حقيقة ملة إبراهيم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: حقيقة ملة إبراهيم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,572

    افتراضي حقيقة ملة إبراهيم

    ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين )
    بهذه النصاعة، وبهذا الوضوح بين الله تعالى لنا المنهاج والطريق... فالطريق الصحيح والمنهاج القويم.. هو ملة إبراهيم... لا غموض في ذلك ولا التباس، ومن يرغب عن هذه الطريق بأى حجة او زعم - والمزاعم كثيرة .. أو أن سلوكها يجر فتناً وويلات على المسلمين، أو غير ذلك من المزاعم الجوفاء.. التي يلقيها الشيطان في نفوس ضعفاء الإيمان - فهو سفيه، مغرور يظن نفسه أعلم بأسلوب الدعوة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي زكاه الله فقال: ( ولقد آتينا إبراهيم رشده ) ، وقال: ( ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين )، وزكى دعوته لنا وأمر خاتم الأنبياء والمرسلين باتباعها، وجعل السفاهة وصفاً لكل من رغب عن طريقه ومنهجه. وملة إبراهيم تقوم على:
    -1 -إخلاص العبادة لله وحده، بكل ما تحويه كلمة العبادة من معان.
    - 2 - والبراءة من الشرك وأهله.
    يقول الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
    الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.
    الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله"اهـ.
    وهذا هو التوحيد الذي دعا إليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. وهو معنى لا إله إلا الله. إخلاص وتوحيد وإفراد لله عز وجل في العبادة والولاء لدينه ولأوليائه، وكفر وبراءة من كل معبود سواه ومعاداة أعدائه..
    فهو توحيد اعتقادي وعملي في آن واحد.. فسورة الإخلاص - دليل على الاعتقادي منه وسورة الكافرون - دليل على العملي، وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يكثر من القراءة بهاتين السورتين ويداوم عليهما في سنة الفجر وغيرها.. لأهميتهما البالغة.
    وقد يظن ظان أن ملة إبراهيم هذه تتحقق في زماننا هذا بدراسة التوحيد، ومعرفة أقسامه وأنواعه الثلاثة معرفة نظرية وحسب.. مع السكوت عن أهل الباطل وعدم إعلان وإظهار البراءة من باطلهم.
    فلمثل هؤلاء نقول: لو أن ملة إبراهيم كانت هكذا لما ألقاه قومه من أجلها في النار، بل ربما لو أنه داهنهم وسكت عن بعض باطلهم ولم يسفه آلهتهم ولا أعلن العداوة لهم واكتفى بتوحيد نظري يتدارسه مع أتباعه تدارساً لا يخرج إلى الواقع العملي متمثلاً بالولاء والبراء والحب والبغض والمعاداة والهجران في الله. ربما لو أنه فعل ذلك لفتحوا له جميع الأبواب، بل ربما أسسوا له مدارس ومعاهد كما في زماننا يدرس فيها هذا التوحيد النظري..وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ - ولربما وضعوا عليها لافتات ضخمة وسموها: مدرسة أو معهد التوحيد، وكلية الدعوة وأصول الدين.. وما إلى ذلك.. فهذا كله لا يضرهم، ولا يؤثر فيهم ما دام لا يخرج إلى الواقع والتطبيق..
    يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في الدرر السنية: "لا يُتصور أن -أحداً- يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به" أهـ. جزء الجهاد ص167.
    وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنه سكت في بادىء الأمر عن تسفيه أحلام قريش والتعرض لآلهتهم وعيبها ولو أنه "حاشاه" كتم الآيات التي فيها تسفيه لمعبوداتهم كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. والآيات التي تتعرض لأبي لهب والوليد وغيرهما.. وكذا آيات البراءة منهم ومن دينهم ومعبوداتهم -وما أكثرها كسورة (الكافرون) وغيرها.. لو فعل ذلك.. وحاشاه من ذلك.. لجالسوه ولأكرموه وقرّبوه.. ولما وضعوا على رأسه سلى الجزور وهو ساجد، ولما حصل له ما حصل من أذاهم مما هو مبسوط ومذكور في الثابت من السيرة.. ولما احتاج إلى هجرة وتعب ونصب وعناء.. ولجلس هو وأصحابه في ديارهم وأوطانهم آمنين.. فقضية موالاة دين الله وأهله ومعاداة الباطل وأهله فُرضت على المسلمين في فجر دعوتهم قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج، ومن أجلها لا لغيرها حصل العذاب والأذى والابتلاء.
    يقول الشيخ حمد بن عتيق في رسالة له في الدرر السنية: "فليتأمل العاقل وليبحث الناصح لنفسه عن السبب الحامل لقريش على إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة وهي أشرف البقاع، فإن المعلوم أنهم ما أخرجوهم إلا بعدما صرحوا لهم بعيب دينهم وضلال آبائهم، فأرادوا منه صلى الله عليه وسلم الكف عن ذلك وتوعدوه وأصحابه بالإخراج، وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم، فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي، ولم يقل لهم اتركوا عيب دين المشركين وتسفيه أحلامهم، فاختار الخروج بأصحابه ومفارقة الأوطان مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) أهـ. من جزء الجهاد ص199.
    وهكذا فإن الطواغيت في كل زمان ومكان لا يظهرون الرضا عن الإسلام أو يهادنونه ويقيمون له المؤتمرات وينشرونه في الكتب والمجلات ويؤسسون له المعاهد والجامعات إلا إذا كان ديناً - مقصوص الجناحين - بعيداً عن واقعهم وعن موالاة المؤمنين والبراءة من أعداء الدين وإظهار العداوة لهم ولمعبوداتهم ومناهجهم الباطلة.
    من كتاب / ملة إبراهيم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,572

    افتراضي رد: حقيقة ملة إبراهيم

    يقول الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله في كتابه سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك: "إن كثيراً من الناس قد يظن أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي الصلوات الخمس، ولا يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في أماكن المرتدين، وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.
    واعلم أن الكفر له أنواع وأقسام بتعدد المكفرات وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه، ولا يكون المسلم مظهراً لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه.." أهـ.
    ويقول أيضاً في الدرر السنية: "وإظهار الدين: تكفيرهم وعيب دينهم والطعن عليهم والبراءة منهم والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين" أهـ. من جزء الجهاد ص196.
    ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان ص76، 77:-
    إظهار هذا الدين تصريح لهم بالكفر إذْْ هم معشر كفار
    وعداوة تبدو وبغض ظاهر يا للعقول أما لكم أفكار
    هذا وليس القلب كاف بغضه والحب منه وما هو المعيار
    لكنما المعيار أن تأتي به جهراً وتصريحاً لهم وجهار
    ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في جزء الجهاد من الدرر السنية ص141: "ودعوى من أعمى الله بصيرته وزعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم من يتعبد أو يدرس دعوى باطلة، فزعمه مردود عقلاً وشرعاً، وليََهْْنََ من كان في بلاد النصارى والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل، لأن الصلاة والآذان والتدريس موجود في بلدانهم.." أهـ.

    يظنون أن الدين لبيك في الفلا وفعل صلاة والسكوت عن الملا
    وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا وما الدين إلا الحب والبغض والولا
    كذاك البرا من كل غاوٍ وآثمِ
    ويقول أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين، والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى، مقت من حاد الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان" أه - من الدرر السنية - جزء الجهاد ص238.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,572

    افتراضي رد: حقيقة ملة إبراهيم

    ملة إبراهيم هي البراءة من الشرك وأهله وقد بين الله ذلك فى كتابه اعظم بيان.
    قال جل وعلا فى البراءة من الشرك
    ﴿قُلْ إِنّمَا هُوَ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ وَإِنّنِي بَرِيءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:19].
    .وأما البراءة من المشركين بتكفيرهم ومعاداتهم قال الشيخ بن باز رحمه الله --قال الله تعالى في كتابه العظيم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ۝ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28]، أي لعلهم يرجعون إليها في تكفير المشركين والبراءة منهم، والإيمان بأن الله هو معبودهم الحق . وقال : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] وهذا هو دين إبراهيم وملة إبراهيم والأنبياء جميعًا، البراءة من عابدِ غير الله، واعتقاد كفرهم وضلالهم حتى يؤمنوا بالله وحده -هذه هى البراءة والمفاصلة مع أهل الشرك - البراءة من العابد والمعبود هي [ملة إبراهيم ] الذي أمر الله تعالى نبيه محمد صل الله عليه وسلم، وأمر عباد الله المؤمنين متابعته في ذلك. وقد قص علينا القرآن من نبإ ذلك ما جاء في سورة الأنعام وغيرها من أمر هذه الملة الحنيفية وأمر صاحبها عليه السلام؛ حيث يقول
    ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنّيَ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ [الأنعام:74].
    فانظر إلى قوله عليه السلام لأبيه عابد الأصنام ﴿إِنّيَ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ تعلم وبوضوح ما كان عليه من مفاصلة المشركين، حتى أقرب الناس إليه بلا تردد،

    قال ابن كثير ﴿إِنّيَ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾: أي تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بيِّن واضح لكل ذي عقل سليم أ.هـ
    وتستمر الآيات في بيان هذه الملة الحنيفية على صاحبها وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ حيث يقول المولى تبارك وتعالى:
    ﴿وَكَذَلِكَ نُرِيَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:75].
    قال ابن كثير رحمه الله: أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أ.هـ.
    وفي هذا بيان لوجه من الإلزام لجميع عباد الله عز وجل، أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض نظر التأمل والتفكر في عظمة هذا الملكوت، فيعلم من ثم عظمة خالقه ومدبره، وكما قال وعز من قائل: ﴿إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران:190].
    وتستمر الآيات المبينة لملة إبراهيم عليه السلام:
    ﴿فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ الْلّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـَذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ فَلَمّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـَذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لّمْ يَهْدِنِي رَبّي لأكُونَنّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالّينَ فَلَماّ رَأَى الشّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـَذَا رَبّي هَـَذَآ أَكْبَرُ فَلَمّآ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ إِنّي وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ---قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات المباركات: والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه، مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام:
    فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكتة ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه وبين في هذا المقام – الثاني – خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهى الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر ثم الزهرة. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ـ بأفولهم ـ وتحقق ذلك بالدليل القاطع قال:" يا قوم إني برئ مما تشركون" أي بريء من عبادتهن
    وقد فسر الحنيفية رحمه الله من قوله: "حنيفاً " أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد.
    فانظر إلى قوله تعالى" إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ " تجد صراحة البراءة من الشرك.
    وانظر إلى قوله تعالى:" وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " تجد صراحة البراءة من المشركين.
    -قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه الآية المباركة: فيها مسائل: الثالثة عشر ـ تصريحه بالبراءة منهم بقوله " وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " أ.هـ
    وقد جاءت هذه العبارة بذاتها في المواضع المتعددة من الذكر الحكيم منها سورة يوسف وحيث يقول المولى ﴿قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن أيضاً رحمه الله: فهذا هو تحقيق التوحيد: وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم. أ.هـ
    وقد كشفت الآيات عن مناظرة ومحاجة قد وقعت على إثر هذا الإعلان للحنيفية، وقد جادل القوم بكل ما أوتوا من قوة وحجج متهافتة في الدفاع عن أصنامهم وشركهم، ولكن الحق أبلج وحجته أعلى ونوره ساطع ولو كره الكافرون أو جحده الجاحدون؛ قال تعالى:
    ﴿وَحَآجّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجّوَنّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَن يَشَآءَ رَبّي شَيْئاً وَسِعَ رَبّي كُلّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالأمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:80/81].
    -قال ابن كثير في تفسير ذلك:
    قوله ﴿قَالَ أَتُحَاجّوَنّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ أي أتجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو وقد بصَّرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه. فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة.
    قال: وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود عليه السلام على قومه [عاد] فيما قصَّ عنهم في كتابه؛ حيث يقول:
    ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نّقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنّيَ أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوَاْ أَنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود:53/54] أ.هـ.
    ثم يجئ من الله فصل القضاء بين الفريقين:
    ﴿الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82].
    -قال صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد في هذه الآية العظيمة:
    قال ابن زيد وابن إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه. أ.هـ
    -وقال ابن كثير رحمه الله في ذلك أيضاً: أي هؤلاء أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئاً هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.
    قال البخاري بسنده عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية. قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾.
    وقال الإمام أحمد بسنده عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك على الناس فقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: [إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ إنما هو الشرك] أ.هـ.

    فهذه هي ملة إبراهيم حنيفاً؛ البراءة من الشرك والمشركين
    وهى الملة التي أمر الله تعالى خاتم رسله بها وأوجب على أمته اتباعها، فى قوله تعالى:
    ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
    فانظر إلى قوله تعالى وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
    وتكرار ذلك فى آيات كثيرة -لبيان أهمية ذلك وأصالة معناه في أصل كيان هذه الملة الحنيفية، والتي صار بها [أمة] وحده بين شعوب أهل زمانه، الذين اجتمعوا على الإشراك بالله عز وجل.
    وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآيات: يمدح الله تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية؛ فقال:
    ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين﴾.
    ثم قوله :
    ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
    أي من كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنا أوحينا إليك يا خاتم المرسلين وسيد الأنبياء:
    أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
    هذا الأمر باتباع ملة إبراهيم في هذا الموضع من سورة النحل قد تكرر إيجابه على أهل الإيمان والتوحيد في المواضع الأخرى؛ ومنها قوله تعالى:
    ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4].
    قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية العظيمة: يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ " أي وأتباعه الذين آمنوا معه " إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ " أي بدينكم وطريقكم " وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً " يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على [كفركم] فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ أي توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد أ.هـ.
    فهذه هى الملة الحنيفية العظيمة وما اشتملت عليه وأوجبته من البراءة من المشركين كافة بتكفيرهم وعداوتهم.
    -قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: [البقرة:135]وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
    قال فيها مسائل:
    الأولى: من دعى إلى أية [مِلّةَ] كانت وهى من الملل الممدوحة السالم أهلها قيل له ﴿بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن هذه الملل الأخرى إن كانت باطلة فواضح، وإن كانت صحيحة فملة إبراهيم أفضل، كما قال النبي: [أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة].
    الثانية: وهى مما ينبغي أن يتفطن إليه: أنه سبحانه وصفها بأنها ملة إبراهيم حنيفاً بريئاً من المشركين. ذلك أن كلاً يدعيها، فمن صدق قوله بالفعل وإلا فهو كاذب.
    الثالثة: أن الحنيف معناه المائل عن كل دين سوى الإسلام لله.
    الرابعة: أن من الناس من يدعي أنه لا يشرك وأنه مخلص، ولكن لا يتبرأ من المشركين، وملة إبراهيم الجمع بين النوعين. أ.هـ تاريخ نجد ص505 دار الشروق.
    -يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ :
    والمرء قد ينجو من الشرك ويحب التوحيد ، لكن يأتيه الخلل من عدم البراءة من أهل الشرك ، وترك موالاة أهل التوحيد ، ونصرتهم ، فيكون متبعاً لهواه داخلاً من الشرك في شُعب ، تهدم دينه وما بناه ، تاركاً من التوحيد أصولاً وشُعباً لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه ، فلا يحـب ولا يبغض ولا يعادي ولا يوالي لجـلال من أنشأه وسوّاه ، وكل هذا يؤخذ من شهادة لا إله إلا لله اهــ
    قال رسول الله : ( من قال لا إله إلا الله وكفربما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ).حديث صحيح

    قال الله تعالي " ﴿وَأَذَانٌ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الأكْبَرِ أَنّ اللّهَ بَرِيَءٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾[التوبة:3].
    فهذا هو أصل البراء، ولا يكون إلا في مواجهة المشركين لكفرهم وشركهم،
    والنص قد جاء على هيئة الجملة الخبرية والتي تفيد الأمر والإلزام، فإن الله تعالى الذي أخبر ببرائته من المشركين وبراءة رسوله من المشركين، أوجب على أهل الإيمان البراءة منهم أيضاً بتكفيرهم ومعاداتهم لهذا الأمر الذي صاروا به مشركين، .......

    ولا تنتهى هذه البراءه وهذه العداوة من المشركين الا بالايمان بالله وحده والتوبة من الشرك، فتنتهي البراءة والمعاداة ويصيروا بعدها أولياء لله أولياء للمؤمنين. لذا فقد قال الله تعالى عقب هذا الإعلان : ﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ﴾ [التوبة:3].

    قال ابن كثير في تفسير ذلك: أي مما أنتم فيه من الشرك والضلال أ.هـ
    ثم قال تعالى﴿وَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوَاْ أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ﴾ أي هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته.
    وقوله تعالى:
    ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4].
    صرحت بوجوب إظهار العداوة والبغضاء لهم ما داموا على هذا الكفر.
    وقد قيد النص بصريح اللفظ مطلق هذه العداوة [بغاية] محددة تنتهي عندها جميع مظاهر البراءة والتكفير والعداوة والبغضاء. وذلك حين يتحولون إلى الإيمان بالله -حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ - او بالتوبة ﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ﴾ أي من الشرك والضلال.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,572

    افتراضي رد: حقيقة ملة إبراهيم

    قال ابن كثير رحمه الله:
    يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى فلم يدع معه غيره ولا أشرك به طرفة عين وتبرأ من كل معبود سواه وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه فقال يا قوم "إنى بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" وقال تعالى "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه أنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين" وقال تعالى"وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم"وقال تعالى"إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين" ولهذا وأمثاله قال تعالى:"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه"أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا كله قال تعالى:"إن الشرك لظلم عظيم" قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود أحدثوا طريقا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى"ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,572

    افتراضي رد: حقيقة ملة إبراهيم

    في تفسير إمـام الدعوة المصنف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله -(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
    قال رحمه الله: إنَّ إبراهيم (كَانَ أُمَّةً) لأنْ لا يستوحش سالكُ الطريق من قلة السالكين، (قَانِتًا لِلَّهِ) لا للملوك ولا للتجار المترَفين، (حَنِيفًا) لا يميل يمينا ولا شمالا، كحال العلماء المفتونين، (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) خلافا لمن كثّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين. [التمهيد]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •