن للصدقة أثرٌ عجيبٌ في قبول الدعاء، وبل وفعل المعروف أياً كان: [فصنائع المعروف تقي مصارع السوء] .
    كما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
    والله عز وجل يقول عن يونس عليه السلام: {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات:143-144] .
    والصدقة مكفرة للخطايا، وهي توسع صدر العبد، وعدها ابن القيم في زاد المعاد من أسباب شرح الصدر، وكذلك وصف صلى الله عليه وسلم رجلين كريماً وبخيلاً، برجلين عليهما جبتان، فلا يزال الكريم ينفق فتتسع الجبة ولا يزال البخيل يمسك فتضيق عنه، فيقول أبو هريرة: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع} يعني الجبة من ضيقها، ولذلك نفوس البخلاء من أضيق النفوس؛ لأنهم ما بذلوا، ونفوس الكرماء من أشجع النفوس ويقولون: في الغالب تجتمع للكريم الشجاعة، وللشجاع الكرم، وغالباً يجتمع في البخيل الجبن وفي الجبان البخل، فتجد الشجاع دائماً كريماً؛ لأنه يجود بنفسه صباح مساء، يقول بعضهم:
    شهر رمضان شهر الجود والإنفاق، شهر النفوس السخية والأكف الندية، شهر يسعد فيه المنكوبون ويرتاح فيه المتعبون، فليكن للمسلم فيه السهم الراجح، والقدح المعلى، فلا يترددن في كفكفت دموع المعوزين واليتامى والأرامل من أهل بلده ومجتمعه، ولا يشحنَّ عن سد مسغبتهم وتجفيف فاقتهم، وحذاري من الشح والبخل فإنهما معرة مكشوفة السوءة! لا تخفى على الناس فتوقها، ناهيكم عن كون النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ ربه منهما، بل إن الجود والكرم كانا لزيما رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، في حين أنه يتضاعف في رمضان حتى يكون كالريح المرسلة، وفي الصحيحين: {أنه صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئاً فقال: لا} .

    إضافة إلا أن نتاج هذا التحميض غير قاصرٍ على سعادة ذوي المسكنة وحدهم، بل يرتد أمانة حتى إلى الباذلين أنفسهم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثدييهما إلى تراقيهما؛ فأما المنفق فلا ينفق إلا صبغت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع} رواه البخاري ومسلم، والمعنى هنا ظاهر عباد الله! فإن الجواد السخي إذا هم بالصدقة، انشرح لها صدره، وطابت بها نفسه، وتاقت إلى المثوبة فتوسعت في الإنفاق، ولا يضيره الحديد، بل هو يتسع معه حيثما اتسع، ولا غرو في ذلك فإن الجواهر ولو كانت تحت التراب فهي جواهر، والأسد في قفص الحديد أسد ولا شك، بيد أن البخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه، وأحس كأنما يعطي من عمره وفؤاده، حتى يعيش في نطاقٍ ضيق، لا يرى فيه إلا نفسه، غير مكترثٍ بالمساكين {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} [المعارج:37] ، مثل هذا ولا شك قد وضع الأسر والأغلال في يده، وجعلها مغلولة إلى عنقه قال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً} [الإسراء:100] ، ولكن ليس شيءٌ أشد على الشيطان وأبطل لكيده وأدحر لوسواسه من الصدقة الطيبة قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:268] .
    {والصدقة برهان} لا بد أن تجري الصدقة في عروقنا ودمائنا، أما أن تكون منا أمة يعيش أحدهم متخماً، اللحم عنده تشبع منه القطط، وتموت حبطاً في القمامة، وأمة أخرى تموت جوعاً وعرياً على التراب، فلا.
    لا بد أن يكون هناك توازن؛ تنقص من وجبتك لتعطي جارك {ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع} يتخم ويلعب بالملايين المملينة، وجاره ينام على الرصيف، ولا يجد ما يحمله، ولا يجد ما يسد رمقه، فأين الجوار؟! أين الإيمان؟! أين إياك نعبد وإياك نستعين؟! أين دور {والصدقة برهان} ؟! أين دورها في الحياة؟! يقول أبو تمام:

    إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن
    وإن أولى الموالي أن تواليهم عند السرور الذي واساك في الحزن
    وقال حاتم الطائي لامرأته:

    إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي
    لله هذه البطولة! يقول: إذا صنعت الزاد وقدمته على السفرة، فلن آكله حتى تأتي بضيف معي.
    إبراهيم عليه السلام عاهد الله ألا يأكل إلا مع ضيف، وقال لمواليه وعبيده: من أتى منكم بضيف فهو عتيق لوجه الله، فكان الواحد منهم يحرص على الضيف كما يحرص الأعمى على شاته.
    ويوم يضم عليك القبر لا يوسعه عليك إلا الصدقة، يوم تدنو الشمس من الرءوس ويبلغ الكرب النفوس، لا يظلك يوم القيامة إلا صدقتك، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261] .
    يقول عليه الصلاة والسلام: {كل إنسان في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس} ويقول عليه الصلاة والسلام: {ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وملكان يناديان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم أعط ممسكاً تلفاً} فالله الله في الصدقة، والتقرب بها بالقليل والكثير، فإنها لا تضيع عند الله الذي لا تضيع ودائعه، في خزائن عند الله يوم العرض الأكبر، يقول عليه الصلاة والسلام: {إذا تصدق العبد بصدقة، فإن الله يقبلها بيمينه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى تبلغ مثل جبل أحد} .
    قال الصحابي: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء فقالت: لِمَ يا رسول الله؟! قال: لأنكن تكثرن الشكاة -الشكاية والتذمر والتأفف- وتكفرن العشير -وهو الزوج، تجحدن نعمته وحقه- قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن) .
    هكذا كان موقف نساء الصحابة مع أنهن أفضل نساء الأمة، يتصدقن ويلقين بأقراطهن في ثوب بلال والرسول صلى الله عليه وسلم يذكرهن.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية


    ما نقص مال من صدقة
    لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الشح الذي يحمل بني آدم على منع الصدقة، برغم أنهم لو تصدقوا لكان خيراً لهم، ولذلك أقسم النبي عليه الصلاة والسلام -مع أنه قلما يقسم في الأحاديث- فقال كما رواه الترمذي وغيره: (ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة ... ) ، فإذا كان معك مائة ريال، فتصدقت منها بعشرة ريال، فلا تظن أنه بقي معك تسعون ريالا؛ لأن مالك لم ينقص بل ازداد، ولكن العبد يريد أن يرى كل شيءٍ بعينه، وينسى أن صحته أغلى من ذلك، بدليل أنه لو أصابك مرض لأنفقت أموالك في العلاج.
    فكونك صحيحاً هذا مال وكون ولدك صحيحاً مال وكونك في عافية هذا مال تصفو أملاكك كما هي هذا مال بيتك كما هو هذا مال وقس على ذلك، ولكن الناس لا يحسون إلا بالنعمة الظاهرة؛ ولذلك قلما يحمد الله تبارك وتعالى من ينظر هذه النظرة.
    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقسم على هذا ويقول: ما نقص مالٌ من صدقة) ، والله عز وجل أقسم كذلك، ومن المعلوم أن العباد في شك من الأشياء المقسم عليها؛ ولذلك فإن الخطاب الشاذ في الشيء يحتاج إلى نوع تأكيد، قال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات:23] ما هو؟ {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} [الذاريات:22-23] .
    لأن كثيراً من العباد لا يتصورون أن رزقهم في السماء، ولماذا جعل الرزق في السماء؟ حتى تطمئن أنه لن يستطيع مخلوقٌ أن يقطع رزقك: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:22] ، فإن كنت لا تصدق أن رزقك في السماء: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي: إن هذا الكلام حق، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) .
    أأنت تتكلم؟! فإن كنت لا تشك في أنك تتكلم الآن فإياك أن تشك أن رزقك في السماء.
    وقد كان بعض السلف إذا تلا هذه الآية بكى، وقال: من أغضب الجليل حتى حلف على هذا، ونحن نصدقه بلا حلف.
    فالأشياء التي يلتبس على العباد معناها تؤّكد، كقول إبراهيم عليه السلام لما أراد أن يعدد مناقب إلهه وإلهنا العظيم تبارك وتعالى، في مقابل هؤلاء الكفرة الذين يعظمون الأحجار، قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:77-78] ، تأمل في النظرة! {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء:79-81] .
    وقد جيء في الآيات الثلاث الأول بضمير الرفع المنفصل (هو) {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:78-80] (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) ولم يقل: (فهو يحيين) إنما قال: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء:81] ، فلماذا جيء بضمير الرفع المنفصل على سبيل التأسيس في الثلاث الأول دون الرابعة؟ لأن الثلاث الأول فيها لبس عند العباد: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} ، فكثير من الناس الذين تداركتهم عناية الله تبارك وتعالى، يقول: لقد كنت ضالاً فهداني فلان.
    فيخطئ بعض الناس فيجعل ما لله تبارك وتعالى للعبد، مع أن الذي هداه في الحقيقة هو الله عز وجل، وما هذا إلا سبب، فلما التبس على العباد معنى الهداية ومن الذي هدى العبد أم الرب تبارك وتعالى؟ فنحتاج أن نؤكد بضمير الرفع المنفصل أن الذي يهدي هو الله فقط؛ ولذلك أُكّد هذا المعنى بضمير الرفع الذي لا محل له من الإعراب: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78] .
    {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء:79] ، يقول بعض الناس: فلان أطعمني وسقاني.
    وهذا منتشر كثيراً، فأراد إبراهيم عليه السلام أن يؤكد أن الذي يطعم ويسقي هو الله تبارك وتعالى لا غيره، وهذا موجود -كما قلت- في كلام العباد، فأكد بضمير الرفع المنفصل: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء:79] .
    {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:80] لأن كثيراً من الناس ينسبون الشفاء للطبيب، ولا ينسبونه إلى الله تبارك وتعالى صحيح أنهم يعتقدون أن الله هو الشافي؛ ولكن الكلام الذي يخرج من أفواههم: إن الطبيب هو الذي أزال العلة.
    وتأمل الأدب في قوله عليه السلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ) ، فقد في الأول: (الَّذِي خَلَقَنِي) ، (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي) ، ولم يقل: والذي أمرضني، أو وإذا أمرضني فهو يشفين وإنما نسب المرض لنفسه، كقول الخضر عليه السلام لما خرق السفينة: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79] ، مع أنه قال في نهاية المطاف: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف:82] ، فأنا مأمورٌ بهذا من قبل رب العالمين، لكن عندما جاء ذكر العيب نسبه إلى نفسه تأدُباً، ولما جاء ذكر الرحمة في قصة الجدار قال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف:82] ، فنسبها إلى الله تبارك وتعالى.
    فكل هذه المعاني قد تلتبس على العبد، ولذلك أُكدت بهذا الضمير الذي يفيد أن الفاعل هو الله عز وجل، لكن عندما أتى إلى الصفة الأخيرة لم يحتج إلى هذا الضمير؛ لأنه لا يختلف اثنان في الأرض أن الذي يخلق ويميت هو الله عز وجل، ولذلك قال: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء:81] ، فلا يشك أحد أن الذي يميت ويحيي هو الله تبارك وتعالى؛ ولذلك لم يحتج إلى ضمير الرفع.
    إذاً: المسائل التي فيها بعض اللبس تؤكد، لكن لا يلتفت إلى هذه المؤكدات إلا قليل من الناس.
    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (ما نقص مالٌ من صدقة) ؛ لأنك عندما تتصدق -مثلاً- بجنيه، فالحسنة بعشر أمثالها، ويزيد الله تبارك وتعالى تفضلاً منه إلى سبعمائة ضعف، فكم سيكون لك من جبال الحسنات عند الله عز وجل!! فهل نقص مالك؟ لم ينقص.
    وقد ورد في بعض الأحاديث أن الصدقة تدفع الضر عن العبد، وكل هذا مكتوب ومقدر عند الله تبارك وتعالى.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية


    لا تحقرن من المعروف شيئاً
    (لا تحقرن من المعروف شيئاً) ، تصدق وإن كان المال قليلاً وأخرج ما عندك، فالله تبارك وتعالى يربيها لك، وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يتصدق على من يقابله بالسكر، كان يحمل قطعة سكر في جيبه ويتصدق بها، فسُئِلَ عن ذلك فقال: قال الله عز وجل: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] ، وأنا أحب السكر.
    وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتصدق بحبات العنب، فَيُسأل: وما تغني حبة عنب، فإنها لا تشبع ولا تروي ظمأ ظامئ؟ فيقول: (إن فيها مثاقيل كثيرة، قال الله عز وجل: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} [الزلزلة:7] ) والذرة لا ترى بالعين المجردة، فلو فعلت مثقال ذرة خيراً لوجدته، فما بالك بحبة عنب! فإن فيها مثاقيل كثيرة.
    ويروى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تعطر الدنانير والدراهم قبل أن تتصدق بها، فتسأل عن ذلك؟ فتقول: إنني أضعها في يد الله تبارك وتعالى قبل أن تصل إلى يد المسكين.
    لقد أدبنا الله تبارك وتعالى أدباً آخر، فقال تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة:267] ، فإذا كان لديك تمر، أو أي شيء تريد أن تتصدق به، فإياك أن تتصدق بالرديء منه، مثلاً: بعض الناس لديه قميص ثمنه تسعون جنيهاً، ثم وهو يكويه كانت المكواة حارة فخرقته، فجاءني وقال: خذ هذا وتصدق به على مسكين، مع أنه لو لم يحرق هذا القميص لما خطر على باله أن يتصدق به، إذاً {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] ، فإنك لو كنت في مكان ذلك المسكين وجاءك رجلٌ بمثل هذا الرديء لما أخذته إلا على إغماض، لأنه رديء، قال تعالى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة:267] .
    فلا يجوز للمرء أن يعمد إلى الشيء الرديء ثم يتصدق به، إنما يتصدق بأجود ما عنده لماذا؟ لأنه يضع هذه الصدقة في يد الله تبارك وتعالى قبل أن تصل إلى يد المسكين.
    أورق بخيرٍ تؤمل للجزيل فما ترجى الثمار إذا لم يورق العود إن الكريم ليخفي عنك عسرته حتى تراه غنياً وهو مجهود بث النوال ولا تمنعك قلته فكلما سد فقراً فهو محمود وللبخيل على أمواله عللٌ زرق العيون عليها أوجهٌ سود وقال آخر: أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب وما الخصب للأضياف أن تكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب إن الكثيرين يستقلون ما لديهم من المال فيمنعونه، والقليل خيرٌ من العدم، وفي الحديث: {لا تحقرنَّ جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاةٍ} وفي حديث آخر: {ولو بظلف محرق} وفي حديث ثالث: {ولو بشق تمرة} إنه جهد المقل، وقد {سبق درهمٌ ألف درهم} بل الحرقة منك وفي قلبك تكفينا إذا لم تجد غيرها.
    والله مدح المؤمنين -أو بعضهم- من الفقراء والمعدمين بقوله: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة:92] ولقد أثنى الله عليهم في القرآن بدموعهم التي أراقوها، لأنهم لم يجدوا ما ينفقون، فإن وجدت مالاً فتصدق، وإن لم تجد فتكفينا دموعك، فهي دموع صادقة إن شاء الله، وربما تدخل الجنة وسوف تجد هذه الدموع في ميزان حسناتك يوم القيامة.
    أيها الأخ الكريم: إنك تتعذر منا بأنه ليس عندك مال.
    لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال وأنا لي معك حديثٌ في الأسبوع القادم، حديث ذو شجون، وقد جعلت عنوانه: دلوني على سوق المدينة، سوف أتحدث وأدلك على طرق كثر أنت غافلٌ عنها، وأزيل عنك الغشاوة في أمور كثيرة.
    إنه لا يجوز أبداً أن يكون أهل الإسلام وأولياؤه ودعاته وشباب الصحوة كلهم فقراء محتاجين، لقد رأيتك أيها الأخ الكريم مراراً، وأنت قادمٌ علي، فأيقنت أنك قادمٌ بعطاء سخي لإخوانك هنا أو هناك، فإذا بك تحمل أوراقاً تطلب فيها مساعدةً في سداد دين، أو تفريج كرب ألم بك، وأنت معذورٌ ربما، ولكن نريد منك أن تسعى إلى تغيير حالك وحال غيرك بقدر المستطاع.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية

    فضل النفقة على العيال

    في الحديث القدسي الذي رواه البخاري مرفوعاً: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ، وقال الحديث: (وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ مما افترضته عليه) إذاً فعلك لهذا الواجب هو أحبُّ شيءٍ تتقرب به إلى الله عز وجل، إن أردت أن تتقرب تقرب بما افترض عليك، أما النافلة فتقتضي زيادة الحب، (ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) .
    لو أردنا أن نقرب هذا المعنى نذكر مثالاً -ولله المثل الأعلى- فنقول: لو كان لك خادم كلما أمرته بشيء امتثل، ولا يقول: لا، ولا يشكو عجزاً هذا -بلا شك- يكون محبوباً لديك، فإن علم هذا الخادم -بذكائه ومعاشرته لك- أنك تحب النظافة اليومية، وأنك تحب أن تقص الشجر، أو تقطف الورود ففعل هذا بغير أن تأمره، ألا تزداد له حباً؟ تزداد له حباً بطبيعة الحال.
    وكذلك الله تبارك وتعالى عندما تتقرب إليه بما فرضه عليك فهذا أحبُّ شيء إليه عزوجل، فإن زدت ذلك نافلة من عندك زاد حبه لك، صح عند النسائي وغيره، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله ليضحك إلى العبد يكون النوم أحب شيء إليه، ثم يقوم يتملق ربه بركعتين) كل أمنيته أن يصل إلى فراشه من شدة التعب، ولكن توضأ ووقف بين يدي الله عز وجل يتملق -تأمل هذا اللفظ- يتملق ربه بركعتين، فالله تبارك وتعالى يضحك لمثل هذا العبد.
    النفقة على العيال واجبة، لذلك لا يجوز أن تخرج الزكاة للأصول أو للفروع، لا يجوز أن تعطي زكاة مالك لأبيك وأمك ولا لأولادك لماذا؟ لأن لهم نفقة واجبة عليك، وإذا قصر الرجل في هذا الواجب فقد أباح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لـ هند بنت عتبة كما في حديث عائشة في الصحيحين، قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ قال لها: خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف) ، لو قصر رجل في هذا الواجب يؤخذ منه عنوة؛ لأنه واجب عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام لما أباح لها أن تأخذ حقها المفروض على زوجها أن يؤديه إليها، قال لها: (بالمعروف) هذه الكلمة مهمة جداً؛ لأنه لا يجوز للزوجة أن تتوسع في الأخذ من مال زوجها لتنفق على شهواتها، هذا ليس من المعروف، وهناك من يفسر كلمة (المعروف) بالعُرف، أي ما يتعارف الناس عليه في البيوت، وصار شيئاً ضرورياً في البيت، حتى وإن كانت الحاجة إليه ليست ماسة، قال: يجوز للزوجة أن تأخذ حتى تحقق هذا، أي العرف، وهو ما تعارفوا عليه، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه قد يتعارف الناس في بيئة من البيئات على شيء من الترف تمضي حياة المرء بدونه، فلا يجوز إذن للزوجة أن تتوسع وأن تأخذ ما تشتهي، إنما (خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف) فيفهم من هذا: ما يقيم صلبها وصلب أولادها.
    ويحكى أن رجلا لا يملك الكثير من المال، ويعمل في صنعة ما، فجمع أجره كله وذهب ليعتمر، وترك أهله دون أن يعطيهم شيئاً، وكان هذا في العشر الأواخر من رمضان، والعيد اقترب، والنفقات في رمضان بوجه عام تزداد، فهذا الرجل ما ترك شيئاً لأهله ولا لأولاده وذهب ليعتمر! فأخبروني -بالله عليكم- أهذا تصرف يرضاه الشارع الحكيم؟!
    الجواب
    لا؛ لأنه ذهب إلى سنة مستحبة له، وقد سبق له أن اعتمر، وسبق له أن حج، وضيع واجباً وراءه.
    كذلك حدث أن رجلاً خرج أربعين يوماً وترك أهله؛ وهو صاحب محل، فمعنى أن يخرج أربعين يوماً أي أنه أغلق المحل، وأثناء ذلك مرض ولده فأرسلوا إليه: إن ولدك مريض.
    فقال الأب: أنا آسف! لن أقطع هذا الخروج.
    قاد ولده السيارة من بيته إلى المستشفى وهو مريض، ودخل المستشفى، وكانت أمه ترافقه، ومات بالمستشفى، فأرسلوا إليه إن ولدك مات، فقال: لا أقطع الخروج! ضيع أولاده وراءه، ما ترك لهم شيئاً من المال ينفقونه، لو سلمنا أن هذا الخروج مستحب -مع كونه بدعة كما صرح بذلك أهل العلم- وتعارض مع فرض، فلا شك عند المبتدئين من طلبة العلم أنه يقدم أقواهما عند التعارض، فيقدم هذا الفرض وهو الإنفاق على العيال، لكن كثيراً من أولئك يقودهم الجهل بالنصوص الشرعية إلى مثل هذه التصرفات.
    النفقة على العيال واجبة، وذلك الرجل صاحب البستان إنما نال كرامة السحاب المليء بالماء، ويقيض من ينادي في هذا السحاب أن اسق أرض فلان، فيسميه باسمه، لأنه عادل؛ فقد قسم ماله إلى ثلاثة أجزاء بالعدل: ثلث لأولاده، وثلث يتصدق به، وثلث يرده في باطن الأرض، حتى ينبت هذا الحب مرة أخرى فيتمكن من القيام بهذا الواجب، والقيام بحق الفقراء والمساكين من الصدقة.
    وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) ، وفي لفظ أبي داود (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) أي: حسبه هذا الإثم، إن كان يريد أن يستزيد من الآثام حسبه أن يضيع من يعول، فهذا مما يدل على إثم تضييع الأولاد، والفضل في النفقة عليهم، وأن هذا من أفضل القربات عند الله عز وجل أن ينفذ الإنسان ما أمر به، ويكون واجباً عليه، أي فرضاً.
    قال صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) ، وفي رواية: (أن يضيع من يعول) ، وفي مسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) وكلمة (كفى إثماً) تدل على عظم هذا الإثم، أي: يكفيه من الإثم أن يضيع زوجته وأولاده، أن يضيع من يقوت، فلا يجوز أن تحبس النفقة عن الأولاد لأن الأولاد ليست لهم زكاة لماذا منعك الشارع أن تعطي الزكاة لأولادك أو لأبيك وأمك؟ فلا يجوز أن تعطي الزكاة للأصول ولا للفروع، فوالدك لا يجوز لك أن تعطي له الزكاة؛ لأن له نفقةً واجبة عليك، وكذلك أولادك لهم عليك نفقةٌ واجبة، فلا يجوز أن تضيع أولاك، بل إنك تتعبد الله تبارك وتعالى بإطعام أولادك.
    إن كثيراً من الناس يبخل على أهله وأولاده، ولا أدري الذي يبخل على أهله وأولاده سيكرم من؟ فإذا كان أخص الناس به يعانون من المجاعة وهو حاتم الطائي خارج بيته!! هناك رجلٌ يدخن أكثر من مائة سيجارة في اليوم الواحد، وكان يأخذ الدقيق من بيته فيبيعه ويشتري به شاياً وسكراً، ويأخذ الرز ويبيعه، والزوجة تخرج وتعمل في البيوت، وتتكفف الناس إن باطن الأرض أولى بهذا الرجل من ظاهرها، وحين مات ولده والله لم يوجد في بيته ثمن الكفن!! فانظر إلى أين وصلت التعاسة؟! فكفى بهذا الرجل إثماً أن يضيع من يعول، فضلاً عن الموبقات التي يرتكبها.
    فأنت بإنفاقك على أولادك تتعبد الله تبارك وتعالى بذلك، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه إذا كان بخيلاً، ولا ينفق على البيت.
    ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (جاءت هند بنت عتبة -امرأة أبي سفيان - رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، فهل علي جناحٌ أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ، فانظر إلى هذا الحكم (إن أبا سفيان رجلٌ شحيح) أي: لا يقوم بالنفقة الواجبة، فهل علي جناحٌ أو إثم أو حرج أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فلم يقل لها: لا، إن هذه خيانة لأن أبا سفيان قصر في الواجب الذي عليه، بل قال لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ، وكلمة (بالمعروف) حتى لا تتمادى الزوجة وتأخذ أكثر من حاجتها، ولو أخذت أكثر من حاجتها فإنها تعتبر خائنة آثمة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ، والمرأة ربما تجد لها سبباً فتقول: أنا أتمسك بظاهر الحديث (خذي ما يكفيك) ، وأنا لا يكفيني مرتبه ولا مرتب عشرة مثله، أنا محتاجة دائماً، والحديث يقول: (ما يكفيك) .
    إن بعض الأزواج -هداهم الله- يترك بيته وأهله بدون نفقة ويخرج، فتقول له المرأة: إلى أين أنت ذاهبٌ وتتركنا؟ وماذا أبقيت لنا؟ - فيقول لها: أبقيت لكم الله ورسوله.
    - فتقول: نريد مالاً.
    - فيقول لها: يا امرأة! هذا قول أبو بكر الصديق حين أعطى كل ماله للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله) .
    إن هذه كلمة حقٍ لا يراد بها الحق، لا أقول: يراد بها باطل؛ إنما أقول: لا يراد بها الحق، فقد وضعت في غير موضعها.
    فإن هذا الرجل لا يذهب بماله إلى شيء واجب ولا مستحب ولا مباح، بل قد يكون شيئاً محرماً، أما أبو بكر الصديق فإلى أين لما أخذ ماله؟ أليس لتأسيس اللبنة الأولى من هذا الدين؟ فأين هذا الإنفاق من ذاك؟ إن الفرق كبير بين إنفاق أبي بكر وإنفاق هذا الرجل.
    إن هذا يتركهم ويذهب، يجلس في المسجد يأكل ويشرب ويطبخ ويرجع، مع أن الله تبارك وتعالى قال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه:132] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) ، فليت هؤلاء أول ما يتجهون بالدعوة يتوجهون إلى بيوتهم، وإلى أولادهم، وإلى زوجاتهم، لكنه يدعو في الخارج ويترك أهل بيته يفعلون ما يشاءون، ويظن أن هذه قربة، إنها ليست قربة (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) ، ويتركهم أكثر من أربعين يوماً، وقد تكون له رحلة ستة أشهر -مثلاً- إلى بريطانيا أو إلى غيرها، ويدخل البلاد ويدعو إلى الله ادع في بلدك إن كنت من الصادقين، لكنه يقول: انظر إلى الآثار المترتبة على الدعوة هناك، عشرات الذين يؤمنون ويسلمون، فيقال: إن هذا ليس من خصائص المسلمين وحدهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) ، فلا تتصور أن المؤمنين فقط هم الذين يسعون لنصرة هذا الدين، بل إن بعض الفجار مرغمون ومسخرون لنصرته.
    فقد يأتي عالم مثلاً ويكتب كتاباً علمياً يهز العالم، ثم تجد له أصلاً في الكتاب والسنة! فكثير من الناس يؤمنون بسبب هذا الحديث أو بسبب تلك الآية، فنصر الله تبارك وتعالى وهذا الدين بهذا الرجل الفاجر.
    فالشاهد: أنه لا يجوز للمسلم أن يضيع من يقوت، بل عليه أن يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالنفقة على الأولاد والزوجة.
    وهذا الرجل الصالح: كان ينفق الثلث الثاني على أولاده.
    ولما كان بعض الناس يستخسرون في صرف الأموال على أهليهم، ويبخلون على زوجاتهم وأولادهم بالصرف جاءت هذه الأحاديث لتبين لك -يا عبد الله! يا أيها المسلم! - أجر الأموال التي تنفقها على أهلك، قال صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك -من المحتاجين- فإذا فضل عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا من الأموال التي تنفق في أوجه الخير) وقال عليه الصلاة والسلام: (ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة) إذا كنت تبتغي وجه الله.
    وقال عليه الصلاة والسلام: (ما أعطى الرجل امرأته فهو صدقة) بعض الناس يبخلون على زوجاتهم بالمصروف، يقول لهم عليه الصلاة والسلام: (ما أعطى الرجل امرأته فهو صدقة) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم) وقال عليه الصلاة والسلام: (نفقة الرجل على أهله صدقة) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة) فاحتسبوا إذاً هذه الأموال التي تنفق على أهاليكم من المصروفات اليومية، مصروف الأكل واللبس والسكن وغيره صدقة.
    (أربعة دنانير: دينارٌ أعطيته مسكيناً، ودينارٌ أعطيته في رقبة، ودينارٌ أنفقته في سبيل الله، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أفضلها الذي أنفقته على أهلك) رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو حديث صحيح.
    إن صدقة من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإنما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك إن تدع أهلك بخير خيرٌ من أن تدعهم يتكففون الناس.
    (ما كسب الرجل كسباً أطيب من عمل يده) و (ما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو له صدقة) .
    فإذاً يا عبد الله! أي دين أعظم من هذا الدين الذي يجعل حاجة الرجل النفسية في الإنفاق على من يعول صدقةً له؟! لكن نحن ننسى الاحتساب عندما ننفق على الأهل، وننسى الاحتساب عندما نشتري المأكولات من السوق، وننسى الاحتساب عندما نشتري ألبسة لأولادنا، وننسى الاحتساب ونحن ندفع إيجار السكن من أجلهم ومن أجلنا، إذا ابتغيت وجه الله فعليك الاحتساب.
    أيها المسلمون: الاحتساب: حضور النية عند إخراج المال أن ذلك لوجه الله، وتنفيذاً لحكم شرعي ودرء المفسدة الشرعية الأخوية عن النفس.
    (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) كل هذا صدقة، فإن لم يحصل كل هذا المعروف، يقول عليه الصلاة والسلام: (كف شرك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك) حديث صحيح.

    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية

    التصدق على أهل المعاصي
    وهناك أمر آخر، وهو: أن مهمتك أن تخرج الصدقة من عندك، وليست مهمتك أن تصل الصدقة إلى موضعها المرجو، فأنت مثلاً تنظر إلى بعض الجيران وهم يدخنون مثلاً، أو لا يهتمون بالأحكام الشرعية، وبعضهم يقصر في الصلاة، ولكنه فقير، فتقول: هذا الرجل لا يستحق الصدقة، سوف أعطيها لرجل ملتزم أفضل منه.
    قولك هذا صحيح، ونحن لا ننازعك فيه، ولكن نلفت نظرك إلى شيءٍ هام، وهو: أنك إن أعطيت بعض أهل المعاصي مثل هذه الصدقات فقد يرق قلبه، بالذات -مثلاً- الإخوة الملتحين، فإن كثيراً منهم متهم بغير جريرة، فبعض الناس يأخذ عنه فكرة أنه متشدد، ومتزمت، وأنه يكفر المجتمع، وهذا كله كذب؛ بسبب الدعاية المغرضة لأجهزة الإعلام الكاذبة الفاجرة، التي نسأل الله تبارك وتعالى أن يعامل القائمين عليها بعدله.
    فهؤلاء أسهموا بدورٍ فعالٍ جداً في تشويه صورة هؤلاء، وللإنصاف نقول: إن بعض هؤلاء الملتحين يسيئون إلى الإسلام ببعض الأحكام التي يتبنونها بحسن نية ولكن بجهل، وبعضهم يغلظ في النصيحة إغلاظاً شديداً حتى في غير موضعها؛ فيسبب نفرة في القلوب.
    وهناك عوارض كثيرة مجتمعة ليس المجال الآن مجال معالجتها وإفرادها بالذكر، ولكن نقول: إن هناك بعض العوام يخافون من الرجل الملتزم، فأنت إذا أعطيت ذلك الرجل هذه الصدقة فلعل قلبه يرق.
    وهناك قصة أخرى فقد كان هناك رجل يؤذي الملتزمين (المطاوعة) وقد رأيت بعض الناس وشخص يناديه: يا مطوع، فاعتبرها سبة، والتفت إليه وكاد أن يقتله! فالانتساب إلى السنة والالتزام شرف عظيم، بغض النظر عن هل يقولها سخريةً أو يقولها بجد- فكان يكرههم كثيراً، وبعد مدة حدث عنده حادث ولادة، فحصل لامرأته نزيف حاد واحتاجوا إلى دم، ولا يوجد دم في المستشفى، وهو قد تعرض لأهل السنة بالأذى كثيراً، حتى صار معروفاً لديهم من شدة ما يؤذيهم بلسانه، فقال له بعض الناس: لن يعطيك الدم إلا السنيون، فأنصحك بالذهاب إلى المسجد.

    فذهب الرجل على استحياء، وكان ذلك في صلاة الفجر، فقام وقال: إن امرأتي جاء لها نزيف حاد، فهل يعطيني أحد دماً لننقذها؟ فقام كل من كان في المسجد وذهبوا يتسابقون فماذا كانت النتيجة؟ لقد أصبح هذا الرجل من أشد المتعصبين الآن لهؤلاء! انظر إلى الإحسان! {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرحمن:60] ، فإياك أن تتصور أنك تقدم معروفاً ولا تلقاه قد تقابل ببعض الجحود، لكن لابد أن ترى هذه الثمرة يوماً ما، ولو أن هذا الرجل ذهب وقال: أريد دماً.
    فقالوا له: بعد هذا السب وهذا الأذى تريد دماً؟! فكيف سيكون حال الرجل؟ سيتحول إلى مقاتل شرس ضد هؤلاء.
    إننا نفتقر إلى هذه النماذج للدعوة، فانظر إلى الإحسان إلى أهل المعاصي كيف يحول قلوبهم بإذن الله، فلا تقل: لن أعطي لأحد من أهل المعاصي، بل إن المهتدين أولى أنا معك، لكن ألا يسرك أن تضم إلى ركب المؤمنين رجلاً آخر؟! هب أنك أعطيت هذا الرجل وظل على عناده، وأعطيته وظل على عناده، فلا تيأس، وانظر إلى حال نفسك: فقد كنت يوماً ما من المخرفين عن طريق الإيمان، فكم من رجالٍ هم الآن صفوة الرجال كانوا من ألد أعداء هذه الدعوة.
    وانظر إلى جيل الصحابة حين كانوا كفرة في الجاهلية كـ عمر بن الخطاب مثلاً، كيف حول الله عز وجل قلوبهم بعد ذلك! ولا تتعجل النتائج، واتل قول الله عز وجل: {كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء:94] ، ألم تكن من قبل كهذا الرجل فمن الله عليك وهداك إلى الإيمان؟! روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال رجلٌ: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج في الليل يخفي صدقته، فوجد امرأة في الطريق فأعطاها الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدِّق الليلة على زانية! فبلغ الرجل هذا القول، فقال: الحمد لله على زانية -كأنه رأى أنه لا أجر له طالما أنها لم تقع في موقعها الصحيح، وكان يريد أن تقع في يد مسكينٍ فقير حتى يؤجر، واستاء الرجل وأحس أن صدقته لم تقبل- لأتصدقن الليلة بصدقة -سأتصدق مرةً أخرى لعلها تقع في يد من يستحقها- فوجد رجلاً في الظلام فوضع الصدقة في يده، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على سارق! فقال الرجل: الحمد لله على سارق، لأتصدقن الليلة بصدقة -فرأى أن الصدقة لم تقبل ولم تقع في موقعها في المرة الثانية، فأراد أن يتصدق في المرة الثالثة عساها أن تقع في يد من يستحقها- فخرج فرأى رجلاً في الظلام فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على غني -ليس محتاجاً للصدقة، إذاً للمرة الثالثة لم تقع الصدقة في موقعها الذي يريده- فجاءه ملكٌ في صورة رجل فقال له: أما صدقتك فقبلت، أما الزانية فلعلها تتوب، وأما السارق فلعله يستعف، وأما الغني فلعله ينظر فيخرج الذي عنده) ، انظر إلى فائدة التصدق على أهل المعاصي! وكم من النساء انحرفت بسبب أنها ذهبت إلى بعض الرجال ليقرضها فلم تجد، فتتاجر بعرضها، ونحن نحفظ عشرات القصص في ذلك، وكثيرٌ منكم عنده في جعبته الكثير! إن بداية الانحراف لكثير من النساء سببه أنها لم تجد أحداً يعطيها، فتاجرت بعرضها، وتمرست على ذلك، ومع ذلك تسمعها تقول: أتمنى أن أتوب.
    فالمتاجرة بالعرض شيء سخيف جداً، وبشع للغاية، والمرأة البغي لا تشعر بأي متعة في هذا أي متعة تستمتعها المرأة؟! تتمنى أن تتوب، لكن من يكفلها؟! فالصدقة والزكاة طهرة للعبد، قال تعالى:: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103] ، وقد قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة، وسموهم بالمرتدين لأنهم منعوها.
    إن ضياع بيت مال المسلمين سبب في وجود كل هؤلاء المجرمين في المجتمع، ولو أن أي رجل عاطل لا يجد عملاً يعطى جزءاً من المال -ولو قرضاً- من بيت المال، ليستعين به في حياته؛ فلن يسلك طريق الإجرام أبداً.
    فهذه المرأة أو هذا الرجل الذي يسرق لعله ما بدأ طريق الإجرام إلا بسبب أنه لم يجد يداً حانية تعطيه.
    فانظر إلى قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انحدرت عليهم الصخرة، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت من أحب الناس إليّ، فألمت بها سنة -أي: مجاعة وحاجة- فجاءت تطلب مالاً، فراودتها عن نفسها فأبت، ولكن اشتد عليها الكرب، فرجعت إليه تضحي بعرضها في سبيل أن تؤكل أولادها -هذا مثل واقع، امتنعت في السابق رجاء أن تجد يداً رحيمة، ولكنها لم تجد، فماذا تفعل؟ تموت هي وأولادها؟ لا، فتذهب تضحي بعرضها لهذا الرجل وتأخذ منه مالاً- قال: فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه -إلا بالزواج الشرعي- فقمت عنها وهي أحب الناس إلي.
    فهذا الحديث الصحيح يدل على أن كثيراً من أهل المعاصي لم يبدءوا في هذا الإجرام إلا بسبب عدم وجود اليد الحانية.
    فإياك أن تحتقر أهل المعاصي، لا تشدد عليهم، وارحمهم، وأنت إنما تفعل ذلك رجاء وجه الله تبارك وتعالى، وهذا الحديث حجة في هذا الباب: فيجوز أن تعطي الزكاة -فضلاً عن الصدقة- لأهل المعاصي، وكم يحصل الإنسان من الأجر إذا سلك طريق الصدقة مع أنها لا تضره! فإذا جاء إليك السائل فلا ترده، وأعطه من مال الله الذي أعطاك، فإن بعض الناس قد يرد السائل وتجده في المقابل قد ينفق (مائة جنيه) في وجبة غداء، ويعزم جماعة ويقول: هذا من كرم الضيافة، وهذا من أدب الإسلام مع أنه بخل أن يخرج عشرة قروش! هذه طبيعة في بني آدم؛ ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] .
    إن استطعت أن تتقي شح نفسك التي بين جنبيك (فأولئك هم المفلحون) .
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية



    الإسرار بالصدقة وثمراته
    إن من الناس من أنعم الله عليه بشيء من المال، فما أنكر فضل الله عليه، بل هو ينفق بسخاء ويتسلل إلى المساكين لواذاً، يعلم أن من الفقراء من يحرجه علانية العطاء، فذاك رجل تخطى عقبة الجشع، أنقذه الله ممن عبدوا الدينار والدرهم، فكانوا أحلاس كفر وإمساك، سجاياهم المتكررة منع وهات، بل هات وهات، قد قضوا على أنفسهم أن يعيشوا مرضى بالصحة، فقراء بالغنى، مشغولين بالفراغ، لكنهم مع ذلك لا يجدون في المال معنى الغنى، إذ كم من غني يجد وكأنه لم يجد إلا عكس ما كان يجده، وما علموا قول النبي صلى الله عليه وسلم: {اليد العليا خير من اليد السفلى} متفق عليه.

    إن النفس بطبعها تميل إلى إبراز عملها لا سيما الصدقة، كل هذا لأجل أن تُحمد، فإذا ما جاهد المرء نفسه حق له أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورحم الله مالك بن دينار حيث يقول: قولوا لمن لم يكن صادقاً: لا يتعنى.
    ولقد قال ابن عائشة قال أبي: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين رضي الله عنه.
    ثمرات الإخلاص في الإنفاق
    إن المرء أو العبد المؤمن قد ينفق نفقةً يسيرةً لو رآها المنافقون للمزوه، وقالوا: ما هذا؟ ألم يجد إلا هذا؟! ولكنها عند الله تبارك وتعالى عظيمة جداً؛ لأنها خالصة لوجه الله عز وجل، لأن هذا المؤمن التقي أنفق مما يحب، والله تعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] .
    ولم يتيمم الخبيث فينفق منه، كما قال تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} [البقرة:267] ، فهو أنفق مما يحب، وأنفق وهو محتاج، وأنفق وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويرجو الغنى، فلما اجتمعت فيه هذه الأمور -وهي دليل على الإخلاص لله تعالى في نفقته- كانت هذه النفقة -وإن صغرت في أعين الخلق- عند الخالق تبارك وتعالى لها وزن وقدر عظيم جداً، والله عز وجل يُعظِّم أجرها، ويربي هذه الصدقة لصاحبها، وربما وجدها يوم القيامة مثل الجبال وهو لا يعلم، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى وجوده وكرمه لمن صدق الله في توجهه له عز وجل.
    صدقة السر سبب لدخول المرء فيمن يظلهم الله في ظله
    خامس هؤلاء السبعة: قال عليه السلام: (ورجل تصدق بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) .
    لقد مدح الله سبحانه وتعالى صدقة السر فقال: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:271] ، ولكن قد تكون صدقة العلانية أفضل من صدقة السر؛ وذلك إذا كان هناك حاجة إلى إعلان الصدقة، كالرجل الذي جاء بصرة وقدمها إلى النبي عليه السلام، فجعل الناس يقتدون بهذا الرجل ويقدمون صدقاتهم.
    لكن الأصل أن الصدقة تكون سراً؛ لأن الصدقة إنما سميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها؛ لأنه إذا أخرجها سراً فإن هذا دليل على أنه لا يريد ثناءً من الناس؛ فإن هذا الثناء قد يجر إلى الرياء والسمعة.
    وقال عليه السلام مادحاً صدقة السر: (صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء) ، وهذا الرجل قد تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، وذلك كناية عن شدة إخفائه عند إخراج الصدقة.
    إذاً: أفضل أنواع الصدقة هي صدقة السر.
    لذلك على المسلم أن يحرص كل الحرص على أن لا يترك صدقة السر، ولو بشيء يسير، فقد كان بعض السلف يتصدق كل يوم، فإذا لم يجد أحياناً تصدق ببصلة يقدمها إلى فقير.
    إن أصحاب صدقة السر هم في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
    السر والعلن في الصدقة
    قال سبحانه: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً} [البقرة:274] أيضاً النفقة تكون متتابعة بالليل والنهار، سراً وعلانية، فصدقة السر لها ميزان، وصدقة العلانية لها أحوال تكون أفضل، كما إذا كان يشجع غيره ويدفعه للصدقة، وإلا فإن الأصل أن تكون خفية حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وصدقة السر تطفئ غضب الرب.
    ولا شك أن الذي يقول قولاً معروفاً: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً} [البقرة:263] .
    لأن القول المعروف صدقة، والمغفرة أن تغفر للناس ما أخطئوا عليك صدقة؛ هذه صدقتان خير من نفقة وصدقة يتبعها أذى فتكون باطلة.
    إذاً: حسنتان أحسن من حسنة باطلة، ولا نريد صدقة بالمنة مهما بلغت، ولو كان الإنسان لا يوجد عنده ما يتصدق به {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ} [البقرة:263] تصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين حين قتل أبوه في غزوة أحد بسبب ما حصل من اختلاط الأمور، فتصدق على المسلمين بديته.
    وكان بعض السلف يتصدق على من آذاه واغتابه في عرضه.
    وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة:263] أي: إذا كنتم ستمنون؛ فالله غني عنكم، وإذا كنتم ستئوبون وترجعون؛ فالله حليم لا يعاجل بالعقوبة، ويمهل عبده حتى يئوب إليه ويرجع، والله غني لا يحتاج إلى صدقاتكم فنفعها عائدٌ عليكم أنتم.
    الرياء في الصدقة
    ولقد بين الله عز وجل مثلاً لمن يرائي في الصدقة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} [البقرة:264] هذا الصخر الصلب {عَلَيْهِ تُرَابٌ} [البقرة:264] عليه طبقة من تراب {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} [البقرة:264] أصابه مطر شديد، ماذا سيحصل للتراب الذي على الصخر الأصم الصلب؟ هل سينبت؟! لا.
    وإنما سيزول، والمطر يغسل هذا الصخر من التراب، فكأنه لا مكان للبذل أصلاً ولا لخروج شيء {فَتَرَكَهُ صَلْداً} [البقرة:264] أملس كما كان قبل أن يكون عليه تراب {لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:264] .
    فإذاً: هذا معنى أن المن والأذى يحبط الصدقة.
    فقلب المرائي مثل الصخر لا ينبت شيئاً ولا ينبت خيراً، كما أن هذه الصخرة التي عليها التراب لم تنبت شيئاً، ما كان عليه إلا قليل من الغبار، شبه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار، والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر هذا هو المن الذي أذهب أثر الصدقة وأزالها، بخلاف الذي ينفق ابتغاء وجه الله، يقول الله في شأنه: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة:265] الذي ينفق أمواله إخلاصاً لله وتصديقاً بموعود الله وتثبيتاً من نفسه وهو صدقه في البذل والعطاء لا شك أنه في هذه الحالة يكون حاله كمثل جنة -بستان- بربوة، أي: على مكان مرتفع، فإن البستان إذا صار في مكان مرتفع، في طريق الهواء والرياح تسطع عليه الشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، ويكون الثمر أنضج وأحسن وأطيب ولا شك في ذلك، بخلاف الثمار التي تنشأ دائماً في الظلال، ولذلك قال في الزيتونة: {شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ} [النور:35] أي: معتدلة في الوسط، الشمس تأتي عليها في جميع الأوقات {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} [النور:35] فهذا أنفس الزيتون، وأنفس الأشجار ما تكون بهذه الصفة، فهذه الجنة التي بهذا المرتفع المتعرضة للشمس إذا أصابها الوابل والمطر الشديد آتت أكلها ضعفين؛ أعطت البركة أخرج ثمرتها ضعفي ما يثمر غيرها {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ} [البقرة:265] إذا ما أصباها وابل {فَطَلٌّ} وهو دون الوابل الرش الخفيف؛ هذا يكفي لإنباتها أيضاً، لكن إنباتاً دون الإنبات الأول، فهذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى للسابق بالخيرات والمقتصد المقتصد صاحب الطل، والسابق بالخيرات صاحب الوابل.
    إذاً: هذا مثل المرائي ومثل الذي ينفق إخلاصاً لله سبحانه وتعالى.
    ثم إن الله عز وجل ضرب مثلاً آخر في سورة البقرة التي فيها هذه الأمثال العظيمة حاثاً عباده على أن تكون صدقاتهم خالصة له عز وجل، قال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة:266] هذا الشخص تعلق قلبه بهذه الجنة من نواحي كثيرة:
    أولاً: أن فيها أعناب ونخيل، وهي من أنفس الثمار.
    ثانياً: أن هذا البستان يجري من تحته الأنهار.
    ثالثاً: أنه ليس فقط فيها أعناب ونخيل، وإنما فيها من كل الثمرات.
    رابعاً: أن هذه الجنة التي فيها أشرف أنواع الثمار التي يؤخذ منها: القوت، والغذاء، والدواء، والشراب، والفاكهة، والحلو والحامض التي تؤكل رطباً ويابسةً، أي: النخيل والعنب؛ هذه صفاتها، وبالإضافة إلى كل الثمرات؛ فإن هذا الرجل قد كبر سنه، ولا شك أن الإنسان إذا كبر سنه لا يقدر على الكسب والتجارة ويحتاج إلى الأشياء التي لها مدخولات ثابتة كالمزارع والعقار، ولذلك أصابه الكبر، فهو يحتاج إليها حاجة شديدة الآن، وكذلك فإن هذا الرجل إذا كبر سنه اشتد حرصه فتعلق قلبه بها أكثر، فإن الإنسان يهرم ويشب معه حب المال والحرص.
    وكذلك فإن هذا الرجل له ذرية؛ والذي له ذرية يحب أن يحفظ أمواله حتى يبقيها للذرية والأولاد، وبالإضافة إلى ذلك فإن هؤلاء الذرية ليسوا كباراً وإنما هم ضعفاء، وإذا كانت الذرية ضعفاء؛ فسيكون حرصه على هذا المال أكثر؛ لأن الذرية ضعفاء صغار لا يستطيعون الكسب، وكذلك فإنه هو الذي ينفق عليهم لضعفهم وعجزهم، كيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصبح يوماً فرأى أن جنته قد احترقت بإعصارٍ فيه نار فاحترقت وصارت رماداً، كيف تكون وقع المصيبة عليه؟! هذا الرجل مثله مثل رجل عمل أعمالاً في الدنيا لكن برياء ومنّ وأذى، فجاء يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى ثواب الأعمال؛ لأن أمامه النار والهلاك والدمار، فرأى أنه لا شيء له ألبتة؛ لأنها كلها ذهبت بالرياء والمن والأذى، فهذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى والله يضرب الأمثال للناس لعلهم يعقلون، وهذا مثل قلّ من يعقله من الناس، فكل واحد تسول له نفسه إحراق أعماله الصالحة بالرياء، فليتأمل هذا المثل، وليعرف أيضاً عظم المصيبة التي تنزل عليه عندما يدخل في موضوع الرياء أو يدخل الرياء في أعماله.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية



    فوائد الصدقة
    فائدة الصدقة إنما تكون لنفس المتصدق
    أنت تتصدق على نفسك، وليس على غيرك، فأكثر إن شئت، أو أقلل، قال الله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُم ْ} [البقرة:272] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه، قالوا: يا رسول الله، كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخَّر} .
    أنت حين تجمع المال وتضعه في الأرصدة، وقد بلغت الستين، أو الخمسين، أو السبعين، أو ما أشبه ذلك، هل تنتظر عمراً آخر تصرف فيه هذا المال؟، بل أنت حين تكون كبير السن عاجزاً وقليل الأكل، وقليل الشرب، قليل اللبس، وزاهداً في متاع الدنيا، ومع ذلك تمسك بهذه الأموال، فماذا تنتظر فيها؟

    إن الإنفاق له فوائد أخرى غير الجوائز الأخروية التي فيها ثقل كفة الحسنات: فبه كذلك رفع الدرجات في الدنيا، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى) ، فالمنفق خير من المنفَق عليه؛ وكذلك هو مدعاة للغنى، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم! أنفق أُنفق عليك) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: أعط ممسكاً تلفاً) هذا في كل يوم تطلع فيه الشمس، ملكان ينزلان يرسلهما الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يدعو الملك إلا بما عين له كالشفاعة لا تكون إلا بإذنه: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28] ، فلا يمكن أن يدعو الملك إلا لمن أذن الله بالدعاء له.
    ثم إن من فوائد الإنفاق الدنيوية أنه يرد الله به البلاء، فإن الصدقة تصطرع مع البلاء في السماء، وترده عن أهل البيت؛ ولهذا رتب الله على ابن آدم ثلاثمائة وستين صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، مقابل ما فيه من المفاصل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس.
    ) ، وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، وجعل على كل مفصل صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) ، في كل مفصل من المفاصل، سواء كانت مما يعرفه الأطباء، ومما يدرك بالتشريح، أو كانت من المخفيات التي لا تعرف بالعين المجردة، فإن كل تلك المفاصل -عظيمها ودقيقها- رتب الله عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، ويجزئ من ذلك أن يصلي المؤمن ركعتين وقت الضحى، فركعتان وقت الضحى تقومان مقام ثلاثمائة وستين صدقة؛ لكن لا شك أن هذا الترتيب هو إرشاد للعبد، ونفع له، وتقوية لهذه الجوارح، وسعي لتمتيعه بها، ودفع للضرر عنها، فما أحوجنا إلى مثل هذه الصدقات التي ترفع البلاء عن أهله في الدنيا، وترفع المنازل وتطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى، وهي مع ذلك تضمن للإنسان الزيادة؛ فالصدقة لا تنقص المال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال) ، فالصدقة لا تنقص المال، بل تزيده، وما يبذل الإنسان من المال؛ ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى مخلوف عليه قطعاً، لا بد أن يناله في هذه الحياة الدنيا، فضلاً عن أجره يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى غني عن دراهم الناس ودنانيرهم، وأعطياتهم وإمدادهم، وإنما امتحنهم ليعلم الذين يؤثرون الآخرة على الأولى، ويتقربون إليه بما آتاهم.

    الفائدة الأولى: الصدقة بركة وزيادة في الدنيا والآخرة
    ثم قال عز وجل: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276] وهذا عكس ما هو مشاهد الآن في الميزان الاقتصادي المادي، أن الربا زيادة والصدقة نقص، لكن عند الله الربا نقص والصدقة زيادة، كيف؟ يقول العلماء: إذا كان عندك -مثلاً- أربعمائة ريال في جيبك، وعرض عليك مشروع خيري، أو رأيت فقيراً، أو علمت بأسرة محتاجة، وأخرجت من هذا المبلغ خمسين ريالاً أو مائة ريال، لما تأتي تعد الباقي في الشنطة تجد أن الباقي ثلاثمائة ريال، الظاهر أنه نقص، لكن الله يقول: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276] كيف يربيها؟ قالوا: أولاً: هذا المبلغ الذي أخذ منك يربيه الله في الآخرة حتى يصبح كالجبال الرواسي: (إن الله ليربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه) أنت تضعها ريالاً لكنها تأتي يوم القيامة مثل الجبال، هذه واحدة.
    ثانياً: يصرف الله عن الإنسان من الآفات والمشاكل التي كان بالإمكان أن تلتهم هذه المائة وأضعافها الشيء الكثير -فمثلاً- يصرف الله عنه مرض زوجته بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه السقم من أولاده بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه الحوادث في سيارته بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه الفساد في زراعته وتكون مزارعه باستمرار محفوظة، ويصرف الله عنه الكساد في تجارته، وتكون تجارته مطلوبة، وبضاعته مرغوبة، وجلبه للزبائن محبوب، بأسباب أنه أنفق، لكن لو أنه ما أنفق في سبيل الله، وأعطى هذه المائة لشخص قرضاً بمائتين بعد ذلك، لكن الله يمحقه؛ أولاً: تمرض المرأة، وإذا مرضت تلك الليلة يذهب بها إلى المستشفى، وفي المستشفى لا يريدون علاجها؛ لأنهم يقولون: بلاش، فيذهبون المستوصف ويخسر خمسين ريالاً وأعطاه قبضة حبوب، وبعد ذلك يمرض الولد، وبعد ذلك يوقف السيارة وإذا هي مصدومة في جنبها لا يدري من صدمها، وبعد ذلك زراعته تخرب وبركة أمواله وبركة حياته في أكله حتى في طعامه لا يجد له بركة بأسباب الربا، فالله يقول: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276] يقول في الحديث: (ما نقص مال من صدقة بل تزيد، بل تزيد، بل تزيد) وفي بعض الآثار: [ما هلك مال في بر ولا بحر إلا بأسباب منع الزكاة].
    أحد التجار يخبرني حكاية عن تاجر في مكة، يقول: كان له تجارة بينه وبين الهند، وبعد ذلك الباخرة آتية، وكانت البواخر يوم ذاك تسير (بطرب) بدائية عن طريق الشراع وليس بالبواخر الحديثة، وفي البحر اضطربت الباخرة وهاجت وتكسرت، وكادت أن تغرق، ولكن ربانها -أهل السفينة- خففوا من البضائع أملاً في نجاة أنفسهم، ولا يعلمون لمن البضائع طبعاً؛ لأنهم مؤتمنين عليها آتين بها من الهند، فقاموا يأخذون من الكراتين ويرمون البضاعة، حتى بقي شيء تنجو به السفينة، إلى أن وصلوا ميناء جدة، وفي ميناء جدة كان كل التجار واقفين وكل واحد منهم لديه كشفه يريد أن يستلم بضاعته، ووجدوا أن البضائع كلها مرمية إلا تاجر بضاعته ما ذهب منها ولا كرتون، لما جاءوا عليه وإذا به من أهل الزكاة ومن أهل الصلاة ومن أهل الخوف من الله، وأولئك بضاعتهم فيها حرام، وفيها منع زكاة، وفيها ربا، ذهبت [فلا هلك مال في بر ولا بحر إلا بأسباب منع الزكاة] .
    فهنا يقول الله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276] أي: يزيدها؛ لأنه كما جاء في الحديث الصحيح: (ما من يوم تشرق فيه الشمس إلا وملك ينادي يقول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً) هذه دعوة الملك يدعو لك كل يوم: يا من أنفقت في سبيل الله! يا من أنفقت فيما يرضي الله! أن الله يخلف عليك، الفقير عندما تعطيه ريالاً، يقول: خلف الله عليك، بارك الله لك، جزاك الله كل خير، الله يوسع عليك، الله يمدك، الله يعطيك، سبحان الله! {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39] تبارك وتعالى.
    الفائدة الثانية: الصدقة من أسباب رفع البلايا
    إن من أعظم ما يدفع الله تعالى به العذاب الصدقة، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اتقوا النار ولو بشق تمرة} وهي من أفضل الأعمال، فإنها تطفئ الخطايا، ويدفع الله تعالى بها البلايا، ولا شك أننا في بلد أنعم الله علينا فيه بنعم عظيمة، ولو تذكرنا حال الأمم والشعوب الأخرى لعجبنا، فنحن هنا لا نتضرع، وقليل من الناس من يتضرع إلى الله كل يوم أن يطعمه الله أو يسقيه، فنحن لا نسأل الله ذلك؛ لأن الطعام والشراب والأكل متوفر عندنا، وقد يوهمنا الشيطان أننا لا نحتاج إلى الله -تعالى الله عن ذلك- فلوفرته فهو مثل الهواء مع أنه حتى الهواء نحتاج أن ندعو الله أن يحفظه لنا، وفي كل شيء نحتاج أن ندعو الله.
    ولنضرب لكم مثلاً مما نعيشه، فنحن لا يهمنا مسألة الطعام والشراب، وإنما أكثر الناس همومهم في العمارات وفي غيرها، وفي أرزاقهم ووظائفهم وفي زيادة مالٍ في كذا وكذا، وأكثر من نصف الشعوب في العالم -كما في تقارير الأمم المتحدة- تعاني من سوء التغذية، فهي تحتاج أن تأكل أكلاً سليماً، وتحتاج أن تشرب ولكنها لا تجد!! فانظروا كيف هذا الحال الذي نعيش فيه، وكيف تعيش تلك الشعوب والأمم، الواحد منا لو سافر إلى تلك البلاد ومعه الأموال -والحمد لله- قد لا يجد أكلاً نظيفاً يأكله، وقد لا يجد ما يريد من الفاكهة وإن وجد فقد يجد نوعاً رديئاً في حالة يرثى لها، بينما هنا الفاكهة تداس وترمى، وتورد بملايين الأطنان، فنحن نعيش في بحبوحة ورخاء وسراء، ثم نغفل عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وانتقامه وسريع غضبه، ولا نفطن لأحوال إخواننا المسلمين الذين يحتاجون إلى ذلك.
    فأقول: يجب مضاعفة النقود في التصدق لمنفعتها، بل لمنافعها العظمى التي منها أن يدفع الله تبارك وتعالى عنا العذاب ويرفعه.

    الفائدة الثالثة: من أسباب الوقاية من عذاب النار
    من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب النساء كما في الصحيحين، من حديث ابن عباس: فوعظهن وذكرهن وقال: {يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن؛ فإني رأيتكن أكثر حطب جهنم، فقامت امرأة منهن سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط} ففي هذا الحديث، أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمات بالصدقة {تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن} فإذا لم تجد المرأة ما تتصدق به فلتخرج من حليها، من حليها الذي في يدها أو على صدرها، أو قرطها الذي في أذنها، أو خلخالها الذي في رجلها، أو محزمها أو من حليها الذي تحتفظ به في بيتها.
    فإن هذه الصدقة من أعظم وأهم أسباب النجاة من عذاب النار، ولهذا قال: {تصدقن فإني رأيتكن أكثر حطب جهنم} فدل على أن الصدقة من أعظم أسباب الوقاية من عذاب النار، ومن أهم أسباب النجاة من السعير، ومن أهم أسباب دخول الجنة، والمرء في ظل صدقته يوم القيامة ذكراً كان أو أنثى.
    فعلى المرأة المسلمة أن تساهم في الصدقة، وإنني أسأل الله تعالى لكل أخت مسلمة، جادت يدها بما تستطيع، أن يجعل الله تعالى ما جادت به رفعة في درجاتها، وطولاً في عمرها، وصحة في بدنها، وسعادة في قلبها، وصلاحاً في ولدها، وعافية لها، ورفعة في درجاتها عند الله تعالى يوم القيامة، ونجاة لها من عذاب السعير، اللهم آمين اللهم آمين.
    والصدقة فداء للنفس من عذاب الآخرة، فقد أخبر الله تعالى عن الكفار: أنه لو كانت لهم الدنيا ومثلها معها في الدار الآخرة، لافتدوا بها من سوء العذاب يوم القيامة، فلماذا لا يفتدي الإنسان نفسه باليسير؟ قال الله عز وجل: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} [إبراهيم:31] ليس في ذلك اليوم بيع، ولا شراء، ولا صداقة، ولا علاقة، وإنما هي الحسنات والسيئات.

    الفائدة الرابعة: الصدقة برهان الإيمان
    والصدقة دليل على صدق إيمان صاحبها، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام، في حديث أبي مالك الأشعري، في صحيح مسلم: {والصدقة برهان} لأن النفس مجبولة على حب المال، فإذا تخلص الإنسان من الشح وحب المال وأخرج المال، دل على أنه يقدم مرضات الله تعالى ومحبوب الله تعالى على محبوب نفسه، ويتخلص من شح نفسه قال الله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] والأحاديث الواردة في الصدقة كثيرة جداً؛ لكن ينبغي أن يحرص الإنسان على أن يستتر بصدقته.
    ولذلك جاء في الحديث الذي رواه الطبراني بسند حسن -كما يقول الدمياطي في المتجر الرابح- عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر} فليحرص الإنسان على الاستكثار من هذه الأشياء، وعلى أن تكون صدقته سراً.
    ومن الخطأ أن يتصدق الإنسان بمائة ألف ريال أو بخمسمائة ألف ريال من أجل أن يكتب اسمه في الجريدة، أو يكتب اسمه في دفتر التبرعات، أو يذكر عنه أنه المحسن الفلاني، اللهم إلا أن يكون قصده أن يكون في ذلك حثاً وتشجيعاً للناس على الصدقة، وإثارة المنافسة بينهم في العمل الصالح فهذا جيد، أما إن كان القصد الرياء والقيل والقال؛ فهذا -والعياذ بالله! - خسارة الصحابة في الدنيا ووبال عليه في الآخرة.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    9,236

    افتراضي رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)

    فضل الصدقة في رمضان

    اللجنة العلمية



    فوائد الصدقة




    الفائدة الخامسة: الإنفاق زيادة لا نقصان
    يكفي أن تعلم أن هذا الإنفاق الذي ينفقه الإنسان لا ينقص من ماله بل تزيده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: {ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه} فأثبت عليه الصلاة والسلام أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، وهذه الصدقة التي لا تنقص مالك هي تزيد في أعمالك وقربك من الله عز وجل.
    الفائدة السادسة: الصدقة من أعظم أسباب دخول الجنة
    وهي من أعظم أسباب دخول الجنة، واسمع بعض هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى أبو كبشة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقصت صدقة من مال، ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله تعالى عليه باب فقر، ولا تواضع أحد لله إلا رفعه -ثم قال-: وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعه نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فهو ينفق ماله في علمه، ويتصدق، ويصل رحمه، وينفق في سبيل الله؛ فهو أفضلهم، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل ما عمل.
    فهما في الأجر سواء.
    ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمه فهو يخبط فيه ولا يتقي الله عز وجل، ولا يصل به رحمه ولا يعطي منه المسكين، فهو أخبثهم منزلةً.
    ورجل لم يؤته الله تعالى مالاً ولا علماً، فيقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل ما عمل.
    فهما في الوزر سواء} .
    والحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
    وذلك يدل على أن نية المؤمن الصادقة على الإنفاق في سبيل الله وغير ذلك من أبواب الخير، أنها تبلغه منازل العاملين، متى كانت نيةً صادقة من أعماق قلبه، وليست مجرد أمنية، ففرق بين النية والأمنية، لأن بعض الناس يقول: لو عندي، لكن لو أعطاه الله عز وجل لكفر: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة:75-77] ففرق بين الأمنية وبين النية الصادقة المبيتة الجازمة، أنه لو أعطاك الله مالاً لفعلت مثل فلان، أو لو رزقك الله علماً لفعلت به مثل فلان.
    وفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة: {أن رجلاً من بني إسرائيل سمع صوتاً في السحاب يقول: اسق حديقة فلان اسق حديقة فلان.
    فلما توسطت السحاب المزرعة أمطرت ما فيها، فذهب الرجل فإذا فلاح يحول الماء بمسحاته، فاستوعبت الشريجة ذلك الماء كله، فقال له الرجل: ما اسمك يا عبد الله؟ قال: اسمي فلان -بالاسم الذي سمعه في السحابة- فقال: وماذا تصنع؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعت صوتاً في السماء يقول: أسق حديقة فلان أسق حديقة فلان، فلما توسطت السحاب مزرعتك أمطرت.
    فقال: أما إن قلت ذاك، فإنني إذا أخذت ثمرة هذه الحديقة تصدقت بثلثها، وجعلت ثلثها فيها، -أي رده في بذرها وإصلاحها- وأكلت أنا وأولادي ثلثها} .
    فمن أجل ذلك وسع الله على هذا الرجل، وبارك له في رزقه وفيما أعطاه، حتى إن ملكاً موكلاً بالسحاب، يقول: اسق حديقة فلان اسق حديقة فلان، يخصه دون غيره من الناس، ولذلك لا تعجب إذا رأيت الناس الذين أصيبوا بالكوارث والمصائب والنكبات، إنما أتوا من قبل أنفسهم.
    يقول لي أحد الإخوة القضاة: إنه جاءه رجل يشتكي إليه أن صاعقةً نزلت على غنمه فأتلفت منها مئاتاً -أكثر من سبعمائة رأس- فهو يأتي للمحكمة حتى تسجل له ويعوض عنها، يقول: فقلت له ذات مرة: ما سبب هذه المصيبة التي نزلت بك؟ لعلك لا تخرج الزكاة؛ قال: فرأيت الرجل تأثر ثم خرج من عندي ولم يعد بعد ذلك، وكأن هذه الكلمة وقعت من الرجل موقعاً، وعرف أن ما أصابه بسبب ذنوبه، فلم يرد أن يأخذ تعويضاً أو مقابلاً لذلك، ولعله تاب إلى الله عز وجل، ولذلك ينبغي علينا جميعاً أن نحرص على أن نتقي النار بالزكاة والصدقات والنفقات.
    وقد جاء في الحديث المتفق عليه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه ويبنه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشام منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة} وفي الحديث الآخر المتفق عليه -أيضاً-: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى النساء وعظهن وذكرهن، وقال: يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار} فبين عليه الصلاة والسلام أن
    الفائدة السابعة: النفقة سبب في دعاء الصالحين لك
    هي سببٌ في دعاء الصالحين لك بالخير، ولهذا قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة:103] فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ الصدقة والزكاة، ثم يقول: {اللهم صلِّ على آل بني فلان، اللهم صلِّ على آل أبي أوفى} كما في الصحيح، وكذلك قال الله تعالى في الآية السابقة: {وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} [التوبة:99] أي: دعواته لهم.
    إن المؤمنين جميعاً يدعون للمنفقين، بل وحتى الملائكة، فما من شمسٍ تطلع إلا وملكان يقولان: {اللهم أعط منفقاً خلفاً} وهكذا الصالحون من المؤمنين يدعون للمنفقين.
    وأقول أيها الأحبة: حق عليَّ وعليكم أن ندعو سراً وجهاراً حتى في صلاتنا وسجودنا للذين يساهمون في أعمال الخير، ويدعمون مشاريعها سواء عرفوا، أو لم يعرفوا، هذا بعض حقهم، وإذا كنت أنت عاجزاً عن الإنفاق، فادع لمن أنفقوا، فإنك لست عاجزاً عن الدعاء.
    الفائدة الثامنة: النفقة طهارة للنفس
    الثانية عشرة: النفقة مضاعفة في أجرها وثوابها، قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276] وقال تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِين َ وَالْمُصَّدِّقَ اتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد:18] وقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة:261] .
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •