العقيدة والعبر من قصار السور
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: العقيدة والعبر من قصار السور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - الناس


    د. أمير الحداد










    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ. مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (الناس).
    - أعجبني الحديث الذي ذكرته عن ابن عباس عندما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم : «يا ابن عباس ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: {قل أعوذ بربك الفلق} و{قل أعوذ برب الناس}، (صحيح سنن أبي داود.
    - نعم ولا شك في ذلك، ولكن هل لاحظت فرقا بين السورتين؟
    أخذ صاحبي لحظات يفكر في الإجابة.
    - في (الفلق)، تعوذ من أشياء عدة، وفي (الناس) تعوذ من شيء واحد هو (الوسواس).
    - أحسنت ولكن هذه نصف الإجابة.
    - وما النصف الثاني؟
    - في (الفلق) أمر الله رسوله وأمته من بعده أن يستعيذوا بـ(رب الفلق)، من أربعة مصادر للأذى (شر ما خلق) (شر غاسق إذا وقب) (شر النفاثات في العقد)، و(شر حاسد إذا حسد)، وفي سورة الناس أمر الله رسوله وأمته من بعده أن يستعيذوا بـ(رب الناس) (ملك الناس) (إله الناس)، من (شر الوسواس الخناس)، ففي الفلق الاستعاذة بصفة واحدة من صفات الله عز وجل (رب الفلق) من أربعة شرور وفي سورة الناس استعاذة بثلاثة أسماء من الأسماء الحسنى (الرب)، و(المالك)، و(الإله) من شر واحد (الوسواس الخناس).
    أعجب صاحبي بهذا البيان.
    - ولو أردنا أن نزيد بيانًا، فإن الله رب كل شيء، وملك كل شيء، وإله كل شيء، ولكنه -سبحانه- نسب ربوبيته وملكه وألوهيته للناس،؛ وذلك لأن الخطاب للناس، فيأمرهم أن يلجؤوا ويعتصموا ويلوذوا بربهم وملكهم وإلههم، سبحانه وتعالى، وهذا أنسب لهذا المقام.
    كنت وصاحبي في طريقنا لعيادة أحد المصلين أدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية.
    - هناك مفهوم (الوسواس القهري) هل له علاقة بموضوعنا؟
    - الوسواس مصدر يراد به اسم الفاعل (الموسوس) وهو الشيطان، والوسوسة أوهام وأفكار وتخيلات لا حقيقة لها؛ ولذلك جاء في الحديث عن ابن عباس أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لأجد في صدري الشيء لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به، فقال صلى الله عليه وسلم : «الله أكبر، الله أكبر الحمدلله الذي رد أمره إلى الوسوسة» (حسنه الألباني).
    وذلك أن الوسوسة أمر سهل التخلص منه، إلا أن يستجيب المرء له، فيتعاظم؛ ولذلك يقول العلماء: إن الوسوسة في العبادة تأتي قبلها أو أثناءها أو بعدها، أما التي تأتي بعد فلا قيمة لها، علاجها إهمالها والتعوذ بالله وعدم الالتفات إليها، والتي قبل تدرأ باليقين، مثلا إذا وسوس أنك لم تتطهر بعد البول تدرأه بأنك تطهرت وأن ما تشعر به هو رطوبة الماء الذي تطهرت به، والوسوسة أثناء العبادة لا يلتفت إليها إلا أن تكون يقينا، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه هل خرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» مسلم.
    والقاعدة الشرعية أن اليقين لا يزول إلا بيقين وليس بالشك.
    - أظن أن (الوسوسة) أصبحت ظاهرة منتشرة عند كثير من الناس؛ وذلك لجهلهم بأحكام الدين ولاسيما في باب العقيدة وربما تبدأ من باب (المزاح)، أو (التدين) وذلك قبل العلم، مع أنه في شرع الله لا بد أن يسبق العلم العمل، فاعلم أنه لا إله إلا الله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ وَالْمُؤْمِنَات ِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْش} (محمد:19).

    - أحسنت يقينا لم يترك لنا الشارع شيئا نحتاجه إلا وبينه لنا، ودلنا عليه، ولم يدع شيئا يضرنا إلا نبهنا وحذرنا منه، وبيّن كيف نتقيه؟ ولكن قليلا من الناس من يعلم ويعمل.
    نسأل الله العافية.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي رد: العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - الفلق


    د. أمير الحداد


    {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الفلق).
    هذه إحدى السور الخمس التي ابتدأت بـ(قل)، وفيها يرشد الله -سبحانه وتعالى- رسوله ومن بعده عباده أن يلوذ ويلجأ ويعتصم به سبحانه من شر كل شيء وذكر من صفاته أنه (رب الفلق) سبحانه وتعالى، والفلق هو الصبح أو الزرع أو الجمادات أو الإنسان، فكأنه -سبحانه- يشير إلى أنه (رب كل شيء).
    وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا».
    - نعم.
    كان الوقت أواخر شهر ديسمبر؛ حيث يقصر النهار، وتصبح معظم النشاطات بعد صلاة العشاء، اقترح علي صاحبي أن نقضي الوقت بعد صلاة العصر نتريض في الممشى الموازي للبحر.
    - ثم بعد أن ذكر (شر ما خلق) وهذا عام ذكر بعض الشرور الخاصة، لبيان شدة أثرها والتنبيه إلى خطرها سواء من التعاطي بها أم الوقوع تحت تأثيرها.
    - وما شر الغاسق إذا وقب؟
    - الليل إذا أقبل، ومن آيات الله الليل، ويحصل في الليل من الشر ما لا نعلمه، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «ذكر الله عز وجل الغاسق إذا وقب والنفاثات في العقد والحاسد إذا حسد؛ لأن البلاء كله في هذه الأحوال الثلاثة يكون خفيا».
    والنفاثات في العقد الأنفس التي تنفخ لعقد السحر.
    والحسد معروف.
    وعندما يأمرنا الله أن نستعيذ به من هذه الأمور إنما ليبين أنها شر قد يقع أذاه علينا، والسبيل للنجاة هو الاعتصام بالله واللجوء إليه، ولا ينبغي لمؤمن أن يفعلها ولاسيما السحر والحسد، يقول الشيخ ابن عثيمين في تتمة كلامه: «الطريق للتخلص من هذه الشرور أن يتعلق القلب بالله، ويتوكل عليه، ومن التوكل استعمال الأوراد الشرعية التي بها يحصن نفسه، لكن مع الأسف لا يعرف كثير من الناس هذه الأوراد، ومن عرفها يغفل عنها، ومن قرأها قلبه غير حاضر معها، وكل هذا يعرض النفس لهذه الشرور وغيرها».
    صاحبي أنشط مني في المشي الرياضي، لكنه يراعي ذلك فيبطئ من مشيه لنكون سويا.
    - وأين ذكرت الاستعاذة في شريعتنا؟
    - يقول الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(النح ل: 98)، ويقول تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الأعراف : 200)، ويقول تعالى: {}(المؤمنون: 97)، ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(غافر : 56)، ويقول تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(فصلت : 36).
    وفي الأحاديث: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» (الصحيحة).
    وفي الحديث: «أتاني جبريل فقال: يا محمد قل. قلت: وما أقول؟ قال قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ماذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن» (صحيح).
    وأيضاً: «إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (صحيح).
    وأحاديث أخرى كثيرة، ولكن دعني أختم لك بحديث ييسر لك هذه القضية. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا ابن عباس ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المعوذون؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: {قل أعوذ برب الفلق}، و{قل أعوذ برب الناس}».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي رد: العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - الكوثر


    د. أمير الحداد



    {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} (الكوثر).


    - هل تعلم أن هذه السورة هي أقصر سورة في القرآن الكريم؟!


    - نعم، الكوثر والعصر والنصر ثلاث سور في كل منها ثلاث آيات، هي الأقصر.


    ابتسمت.

    - أراك مستعدا للاختبار هذه المرة!

    - هذه إحدى المعلومات التي التصقت في ذهني منذ الصغر، كان والدي يحثنا على حفظ أقصر سورة في القرآن، فحفظتها وهي ثلاث سور قبل الفاتحة.

    كان صاحبي يرافقني في قضاء بعض مستلزمات المنزل الجديد؛ فهو أكثر خبرة مني بمواد البناء ولوازمها.

    - سؤال آخر ما معنى (الكوثر)؟

    - نهر في الجنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم .

    - نعم هذا معنى واحد للكوثر ورد فيه حديث صحيح.

    عن أنس بن مالك قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما الكوثر؟ قال: ذاك نهر أعطانيه الله -يعني في الجنة- أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر قال عمر: إن هذه لناعمة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكلتها أنعم منها..» (السلسلة الصحيحة).

    وفي رواية أخرى صحيحة «أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري «كذا على وجه الأرض» ولم يشق شقا فإذا حافتاه قباب اللؤلؤ؛ فضربت يدي إلى تربته فإذا هو مسكة ذفرة، وإذا حصاه اللؤلؤ»، وفي رواية «أظنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدودفي الأرض! لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض إحدى حافيتها اللؤلؤ والأخرى الياقوت وطينها المسك الأذفر، قلت ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط له».

    - هل نجحت في السؤال الثاني؟

    - نصف نجاح، وذلك أن الكوثر أعم من هذا، هو الخير الكثير المفرط في الكثرة، وهو على وزن (فوعل) مثل جوهر دوسر، جورب، كوكب.

    والخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - شمل الدنيا والآخرة ابتداء من النبوة، وانتهاء بالمقام المحمود وهذه النعم العظيمة أعطاها الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - دون أن يذكر صفة الشيء المعطى: (أعطيناك)، أنت دون تسبيب للعطية.

    وفي هذا الجزء من السورة رد على جميع الكفار، لا العاصي بن وائل الذي وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه (أبتر) بعد وفاة ابنه عبدالله؛ فقد وصفه آخرون بأنه لا ناصر له، وأنه لا مال له، فأتى الرد من الله بأنه أعطاه (الكوثر) الخير المفرط في الكثرة، في الدنيا والآخرة.

    والأولى أن يقال: إن (الأبتر) هو الذي لا خير فيه؛ وذلك أن العاص ابن وائل كان ابنه عمرو بن العاص الصحابي الجليل، وابن عمرو هو عبدالله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل، ثم أمر الله رسوله أن يشتغل بشكر النعم، بأعظم العبادات، الصلاة والإخلاص، كما في حديث قيام الليل: «أفلا أكون عبدا شكورا» فمن شكر النعم الإكثار من الصلاة وإخلاص النية لله.

    - ولماذا أتت (أعطيناك) بصيغة الماضي؟

    - كل ما أتى من أمور المستقبل بصيغة الماضي، إنما لتأكيد وقوعه دون شك.

    - هل تذكر الكلام الذي قاله مسيلمة على نسق هذه السورة.

    - «إن أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر إن مبغضك رجل كافر».

    ضحك صاحبي.

    - هذا أقرب للهذيان منه إلى الوحي.

    - وكان لمسيلمة أتباع كثر، قاتلوا وماتوا دونه.
    - وهكذا الأمر في كل زمان، مهما كان الباطل يجد من يدافع عنه (سنة تدافع الحق والباطل).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي رد: العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - الكافرون


    د. أمير الحداد




    {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} (الكافرون).


    - هل تعلم كم سورة من القرآن بدأت بـ(قل)؟

    أخذ صاحبي يفكر، لم يحتج وقتا طويلا.

    - أربع سور: (الكافرون) و(الإخلاص) و(المعوذتان).

    - أحسنت ولكن بقيت واحدة.

    سكت هنيهة.

    - لا أدري.

    - سورة الجن: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن}، فهي خمس سور فقط في القرآن بدأت بـ(قل).

    والأمر فيها من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ويثبت فيها (قل) لبيان أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره الله أن يقول؛ فالمعنى قال لي ربي (قل...) ولا ينبغي حذف الفعل (قل)، وعندما تبدأ السورة بـ(قل)، فإنها تستوجب الانتباه لما سيأتي.

    - دعنا نتحدث عما في هذه السورة من عقيدة.

    - أولا هذه السورة هي إحدى سورتي الإخلاص.

    والثانية هي: {قل هو الله أحد}، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما في ركعتي سنة الفجر، وركعتي الطواف؛ لما فيها من الإخلاص ونفي العبودية.

    قاطعني:

    - بل نفي العبادة لغير الله أولا ثم إثبات الإخلاص لله وحده مثل قولنا: {لا إله إلا الله}.

    - أحسنت.

    - لماذا نفى عن المخاطبين عبادة الله: {ؤلا أنتم عابدون ما أعبد}؟ مع أنهم قد يؤمنون ويعبدون الله.

    - قد يكون مثل قوله -عز وجل- {تبت يدا أبي لهب وتب}؛ لأن الله قد علم أنه لن يؤمن، ومثل قوله -عز وجل- {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم..} إلى آخر الآيات؛ لأنه -سبحانه- علم أنهم لن يقبلوا رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن دقة التعبير القرآن أنه خاطب (الكافرين): {قل يا أيها الكافرون}، فمن آمن بعد ذلك فقد خرج من الخطاب، ومن بقي كافرا شمله الخطاب، فالأمر متروك لهم، والقضية العقدية الأخرى هنا ألا مساومة في عبادة الله -سبحانه وتعالى-؛ وذلك أن سبب نزول هذه السورة ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن قريشا وعدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي. فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: {قل يا أيها الكافرون} السورة، وأنزل الله: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}... إلى قوله: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}.
    فلا تنازل في توحيد الله، ولا تنازل في محاربة البدع والخرافات، ومن ظن أن المصلحة تقتضي السكوت عن أهل البدع، وإقرار أصحاب الضلال على ضلالهم، لا شك أنه واهم؛ فإن الرسالة لم تأت إلا للتوحيد والاتباع، وهكذا ينبغي على المؤمن دائما أن يكون شديدا في محاربة الشرك، والبدع الشركية، وإن أقرها أكثر الناس ورضي بها غالب المجتمع، فإن الله لا يرضى أن يعبد أحد معه، ولا يرضى أن يعبد بما لم يشرع سبحانه؛ ولذلك كانت هذه السورة إحدى سورتي الإخلاص.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي رد: العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - الماعون


    د. أمير الحداد


    {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾} (الماعون).


    - ينبغي أن نقرأ تفسير القرآن آخذين بعين الاعتبار المجتمع الذي نزل فيه والبيئة التي قُرئ فيها، وإن كان كلام الله يصلح لكل زمان ومكان.

    - هل لك أن تزيد بيان هذه العبارة؟
    كنت وصاحبي في طريقنا لحضور ندوة في المؤتمر الذي عقد في الكويت تحت عنوان (من هم أهل السنّة)؟ ردا على المؤتمر الذي عقد في الشيشان تحت رعاية شيوعية لتعريف أهل السنة بأنهم المتصوفة وأمثالهم، وأن غيرهم وهابيون إرهابيون! رجوعا إلى موضوعنا.
    - هذه السورة نزلت في مجتمع يكثر فيه المكذبون بيوم الجزاء، (يوم الدين) يوم القيامة، فيكون تكذيبهم دافعا لهم أن يتمادوا في الذنوب وقبائح الأعمال، وهكذا العبد إذا أنكر الحساب والجزاء، لماذا يمتنع عن المحرمات ويلتزم بالطاعات؟
    - نعم إن الإيمان بيوم الدين من أعظم الدوافع لطاعة الله عز وجل، وهو ركن من أركان الإيمان، من ينكره يخرج من الإيمان إلى الكفر، ولا ينفعه إيمانه بوجود الله عز وجل.
    - هل لاحظت أن الأفعال: (يكذب، يدع، يحض) أتت بصيغة المضارع، مع أنها وقعت من الشخص المعني بالماضي؟!
    - والمعنى؟
    - أنه لا يهم من يكون، فالعبرة بعموم العبارة لا بخصوص السبب، وذلك أن هذا الأمر مستمر، فمن يكذب بالدين يقع منه هذا الفعل المشين، مع أنه ينبغي ألا يقع لأجل أن اليتيم يستحق العطف لا (الدع)، والمسكين يستحق العطاء لا المنع، ولا من جانب الأخلاق والمروءة.
    - وماذا عن الشطر الآخر من السورة (فويل للمصلين)؟!
    - هذا الجزء فيه تهديد بالعقوبة نتيجة ثلاثة أفعال: (السهو عن الصلاة، والمراءاة، والبخل)، ومن فعلها استحق (الويل)، و(الويل) في كتاب الله لا يكون إلا على كبيرة، وهذه الثلاثة من صفات المنافقين، فأول السورة للكافرين ونهايتها للمنافقين، وفيها كلها تحذير للمؤمنين أن يتصفوا بشيء من صفات الكفار والمنافقين وأخلاقهم.
    - (ساهون)، بمعنى غافلون؟
    - نعم، غافلون عن الصلاة، وعن وقتها، وبعضنا لا يهتم إن صلى أم لم يصل، و(المراءاة) من صفات المنافقين، مع أن هناك فرقاً بين المراءاة والنفاق.
    المنافق يظهر الإيمان ويبطن الكفر.
    والمرائي يظهر ما ليس في قلبه، حين يرى الناس يرونه، والرياء من أخطر ما يبطل العمل، أما النفاق فهو المؤدي إلى الدرك الأسفل من النار.
    وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله[ ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ فقلنا بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل فيصلي فيزيد صلاته لما يرى من نظر رجل» (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني).
    - وما معنى (الماعون)؟
    - بلسان قريش (الماعون) هو المال، والأولى أن يقال: إنه كل ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وكل ما يمكن استعماله، ثم إرجاعه، ومن منع مثل هذه الأشياء فقد بلغ من البخل غايته.
    - و(السهو)؟ في اللغة؟!
    - (السهو) هو الذهول عن أمر سبق علمه، و(الدع) هو الدفع الشديد مثل قوله تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا}.
    - وهناك قضية أخرى في العقيدة أن الكافر المؤذي عذابه أشد من الكافر المسالم، مع أن الجميع خالد في النار.

    - ماذا تعني بالكافر المسالم؟
    - أعني أن الكافر الذي يؤذي الناس، فيأكل حقوق اليتامى، ويمنع المساكين، ويؤذي الآخرين، وإذا ازداد في غيه وقتل بغير حق، وسرق فإن عذابه أعظم وأشد وذلك أن جهنم دركات، بعض أهل النار يكون في ضحضاح من العذاب، وبعضهم في وسط العذاب وبعضهم في أشد؛ العذاب، وكل أحد خالد في النار يرى أنه أشد الناس عذابا، وقد يكون أخفهم؛ ولذلك قال الله -تعالى-: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النساء:145).
    وقال -تعالى- في زيادة عذاب بعض الكافرين: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} (النحل:88).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي رد: العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - قريش


    د. أمير الحداد




    {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }(قريش: 1-4).

    هذه السورة أربع آيات، هل تعلم معنى (قريش)؟!
    - أظن أنه تصغير (قرش)، وهو السمك المعروف، ولكن لا أظن أن هذا المعنى صحيح؛ فما علاقة قبيلة في وسط الصحراء بالقرش؟!
    كنا أربعة نفر في طريقنا إلى المقبرة، نفعلها بين فترة وأخرى، وإن كان أحب إليَّ أن أذهب منفرداً.
    - نعم هو تصغير (قرش)، فعن معاوية أنه سأل ابن عباس: بم سميت قريش؟ قال: بداية في البحر تأكل ولا تؤكل، تعلو ولا تعلى، والتصغير للتعظيم، وهكذا حال هذه القبيلة.
    - وماذا عن القول بأنه من (القرش) العملة المعروفة؟!
    - نعم هناك قول بأنهم كانوا كاسبين في تجارتهم، ولكني أميل إلى القول الأول، و(الإيلاف) هو الاستئناس والموافقة.
    - قاطعني.
    - ومنه في اللهجة العراقية (ولفي) وليفي).
    تابعنا حديثنا دون تعليق على ملاحظة (بوفواز).
    - في هذه السورة يبين الله -سبحانه- أحد أسباب المنطقية لاستحقاقه للعبادة؛ فقد جعلهم أهل بيت يحج إليه الناس كلهم، فتسهلت لهم تجارة الشتاء والصيف إلى اليمن والشام، و(الفاء) فليعبدوا فاء السببية، وهذه أسباب ظاهرةملموسة تعيشها قريش، وذكر الله (العبادة) بين النعم، رحلة الشتاء والصيف، والإطعام من الجوع والأمن من الخوف، فهو -سبحانه- مستحق للعبادة.
    تدخل (بوخالد).
    - ولاحظ أن الله -سبحانه- عندما أمرهم بالعبادة أمرهم بعبادة (رب هذا البيت) والجميع يعظم البيت، ويعلمون أنه سبب ما هم فيه من نعم؛ فالبيت أولى بالتعظيم من أصنامهم، ومع ذلك أتى الأمر بعبادة (رب البيت) لا البيت، وفي قوله: (من جوع) و(من خوف) أي أنهم كلما جاعوا أطعموا، وكلما خافوا أمنوا، وجعل (جوع) و(خوف) نكرتان للتعظيم.
    والعقيدة في هذه الآيات، أن الله يستحق العبادة الكاملة المطلقة، ولا تنبغي أن يصرف أي جزء منها لغيره -سبحانه.
    من الناس من يحتاج أن يتذكر نعم الله عليه حتى يرجع إلى الله؛ فيتذكر نعمة الله عليه بنجاته من مصيبة، أو نعمة الله عليه بزيادة الخير عليه.
    الأصل في النعم أن تزيد شكر الإنسان لربه وعبادته له، ولكن من الناس من يطغى بنعمة الله عليه، وهذا شر الناس، ونعمة الله عليه انقلبت إلى نقمة.

    نعم الله في الدنيا تكون للمؤمن والكافر، والعاقل من لا يجعل أحوال الدنيا مقياسا لقربه من الله.
    عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يؤتي المال من يحب ومن لا يحب، ولايؤتي الإيمان إلا من أحب، فإذا أحب الله عبدا أعطاه الإيمان.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي رد: العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - الفيل


    د. أمير الحداد





    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)





    – نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، سنة (571) في التقويم الميلادي.

    – هل تعلم أن بعضهم حدد اليوم أنه (22/4/571)، وكان يوم اثنين، وولد النبي صلى الله عليه وسلم بعد حادثة الفيل بخمسين يوما.

    – كلا هذه معلومة جديدة.

    كنت وصاحبي في مكتبي بعد صلاة العشاء نبحث في الحاسوب عن مسائل متنوعة، تابع حديثة عن ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم .

    – في سورة الفيل يقول الله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}، وهذه الواقعة حصلت قبل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرها، فكيف؟

    – كيف يخاطبه الله بـ(ألم تر) وهو لم ير؟!

    – هذا من أساليب اللغة العربية التي أصبحنا لا نجيد الحديث بها، وأبناؤنا بالكاد يقرؤونها أو حتى يتكلمونها؛ فالمراد بـ(الرؤية) العلم، والتذكير، وذلك أن الجميع كان يعرفه وكانوا على الكفر، وهذا الأسلوب كثيرا ما يرد في كتاب الله {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون}، ألم يعلموا، واستخدم أسلوب الاستفهام (كيف) هنا دون غيرها من الأدوات مثل (ما) أو (الذي)، وذلك للتعجب من الذي حصل وأنه خارق للعادة، واستخدم اسم (الرب) من الأسماء الحسنى، وإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم (ربك) تكريما له، وفي ذلك تذكير للمشركين بأن الذي حماهم وصان البيت هو رب محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي يكفرون ببعثته، وكما هو أسلوب القرآن في مواضيع كثيرة، جاء بالتفصيل بعد التنبيه؛ ففصل بعد ذلك ما وقع لأصحاب الفيل، وإذا أردنا فهم السورة لاستخراج العقيدة منها فلنتعرف معاني الكلمات منها:

    (تضليل) مجاز في أن أصحاب الفيل لم ينالوا مرادهم (أبا بيل) جماعات اسم جمع لا مفرد له، (سجيل) معرب من كلمة (سنك) حجر من آجر، كما في الحجارة التي نزلت على قوم لوط: {وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود} حجارة من طين.

    (العصف) ورق الزرع جمع عصفة.

    أما العقيدة في هذه السورة:

    1- قصص القرآن للعبرة وليس للتسلية، وهي أحسن القصص، وكل ما ورد في القرآن من قصص فقد وقع، وينبغي الاعتبار به والاتعاظ منه، وهو حق لا مراء فيه.

    2 – عندما تنقطع الأسباب ويفقد العبد الرجاء، ويعلم يقينا ألا نجاة إلا باللجوء إلى الله ويلجأ إلى الله مضطراً، فإن الله يستجيب له {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}(ال نمل: 62).

    3 – ينبغي على العبد أن يبقى على العهد مع الله حال السراء كما كان حال الاضطرار، وألا يغفل عن الله ويغتر بما ينال من الدنيا؛ لأن الذي أعطاه الدنيا قد يسلبه إياها؛ فلا ينبغي أن يأمن مكر الله، أي تدبيره من حيث لا يعلم: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}(ا لأعراف: 99).

    4 – جنود الله لا حدود لها: {وما يعلم جنود ربك إلا هو}؛ لذا لا ينبغي لأمة الإسلام أن تلجأإلى غير الله في طلب النصرة والعزة، وإنما المطلوب منها الإعداد بقدر الاستطاعة، والطاقة، والثقة بالله -عز وجل- واليقين بأن الله لا يخذل عباده المؤمنين الصادقين الموحدين بآيات صريحة ثابتة في كتاب الله.

    {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}(النساء : 139)، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}(فاطر : 10)، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الم نافقون: 8)، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}(المجادل ة: 21)، {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}( آل عمران: 160).

    وآيات محكمات كثيرة من كتاب الله العزيز.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,717

    افتراضي رد: العقيدة والعبر من قصار السور

    العقيدة والعبر من قصار السور
    - التكاثر


    د. أمير الحداد





    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)





    {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين} المصحف التكاثر.

    – إمامنا يقرأ كل ليلة في التراويح من سورة (ألهاكم التكاثر) إلى نهاية المصحف، أصلي وراءه ليلة أو اثنتين أو رمضان كله، لكن لدي تساؤل: لماذا ربط الله -سبحانه- رؤية الجحيم بعلم اليقين؟ {كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم}.

    – هذا الربط غير صحيح؛ لذلك على من يقرأ هذه السورة أن يقف بعد علم اليقين، ويبدأ من جديد لترون الجحيم، وذلك أن علم اليقين مرتبط بما قبله ورؤية الجحيم مرتبط بما بعده، وهما غير مرتبطين.

    هز صاحبي رأسه موافقا.

    – الآن اتضحت السورة، وأنا أتساءل منذ سنين عن هذه القضية.

    – هل الخبر في بداية الآية عام، أم أنه عن المشركين؟!- دعني أبين لك قاعدة جميلة هنا، وهي أن كل خطاب أو خبر عن المشركين أو المنافقين أو اليهود أو غيرهم، فيه تنبيه للمؤمنين ألا يكونوا مثلهم في التصرفات أو الأخلاق أو الكلام، وإلا وقع عليهم ما وقع على أولئك، مثلا يصف الله المنافقين: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا}؛ فمن فعل من المؤمنين شيئا من هذه القضايا؛ وقع في شيء من أفعال المنافقين المذمومة؛ فينبغي أن يتخلص منها، وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها…» الحديث. فيه تحذير للمؤمنين من هذه الخصال المذمومة.

    وهكذا بداية هذه السورة: {ألهاكم التكاثر} أي لا ينبغي أن يكون حال المؤمن هكذا؛ لأن فيه تحذيرا {كلا سوف تعلمون}، ومرة ثانية: {كلا سوف تعلمون}، {كلا لو تعلمون علم اليقين}. وفي صحيح مسلم عند عبدالله بن الشخير، قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت».

    – والعبرة؟!

    – أن من ألهته الدنيا عن الآخرة، سيرى مغبة ذلك دون شك، سواء من بدايات الموت أم القبر أم العبث، ثم الحساب.

    – ومعنى: {كلا لو تعلمون علم اليقين}؟

    – الجواب عن هذه الجملة لم يذكر، لتهويل الأمر لعلمتم أن هناك بعثا بعد الموت، وحسابا وجزاء، هذا خطاب للمشركين ولكل من أنكر الآخرة أو غفل عنها.

    – {لتروّن الجحيم}؟!

    – هذه جملة لبيان جزاء المشركين، أو لتخويف جميع الخلق، وذلك أن من عقيدتنا أن الجميع سيمر على جهنم -حفظنا الله منها- {وإن منكم إلا واردها}، وفي الحديث: «يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته» متفق عليه.

    وبين الله -سبحانه- أن الجميع سيسأل عن (النعيم)، كل ما أنعم به الله على العبد.

    الكافر يسأل سؤال توبيخ؛ لأنه تنعم وكفر، والمؤمن يسأل سؤال تشريف؛ لأنه تنعم وشكر، وهنا حديثان يجب بيانهما وهما:

    في حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته؛ إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني؛ فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، وأخذ المدية فذبح لهم؛ فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة». والأنصاري هو أبو الهيثم بن التيهان واسمه مالك. ومعنى الحديث: لتسألن عن شكر تلك النعمة، أراد تذكيرهم بالشكر في كل نعمة، وسؤال المؤمنين سواء لترتيب الثواب على الشكر، أم لأجل المؤاخذة بالنعيم الحرام.

    وذكر القرطبي عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، وروي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية، قال: يارسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذَنَّب(1)، وماء عذب، أنخاف أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «ذلك للكفار، ثم قرأ: {وهل نجازى إلا الكفور}(سبأ: 17). ويمكن أن نجمل ما ورد في هذه السورة من العقيدة بما يأتي:

    1 – لا ينبغي للمؤمن أن تلهيه نعم الدنيا؛ فيكثر منها حتى ينسى الآخرة والمعاد.

    2 – إن البقاء في القبر (حياة البرزخ) مرحلة مؤقتة بين الدنيا والبعث؛ فهي «زيارة للقبور»، ثم خروج منها.

    3 – على المؤمن أن يعلم يقيناً لاشك فيه أن هناك حسابا وجزاء بعد الموت.

    4 – جهنم -والعياذ بالله- سيراها الجميع يوم القيامة «لها سبعون ألف زمام على كل زمام سبعون ألف ملك» تجر إلى المحشر.


    5 – يمر الجميع على الصراط على جنبتي جهنم ينجو المؤمنون ويسقط آخرون ويخلد الكافرون.

    6 – من أدى حق شكر النعمة تكون له أجراً يكون القيامة.


    الهوامش:

    1 – ذنَّبَ البُسْر: أرطب من جهة ذَنَبِه



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •