مباحث أصولية نفيسة للشيخ وهبة الزحيلي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مباحث أصولية نفيسة للشيخ وهبة الزحيلي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    363

    افتراضي مباحث أصولية نفيسة للشيخ وهبة الزحيلي

    هل التزام مذهب معين أمر مطلوب أصولياً؟
    انقسم الأصوليون في هذه المسألة على آراء ثلاثة:
    1 - فقال بعضهم: يجب التزام مذهب إمام معين، لأنه اعتقد أنه حق، فيجب عليه العمل بمقتضى اعتقاده.
    2- وقال أكثر العلماء: لايجب تقليد إمام معين في كل المسائل والحوادث التي تعرض، بل يجوز أن يقلد أي مجتهد شاء، فلو التزم مذهباً معيناً كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما، لايلزمه الاستمرار عليه، بل يجوز له الانتقال منه إلى مذهب آخر، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، وإنما أوجب الله تعالى اتباع العلماء من غير تخصيص بواحد دون آخر، فقال عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون} [الأنبياء:7/21]، ولأن المستفتين في عصر الصحابة والتابعين، لم يكونوا ملتزمين بمذهب معين، بل كانوا يسألون من تهيأ لهم دون تقيد بواحد دون آخر، فكان هذا إجماعاً منهم على عدم وجوب تقليد إمام، أو اتباع مذهب معين في كل المسائل.
    ثم إن القول بالتزام مذهب ما، يؤدي إلى الحرج والضيق، مع أن المذاهب نعمة وفضيلة ورحمة للأمة.
    وهذا القول هو الراجح عند علماء الأصول.
    3 - وفصل الآمدي والكمال بن الهمام في المسألة فقال: إن عمل الشخص بما التزمه في بعض المسائل بمذهب معين، فلا يجوز له تقليد الغير فيها، وإن لم يعمل في بعضها الآخر جاز له اتباع غيره فيها، إذ إنه لم يوجد في الشرع مايوجب عليه اتباع ماالتزمه، وإنما أوجب الشرع عليه اتباع العلماء دون تخصيص عالم دون آخر.
    يتلخص من هذا أن القول الأصح الراجح عند علماء الأصول : هو عدم ضرورة الالتزام بمذهب معين، وجواز مخالفة إمام المذهب، والأخذ بقول غيره، لأن التزام المذهب غير ملزم، كما بينا. وبناء عليه فلا مانع إطلاقاً من حيث المبدأ في العصر الحاضر من اختيار بعض الأحكام الشرعية المقررة لدى علماء المذاهب، دون تقيد بجملة المذهب أو بتفصيلاته.
    ويضاف لذلك أن الفقهاء قرروا جواز العمل بالقول الضعيف في المذهب عند الضرورة أو الحاجة،وهذه هي نصوصهم:
    1 - للقاضي أن يلجأ إلى غير مذهبه للضرورة (فتوى عطاء بن حمزة).
    2 - للقاضي أن يعمل بغير المشهور من مذهبه إذا نص السلطان على ذلك (نص الدر المختار للحصكفي).
    3 - للقاضي أن يقضي بالقول المنصوص على فساده، ولا ينقض قضاؤه، لأنه مجتهد فيه، إلا إذا كان في مقابلة أخذ المال، أو للهوى والغرض (عبارة جامع الفصولين وتعليلها).
    4 - جواز العمل والإفتاء بالقول الضعيف في مواضع الضرورة(عبارة المعراج عن فخر الأئمة).
    5 - جواز العمل بالضعيف للشخص في خاصة نفسه، وللفتوى إذا تحقق المفتي الضرورة(عبارة الدسوقي المالكي).
    6 - منع التخيير إذا كان الغرض من الالتجاء إلى القول الضعيف الشهوة والغرض، اتباعاً للهوى وابتغاء حطام الدنيا .
    7 - إن خروج المقلد من العمل بالمشهور إلى العمل بالشاذ الذي فيه رخصة من غير تتبع للرخص صحيح عند كل من قال بعدم لزوم تقليد الأرجح، وهو قول الأكثر من الأصوليين. ويباح للمقلد أن يقلد من شاء من أقوال المجتهدين. وإن نقل الإجماع على منع ذلك غير صحيح
    8 - وكذا يجوز الأخذ والعمل لنفسه بالأقوال والطرق والوجوه الضعيفة، إلا بمقابل الصحيح، فإن الغالب فيه أنه فاسد، ويجوز الإفتاء به للغير بمعنى الإرشاد
    هل يجب سؤال الأفضل والأرجح في العلم، أو يصح سؤال من تيسر؟
    عبارة الأصوليين المشهورة في هذه المسألة هي: هل يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل؟
    للعلماء رأيان في ذلك .
    1 - قال جماعة (وهو مذهب أحمد في رواية عنه وابن سريج والقفال الشافعيين، وأبي إسحاق الإسفراييني الملقب بالأستاذ، وأبي الحسن الطبري الملقب بالكِيَا، واختاره الغزالي، وهو المذهب المشهور عند الشيعة): يجب استفتاء الأفضل في العلم والورع والدين، ويجب على السائل النظر في الأرجح، ثم اتباعه، ويكفيه الاعتماد على الشهرة. قال الغزَّالي في المستصفى :
    «والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل، فمن اعتقد أن الشافعي رحمه الله أعلم، والصواب على مذهبه أغلب، فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي» .
    ودليل هؤلاء: هو أن أقوال المجتهدين بالنسبة للناس كالأدلة والأمارات المتعارضة بالنسبة للمجتهد، فيجب على السائل الترجيح، ولاترجيح إلا بالفضل والعلم، لأن الأعلم أقوى، وطريق معرفة الأعلم إما بالاختبار والتجربة، أو بالشهرة والتسامع ورجوع الناس إليه.
    2 - وقال القاضي أبو بكر بن العربي وأكثرية الفقهاء والأصوليين (1) : يخير السائل في سؤال من شاء من العلماء سواء أتساووا أم تفاضلوا، أي أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل في العلم لعموم قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون} [الأنبياء:7/21]، ولإجماع الصحابة: وهو أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، وكان فيهم العوام، ولم ينقل عن أحد من الصحابة تكليف العوام بالاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولو كان التخيير غير جائز لما تطابق الصحابة على عدم إنكاره. قال الآمدي حاكياً هذا الإجماع :
    إن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه السلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» وقال عليه السلام: «أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لاغير. ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول، والاستفتاء له، مع وجود الأفضل.
    ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه.
    ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم ـ أي أصحاب الرأي الأول ـ أولى .
    يتبين من هذا أن القول الثاني هو الأرجح بإجماع الصحابة على جواز التخير بين الأقوال، وسؤال السائل من شاء من العلماء .
    آراء الأصوليين في مسألة اختيار الأيسر (أو تتبع الرخص)، وفي التلفيق بين المذاهب.
    يتفرع على مابيناه من أنه لم يوجد في الشرع مايوجب على الإنسان اتباع ماالتزمه من المذاهب: القول بجواز تتبع الرخص والتلفيق. أما تتبع الرخص أو اختيار الأيسر: فهو أن يأخذ الشخص من كل مذهب ماهو أهون عليه وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل.
    وقد حكى الأصوليون في هذه المسألة ثمانية أقوال أذكرها بإجمال ثم أبين أقوى النظريات المقولة فيها.
    1 - قال أكثر أصحاب الشافعي وصححه الشيرازي والخطيب البغدادي وابن الصباغ والباقلاني والآمدي: يخير الإنسان بأخذ ماشاء من الأقوال، لإجماع الصحابة على عدم إنكار العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل.
    2 - أهل الظاهر والحنابلة: يأخذ بالأشد الأغلظ.
    4 - يبحث عن الأعم من المجتهدين، فيأخذ بقوله.
    5 - يأخذ بقول الأول، حكاه الرُّوياني.
    6 - يأخذ بقول من يعمل على الرواية دون الرأي، حكاه الرافعي.
    7 - يجب عليه أن يجتهد فيما يأخذ مما اختلفوا فيه، حكاه ابن السَّمعاني، ومشى عليه الشاطبي في الموافقات. ،وهذا القول قريب من رأي الكعبي.
    8 - إن كان الأمر في حق الله أخذ بالأخف، وإن كان في حق العباد أخذ بالأغلظ، حكاه الأستاذ أبو منصور الماتريدي.
    ويمكن القول بوجود آراء ثلاثة في الموضوع هي الأشهر وهي التي نعتمدها بحثاً.
    1 - قال الحنابلة ، والمالكية في الأصح عندهم ، والغزالي : يمتنع تتبع الرخص في المذاهب، لأنه ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4]، فلا يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس، وإنما يرد إلى الشريعة.
    ونقل عن ابن عبد البر: أنه لايجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً. وعبارة الحنابلة في ذلك : إن استوى المجتهدان عند المستفتي في الفضيلة واختلفا عليه في الجواب اختار الأشد منهما، لما روى الترمذي من حديث عائشة قالت: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ماخير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما » وفي لفظ «أرشدهما» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه أيضاً النسائي وابن ماجه. فثبت بهذين اللفظين للحديث أن الرشد في الأخذ بالأشد، والأولى أن يعتبر ـ أي المستفتي ـ القولين ساقطين، لتعارضهما، ويرجع إلى استفتاء آخر.
    وعبارة المالكية : الأصح أنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب، بأن يأخذ منها ماهو الأهون فيما يقع من المسائل. وقيل: لايمتنع. وصرح بعضهم بتفسيق متتبع الرخص. والأولى الاحتياط بالخروج من الخلاف بالتزام الأشد الأقوى، فإن من عز عليه دينه تورع، ومن هان عليه دينه تبدع.
    وعبارة الغزالي: ليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده، فيتوسع، بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي، فإنه يتبع ظنه في الترجيح، فكذلك ههنا.
    2 - قال القرافي المالكي، وأكثر أصحاب الشافعي، والراجح عند الحنفية منهم ابن الهمام وصاحب مسلم الثبوت : يجوز تتبع رخص المذاهب، لأنه لم يوجد في الشرع مايمنع من ذلك، إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل، بأن لم يكن عمل بآخر، بدليل أن سنة الرسول صلّى الله عليه وسلم الفعلية والقولية تقتضي جوازه، فإنه عليه الصلاة والسلام «ماخير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما مالم يكن مأثماً» وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يحب ماخفف عن أمته» .
    وقال صلّى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة» وقال أيضاً: «إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه». وقال عليه السلام أيضاً: «إن الله قد فرض فرائض وسن سننًا وحد حدوداً وأحل حراماً وحرم حلالاً، وشرع الدين فجعله سهلاً سمحاً واسعاً ولم يجعله ضيقاً » .
    وقال الشعبي: «ماخير رجل بين أمرين، فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله تعالى» .
    وقال القرافي في هذه المسألة: يجوز تتبع الرخص بشرط ألا يترتب عليه العمل بما هو باطل عند جميع من قلدهم، أي أن شرط جواز تقليد مذهب الغير ألا يؤدي إلى التلفيق أي ألا يكون موقعاً في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه، كما إذا قلد الإمام مالك في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة بغير شهوة، وقلد الإمام الشافعي في عدم وجوب ذلك
    ويلاحظ أن هذا القيد الذي ذكره القرافي وهو: ( ألا يترتب على تتبع الرخص العمل بما هو باطل لدى جميع من قلدهم ) لادليل عليه من نص أو إجماع، وإنما هو قيد متأخر، كما قرر الكمال بن الهمام في ( التحرير ). فإذا جاز للشخص مخالفة بعض المجتهدين في كل ماذهب إليه، كما بينا، جازت مخالفته في بعض ماذهب إليه من باب أولى، كما قال صاحب تيسير التحرير. ثم قال: وليس هناك دليل من نص أو إجماع يدل على أن الفعل إذا كانت له شروط، فإنه يجب على المقلد أن يتبع مجتهداً واحداً في هذه الشروط التي يتوقف عليها هذا الفعل، ومن ادعى دليلاً على ذلك فعليه الإتيان به.
    وأما مانقل عن ابن عبد البر، من أنه «لايجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً، فلا نسلم صحة هذا النقل عنه، ولو سلم فلا يسلم صحة الإجماع، إذ في تفسيق متتبع الرخص عن أحمد روايتان. وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولامقلد. وقال ابن أمير الحاج في التقرير على التحرير: وذكر بعض الحنابلة: أنه إنْ قوي الدليل، أو كان عامياً، لايفسق. وفي روضة النووي حكاية عن ابن أبي هريرة: لايفسق .
    والخلاصة: أن مبدأ الأخذ بالرخص أمر محبوب، ودين الله يسر، وماجعل عليكم في الدين من حرج، والمفروض أن المقلد لم يقصد تتبع الرخص في كل الوقائع وإنما في بعض المسائل، وكثيراً ماقال العلماء: «من قلد عالماً فقد برئ مع الله» «اختلاف العلماء رحمة» وربما قال بعضهم: «حجَّرت واسعاً » إذا التزم العمل بالقول المشهور في جميع تصرفاته.
    3 - رأي الشاطبي:
    يرى الشاطبي رأي ابن السمعاني : وهو أنه يجب على المقلد الترجيح بين أقوال المذاهب بالأعلمية وغيرها، واتباع الدليل الأقوى، لأن أقوال المجتهدين بالنسبة للمقلدين كالأدلة المتعارضة بالنسبة إلى المجتهد، فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف عند تعادل الأدلة، كذلك المقلد. ولأن الشريعة ترجع في الواقع إلى قول واحد، فليس للمقلد أن يتخير بين الأقوال. وإلا كان متبعاً غرضه وشهوته، والله تعالى يمنع اتباع الهوى جملة وهو قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4].
    ثم أبان الشاطبي في كلام مسهب مايترتب على مبدأ الأخذ بالأيسر من مفاسد:
    أولها ـ الضلال في الفتوى بمحاباة القريب أو الصديق في تتبع رخص المذاهب اتباعاً للغرض والشهوة.
    ثانيها ـ الادعاء بأن الاختلاف حجة على الجواز أو الإباحة، حتى شاع بين الناس الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم.
    ثالثها ـ اتباع رخص المذاهب اعتماداً على مبدأ جواز الانتقال الكلي من مذهب إلى مذهب، وأخذاً بمبدأ اليسر الذي قامت عليه الشريعة مع ( أن الحنيفية السمحة أتى فيها السماح مقيداً بما هو جار على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها ). ثم ذكر بعض مفاسد اتباع رخص المذاهب كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين إذ يصير سيَّالاً لاينضبط، وكترك ماهو معلوم إلى ماليس بمعلوم، للجهل بأحكام المذاهب الأخرى، وكانخرام قانون السياسة الشرعية بترك انضباط معيار العدالة بين الناس وشيوع الفوضى والمظالم وضياع الحقوق وتعطيل الحدود واجتراء أهل الفساد، وكإفضاء ذلك إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم، وغير ذلك من المفاسد التي يكثر تعدادها.
    رابعها ـ التخلص من الأحكام الشرعية وإسقاطها جملة، عملاً بمبدأ الأخذ بأخف القولين، لابأثقلهما، مع أن التكاليف كلها شاقة ثقيلة.
    ثم رد الشاطبي على القائل بجواز تتبع الرخص في حالات للضرورة أو الحاجة عملاً بالقاعدة الشرعية ( الضرورات تبيح المحظورات ) بأن حاصل فعله هو الأخذ بما يوافق الهوى، أو تجاوز حدود الضرورة أو الحاجة المقررة في الشرع. كما أنه رد على المتمسك بمبدأ ( مراعاة الخلاف بين الأقوال ) لتسويغ الأخذ بالأيسر بأن مراعاة الخلاف لايترتب عليه الجمع بين قولين متنافيين أو القول بهما معاً، وإنما هما لمسألتين مختلفتين. وفي تقديري أن السبب الذي حمل الشاطبي على منع تتبع الرخص والتلفيق هو غيرته على نظام الأحكام الشرعية حتى لايتخطاها أحد عملاً بمبدأ التيسير على الناس، ،ولكنه ـ كما يلاحظ من كلامه ـ متأثر بالعصبية المذهبية،ويخشى ـ رغم تحرره الفكري ـ مخالفة مذهب الإمام مالك، ويحرص على التقليد ومنع الاجتهاد.
    ونحن معه في هذه الغيرة على أحكام الشريعة، لكن التقليد أو التلفيق الجائز مجاله محصور فيما لم يتضمن الإعراض عما أنزل الله، أو الذي لم يتضح فيه رجحان الحق والدليل على صحة قول المجتهد المقلَّد ، وحينئذ ينهدم رأي الشاطبي من أساسه، لأنه يطالب بضرورة العمل بالدليل الراجح، والتزام أصول الشريعة، وهذا أمر مفترض في كل تقليد محمود أو أخذ بأيسر المذاهب.
    التلفيق:
    هو الإتيان بكيفية لا يقول بها المجتهد. ومعناه أن يترتب على العمل بتقليد المذاهب، والأخذ في مسألة واحدة بقولين أو أكثر: الوصول إلى حقيقة مركبة لايقرها أحد، سواء الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه، فكل واحد منهم يقرر بطلان تلك الحقيقة الملفقة. ويتحقق ذلك إذا عمل المقلد في قضية واحدة بالقولين معاً، أو بأحدهما مع بقاء أثر الثاني.
    فالتلفيق إذاً: هو الجمع بين تقليد إمامين أو أكثر في فعل له أركان أو جزئيات لها ارتباط ببعضها، لكل منها حكم خاص، كان موضع اجتهادهم وتباين آرائهم، فيقلد أحدهم في حكم، ويقلد آخر في حكم آخر، فيتم الفعل ملفقاً من مذهبين أو أكثر.
    مثل أن يقلد شخص في الوضوء مذهب الشافعي في الاكتفاء بمسح بعض الرأس، ثم يقلد أبا حنيفة أو مالكاً في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة خالياً عن قصد الشهوة ووجودها، ثم يصلي، فإن هذا الوضوء الذي صلى به لم يقل به كل واحد من هؤلاء الأئمة، فالشافعي يعتبره باطلاً لنقضه باللمس، وأبو حنيفة لايجيزه لعدم مسح ربع الرأس ، ومالك لايقره لعدم مسح جميع الرأس أو لعدم دلك أعضاء الوضوء ونحو ذلك. أو أن يقلد مالكاً في عدم نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة، وأبا حنيفة في عدم النقض بمس الذكر، وصلى. فهذه صلاة مجمع منهما على فسادها.
    ومثل أن يستأجر شخص مكاناً موقوفاً تسعين سنة فأكثر، من غير أن يراه، مقلداً في المدة الطويلة للشافعي وأحمد، وفي عدم الرؤية لأبي حنيفة، فيجوز.
    ومجال التلفيق كمجال التقليد محصور في المسائل الاجتهادية الظنية. أما كل ما علم من الدين بالضرورة ـ أي بالبداهة ـ من متعلَّقات الحكم الشرعي، وهو ماأجمع عليه المسلمون ويكفر جاحده، فلا يصح فيه التقليد والتلفيق، وعلى هذا فلا يجوز التلفيق المؤدي إلى إباحة المحرمات كالنبيذ والزنا مثلاً. هذا وإن قضية التلفيق بين المذاهب اشترط عدمها لجواز تقليد مذاهب الغير أكثر المتأخرين من العلماء بعد انتهاء القرن العاشر الهجري، ولم يتكلم فيها قبل القرن السابع.
    وجواز التلفيق مبني على ما قررناه من أنه لا يجب التزام مذهب معين في جميع المسائل، فمن لم يكن ملتزماً مذهباً معيناً، جاز له التلفيق، وإلا أدى الأمر إلى بطلان عبادات العوام، لأن العامي لا مذهب له ولو تمذهب به، ومذهبه في كل قضية هو مذهب من أفتاه بها. كما أن القول بجواز التلفيق يعتبر من باب التيسير على الناس.
    وتقليد إمام في جزئية أو مسألة لايمنع من تقليد إمام آخر في مسألة أخرى، ولايقال: إن المقلد وصل إلى حقيقة لم يقل بها كلا الإمامين، وإنما يعد ذلك من قبيل تداخل أقوال المفتين (أي المجتهدين) بعضها في بعض في عمل المستفتي تداخلاً غير مقصود، كتداخل اللغات بعضها ببعض في لسان العرب. فالمقلد لم يقلد كل إمام في مجموع عمله، وإنما قلد كلا من الإمامين في مسألة معينة غير التي قلد فيها غيره، ومجموع العمل لم يوجب أحد النظر إليه لا في اجتهاد ولا في تقليد.
    وأما اشتراط بعض العلماء لجواز التلفيق ضرورة مراعاة الخلاف بين المذاهب، فهو أمر عسير، سواء في العبادات أو في المعاملات، وذلك يتنافى مع سماحة الشريعة ويسرها ومسايرتها لمصالح الناس.
    وأما ادعاء وجود الإجماع (من قِبَل ابن حجر وغيره من بعض علماء الحنفية) على عدم جواز التلفيق، فيحتاج إلى دليل، وليس أدل على عدم قيام مثل هذا الإجماع من وجود اختلاف واضح بين العلماء في مسألة التلفيق. قال الشفشاوني في تركيب مسألة من مذهبين أو أكثر: «إن الأصوليين اختلفوا في هذه المسألة، والصحيح من جهة النظر جوازه » وحكى الثقات الخلاف أيضاً كالفهامة الأمير والفاضل البيجوري. هذا وإن مثل هذا الإجماع المدعى المنقول بطريق الآحاد لايوجب العمل عند جمهور العلماء، ولعل المراد بهذا الإجماع هو اتفاق الأكثر أو أهل مذهب ما.
    أقوال علماء المذاهب في إباحة التلفيق :
    1 - الحنفية: قال الكمال بن الهمام وتلميذه ابن أمير الحاج في التحرير وشرحه: إن المقلد له أن يقلد من شاء، وإن أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه لا أدري ما يمنعه من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتتبع ما هو الأخف عليه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرائع ذمه عليه، وكان صلّى الله عليه وسلم يحب ما خفف عن أمته.
    وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين ما يفيد أن في منية المفتي ما يفيد جواز الحكم المركب، وأن القاضي الطرسوسي (المتوفى سنة 758 هـ) مشى على الجواز. وأفتى مفتي الروم أبو السعود العمادي (المتوفى سنة 983 هـ) في فتاويه بالجواز. وجزم ابن نجيم المصري (المتوفى سنة 970 هـ) في رسالته ( في بيع الوقف بغبن فاحش ) بأن المذهب جواز التلفيق، ونقل الجواز عن الفتاوى البزازية. وذهب أمير باد شاه (المتوفى سنة 972 هـ) إلى جواز التلفيق بكل قوته. وألف مفتي نابلس منيب أفندي الهاشمي رسالة في التقليد عام ( 1307 هـ) أيد فيها التقليد مطلقاً، وقال عنها فقيه عصره الشيخ عبد الرحمن البحراوي: «أن المؤلف قد بين الحق على الوجه الصحيح» . والخلاصة: أن الشائع المشهور أن التلفيق باطل، لكن العلماء خلاف ذلك وأنه جائز بأدلة كثيرة ناطقة على صحته.
    2 ـ المالكية: الأصح والمرجح عند المتأخرين من فقهاء المالكية هو جواز التلفيق، فقد صحح الجواز ابن عرفة المالكي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير، وأفتى العلامة العدوي بالجواز، ورجح الدسوقي الجواز، ونقل الأمير الكبير عن شيوخه أن الصحيح جواز التلفيق وهو فسحة.
    3 ـ الشافعية: منع بعضهم كل صور التلفيق، واقتصر بعضهم الآخر على حظر حالات التلفيق الممنوع الآتي بيانها، وأجاز آخرون التلفيق إذا جمعت في المسألة شروط المذاهب المقلدة.
    4 ـ الحنابلة: نقل الطرسوسي أن القضاة الحنابلة نفذوا الأحكام الصادرة بالتلفيق.
    هذا ولم أذكر أقوال المخالفين من علماء هذه المذاهب، سواء في قضية الأخذ بأيسر المذاهب أو في تتبع الرخص، ولأن أقوال المخالفين لا تلزمنا، لعدم وجود دليل شرعي راجح لها.
    التلفيق الممنوع:
    ليس القول بجواز التلفيق مطلقاً، وإنما هو مقيد في حدود معينة، فمنه ما هو باطل لذاته، كما إذا أدى إلى إحلال المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما. ومنه ما هو محظور لا لذاته، بل لما يعرض له من العوارض، وهو ثلاثة أنواع :
    أولها ـ تتبع الرخص عمداًً: بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو الأخف عليه بدون ضرورة ولاعذر. وهذا محظور سداً لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية.
    الثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم، لأن حكمه يرفع الخلاف درءاً للفوضى.
    الثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليداً أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده. وهذا الشرط في غير العبادات، أما فيها فيجوز التلفيق ولو استلزم الرجوع عما عمل به أو عن أمر لازم لآخر إجماعاً، مالم يفض إلى الانحلال من ربقة التكاليف الشرعية أو إلى الذهاب بالحكمة الشرعية باقتراف الحيل المغايرة للشريعة أو المضيعة لمقاصدها.
    مثال الأول أي الرجوع عن العمل: ما نقل عن الفتاوى الهندية:لو أن فقيهاً قال لامرأته: ( أنت طالق البتة ) وهو يرى أن الطلاق يقع ثلاثاً،فأمضى فيما بينه وبينها، وعزم على أنها حرمت عليه. ثم رأى بعدئذ أنها تطليقة رجعية، أمضى رأيه الأول الذي كان عزم عليه، ولايردها إلى أن تكون زوجته برأي حدث من بعد.
    وكذلك لوكان في الابتداء يراها تطليقة رجعية، فعزم على أنها امرأته، ثم رأى بعد أنها ثلاث، لم تحرم عليه .
    هذا ويلاحظ أن بطلان التلفيق بعد العمل مقيد بقيدين:
    أولهما ـ أن يبقى من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء لايقول به كل من المذهبين كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. وكما لو أفتى مفت ببينونة زوجته بطلاقها مكرهاً، ثم نكح أختها مقلداً للحنفي بوقوع طلاق المكره. ثم أفتاه شافعي بعدم الحنث، فيمتنع عليه أن يطأ الأولى، مقلداً للشافعي والثانية مقلداً للحنفي، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض.
    ثانيهما ـ أن يكون ذلك في حادثة واحدة بعينها لا في مثلها، كما لو صلى ظهراً بمسح ربع الرأس مقلداً للحنفي، فليس له إبطال طهارته باعتقاده لزوم مسح الكل مقلداً للمالكي. وأما لوصلى يوماً على مذهب، وأراد أن يصلي يوماً آخر فلا يمنع منه .
    مثال الثاني أي الرجوع عن أمر مجمع عليه: لو قلد رجل أبا حنيفة في عقد النكاح بلا ولي، فيستلزم العقد صحة إيقاع الطلاق، لأنها أمر لازم لصحة النكاح إجماعا , فلو طلقها ثلاثا , ثم أراد تقليد الشافعي في عدم وقوع الطلاق لكون النكاح إجماعاً، فلو طلقها ثلاثاً،ثم أراد تقليد الشافعي في عدم وقوع الطلاق لكون النكاح بلا ولي، فليس له ذلك لكونه رجوعاً عن التقليد في أمر لازم إجماعاً. وهذا أمر معقول حتى لا تصبح العلاقة الزوجية السابقة علاقة محرمة، وأن الأولاد أولاد زنا. فيمنع ذلك كما يمنع كل ما يؤدي إلى العبث بالدين أو الإضرار بالبشر أو الفساد في الأرض.
    ومن صور التلفيق الممنوع لمخالفته الإجماع: أن يتزوج رجل امرأة بغير صداق ولا ولي ولا شهود، مقلداً كل مذهب فيما لا يقول به الآخر، فهذا من التلفيق المؤدي إلى محظور، لأنه يخالف الإجماع، فلم يقل به أحد . ومن صور التلفيق الممنوع أيضاً: أن يطلق شخص زوجته ثلاثاً، ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد التحليل،مقلدا ً زوجها في صحة الزواج للشافعي، فأصابها، ثم طلقها مقلداً في صحة الطلاق، وعدم الحاجة إلى العدة للإمام أحمد، فيجوز لزوجها الأول العقد عليها فوراً. فهذا التلفيق ممنوع لأنه يؤدي إلى التلاعب بقضايا الزواج، لذا قال الشيخ الاجهوري من الشافعية: هذا ممنوع في زماننا ولا يجوز ولايصح العمل بهذه المسألة، لأنه يشترط عند الشافعي أن يكون المزوج للصبي أباً له، أو جداً، وأن يكون عدلاً، وأن يكون في تزويجه مصلحة للصبي، وأن يكون المزوج للمرأة وليها العدل بحضرة عدلين، فإذا اختل شرط لم يصح التحليل لفساد النكاح.
    حكم التلفيق في التكاليف الشرعية:
    تنقسم الفروع الشرعية إلى ثلاثة أنواع :
    الأول ـ ما بني في الشريعة على اليسر والتسامح مع اختلافه باختلاف أحوال المكلفين.
    الثاني ـ ما بني على الورع والاحتياط.
    الثالث ـ ما يكون مناطه مصلحة العباد وسعادتهم.
    أما النوع الأول ـ فهو العبادات المحضة، وهذه يجوز فيها التلفيق، لأن مناطها امتثال أمر الله تعالى والخضوع له مع عدم الحرج، فينبغي عدم الغلو بها؛ لأن التنطع يؤدي إلى الهلاك.
    أما العبادات المالية: فإنها مما يجب التشديد بها احتياطاً خشية ضياع حقوق الفقراء، فلا يؤخذ بالقول الضعيف أو يلفق من كل مذهب ماهو أقرب لمصلحة المزكي لإضاعة حق الفقير، وإنما يجب الإفتاء بالأحوط والأنسب لمصلحة الفقراء.
    وأما النوع الثاني ـ فهو المحظورات: وهي مبنية على مراعاة الاحتياط والأخذ بالورع مهما أمكن ، لأن الله تعالى لا ينهى عن شيء إلا لمضرته، فلا يجوز فيها التسامح أو التلفيق إلا عند الضرورات الشرعية، لأن ( الضرورات تبيح المحظورات).
    وعليه لايجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق الله (أو حقوق المجتمع) حفاظاً على النظام العام في الشريعة، واهتماماً برعاية المصالح العامة. كما لا يجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق العباد ( حقوق الأشخاص الخاصة) منعاً من الاحتيال على حقوق الناس وإلحاق الضرر بهم والاعتداء عليهم.
    وأما النوع الثالث ـ فهو المعاملات المدنية: والعقوبات الشرعية (الحدود والتعزيرات)، وأداء الأموال الواجبة شرعاً من عشر المزروعات، وخراج الأراضي، وخمس المعادن المكتشفة، والمناكحات (أو الأحوال الشخصية). فعقود الزواج (المناكحات) وما يتبعها من أنواع الفرقة الزوجية: مبناها سعادة الزوجين وأولادهما. ويتحقق ذلك بالحفاظ على الرابطة الزوجية، وتوفر الحياة الطيبة فيها، كما قرر القرآن الكريم: {فإمساك بمعروف ،أو تسريح بإحسان} [البقرة:229/2]. فكل ما يؤيد هذا الأصل يعمل به، ولو أدى في بعض الوقائع إلى التلفيق الجائز، أما إذا اتخذ التلفيق ذريعة لتلاعب الناس بأقضية الزواج والطلاق ، فيكون تلفيقاً قادحاً ممنوعاً، مراعاة للقاعدة الشرعية: وهي ( أن الأصل في الأبضاع التحريم ) صيانة لحقوق النساء والأنساب.
    وأما المعاملات، وأداء الأموال، والعقوبات المقررة في الشرع والقصاص لصيانة الدماء ونحوها من التكاليف المراعى فيها مصالح البشرية والمرافق الحيوية، فيجب الأخذ فيها من كل مذهب ما هو أقرب لمصلحة الناس وسعادتهم، ولو لزم منه التلفيق، لما فيه من السعي وراء تأييد المصلحة التي يقصدها الشرع،ولأن مصالح الناس تتغير بتغير الزمان والعرف وتطور الحضارة والعمران. ومعيار المصلحة أو تحديد المراد منها: هو كل ما يضمن صيانة الأصول الكلية الخمسة:
    وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وصيانة كل مصلحة مقصودة شرعاً من الكتاب أو السنة أو الإجماع. وهي المصالح المرسلة المقبولة.
    قال الشرنبلالي الحنفي في العقد الفريد بعد أن ذكر فروعاً من أصل المذهب صريحة بجواز التلفيق: فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه، مقلداً فيه غير إمامه، مستجمعاً شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى. وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض. وقال أيضاً: إن له التقليد بعد العمل، كما إذا صلى ظاناً صحة الصلاة على مذهبه، ثم تبين بطلانها في مذهبه، وصحتها على مذهب غيره فله تقليده، ويجتزئ بتلك الصلاة، على ما قال في البزازية: أنه روي عن أبي يوسف: أنه صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا
    والخلاصة: إن ضابط جواز التلفيق وعدم جوازه: هو أن كل ما أفضى إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحكمتها، فهو محظور، وخصوصاً الحيل الشرعية الممنوعة .وأن كل ما يؤيد دعائم الشريعة ، وما ترمي إليه حكمتها وسياستها لإسعاد الناس في الدارين بتيسير العبادات عليهم، وصيانة مصالحهم في المعاملات، فهو جائز مطلوب.
    اختيار الأيسر في التقنين:
    لا مانع شرعاً من اختيار الحاكم ولي الأمر أيسر الأقوال في المذاهب الشرعية المختلفة، إذ إن ذلك ليس من قبيل التلفيق الممنوع، لأن الأحكام المختارة من المذاهب هي أحكام كلية لأمور متغايرة لا تجمع بينها رابطة، كما بينا. وإذا حدث فيها تلفيق أثناء التطبيق الفعلي فهو غير مقصود، فلا حرج فيه، كالقول بصحة الزواج بغير ولي وبعبارة النساء، والتفريع عليه بجواز استدامة الزوجية بعد مراجعتها إثر صدور طلاق ثلاث بلفظة واحد اكتفاء بإيقاعه طلقة واحدة رجعية. فهو تلفيق غير ممنوع لأنه لم يقصد إليه.
    والقول بجواز التلفيق في الجملة أقوى دليلاً من القول بمنعه، فضلاً عما فيه من تحقيق مصالح الأفراد والجماعات، ولا يترتب عليه أي مفسدة من مفاسد التلفيق المحظور. ولو افترضنا أن التلفيق كله غير جائز فإن تخير الحاكم لرأي وجعله قانوناً نافذاً: يقوي الحكم ولو كان قولاً ضعيفاً، كما قرر العلماء، بل ويوجب الطاعة إذا لم يكن أمراً بمعصية متيقنة شرعاً. وقد بدأ التخير من أحكام المذاهب في مجال التقنين فعلاً منذ أكثر من خمسين عاماً في مطلع هذا القرن، وذلك حينما شعرت الحكومة العثمانية بالحاجة إلى التوسع في حرية التعاقد، والشروط العقدية، وقابلية المحل المعقود عليه، بسبب ازدياد حاجة التعامل التجاري والصناعي، وتطور أساليب التجارة الداخلية والخارجية وظهور أنواع جديدة من الحقوق هي الحقوق الأدبية كحق المؤلف والمخترع، والاحتياج إلى عقود التأمين على البضائع المستوردة، واتساع مجال عقود الاستصناع مع المصانع الكبرى، وعقود التوريد لتقديم اللوازم والمواد الأولية إلى المؤسسات الحكومية والشركات والمعامل والمدارس.
    فاستبدلت السلطة العثمانية بالمادةو (64 سنة 1332 هـ/1914م) من قانون أصول المحاكمات مادة أخذت مبادئها من غير المذهب الحنفي كالمذهب الحنبلي ومذهب ابن شبرمة اللذين يوسعان من دائرة حرية الشروط العقدية ويقتربان من مبدأ سلطان الإرادة القانوني أي أن (العقد شريعة المتعاقدين) ويجيزان هذه المبادئ الثلاثة التي تضمنتها المادة الجديدة وهي:
    1- توسيع قابلية المحل للتعاقد عليه ليشمل كل ما جرى به العرف، أو سيوجد بعد.
    2 - جواز كل اتفاق أو اشتراط لا يخالف النظام العام والآداب والقوانين الخاصة، وقوانين العقارات والأحوال الشخصية والأوقاف. وبذلك تقلصت نظرية الفساد عند الحنفية، وأصبح جائزاً ما يعرف بالشرط الجزائي أي التعهد بالضمان المالي جزاء النكول أو التأخر عن تنفيذ الالتزام، عملاً بمذهب القاضي شريح.
    3 - اعتبار العقد تاماً بمجرد الاتفاق على النواحي الأساسية فيه، ولو لم تذكر الأمور الفرعية. وبه أصبحت الجهالة غير ضارة في تكوين العقد، فيصح العقد بسعر السوق أو بما سيستقر عليه في يوم ما (1) . هذا وقد أصدرت الحكومة العثمانية سنة (1336 هـ) قرار حقوق العائلة المعمول به اليوم، أخذت فيه بطائفة من أحكام المذاهب الثلاثة غير الحنفية واختارت بعض أقوال ضعيفة في المذهب الحنفي، وصدرت في مصر قوانين متخيرة من أحكام المذاهب بدءاً من سنة (1920 م) إلى سنة (1929) ثم سنة (1936 م) وحتى الآن اتبعت فيها أسلوب قانون العائلة العثماني، وذلك بحضور صفوة مختارة من كبار العلماء ورجال القضاء الشرعي من مختلف المذاهب، مراعاة لتغير الزمان، وتطور الحياة الاجتماعية، وتجدد المصالح والحاجات، وتبدل الأوضاع والتنظيمات.
    ومن أبرز الأمثلة على القوانين الملفقة: قانون الوصية الواجبة رقم (71) في المواد (76-79) من قانون الأحوال الشخصية المصري الصادر عام (1946)، لمعالجة مشكلة (أولاد المحروم) أي أولاد الابن المتوفى في حال حياة أبيه، وتابعه القانون السوري الصادر عام( 1953م) مع وجود فارق بينهما، وهو أن القانون المصري لم يميز بين أولاد الابن وأولاد البنت، وأما القانون السوري فقد اقتصر على أولاد الابن، وأما أولاد البنت فهم من ذوي الأرحام الوارثين. وقد أخذ هذا القانون من مجموع آراء فقهية كرأي ابن حزم الظاهري وأقوال بعض فقهاء التابعين ورواية في مذهب أحمد ومذهب الإباضية، ولم يستند ذلك إلى رأي فقهي معين.
    ومن الأمثلة الشهيرة على تخطي المذاهب الأربعة أو التلفيق بينها وبين غيرها لحاجة الناس إليها: جواز الوصية لوارث بدون توقف على إجازة الورثة في المادة (37) من قانون الوصية المصري رقم (71) لعام ( 1946 م)، أخذا بقول فريق من المفسرين ومنهم أبو مسلم الأصفهاني، وفريق من الفقهاء من غير المذاهب الأربعة كبعض أئمة الشيعة الزيدية، وبعض الشيعةالإمامية الاثني عشرية، والإسماعيلية.
    ومن الأمثلة القضائية للتخير: تقييد قبول الشهادات بأن تصحب بدليل قوي كالكتابة والخبرة والتسجيل الرسمي لنفي الشبهة بسبب تغير الزمان وضعف الوازع الديني. والنهي عن سماع الدعوى بعد مضي خمس عشرة سنة إلا في الوقف والإرث فبعد ثلاث وثلاثين سنة في لائحة المحاكم الشرعية المصرية سنة (1880م). والمنع من سماع دعوى الزوجية والطلاق والإقرار بهما بعد وفاة أحد الزوجين إلا إذا كانت الدعوى مؤيدة بأوراق خالية من شبهة تدل على صحتها في المادة (31) من لائحة سنة ( 1897 م ) المصرية.
    الفرع الخامس ـ أنواع الضوابط الشرعية للأخذ بأيسر المذاهب:
    لم أجد فيما اطلعت عليه من كتب علماء الأصول والفقه بحثاً مستقلا ًبهذا الموضوع،ويمكن وضع ضوابط شرعية للأخذ بأيسر المذاهب من طريق الاسنتباط أوالاستخلاص مما كتبه الأصوليون والفقهاء في بحث التلفيق وتتبع الرخص والتقليد عموماً.
    وهذه الضوابط هي ما يأتي:
    الضابط الأول: أن يتقيد الأخذ بالأيسر في مسائل الفروع الشرعية الاجتهادية الظنية أي القضايا العملية التي ثبتت أحكامها بطريق ظني أغلبي كأحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات التي ليس فيها نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي وهذا ـ كما بينا ـ هو مجال التقليد والتلفيق. أما غير ذلك فلا يصح الأخذ فيه بالأيسر مثل مسائل العقائد وأصول الإيمان والأخلاق كمعرفة الله تعالى وصفاته وإثبات وجود الله ووحدانيته ودلائل النبوة، ومثل كل ماعلم من الدين بالضرورة ــأي بالبداهة ــ وهو ما أجمع عليه المسلمون ويكفر جاحده أو منكره، في جميع التكاليف الشرعية: عبادات أو معاملات أو عقوبات أو محرمات، كأركان الإسلام الخمسة وحرمة الربا (الفائدة)، والزنا، وحل البيع والزواج والقرض ونحوها مما هو ثابت قطعاً بالإجماع، لا يجوز فيها التقليد والتلفيق أو الأخذ بالأيسر. فلا يباح التلفيق المؤدي إلى إباحة المحرمات كالنبيذ المسكر والزنا مثلاً.
    كما لا يباح التلفيق المؤدي إلى إهدار حقوق الناس أو إلحاق الأذى والضرر بهم والعدوان عليهم، إذ لاضرر ولا ضرار في الإسلام.
    قال القرافي : إن ضابط المذاهب التي يقلد فيها خمسة أشياء لا سادس لها عملاً بالاستقراء:
    1 - الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية.
    2 - وأسبابها.
    3 - وشروطها.
    4 - وموانعها.
    5 - والحِجاج المثبتة للأسباب والشروط والموانع.
    احترز بـ (الشرعية) عن العقلية كالحساب والهندسة وعن الحسيات وغيرها. واحترز بالفروعية عن أصول الدين وأصول الفقه. وبالاجتهادية عن الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة.
    وأسباب الأحكام مثل الإتلاف المسبب للضمان. والشروط كاشتراط الولي والشهود في عقد الزواج. والموانع كالجنون والإغماء المانعين من التكليف الشرعي، والدَّين المانع من إيجاب الزكاة.
    والحجاج المثبتة للأسباب والشروط والموانع هي ما يعتمد عليه القضاء من البينات والأقارير ونحو ذلك. وهي نوعان:
    1 - مجمع عليه كالشاهدين في الأموال والأربعة الشهود في الزنى، والإقرار في جميع ذلك إذا صدر من أهله في محله.
    2 - ومختلف فيه: نحو الشاهد واليمين وشهادة الصبيان في القتل والجراح، والإقرار إذا أعقبه رجوع. ونحن كما نقلد العلماء في الأحكام وأسبابها وشروطها وموانعها، فكذلك نقلدهم في الحجاج المثبتة لذلك.
    فاختيار الأيسر من المذاهب مقيد إذن في هذا النطاق وهو الأحكام الفرعية الثابتة بغلبة الظن لدى المجتهد مثل وجوب الوتر والنية في الوضوء، وكون الدَّين مانعاً من الزكاة، وإباحة المعاطاة ، وقبول شهادة الصبيان في القتل والجراح، والشاهد واليمين، وشهادة النساء فيما يختص بهن الاطلاع عليه كعيوب الفروج واستهلال المولود، وجواز البيع بشرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين. والتطليق بسبب الغيبة أو الإعسار أو الإضرار، وتقويم منافع العقارات، وتضمين الأجراء والصناع، ومنع هدية المديان، ونحو ذلك.
    الضابط الثاني ـ ألا يترتب على الأخذ بالأيسر معارضة مصادر الشريعة القطعية، أو أصولها ومبادئها العامة. يفهم هذا الشرط مما ذكره فقهاء المالكية ـ حتى الشاطبي ـ من ضرورة نقض حكم الحاكم أو قضاء القاضي في أمور أربعة ينقض فيها قضاؤه، مما يدل على أنه عند الأخذ بالأيسر لا يجوز الوقوع فيما يخالف هذه الأمور وهي ما يأتي :
    الأول ـ أن يحكم القاضي بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، فينقض هو حكم نفسه بذلك، ،وينقضه القاضي الوالي بعده. ويلحق بذلك الحكم بالقول الشاذ.
    الثاني ـ أن يحكم بالظن والتخمين من غير معرفة ولا اجتهاد، فينقضه هو ومن يلي بعده.
    الثالث ـ أن يحكم بعد الاجتهاد،ثم يتبين له الصواب في خلاف ما حكم به، فلا ينقضه من ولي بعده. واختلف هل ينقضه هو أم لا؟.
    الرابع ـ أن يقصد الحكم بمذهب، فيذهل ويحكم بغيره من المذاهب، فيفسخه هو، ولا يفسخه غيره. ويهمنا في بحث الأخذ بالأيسر من هذه الأمور الأمر الأول، فقد عدد القرافي صوراً أربعة ينقض فيها الحكم هي: مخالفة الإجماع، والقواعد، والقياس الجلي، والنص. ومثل لكل حالة وبين سبب النقض، ثم قال: فإن مثل هذا لايقر في الشرع لضعفه، وكما لا يتقرر إذا صدر عن الحكام، كذلك لا يصح التقليد فيه إذا صدر عن المفتي، ويحرم اتباعه فيه . أما سبب نقض الحكم المخالف للإجماع: فهو أن الإجماع معصوم من الخطأ ولا يحكم إلا بحق، فخلافه يكون باطلاً قطعاً.
    وأما سبب نقض الحكم لمخالفة القواعد والقياس الجلي والنص إذا لم يكن لها معارض راجح عليها فهو أنها واجبة الاتباع شرعاً ويحرم مخالفتها ولا يقر شرعاً ما يعارضها باجتهاد خطأ، لقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [النساء:59/4].
    فمخالفة النص: مثل لو حكم القاضي بإبطال وقف المنقول، فإنه ينقض حكمه، لمخالفته نصوص الأحاديث الصحيحة بصحة وقف المنقول، منها أن ويؤيده أن عز الدين بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) اشترط لجواز التلفيق ألا يكون ماقلد فيه مما ينقض فيه الحكم أي أن تكون المسألة اجتهادية. رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال في حق خالد بن الوليد: «قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» . ومثل جواز الوصية للوارث، فإنه مخالف للحديث المتواتر: «ألا لاوصية لوارث» . ومثل إقرار الربا القليل أو الفائدة في حدود ( 7 % ) فإنه مخالف للآيات القرآنية الدالة دلالة قطعية على تحريم الربا: { وأحل الله البيع وحرم الربا } [البقرة:275/2]، ومثل تسوية المرأة بالرجل في الميراث فإنه معارض صراحة للنص القرآني: { للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:11/4].
    ومخالفة الإجماع: مثل الحكم بحرمان الجد من الميراث إذا اجتمع مع الإخوة مع أن الصحابة أجمعوا ضمناً على ضرورة إرث الجد، وإنما اختلفوا في أنه: هل يرث جميع المال ويحجب الإخوة، أم أنه يرث مع الإخوة . ومثل الحكم بعدم ضرورة القسمة بين الزوجات في بعض الأحوال، فإنه مخالف للإجماع على أن العدل في القسمة واجب. ومثل الحكم بالقرائن في إثبات جريمة الزنا، فإنه مخالف للإجماع والنص القرآني القاطع.
    ومخالفة القواعد: مثل لها القرافي بالمسألة السُّريجية ( نسبة لأحمد بن سريج الشافعي المتوفى سنة 306هـ ) وهي أن يقول الزوج: « إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً » فلا يقع الطلاق عند ابن سريج، وتابعه فيه ابن تيمية وابن القيم، لأن الطلاق الصادر منه لم يصادف محلاً له. فلو حكم حاكم بإقرار الزواج عملاً بهذا الرأي فينقض حكمه - عند المالكية - لمخالفته القواعد، لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع المشروط، فإذا لم يجتمع الشرط مع المشروط لايصح أن يكون في الشرع شرطاً .
    هذا والوصية لوارث مخالفة للقواعد أيضاً مثل قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقاعدة (الحكم يتبع المصلحة الراجحة) والمصلحة الراجحة في الإبقاء على روابط الأسرة على أساس من المحبة والتعاون وصلة الرحم.
    ومخالفة القياس الجلي: مثل قبول شهادة النصراني، فإن الحكم بشهادته ينقض، لأن الفاسق لا تقبل شهادته،والكافر أشد منه فسوقاً وأبعد عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس، فينقض الحكم لذلك، ولقوله تعالى: { وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} [الطلاق:2/65]، وهو رأي المذاهب الأربعة، إلا الحنابلة فقد أجازوا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، عملاً بقوله تعالى: { أو آخران من غيركم } [المائدة:106/5].
    لكني أرى أن الأسباب المعنوية والاجتماعية والظروف الخاصة والتعصب الذي كان موجوداً في التاريخ بين المسلمين وغيرهم هو الذي أدى إلى رفض قبول شهادة غير المسلمين، أما الآن وقد عاش المسلمون مع غيرهم في صعيد واحد، واتصلوا اتصالاً وثيقاً مع بعضهم، فلا مانع من قبول شهادتهم على المسلمين للضرورة. وقد جرى العمل على ذلك في البلاد الإسلامية.
    الضابط الثالث ـ ألا يؤد ي الأخذ بالأيسر إلى التلفيق الممنوع:
    قد بينا دائرة التلفيق الممنوع سواء الباطل لذاته كإحلال المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما أو الباطل لا لذاته، وإنما لعارض ويشمل أنواعاً ثلاثة:
    الأول ـ تتبع الرخص عمداً أي الأخذ بالأيسر بدون ضرورة ولا عذر.
    الثاني ـ التلفيق الذي يستلزم نقض حكم القاضي.
    الثالث ـ التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليداً، أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده وذلك في غير العبادات المحضة. فلا يؤخذ بالأيسر إذا أدى الأمر إلى الانحلال من مسؤولية التكاليف الشرعية أو العبث بالدين وقضايا الزواج، أو الإضرار بالبشر، أو الفساد في الأرض، أو الإضرار بالمصلحة الاجتماعية.
    فلا يجوز مثلاً التلفيق أو الأخذ بالأيسر للتخلص من فريضة الزكاة، باستخدام الحيل قبيل مضي العام بإعطاء الشخص مدينا ً له من الزكاة بقدر ماعليه، ثم يطالبه بالوفاء، فإذا وفاه برىء وسقطت الزكاة عن الدافع. أو يلجأ المزكي لتصرف صوري بيعاً أو هبة ثم يسترد المال إليه، فهذه حيلة محرمة باطلة لاتسقط فرض الزكاة لأن في ذلك إضراراً بمصلحة الفقراء، وتآمراً على حقوقهم الثابتة شرعاً في أموال الأغنياء. كما لا يصح الإفتاء بأيسر المذاهب في أحكام الزكاة دفعاً لحاجة الفقير، وإنما يفتى بما يحقق المصلحة، فيفتي مثلاً بمذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء بإيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وبإخراج زكاة الأرض الخراجية (التي فتحت عنوة) مع الخراج، فيكون الواجب في تلك الأرض الخراج والعشر معاً، لأن العشر واجب ديني على المسلمين،والخرا ج واجب اجتهادي ليكون مورداً للجماعة ممثلة بالدولة لسد حاجاتها ونفقاتها العامة.
    ومن الواجب أن تكون الغاية من الأخذ بالأيسر الحفاظ على مقاصد الشريعة، والتزام سياستها وحكمتها التشريعية، ورعاية مصلحة الناس كافة في المعاملات والعقوبات وأداء الأموال والعلاقات الزوجية لا المصلحة الخاصة، وعدم إهدار مصلحة أهم مما دونها، واتقاء المفسدة الكبرى بالدنيا عند الضرورة، وأن يكون الشرع هو معيار تحقيق المصلحة ودرء المفسدة. ومقاصد الشريعة هي: حفظ الدين (من عقائد وعبادات)، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وينبغي التدرج في الحفاظ عليها بحسب مراتبها وهي الضروريات أولاً، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.
    أما الضروريات: فهي التي يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت اختلت الحياة في الدنيا، وضاع النعيم وحل العقاب في الآخرة. أي أنها كل مالا بد منه لحفظ المقاصد الخمسة الأصلية.
    وأما الحاجيات: فهي التي يحتاج الناس إليها لرفع الحرج عنهم فقط، بحيث إذا فقدت وقع الناس في الضيق والحرج دون أن تختل الحياة. فقد تتحقق بدونها المقاصد الخمسة، ولكن مع المشقة والضيق.
    وأما التحسينيات: فهي المصالح التي يقصد بها الأخذ بمحاسن العبادات ومكارم الأخلاق، كالطهارات وستر العورات. فهي بمثابة السور للحفاظ على المقاصد الخمسة الضرورية.
    الضابط الرابع ـ أن تكون هناك ضرورة أو حاجة للأخذ بالأيسر.
    الأخذ بالأيسر ينبغي ألا يكون متخذاً للعبث في الدين أو مجاراة أهواء النفوس أو للتشهي وموافقة الأغراض، لأن الشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، قال الله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} [المؤمنون:71/23]، {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4]، فلا يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس. وهناك آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله سبحانه: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص:28/50]، {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة:5/49]، {ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله} [ص:38/26].
    وبناءً عليه ألزم العلماء المفتي في إفتائه ألا يتبع أهواء الناس بل يتبع المصلحة والدليل الراجح، والمصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة كما بينا. قال تعالى لنبيه: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً} [الجاثية:45/18-19]، قال القرافي في الإحكام والشيخ عليش في فتاويه: «أما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعاً» .
    وقال ابن القيم: لايجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه وهذا المعنى هو الذي حمل الشاطبي ـ كما بينت سابقاً ـ على منع تتبع الرخص، فقد قال: وقد أدى إغفال هذا الأصل (أي اتباع أحد الدليلين أو القولين من غير ترجيح) إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بمالايفتي به غيره من الأقوال، اتباعا ً لغرضه، وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق .
    وهذا يدلنا على أن مراعاة المصلحة الخاصة في الأخذ بالأيسر أمر غير مرغوب فقهاً وشرعاً، وإنما ينبغي مراعاة المصلحة العامة أو مصلحة الكافة.
    وإذا كان اتباع الأهواء محرما ً لزم تقييد الأخذ بأيسر المذاهب بوجود حالة الضرورة أو الحاجة، لأن ( الضرورات تبيح المحظورات ) و( الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة) والضرورة: مايترتب على عصيانها خطر. أما الحاجة: فهي مايترتب على عدم الاستجابة إليها عسر وصعوبة. والمراد بكون الحاجة عامة: أن تكون شاملة جميع الأمة، والمراد بكونها خاصة أن يكون الاحتياج لطائفة متخصصة من الأمة كأهل بلد أو حرفة، لا أن تكون فردية .
    ولست مع الشاطبي في أن العمل بالضرورة أو الحاجة أخذ بما يوافق الهوى ، لأن الضرورات والحاجات تتجدد بحسب التطور. ولابد من مراعاة ضوابط الضرورة الشرعية والحاجة (وهي أن تكون قائمة لامتوقعة، ويقينية أو غالبة الظن، وملجئة أو محرجة...إلخ) .
    الضابط الخامس ـ أن يتقيد الأخذ بالأيسر بمبدأ الترجيح.
    أي أن يكون الهدف العام أولاً هو العمل بالرأي الأقوى أو الأرجح بحسب رجحان دليله، لأن الأخذ بالأيسر نوع من الاجتهاد، والمجتهد ملزم باتباع الدليل الراجح المؤدي إلى الصواب، بحسب غلبة ظنه. لذا أوجب الأصوليون على المفتي (أي المجتهد) أن يتبع القول لدليله، فلايختار من المذاهب أضعفها دليلاً، بل يختار أقواها دليلاً؛ لأن الصحابة أجمعوا في اجتهاداتهم على وجوب العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما، ولأن العقل يوجب العمل بالراجح في الحوادث، والأصل اتفاق الشرع مع العقل. قال القرافي: إن الحاكم إن كانمجتهداً فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلداً جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به، وإن لم يكن راجحاً عنده، مقلداً في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا.
    وقال أيضاً: أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع . لكن ناقش الشيخ عليش هذا الإجماع فقال: ولعل هذا الإجماع ـ على تقدير ثبوته ـ إنما يكون حيث تبع القاضي أو المفتي في تقليد الشاذ هواه، فإن أبغض شخصاً أو كان من ذوي الخمول، شدد عليه، فقضى عليه وأفتاه بالمشهور، وإن أحبه أو كان له عليه منة، وكان من أصدقائه أو أقاربه واستحيا منه، لكونه من ذوي الوجاهة أو أبناء الدنيا، أفتاه ،أو قضى له بالشاذ الذي فيه رخصة .
    ثم ذكر الشيخ عليش في فتاويه عند الكلام على موضوع التخير بين الأقوال: الصحيح إن كان المقلد أهلاً للنظر في طرق الترجيح وإدراك مدارك التقديم والتصحيح، فإنما الواجب عليه في القولين أو الأقوال إن كانت لشخص واحد ألا يعمل أو يفتي أو يحكم إلا بالراجح عنده .
    ثم تعقب الشيخ عليش عبارة القرافي في أنه منع المجتهد من الحكم والفتيا إلا بالراجح عنده، وأجاز للمقلد أن يفتي بمشهور مذهب من قلده حتى ولو كان شاذاً مرجوحاً في نظره. ثم قال عليش: لا دليل فيه على جواز العمل بغير الراجح، لأنه لا يلزم من العمل بالمرجوح عنده الراجح في نظر إمامه أو عكسه العمل بالمرجوح في نظرهما معاً.
    وخلاصة الكلام المفهوم من كلام القرافي والشيخ عليش: إن المقلد إذا كان أهلاً للترجيح، وكان هناك قولان: راجح ومرجوح، فعليه النظر والترجيح. وإن كان القولان متكافئين لا راجح فيهما في نظره، جاز له الحكم بأحد القولين أو الترجيح بالأعلم أو بالأكثر أو بالأشد والأثقل .
    هذا هو الأصل العام عند العلماء في أنه يجب العمل بالراجح في الفتوى والقضاء والعمل إلا لعارض معتبر شرعاً، فإذا وجدت ضرورة أو حاجة أومصلحة عامة للعمل بالقول المرجوح (الضعيف أو الشاذ) أو اعتمد الحاكم قولاً مرجوحاً، جاز الأخذ به، كما بينت سابقاً، ولا إجماع في الحقيقة على منع الأخذ بالمرجوح بدليل وجود الاختلاف بين العلماء فيما يأخذ به المقلد من أقوال العلماء.
    قيل: يأخذ بقول أعلمهم. وقيل: يأخذ بقول أكثرهم، وقيل: يأخذ بقول من شاء منهم، يعني وإن لم يكن قائله أعلم ولا أكثر، بل يكون مماثلاً أو أقل عدداً أو أدنى علماً، وهذا هو عين القول الشاذ. وقد قال بعض المفسرين في سر قوله تعالى لداود عليه السلام: { ولا تتبع الهوى } [ص:26/38]، بعد أمره له أن يحكم بالحق: إن فيه إشارة إلى أن الامتثال لايكون بمجرد الحكم بالحق، حتى يكون الباعث على الحكم به حقيته، لا اتباع الهوى، فيكون معبود من اتصف بهذا هواه، لا مولاه جل وعلا، حتى إذا لم يجد هواه في الحق تركه، واتبع غير الله.
    أما من قلد القول الشاذ لأنه حق في حق من قال به، وفي حق من قلده، ولم يحمله عليه مجرد الهوى، بل الحاجة والاستعانة على دفع ضرر ديني أو دنيوي، فهذا ترجى له السلامة في تقييده ذلك .
    وقال الشيخ عليش: أما التقليد في الرخصة من غير تتبع، بل عند الحاجة إليها في بعض الأحوال خوف فتنة ونحوها، فله ذلك .
    هذه هي ضوابط الأخذ بأيسر المذاهب - قي تقديرنا - فإذا ماالتزمناها نكون قد أخذنا بمبدأ الاعتدال والتوسط الذي قامت عليه شريعة الإسلام، والذي يتفق مع المنهج الذي ارتآه الخليفة أبو جعفر المنصور، حينما لقي الإمام مالك في الحج، فقال له: إنه لم يبق عالم غيري وغيرك. أما أنا فقد اشتغلت بالسياسة. فأما أنت فضع للناس كتاباً في السنة والفقه، تجنب فيه رخص ابن عباس، وتشديدات ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، ووطئه توطيئاً. قال مالك: فعلمني كيفية التأليف. يعني دله على طريقة الاعتدال.
    ويمكن اختصار هذه الضوابط في أمرين:
    أولهما - أن تكون المسألة اجتهادية ليس فيها دليل راجح.
    ثانيهما - أن تكون هناك ضرورة أو حاجة أو مصلحة أو عذر.
    هذا وقد أبان ابن حجر وغيره من الشافعية شروط التقليد، وبالتالي تصلح هذه الشروط لبحثنا وهو الأخذ بأيسر المذاهب، من باب أولى فيحسن ذكرها، فقال:
    وشروط التقليد ستة:
    الأول - أن يكون مذهب المقلَّد مدوناً لتتمكن فيه عواقب الأنظار ويتحصل له العلم اليقيني بكون المسألة المقلد بها من هذه المذاهب.
    الثاني - حفظ المقلِّد شروط إمام المذهب في تلك المسألة.
    الثالث - أن لايكون التقليد فيما ينقض فيه قضاء القاضي، بأن لايكون خلاف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي.
    الرابع - أن لايتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل لتنحل رتبة التكليف من عنقه.
    قال ابن حجر: ومن ثم كان الأوجه أن يفسق به. وقال الرملي: الأوجه أنه لايفسق وإن أثم به.
    وهذا الشرط - كما صرح المتأخرون - ليس شرطاً لصحة التقليد بل هو شرط لدرء الإثم كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة.
    الخامس - أن لايعمل بقول في مسألة ثم بضده في عينها.
    وهذا الشرط فيه نظر، لأنه مبني على امتناع التقليد بعد العمل، والأصح جوازه - كما قال الشافعية.
    السادس - أن لايلفق بين قولين تتولد منهما حقيقة واحدة مركبة، لايقول كل من الإمامين بها، كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. قال البلقيني: إن التركيب القادح في التقليد إنما يؤخذ إذا كان في قضية واحدة، كتقليد إمامين في طهارة الحدث.أما إذا كان التركيب من حيث القضيتين كطهارة الحدث وطهارة الخبث، فذلك غير قادح، لأن الإمامين لم يتفقا على بطلان طهارته. وزاد بعض الشافعية شرطاً سابعاً: وهو أنه يلزم المقلِّد اعتقاد أرجحية أو مساواة مقلِّده للغير، لكن المشهور الذي رجحه النووي والرافعي جواز تقليد المفضول مع وجود الفاضل. قال ابن عابدين في رد المحتار: ذكر في التحرير وشرحه أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية.
    وزاد بعضهم شرطاً ثامناً: وهو أنه لابد من صحة التقليد أن يكون صاحب المذهب حياً وقت التقليد. لكن هذا مردود عند العلماء، لأن الشيخين النووي والرافعي اتفقا على جواز تقليد الميت، وقالا: هو الصحيح.
    يتبين من نقاش هذه الشروط خلال ماكتبناه أن الشرطين الأولين مفترض تحققهما في كل تقليد أو أخذ بالأيسر. وأن الشرط السابع والثامن لاداعي لهما، وأوافق على الشرط الثالث وأعتمده في بحثي، وأمنع الأخذ بالتلفيق الممنوع فقط وبه يستغنى عن الشرط الخامس. وآخذ بما يخالف الشرط الرابع عند الحاجة.[/size]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: مباحث أصولية نفيسة للشيخ وهبة الزحيلي

    بارك الله فيك على هذا البحث القيم وجزاك الله خير الجزاء لكن إذا أردت أن ىخذ منه فكيف أنسبه لوهبة الزحيلي أي في اي الكتب له

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •