لماذا يغير المرء عقيدته؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 16 من 16

الموضوع: لماذا يغير المرء عقيدته؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (1)


    د. أمير الحداد




    قبل أكثر من ثلاثين سنة كتبت حواراً دار بيني وبين بعض طلبتي وجعلته في مقال، وكانت خاتمة ذاك المقال: «هذه مشكلتك ومشكلة الكثيرين أنهم لايعرفون عقيدتهم وما تحتويه المراجع المعتمدة عند علمائهم».

    بعد كل هذه السنين سألني أحد أصدقاء أخي غير الشقيق السؤال نفسه «لماذا غيرت عقيدتك؟».

    كنا خارج مجلس عزاء أحد أقارب أخي..

    - هذا السؤال تطول إجابته، ولكن دعني أبين لك بعض الدوافع القوية.

    - أولاً: تعلم أننا مسؤولون يوم القيامة ومحاسبون؛ فهو (يوم الدين).. أي يوم الجزاء بعد الحساب، وكلنا سيقف بين يدي الله، أي أمام الله فرداً، لا والد معه ولا ولد، ولا إمام ولا شيخ، ولارسول ولا ملك، بمعنى أننا مسؤولون عن أعمالنا، وأولها العقيدة. هل تتفق معي على هذه النقطة؟!

    -لا أريدك أن تجاريني، أريد أن تجيبني بصدق، وإلا فلا فائدة من خلال نقاشنا.

    - بصراحة لا أعلم، ولكن أظن أن أئمتنا ينفعوننا يوم القيامة.

    - جيد، هذه بداية جيدة؛ وذلك أن أحب الأسباب التي دفعتني لتغيير عقيدتي أنني قرأت وبحثت، وسألت واستمعت، وحضرت واجتمعت مع كثير من أهل العلم دون تفريق، حتى أتأكد أن عقيدتي صحيحة، ووصلت إلى قناعة وعقيدة ويقين ألا أحد سيكون معي عند الحساب، ابتداء من قول الله تعالى:

    {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }(عبس: 34-37).

    بل أشد من ذلك أنه يود أن يعذبوا هم وينجو هو! {يُبَصَّرُونَهُ ْ ۚ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ} المعارج: (11-15).

    وهذه الآيات نقرؤها في المصحف، بل دعني أذكر لك تفسير قول الله تعالى: {ونرثه ما يقول ويأتينا فردا} أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا خدم (أضواء البيان: جـ3). وعلى أي حال كل واحد منا مسؤول أمام الله عن أعماله؛ فإذا كان الأب لا ينفع ابنه ولا الابن ينفع أباه؛ فمن باب أولى غيرهم! أومأ برأسه غير متفق معي.

    - لنتجاوز هذه النقطة.

    - لك ذلك؛ فالقضية الأولى التي كانت تؤرقني دائماً منذ الصبا أن عقيدة كل منا قضية مصيرية، يجب أن يتعب فيها ليصل إلى الحق؛ وذلك أنه مسؤول عنها أمام الله يوم القيامة، ويتحدد مصيره النهائي: جنة أو نار، شقي أم سعيد على هذه العقيدة، وأغلبنا يعتنق عقيدة آبائه، وعندما تقرأ القرآن تقرأ آيات كثيرة من كتاب الله أن من يعتذر بعقيدة الآباء لا يعذر أمام الله يوم القيامة، وقوم إبراهيم -عليه السلام- عندما سألهم:

    {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}(الش عراء: 72-74).

    وعموم الكافرين كان قولهم.. {وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}(ال زخرف: 23).

    - هذا عن الذين كفروا بالرسل، وليس الذين يؤمنون بالله ورسوله.


    - أحسنت، النقطة التي أريد أن أصل إليها أن أحدنا يجب أن يبحث بنفسه عن العقيدة التي يؤمن بها ويعتنقها ويبني عليها، ودائما أذكر هنا قصة إسلام (سلمان الفارسي) فيها من العبر الشيء الكثير.. هل تعرف تفاصيلها؟!

    كلا.. ليس بالتفصيل ولكن على العموم.

    - دعني أذكرها لك في طريق عودتنا، ولكن قبل ذلك أريد أن نتفق على أن أحدنا يجب أن يبحث بنفسه ويتأكد، ويكون على يقين إن ما يعتقده ويؤمن به هو ما يريده الله ويرضاه، حتى إذا وقف أمام الله يوم القيامة للحساب تكون لديه الإجابات الصحيحة.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (2)


    د. أمير الحداد




    لماذا يغير المرء عقيدته

    في طريق عودتنا من مجلس العزاء، وكنا أربعة نفر في مركبة أخي، تابعت حديثي مع صديق أخي.
    - دعني أذكر لك قصة سلمان الفارسي، هذا الصحابي الجليل الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم .
    - قاطعني.
    - سلمان من أهل البيت؟
    ابتسمت لسرعة إجابته.

    - هذا الحديث مشهور، ولكنه لا يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو (ضعيف جدا) في حكم العلامة الألباني -رحمه الله- ولكنه يثبت موقوفا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
    استغرب صاحبي هذه المعلومة.
    - لا أكاد أحضر مجلسا إلا ذكره العلماء في الدروس والمواعظ.
    - هذه طامة أخرى أن يكون من يتصدر المجالس لا يعرفون الحديث الصحيح من الضعيف جداً.
    - لنرجع إلى موضوعنا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم في سلمان حديثا أفضل من هذا، وهو حديث صحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: {وآخرين منهم لم يلحقوا بهم}، قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سألته مرة أو مرتين أو ثلاثا، قال: وفينا سلمان الفارسي؟ قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجل من هؤلاء» يعني سلمان الفارسي. (صحيح)، وقد صح بلفظ آخر وهو: «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس، أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله» أخرجه مسلم وأحمد، وله طرق أخرى، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}، قال: يارسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسيرضي الله عنه ثم قال: «هذا وقومه»، وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رأيت غنما كثيرة سوداء دخلت فيها غنم كثيرة بيض، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم»، قالوا: العجم يا رسول الله؟ قال: «لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم وأسعدهم به الناس» (صحيح)، وأما الشطر الثاني من الحديث فهو في الصحيحين وغيرهما.
    - حديث جميل وصحيح، ومفخرة لكل العجم.
    - دعني أبين لك أن العجم لا تعني الإيرانيين، بل كل من لا يتكلم العربية، ولكن في هذا الحديث مدح لسلمان وقومه، ونعلم أنه كان فارسياً.
    - وما قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه؟
    - قصة سلمان رضي الله عنه تصلح إجابة عن سؤالك: لماذا يغير المرء عقيدته؟
    خذ القصة من سلمان نفسه:

    كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من أهل قرية يقال لها: (جي)، وكان أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته، أي ملازم النار كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فشغل في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي؛ فاذهب فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد؛ فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، قال: فلما جئته قال: أي بني، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك وأجدادك خير منه، قال: قلت: كلا والله إنه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدا، ثم حبسني بيته




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (3)


    د. أمير الحداد




    استكمالاً لما بدأناه في الحديث عن قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه نقول: وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم، فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذوني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك، أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل، فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا؛ فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا، فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهاراً منه، قال: فأحببته حبا لم أحبه من قبله وأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك، وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه؛ لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به، قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده؛ فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله -عز وجل- ما ترى فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان فالحق به.


    تابعت حديثي مع صاحبي، وقد وصلنا إلى منزل أخي؛ حيث عرض علينا البقاء إلى العشاء في ديوانه، قبلنا الدعوة.

    - يتابع سلمان الفارسي قصته فيقول:

    فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي، قال: فأقم عندي فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه؛ فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية فإنه بمثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري؛ فقال: أقم عندي فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة قال: ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة؛ فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
    يتبع إن شاء الله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (4)


    د. أمير الحداد




    قال ثم مات وغيب؛ فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم فأعطيتهموها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا؛ فكنت عنده ورأيت النخل، ورجوت أن تكون الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها، وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة فوالله إنني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس؛ إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي، قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت سأسقط على سيدي.

    قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك ماذا تقول ماذا تقول قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال: ما لك ولهذا أقبل على عملك قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له: قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال: فقربته إليه فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لأصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل.
    قال: فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها قال: فأكل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي هاتان اثنتان ثم جئت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وهو ببقيع الغرقد قال: وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم - استدرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم - تحول فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، قال: فأعجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أن يسمع ذلك أصحابه، ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أجيبها له بالفقير وبأربعين أوقية فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر، يعني: الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم - اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي ففقرت لها، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم - معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بيده؛ فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة فأديت النخل، وبقي عليَّ المال فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي فقال: ما فعل الفارسي المكاتب قال: فدعيت له فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ قال: خذها فإن الله -عز وجل- سيؤدي بها عنك قال: فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتقت فشهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - الخندق ثم لم يفتني معه مشهد.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (5)


    د. أمير الحداد



    - إن خير من يجيب عن هذا التساؤل هو سلمان الفارسي رضي الله عنه، هذا الصحابي الجليل كان يعيش في إصفهان، لا يتكلم العربية، بدأ يبحث عن الحق بصدق وإخلاص؛ فخرج من قرية (جي) في إصفهان إلى الشام، ثم إلى الموصل، ثم إلى نصيبين في تركيا، ثم إلى عمورية، ثم إلى أطراف المدينة؛ حيث بيع عبدا لأحد اليهود، وكان في قريته ابن أكبر تاجر وفي عز ورفاه، ثم يكاتب سيده ليعتقه من الرق ويكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته جميعها، ابتداء من الخندق حتى وفاته في أوائل عهد عثمان بن عفان سنة 24هـ تقريبا، ودفن في العراق، أسألك:

    - لماذا تكبد سلمان كل هذا العناء والعذاب والعبودية مع أنه كان في بيت عز ورفاه؟

    إنه البحث عن الحق، ووفقه الله إلى الحق.

    كنت في مجلس (ديوان) أحد رواد مسجدنا، استضافني بعد صلاة العشاء، وكنا قد انتهينا من الدرس، وبدأنا فترة الأسئلة والتعليقات، بدأ صاحب الديوان (عصام) بوعبدالله.

    - لاشك أن هذا النموذج فريد من نوعه ونادر أن يتكرر ، ولاسيما أيامنا هذه.

    - أخالفك الرأي يا أبا عبدالله، إن البحث عن الحق ينبغي أن يكون في قلب كل منّا، وهو موجود، ولكن بعضنا يفعله، وكثير منا يميته بتزيين من الشيطان، وأحدنا في أيامنا هذه لا يحتاج أن يرتحل آلاف الكيلومترات، ولا أن يسافر الأشهر والسنوات، بل يستطيع أن يبحث عن الحق وهو في بيته ولمدة سويعات كل يوم، ولكن نحتاج إلى الصدق والإخلاص مع الله -عز وجل- مع الدعاء وبذل الأسباب.

    بدأ الخدم إعداد العشاء في الغرفة الأخرى التي يفصلنا عنها باب واسع مفتوح.

    - أظن أن أول ما يجب على المرء التخلص منه قبول مذهب الآباء والأجداد دون تفكير؛ فيتعلم المرء أصول الدين -كما يجب- من العلماء، دون أن يجعل لأي عالم قدسية، بمعنى أن ليس هناك عالم إلا ويخطئ ويصيب، ويمكن أن يأخذ منه أو يتركه لا بهواه ورأيه، ولكن بالمقارنة مع علماء آخرين؛ فيأخذ من العلماء ما هو أقرب لآيات الله وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وهنا قضية أخرى مهمة، وهي (التجرد عن الهوى).

    فلا ينبغي أن يقرأ لعالم لمجرد أنه من بلده، أو لأنه يحبه، بل يقرأ للجميع بعقل متفتح، ويسأل، ويناقش، ويقارن، ويسأل الله دائما الهداية والسداد.

    - استأذن أحدهم أن يعقب.

    - ولكن أحدنا لا يستطيع أن يقارن بين أقوال العلماء، بل أحدنا لا يقرأ الكتب، ولا يبحث في المراجع، نريد شيئا جاهزاً نتبعه، هذا الذي تقول يتطلب حداً أدنى من العلم والمعرفة لا نملكها نحن.

    أعجبني طرحه الصريح.

    - نعم، معظمنا من العامة لانملك الأدوات المطلوبة للبحث والمقارنة، ولكن ينبغي أن نملك الحد الأدنى من العلم بأركان العقيدة، بمعنى أن نعلم أركان الإيمان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره، وكذلك نواقض أركان الإيمان، وأقصد بها الأمور التي تنقض ركناً من أركان الإيمان؟ وهذه سهلة ميسرة في كتيبات صغيرة، وكذلك أركان الإسلام: الشهادتان، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وهنا نقطة ينبغي أن أبينها، وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، و بعث في قوم كانوا يعبدون الأصنام؛ فكان صلى الله عليه وسلم يأمرهم بعبادة الله وحده، وأن يتقربوا إلى الله وحده، ويعلمهم ما يحتاجون من أمور العقيدة بأن الله واحد، لا ولد له، ولا أب ولا صاحبة، وليس كمثله شيء، وأنه -سبحانه- أحد صمد، لا يأكل ولاينام، ولا يعجزه شيء أبدا؛ فلا ينبغي أن يعبد غيره ولا يدعى غيره، ولا يعبد شيء معه، وأن الملائكة عباد الله ليسوا بناته، وأنهم يعبدون الله ويفعلون ما يؤمرون، وأن البعث حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الموت ليس نهاية الإنسان.

    هذه قواعد بسيطة لا تحتاج إلى فلسفة، ولا إلى جدل فكري ولفظي، ولا أحد ينفع أحدا، ولا أحديغني عن أحد، وأن الجميع سواء أمام الله، وأن الله يوفي الجميع أعمالهم؛ فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها.

    - قال صاحبُ الديوان أن موعد العشاء سيكون بعد خمس دقائق.
    - أقول هذه القضايا الكلية إذا عرفها الإنسان فطبقها، وعرف ما ينقضها ليتركه فإنه على خير، مثلا قولنا: «لا إله إلا الله» ما الذي ينقض هذه الكلمة العظيمة التي هي أثقل من السموات والأرض، وأعظم سبب للنجاة يوم القيامة؟ الذي ينقض (لا إله إلا الله) أن يدعو العبد غير الله، وأن يسجد لغير الله تعبداً، وأن يذبح لغير الله تقربا، وأن يسأل غير الله حاجة اختص الله بها (المغفرة، الجنة، الرزق، الشفاعة)، وأن يتعلق قلبه بغير الله توكلا ويقينا وطاعة ورجاء، وهذه القضايا يجب على العبد أن يتعلمها حتى لا يقع فيما ينقض (لا إله إلا الله).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (6)


    د. أمير الحداد




    - أظنني كنت دون السابعة من عمري، عندما ركبنا البحر نريد الضفة الشرقية من الخليج العربي. كانت بداية الرحلة جميلة، وكنت أصغر إخوتي مع الوالد والوالدة، وعائلتان أخريان، أي شيء يرتبط بالبحر يسعدني؛ الجلوس على الشاطئ، مشاهدة حركة تغطيته للرمال وانحساره منها، التجوال في القارب على صفحته الهادئة، مراقبة أمواجه العالية، كل شيء في هذا المخلوق يؤثر بي حتى أنني أشعر بالانتماء إلى البحر!
    كنت أحدث صاحبي ونحن جلوس على الشاطئ، نحتسي الشاي بعد صلاة عصر الجمعة.
    - في تلك الرحلة، وهي إحدى رحلتين، مازلت أذكرهما جيدا من طفولتي، الثانية كانت بالبر، أحدثك عنها فيما بعد، في تلك الرحلة هاج البحر بعد عشر ساعات من مغادرتنا الميناء، ارتفعت الأمواج، وأمرنا الربان أن ننزل إلى الأسفل، بدأت المياه تدخل المركب مع تمايله، واجتمعنا في الأسفل عدا البحارة الذين كانوا في الأعلى، يتعاملون مع الوضع الصعب على السطح، بدأ رب إحدى العائلتين ينادي بصوت مسموع: «يا الله، يا محمد..» وخلال دقائق ارتفعت أصوات الجميع، تردد الاستغاثة الشركية ذاتها، لم أكن أدري ما الذي يجب أن أفعله حينها.
    بعد فترة من الزمن وقبل أن نخلد إلى النوم كانت الأمور قد هدأت بفضل الله ورحمته، وصعدنا إلى السطح العلوي، فإذا السماء قد ازدانت بالنجوم، ونسائم البحر الصيفية الهادئة تحمل عطرا يبعث على الطمأنينة، والانتعاش، أذكر أننا قضينا تلك الليلة على السطح العلوي، وكانت من أجمل الليالي، ربما لأنها أتت بعد هلع أصاب الجميع، خلال تلك العاصفة.
    - ومازلت تُذكر هذه التفاصيل كلها؟
    - نعم، واليوم أقرأ بعض الآيات، وبعض الأحاديث وأعجب لحال آبائنا، بل وأشفق عليهم مما كانوا فيه.
    - ماذا تعني؟!
    مرّ علينا أحد جيراننا، يتريض، دعوناه لتناول الشاي، اعتذر لرغبته في متابعة رياضته قبل أذان المغرب.
    تابعنا حوارنا:
    - مثلا قول الله عز وجل:
    {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا} (الإسراء:67).
    {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (لقمان:31).
    وحديث عمران بن حصين، أتى أبي حصينٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكان حصين على الكفر- فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم -: كم تعبد اليوم إلها؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : أيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : يا حصين إن أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك.
    وبعد فترة أسلم حصين فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي» (ذكره الألباني في ضعيف الترمذي).
    فكان المشركون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، يعبدون هذه الآلهة مع الله -عز وجل- ولكن إذا اشتدت بهم الأمور لجؤوا إلى الله وحده، وتركوا آلهتهم؛ لأنهم يعلمون يقينا أنها لا تنفعهم ولا تضرهم، ولكن كانت عبادتهم إياها لتقربهم إلى الله، بمعنى أنها مجرد واسطة إلى رب العالمين.

    {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } (الزمر:3). وللحديث بقية إن شاء الله


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟


    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (7)


    د. أمير الحداد




    استكمالاً لما بدأناه في الحلقة الماضية من الحديث عن الاستغاثة بغير الله نقول إن المشركين بالرغم من لجوئهم إلى الله في الشدائد، وأنهم ما كانوا يعبدون الأصنام اعتقادا بقدارتهم ونفعها وضرها، وإنما بوصفها واسطة إلى الله؛ لأن بعض الأصنام كانت رموزا لأشخاص صالحين وأولياء متقين، ومع كل هذا حكم الله بكفرهم وخلودهم في النار، وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم لينتهوا من اتخاذ شيء واسطة إلى الله فيتقربون إليها بغية الوصول إلى الله.

    سألني مستغربا:

    - هل كانت الأصنام حقا تمثل رموزا لأشخاص صالحين؟! وربما أولياء متقين؟ كنت أظنها مجرد حجارة على هيئة بشر.
    - نعم هكذا كانت الأصنام، ألا تعرف كيف بدأت عبادة الأصنام عند العرب وفي مكة خصوصا؟!
    -كلا.
    - دعني أحدثك بها ونحن في طريقنا إلى الشاليه لنستعد لصلاة المغرب.
    الذي جلب الأصنام إلى بلاد العرب هو عمرو بن لحي، واسمع قصته:
    عمرو بن لحي كان من خزاعة، وكان سيد مكة، وبالتالي كان من سادات العرب، يعد أول من غير دين إبراهيم الحنيف الذي كان يقوم على توحيد الله؛ حيث إنه أدخل الأصنام لتعبد من دون الله بالجزيرة العربية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» يعني أمعاءه.
    حين قدم عمرو بن لحي بلاد الشام فرآهم يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، استحسن ذلك وظنه حقاً، وكانت الشام آنذاك محل الرسل والكتب السماوية، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنماً فجلبه معه. وأما صنم هبل فكان لبني كنانة وقريش.
    وقد ذُكر عنه أنه كان له رئي من الجن، فأخبره أن أصنام قوم نوح -ودًا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا- مدفونة بجدة، فأتاها فاستثارها، ثم أوردها إلى تهامة، فلما جاء الحج دفعها إلى القبائل، فذهبت بها إلى أوطانها‏.
    فأما ود‏:‏ فكان لكلب، بجرش بدومة الجندل من أرض الشام مما يلي العراق. وأما سواع‏:‏ فكانت لهذيل بن مُدْرِكة بمكان يقال له‏:‏ رُهَاط من أرض الحجاز، من جهة الساحل بقرب مكة. وأما يغوث‏:‏ فكان لبني غطيف من بني مراد، بالجُرْف عند سبأ. وأما يعوق‏:‏ فكانت لهمدان في قرية خيوان من أرض اليمن، وخيوان‏:‏ بطن من همدان. وأما نسر‏:‏ فكان لحمير لآل ذي الكلاع في أرض حمير‏.
    وهكذا انتشرت الأصنام في جزيرة العرب حتى صار لكل قبيلة منها صنم، ولم تزل تلك الأصنام تُعبد من دون الله، حتى جاء الإسلام، وبُعث محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، فقام بتطهير البيت الحرام من الأصنام، وبعث السرايا لهدم البيوت التي أقيمت للأوثان، فبعث خالد بن الوليد لهدم بيت العزى وهي الطاغوت الأعظم لدى قريش بمنطقة نخلة، وبعث سعد بن زيد لهدم بيت مناة التي كانت على ساحل البحر الأحمر، وبعث عمرو بن العاص إلى سواع التي تعبدها هذيل، فهدمت جميعها



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (8)


    د. أمير الحداد




    كان لدينا في جزيرة فيلكا مزار يقال: إنه أثر لرجل (الخضر)، الذي ورد ذكره أنه ذلك الرجل الصالح الذي أمر الله موسى أن يتبعه ويتعلم منه كما في سورة الكهف: { فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } (65-66).

    - من أين أتت تسمية هذا الرجل بـ(الخضر)؟
    - من قراءاتي أن النبي (الخضر) هو إليا بن ملكان بن عامر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح، وسبب تسميته بالخضر لأنه إذا اخضرت الأرض من حوله، أو لأنه يلبس الأخضر من الثياب، أو لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت، وأيا كان سبب التسمية أو الشخص، نعلم جميعاً أن موسى بن عمران -عليه السلام- خير منه وأعلى منزلة عند الله؛ فهو من أولي العزم من الرسل، والخضر أو الولي الصالح الذي اتبعه لا يعدو إلا أن يكون نبيا في أفضل الحالات.
    - وهل زرت المقام الذي ينسب للخضر في (فيلكا)؟
    - نعم، أظن أكثر من مرة وكانت من الرحلات البحرية الممتعة لنا في صغرنا، أذكر أننا في إحدى الرحلات اجتمعنا أكثر من خمس عوائل نقلنا بوم كبير إلى الجزيرة؛ حيث رأيت (أم معاذ) لأول مرة، وتزوجنا بعد خمس عشرة سنة!
    - إذاً لك ذكريات جميلة مع مقام الخضر.
    لم أعلق على مقولة صاحبي.
    - الذي أذكره جيدا أنه كان هناك قبر (سعيد وسعيدة) بجانب مزار الخضر، وكان الكثير يحرصون على زيارة هذا المقام لقضاء الحاجات والبرء من العاهات، وكانت النساء اللاتي يردن الإنجاب يذهبن إلى المقام فيقمن بتلطيخ جدار المقام بالحناء حتى إذا جفت الحناء تأكلها المرأة للتبرك والعلاج، وتقوم بعض النسوة بتعليق قطعة من القماش الأخضر لمدة ثلاثة أيام لتمنع عنهن نكبات الدهر.
    كنت وصاحبي المصري نتمشى بعد أداء صلاة العشاء كعادتنا لمدة ساعة واحدة.
    - وماذا حصل لهذا المزار؟
    - هدمته الحكومة في أوائل الثمانينيات، وطبعا كالعادة في مثل هذه الأحداث تجمهر الناس حول المزار ينتظرون ما سيحصل لمن يباشر هدمه، يروي لي أحد شهود العيان أنه عند هدم المزار حضر مختار الجزيرة (أحمد خلف) وعندما اقترب الحفارة للهدم تعطلت، فاعتقد الناس أنها من لعنة المزار ثم ما لبث أن عملت مرة ثانية، وأزيل الأثر، ولم يحصل أي مكروه لأحد، بل أزيل مظهر من مظاهر الشرك بالله من تلك البقعة في الكويت.
    - الغريب في الأمر، أن الناس يتعلقون بأماكن وأشياء، ويزداد تعلقهم بل يصل إلى درجة العقيدة واليقين، فإذا أزيلت تركوا الأمر ونسوه، وكأن شيئا لم يكن.
    - هذا من عمل الشيطان يحبب الناس إلى الشرك والنذر لغير الله، والتعلق بغير الله، والتقرب إلى غير الله، بل والخوف منهم، ومن غضبهم كل هذا من تزيين الشيطان لبني آدم، وربما لا يكون في القبر شيء، أو ربما يكون قبر رجل بسيط، أو قبر حيوان، وتبدأ المسألة ربما برجل أو اثنين ثم تصبح مزارا لأمة من الناس.
    - ولدينا من ذلك شيء كثير في مصر، مزارات، ومقامات، وأضرحة وقبور، ولا شك أن أكبرها (السيدة زينب) و(الحسين)، وما يحزنني أن الفقراء من الناس ومن لا يملكون إلا قوت يومهم يشترون النذور من خراف أو بقر ويقطعون المسافات بالقطار، ليذبح عند القبر وفاء لنذره، إن شفي ابنه أو أنجبت امرأته أو تزوجت ابنته، ويزين بعض (العلماء) للناس هذا العمل، ويقولون: إنهم لا يريدون الميت في القبر ولكن يريدون التقرب إلى الله، ويأتي السؤال البدهي المنطقي: لماذا لم يذبحوا في أماكنهم؟، ولماذا يريدون التقرب إلى صاحب القبر؟ وهنا يأتي قول الله تبارك -وتعالى-: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر:13-14).
    - لا شك أن أكثر الناس من العوام الذين يحتاجون من يبين لهم ويرشدهم إلى الحق، وأن هذه الأعمال من النذر للقبور والذبح لها والاعتقاد بأن الأموات يجلبون نفعا أو يدفعون ضرا -ولو بإذن الله- هذا شرك أكبر، يخرج الإنسان من ملة الإسلام، ويقع تحت قول الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ} (النساء:116).
    - أعتقد أن المسؤولية العظمى تقع على العلماء وطلبة العلم، ولك أن الذين ينكرون هذه الأمور هم القلة في عالمنا الإسلامي، والغالبية العظمى ممن يتصدرون المجالس لا ينكرون على العامة تعظيم القبور وزيارة الأضرحة للتبرك بها والنذر والذبح عندها وربما المبيت بجوارها، لذلك ترى أن الأضرحة سواء كانت أضرحة لأولياء صالحين، أوم أضرحة لمجهولين غير معروفين منتشرة في العالم الإسلامي، من أندونيسيا شرقا إلى المغرب غربا، وتكثر في بعض البلاد عن غيرها مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر علياًّ رضي الله عنه ألا يدع قبرا مشرفا إلا سواه، ففي صحيح مسلم عن حيان بن حصين قال: قال لي علي رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته.
    إن المنهج الصحيح للدعوة إلى الله أن يحارب الشرك بكل أنواعه أولا، هذه هي دعوة الرسل جميعا، وألا يتعلق العبد إلا بالله، ولا يسجد إلا لله، كذلك يجب ألا يذبح تعبدا إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو النفع إلا من الله، ولا يأمل دفع الضر إلا من الله، يجب أن تكون دعوة العامة إلى هذه الأصول أولا وثانيا وثالثا ودائما، مع العبادات والأخلاق وقبلها وبعدها ويجب الإنكار على من يقع فيها.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟


    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (9)


    د. أمير الحداد




    أبلغني أحد المسؤولين في وزارة الأوقاف أن صلاة الجمعة ستتوقف في مسجدنا لإجراء صيانة «جذرية» في المسجد، كانت آخر جمعة صليناها في بداية شهر مارس، ومنذ ذلك الوقت -وقد مر شهر كامل- لم يستقر أمري على كيفية قضاء صبيحة الجمعة، في إحد هذه الجمع دعاني صاحبي لتناول الفطور في أحد المطاعم وسط البلد، وافقت، وهذه أول مرة في حياتي أتناول فطور الجمعة خارج المنزل، كانت تجربة جميلة، خرجنا تمام الثامنة، كنا هناك خلال نصف ساعة، جُهزت مائدتنا قبل التاسعة.

    - منذ متى وأنت تكتب في قضايا العقيدة؟
    - أظن منذ استقر مقامي في البلد قبل أربع وثلاثين سنة، بل لم أكتب إلا في العقيدة، بفضل الله.
    لم يعلق صاحبي إلا:
    - ما شاء الله.
    مهما كتب المرء، وقرأ، ونشر، وبيّن، وخطب، في العقيدة فإن الموضوع يبقى بحاجة إلى مزيد، دائما تجد من يحلف بغير الله، ومن يعتقد في الأولياء، ومن يزور اأضرحة وينذر لها ويذبح عندها، ومن يعتقد في الأبراج، ومن يؤمن بالأحجار الكريمة، ومن ينسب الضر والنفع إلى غير الله، ومن يعتقد بأن بعض المخلوقات تتصرف في الكون، ومن يؤمن أن النجاة يوم القيامة بيد مخلوق، من نبي أو إمام أو ولي، هذه القضايا الشركية وغيرها لا تنتهي في مجتمعاتنا وذلك لقصر الفهم في العقيدة الصحيحة.
    كانت المائدة مليئة -بفضل الله- بما لذ وطاب من أنواع الإفطار الساخن والبارد.
    - لو طلبت منك أن تضع لي خطوطاً حمراء؛ بحيث إذا لم يتخطاها العبد يكون في منجى من الوقوع في الشرك، والخروج من ملة الإسلام؛ لأن الله قال: {نَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا‏} (النساء:48).
    - سأجتهد إن شاء الله.
    - أولا: لا ينبغي صرف عبادة لغيرة الله، ولا سيما الدعاء، والنذر والذبح، لا يمكن أن أقبل عقيدة فيها دعوة أن يكون ذبح أو نذر لضريح، مهما كان صاحب الضريح، سواء كان رسولا، أم نبيا، أم وليا، أم إماما، أم غير ذلك، إن الدعوة لزيارة الأضرحة والاعتقاد بأنها تنفع ولو بإذن الله كما يقولون، والتقرب لها، رجاء نفعها، أعظم ما يقع في عالمنا الإسلامي؛ لذا فإن من تربى على هذه الأمور ينبغي أن يغير عقيدته؛ لأنها عقيدة تؤدي إلى الشرك بالله عز وجل.
    - ثانيا: لا ينبغي الاعتقاد في الأشخاص، بمعنى لا ينبغي صرف شيء من صفات الله، أو مما اختص الله به نفسه إلى نبي مرسل، ولا إمام، ولا إلى ولي مقرب، الله -تبارك وتعالى- خالق كل شيء، اختص، بأسماء وصفات: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى: 11)، فلا أحد يملك شيئا اختص الله به نفسه، يقول الله -عز وجل- مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم وهو أحب الخلق إلى الله، وأعظمهم مكانة عند الله، وأقربهم منزلة لله، وأخشى الخلق لله، وأعلم الخلق بالله، كما قال صلى الله عليه وسلم : «والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» متفق عليه، ومع ذلك يقول الله له: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران:128).
    {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ} (القصص:56).
    {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الزمر:65).
    {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} (الإسراء:74-75).
    وآيات أخرى تبين أن المغفرة بيد الله، والتوبة بيد الله، والجنة بيد الله، وكذلك النار، وأن الجميع يحتاج إلى التثبيت من عند الله، وأن الشفاعة يوم القيامة بيد الله -تعالى- لا يملكها أحد على الإطلاق إلا أن يأذن الله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة:253)، ولذلك لا ينبغي صرف شيء مما اختص الله به نفسه لغير الله، بمعنى: لا ينبغي أن يتعلق القلب بأن شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينقذ يوم القيامة، بل يرجو العبد أن يتكرم الله عليه فيجعله فيمن يشفع له محمد صلى الله عليه وسلم ، ويجعله فيمن يرد حوض النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا يكون بالأماني، وإنما بالعمل بسنته صلى الله عليه وسلم واتباع هديه وتعظيم شريعته، وهذه هي علامات الحب الكبرى، ثم الصلاة عليه دائما صلى الله عليه وسلم ، وتقديم حبه على حب غيره من البشر. وللحديث بقية إن شاء الله




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟


    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (10)


    د. أمير الحداد



    بعد أداء صلاة الظهر في مسجد الجامعة، وفي طريق عودتي إلى المكتب سلم عليّ شاب ذو ملامح شرق آسيوية، لم أعرفه.
    - أنا الفني الجديد في القسم، ومع أنك لا تعرفني إلا أنني أعرفك؛ فقد حرصت على معرفة أسماء أعضاء هيئة التدريس جميعهم في القسم، ولا سيما المصلين منهم.

    - أهلا وسهلا.
    كنا نتواصل بالإنجليزية.
    - أنا اسمي (جمال الدين)، هذا الاسم الذي أحب أن أنادى به، واسمي الرسمي، الذي يعرفني الجميع به هو (فليب)، قدمت إلى الكويت منذ ثلاث سنوات، عملت في إحدى شركات التكييف، ثم انتقلت إلى الجامعة منذ خمسة أشهر، أعمل على صيانة الجهاز الجديد في المختبر.
    - وما قصة إسلامك يا (جمال الدين)؟
    - ابتهج لسؤالي ولم يخفِ ذلك.
    - أنا سعيد جدا أن سألتني هذا السؤال، أنا من قرية اسمها (مابالاكا) شمال الفلبين، عندنا في هذه القرية وقرى أخرى كثيرة ومدن صغير جميعنا كاثوليك. عندنا طقوس هي التي جعلتني أغير عقيدتي وأعتنق الإسلام.
    وما هذه الطقوس؟.
    كنا قد وصلنا إلى مفترق طرق، بين المختبرات ومكاتب أعضاء هيئة التدريس، رافقته إلى مكتبه في المختبرات.
    - لدينا فترة صيام تعقبها (جمعة الآلام) أو (الجمعة العظيمة)، وتسمى أيضا (الجمعة السوداء والجمعة المقدسة، والجمعة الحزينة)،
    وتتزامن مع عيد الفصح عند اليهود.
    قاطعته..
    - اسمح لي، بشرح هذا الأمر بشيء من التفصيل؛ فإني لا أعلم شيئا عن تفاصيل النصرانية.
    ابتسم لطلبي.
    - فترة الصيام لدينا تمتد لخمسة وخمسين يوما، وبعده يبدأ أسبوع الآلام، الذي ضمنه الجمعة العظيمة، وتوقيت هذه الجمعة يختلف من عام إلى عام، فهو يوم الجمعة الذي يسبق الأحد بعد ظهور بدر الربيع، ويكون في إبريل؛ ففي هذا العام 2017 كان 14/4/2017 وأسبوع الآلام هذا يبدأ من يوم السبت، ويسمى سبت (عازر)، وأحد (السعف)، وأثنين (البصخة)، وثلاثاء (البصخة)، وأربعاء (البصخة)، وخمس العهد (العشاء الأخير)، والجمعة (العظيمة)، (موت المسيح)، ثم سبت (الفرح)، وأحد (القيامة).
    في هذا الأسبوع يعذب الكاثوليك عندنا أنفسهم، يمشون في الشوارع يضربون ظهورهم بالسلاسل، ويحملون صلبان الثقيلة العظيمة الحجم، ويدعون الآخرين يضربونهم ويفعلون بهم ما شاؤوا، إلى أن يصل بعضهم إلى صلب أنفسهم، فيثبتون أيديهم وأرجلهم بمسامير على صلبان خشبية ويرفعونها ويبقون مصلوبين في جمعة الآلام، وذلك تكفيرا لذنوبهم، وتقربا إلى الله، وطلبا لقضاء حاجاتهم، مثلا من كان له شخص عزيز عليه مريض مرضا شديدا فإنه يعذب نفسه رجاء شفاء مريضه، ومن كان يريد أن يطهر نفسه فإنه يضرب نفسه بالسلاسل أمام الناس ليتطهر من ذنوبه، وهكذا، طقوس فيها من سفك الدماء وجلد البدن، ما جعلني أفكر لماذا يريد مني الرب أن أعذب بدني ليغفر ذنبي؟! ولماذا يسمح الرب بصلب (ابنه) لأجل ذنوب البشر؟. وللحديث بقية



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟


    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (11)


    د. أمير الحداد




    استكمالاً لما سبق الحديث عنه في معتقد النصارى وقصة جمال الدين، حدث أن التقيت شابا مصريا يعمل في شركة أمريكية، قال لي لقد تعلمت الإسلام، واطمأن قلبي، والحمدلله أسلمت، وها أنا ذا في الكويت أمارس شعائر دين الله كافة ولكن لدى بعض المسلمين شعائر تشبه هذه من ضرب الظهور بالسلاسل، وسفك دماء الرأس بالسيوف أو بآلات حادة، يفعلونها تقربا إلى الله تعالى.
    -أعلم ذلك، وأشعر بالأسف لهم، إن جمال الإسلام تجده في كل جانب من جوانب التشريع، ومن أبسط هذه القواعد: {مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7)، لقد تعلمت أول ما تعلمت الإسلام، أنك لا تتقرب إلى الله وفق هواك وما تراه أنت صحيحا، وإنما تتقرب إلى الله بما شرع الله، والذي شرعه الله بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالعبرة دائما بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما فعله الصحابة الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وكل شيء جديد في العبادة لم يفعله ذلك الجليل فليس من الدين، هذه القاعدة سهلت عليّ تعاليم الإسلام، بمعنى أنني قبل أن أفعل أي عبادة أو أمارس أي شعيرة يجب أن أسأل: هل ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل فعلها الصحابة؟ إذا كانت الإجابة (نعم)، فعلتها، وإذا كانت الإجابة (لا) لم أفعلها، قاعدة سهلة يسيرة.
    – وماذا إذا عملت شيئا وأقرك عليه من هو أعلم منك، أو ولدت في بيئة تعمل هذا الشيء ومنذ صباك وأنت تراهم؟.
    – هذا ما حصل معي بالضبط لقد نشأت في بيئة يؤمنون بتعذيب الجسد لأجل تطهير النفس، ونيل رضا الرب، ولقضاء الجاجات، وإظهار الولاء للمسيح، يعذبون أنفسهم بجلد الظهور بالسلاسل، ودق المسامير في الأيدي والأرجل للصلب على صلبان خشبية، وفطرتي رفضت هذه القضية، بدأت أبحث عن الحق، لم أترك هذه المظاهر فحسب، وإنما غيرت عقيدتي من النصرانية إلى الإسلام، ولأكون صادقا معك، لا أستوعب كيف يقلد بعض المسلمين منهج آبائهم وأجدادهم تقليدا أعمى، مع أنهم يقرؤون العربية وهي لغتهم الأولى، كيف لهم ألا يطلعوا على ما يكتبه العلماء من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟! أظن أن هؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِين َ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (الكهف:103-104).
    ما إجاباتهم على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»؟ (متفق عليه).
    – أنا لا أحفظ الكثير من الآيات، ولا الكثير من الأحاديث ولكن تعلمت قواعد أساسية منذ دخلت الإسلام؛ تعلمت أخطر قضية يمكن أن يقع فيها الإنسان وهي الشرك حتى أتجنبها، كل ما هو شرك، تركته، سواء بالألفاظ أم العبادات، أم الأعمال، ثم تعلمت ألا أتقرب إلى الله بما لم يشرع؛ لأن هذا بدعة، والبدعة لا تزيد العبد إلا بعدا عن الله، والشيطان يحب للعبد أن يقع في البدع أكثر من حبه أن يقع في المعاصي؛ لأن البدع في الدين توهم الإنسان أنه يتعبد الله، وهو في الواقع يزداد بعدا من الله.

    كنت أستمع باهتمام لهذا المسلم الجديد، وكيف تأسس بطريقة صحيحة في الإسلام، سألت الله له ولي الثبات، والهداية لأولئك الذين يجلدون أنفسهم تقربا إلى الله تعالى.
    وللحديث بقية



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (12)


    د. أمير الحداد


    لست من محبي السفر، ومنذ فترة طويلة تركت السفر إلى أوروبا والغرب، وأصبح سفري إلى الشرق، أتوقف في كولومبو (سيريلانكا) ومنها إلى ماليزيا، وسنغافورة، والصين، وهونج كونج، وإندونيسيا، وعادة لا تزيد فترة سفري عن سبعة أيام.


    توقفت مرتين في سيريلانكا، قضيت فيها أربعة أيام، رغم جوها المعتدل وطبيعتها الجميلة، إلا أن خدماتها سيئة، وطرقها لا تصلح للتنقل، انطلقت إلى (كاندي)، تبعد قرابة (100) كم، استغرقت الرحلة أربع ساعات!

    كانت الرحلة في مايو، هناك لديهم معبد أقاموه من أجل ضرس بوذا، استقدموه من الهند، زرت المعبد، الناس يتوافدون عليه من جميع أنحاء البلاد ليطهروا أنفسهم ويقدموا قرابينهم، ويطلبوا حاجاتهم، ولديهم طقوس يومية في أوقات معينة، يخرج الكهنة وتلاميذهم من مساكنهم، يأتون إلى حيث مركز المعبد (الضرس)، والناس يسجدون ويبتهلون، بالطبع يصحب ذلك قرع بالطبول الضخمة، سجلت كل ذلك على الكاميرا، خرجنا أنا ومرشدي السياحي في طريق عودتنا إلى كولومبو.
    كنا نتواصل بالإنجليزية، بدأ هو الحديث.
    – عليك أن تأتي في أواخر يوليو وأوائل أغسطس، في هذه الفترة يقام احتفال كبير، يزينون الفيل الأكبر، ويسير موكب ضخم في جميع أرجاء المدينة؛ حيث يتم إحياء ذكرى قدوم (الضرس) ويأتي الناس من جميع أنحاء البلاد ومن الدول المجاورة، يقضون أياما يؤدون طقوسا دينية تقربا إلى بوذا.
    – حدثني عن عقيدتك أنت.
    – عقيدتي أن أجمع المال، وأوفر لقمة العيش لزوجتي وابني، وعملي مع الأجانب دائماً، أحاول أن أكون لطيفاً معهم، وأجني أموالا إضافية لأجل أسرتي فقط، ولا أفكر كثيرا في الدين، ولا الموت، ولا ما بعد الموت، لدي من متاعب الحياة ما يكفي ليشغل كل وقتي وتفكيري.
    ابتسمت، بينما تابع حديثه.
    – وهكذا معظم الشباب، أما أولئك الذين يؤمنون بمعجزات بوذا، ويسعون إلى تقديم القرابين، أغلبهم من الفلاحين الفقراء الذين تربوا على هذه العقيدة.
    – هل تريد أن تعرف عن عقيدتي أنا؟
    – لا بأس، لدينا أربع ساعات.
    – عقيدتي أن الله موجود، وهو الذي خلق السموات والأرض، وخلق كل شيء، وخلقنا وأوجدنا على هذه الأرض لنعبده هو وحده، لا نعبد أحداً معه، فضلا عن نعبد غيره وندع عبادته سبحانه.
    – هكذا تقريبا ما يقوله الكهنة هنا.
    – كلا، هناك فرق شاسع عندما أقول لك: إن الله يريد منا أن نعبده، بيّن لنا كيف نعبده وحده، بمعنى أنه بيّن لنا كيف نصلي، ومتى نصلي، وماذا نقول في صلاتنا، وأي انحراف عن طريقة العبادة يبطلها، بمعنى أنه لا ينبغي للبشر أن يخترع عبادة يتقرب بها إلى الله، وكل عبادة يخترعها البشر لا توصلهم إلى الخالق الحق، وذلك أن العقل البشري لم يوجد لمعرفة طريقة العبادة؛ فيستحسن هذه ويترك تلك، هذه مهمة الرسل؛ فمن عقيدتي أني أؤمن أن الله بعث رسلا من البشر، يأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون، اختارهم الله وأعطاهم مؤهلات ليبلغوا للبشر طريقة عبادة الله وحده، وكيف يمكن لأي إنسان أن يتقرب إلى الله، ويعبد الله بالطريقة التي يرضاها الله سبحانه.
    وهؤلاء الرسل كانوا مع البشر منذ البداية، تعرف البداية طبعاً؟
    – نعم، أن آدم كان في الجنة مع حواء، ثم نزل إلى الأرض بسبب الخطيئة التي ارتكبها بأكل التفاحة من الشجرة المحرمة، هكذا أخبرني أحد زبائني الأوروبيون، وهذه الرواية مقنعة وآمنت بها.
    للحديث بقية إن شاء الله




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (13)


    د. أمير الحداد

    استكمالاً للحديث الذي دار بيني وبين مرشدي السياحي في طريقنا إلى كولومبو حيث سألني – أنت مسلم؟ وتتبع محمداً؟


    – نعم، رسولنا هو محمدصلى الله عليه وسلم، وقد أرسل إلى العرب أولاً، ولكن رسالته إلى جميع البشر.

    – متى ولد محمد؟
    – سنة (570) بعد الميلاد.
    – بوذا ولد (560) تقريبا، ولكن قبل الميلاد، بينهما أكثر من (1000) سنة.
    – ولكن بوذا لم يكن نبيا مرسلا من عند الله.
    – نعم، كان من عائلة مالكة ثرية، ثم ترك حياة الثراء والبذخ وأخذ يبحث عن الحقيقة.
    – هذا الذي أريد أن أصل إليه، أن الإنسان مهما بلغ من الحكمة والذكاء لن يصل إلى الحقيقة التي يريدها الله، ولا إلى الطريقة الصحيحة لعبادة الله، وكل من يحاول أن يصل باجتهاده، فإن ينشئ ديناً وطريقة لا توصله إلى رضا الله سبحانه.
    مثلا هؤلاء الناس الفقراء يبذلون أموالهم ويتكبدون عناء السفر لأجل أن يأتوا إلى هذا المعبد الذي فيه (ضرس) من بوذا ويدعون ويسجدون ويتضرعون ويؤمنون أن هذا ينفعهم، و(بوذا) مهما بلغ من الحكمة والصفاء والنقاء يبقى بشراً، فقد مات عام (480) ق. م. تقريبا عن ثمانين سنة، ومن المفترض في الخالق أنه (حي لا يموت).
    – لم يزعم أحد أن بوذا إله.
    – ولكن أتباعه يسجدون للتماثيل التي تمثله، وتقدم له القرابين، ويسألونه ويرجونه ويتضرعون إليه، وهذه كلها عبادات لا ينبغي أن يفعلها الإنسان إلا لله وحده، هذا الذي أريد أن أصل إليه أن عقيدتي أن الله وحده هو الذي يجب أن تصرف له العبادات جميعها؛ لأنه وحده -سبحانه- الذي يملك الضر والنفع والرزق والخير، والموت بيده -سبحانه- هو الذي كتب الموت على البشر، وهم جميعاً يموتون وهو وحده حي لا يموت -سبحانه- ثم هناك بعث للجميع، كل من يموت سيبعث في يوم ما، نسميه يوم الجزاء (يوم الدين) لينال كل أحد جزاءه على عمله في الدنيا.
    – الاعتقاد في أشخاص طيبين صالحين زاهدين، هل هذا يناقض الإيمان بالله؟
    – إذا كان ما يفعله الإنسان لهؤلاء الصالحين؛ هو ما يجب أن يفعله لله وحده، نعم، وهذا ما يحصل عند كثير من البشر حتى عندنا في بلاد المسلمين، منا من يعتقد بأناس صالحين؛ فيذهب إلى قبورهم ويدعوهم، ويتقرب إليهم، وينذر لهم، بالطبع لا أحد يقول: إن هؤلاء آلهة، ولا أحد يقول: إنه يعبد هؤلاء من دون الله، ولكن هذه العقيدة بأن هؤلاء الأموات الذين في القبور ينفعون، ويقربون العبد من الله ويقضون الحاجات، ويشفون المرضى بإذن الله، هذه العقيدة شرك، تبطل عبادة البشر.
    – هنا البشر لا يذهبون إلى قبور الصالحين، وإنما يذهبون إلى تماثيل نصبت ونحتت لتمثل الصالحين، أو تمثل من يعتقدون فيهم وماتوا منذ زمن طويل، ولذلك ترى لبوذا تماثيل كثيرة، أغلبها وهو جالس متربعا جلسة التأمل، وبعضها قائم على رجليه، وبعضها مضطجع على جنبه، وأظنك تعلم أن له تمثالاً نائماً أيضاً.
    – نعم، أعلم ذلك، ومعظم هذه التماثيل حفرت في الجبال أو نحتت مستقلة عن كل شيء، وتكون عادة ضخمة جدا، وتكلف أموالا باهظة من أقوات الناس، أو تبرع الأثرياء، وفي النهاية هو حجر لا يسمع ولا يرى ولا ينفع ولا يضر؛ لأنه حجر ولو أقدم أحدهم على كسره لم يعقل شيئا.

    – لقد ذكرتني بالتماثيل التي نسفها جماعة طالبان في أفغانستان، نعم لم تفعل شيئاً.
    للحديث بقية إن شاء الله



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (14)


    د. أمير الحداد



    منذ انقطاعي عن السفر إلى أوروبا، زرت الهند ثلاث مرات، رحلة علمية، واثنتان سياحتيان برفقة صاحبي، زرنا (بومباي، ودلهي)، وأخذنا جولة المثلث الذهبي.
    عدد الديانات في الهند (180) ديانة تقريباً، الأوسع انتشاراً (الهندوسية)، في كل مرة أستأجر مركبة بسائقها، الذي يعمل مرشداً سياحياً أيضاً، لم أكن أهتم بزيارة الأماكن السياحية المشهورة، مثل (تاج محل) وغيره؛ وإنما الأماكن الشعبية.
    – ما الذي يمكنك أن تخبرني عنه في الهندوسية؟
    – هي أقدم ديانة على وجه الأرض؛ فقد بدأت قبل ميلاد المسيح بـ1400 – 1600 سنة.
    – آسف، ولكني أخالفك الرأي؛ فمنذ نزل آدم إلى الأرض، توالت الرسل والأنبياء على البشر، وفي (1400 – 1600) سنة بعث موسى، وهارون، وأيوب، وشعيب، ويوسف، ويعقوب، جميعهم عاشوا في هذه الفترة.
    – لم أكن أعلم ذلك، على أية حال الهندوسية لا تنتسب إلى مؤسس معروف، وهي ديانة تؤمن بتعدد الآلهة، لكل شيء إله، حتى وصل عدد الآلهة إلى (33) مليون إله، وهناك إله أكبر لجميع هذه الآلهة، هو (البراهما)، وهو كيان مجهول للبشر، وله ثلاث تجليات (البراهما) الخالق، و(فينشو) الحافظ، و(شيفا) المعاقب.
    – وماذا عن باقي الآلهة؟
    – هناك مثلا (آدي باراشاكتي)، وهو إله على شكل أم، وهناك (إدهانا ريشفارا)، وهو رمز الإله (شيفا) وزوجته، وهناك (آندرا) إله الحرب، وهناك (باروتي)، وهي بنت جبال الهملايا، وهناك (بهارات ماتا) وهي آلهة تمثل الأم.
    – قاطعته.
    – الناس جميعهم يعبدون جميع هذه الآلهة؟!
    – نعم، يعظمونها، ويتقربون إليها، ويضعون تماثيل وتصاوير ولوحات تمثلها.
    – وما معنى تمثال المرأة ذات الأيدي، جالسة متربعة وعلى جانبيها عشرة أيدي في أوضاع مختلفة.
    – لو لاحظت تجد في يد السيف، وفي أخرى الدرع، وفي ثالثة طبق الرز، وفي الرابعة القوس، وفي السادسة الصولجان، وفي السابعة الرمح، وفي الثامنة الحربة، وفي التاسعة وردة حمراء، وفي العاشرة زجاجة عطر، ووراءها أسد، أو بجانبها، هذه تمثل حالات الآلهة، وربما تجد الوجه على شكل فيل، وأربعة أيدٍ، أو تجد صورة للآلهة وهي تعزف المزمار وحولها مجموعة من الحملان الوديعة، وربما تبدو لك أنها امرأة، وهي في الحقيقة رجل، ولكن تزين بأحمر، وكحل العين.
    – هل تعلم يا (راجو) -وهذا الاسم المختصر الذي ارتضاه مرشدنا؛ لأن اسمه مركب صعب النطق- أن المشكلة في جميع هذه الأفكار والمعتقدات، أنها من صنع البشر، ولا يمكن لبشر أن يشرع لبشر بكل سهولة، ومن المنطقي إذا شرع البشر فإنهم يميزون أنفسهم على غيرهم، ويضعون لأنفسهم امتيازات على غيرهم.
    – قاطعني.
    – في الهندوسية الناس طبقات: ، البيضاء، والحمراء، والصفراء، والسوداء، والسودريون، البيضاء: هم القساوسة ورجال الدين (البرهميون)، والحمراء: هم الحكام والجنود (الكاشتري)، والصفراء: الفلاحون والتجار (الفيزيون)، والسوداء: هم العمال وأصحاب الحرف (السودرا)، وأدنى الطبقات هم: السودريون، وهم خدم (البرهمين) ويلاقون أسوأ معاملة وأقساها، ويسمون (الشودرا).
    – في ديننا الإله واحد، لا يتعدد، ولا يلد، ولم يولد، ولا زوجة له، ولا يحتاج إلى زوجة ولا إلى أحد، ولا يأكل، ولا ينام، ولا يحتاج إلى شيء. قائم بذاته، حي لا يموت، ويقيم السموات والأرض، ويتصرف بهذا الكون بحكمة -سبحانه- يعطي ويمنع بحكمة، وأرسل الرسل ليبينوا للناس ما يجب عليهم تجاه ربهم، وكيف يعبدونه، وكيف يتعامل بعضهم مع بعض، و{ليس كمثله شيء} -سبحانه- لا يمكن وصفه إلا بما وصف به نفسه، ولا يمكن رسمه ولا تخيله -سبحانه- يعلم كل شيء، ويبصر كل شيء، ويسمع كل شيء، حي لا يموت، وكل شيء غيره يموت.
    كنا في طريقنا إلى أحد المعابد، معبد الفئران!
    – ما قصة هذا المعبد؟
    – اسمه معبد (كارني ماتا)؛ حيث يعيش أكثر من (20000) عشرين ألف فأر عيشة ملكية، يقدم لهم أهل هذه القرية كل ما يحتاجونه من طعام ورعاية، وأصل هذه العقيدة أن الفئران تجسد آلهة اسمها (كارني ماتا) امرأة هندوسية عاشت في القرن (14) الميلادي، وعبدها أتباعها لما ظهر عليها من عادات خارقة، ثم ماتت وانتقلت روحها إلى الفئران!!
    – هل تؤمن أنت بذلك؟!
    – كلا، ولكني أحترم كل دين وكل عقيدة ولا أحتقر أي ديانة مهما كانت.
    – وماذا بعد غير الفئران؟!
    – طبعا هناك من يعظم البقر، ومن يعظم القرود، في الهند تكاد تجد لكل شيء عبدة وأتباعاً.
    – ولكني دعني أسألك بصدق، ألا ينبغي لمن يعبد أن يكون خالقا غير مخلوق؟ ألا ينبغي أن يكون حيا لا يموت؟ ألا ينبغي أن يكون الكل يحتاج إليه وهو لا يحتاج إلى أحد ولا يحتاج إلى شيء؟!
    مثلا: عندما تنظر إلى السماء والشمس، ألا تتفكر من خلق هذه السموات؟! ومن خلق الشمس؟! وكيف خلقت الأرض؟!
    قاطعني.
    – كلا لم تخطر ببالي هذه الأسئلة.
    – لماذا تكون بداية تفكيرك القرن السادس عشر قبل الميلاد؟! لماذا لا تذهب إلى البداية المطلقة كيف بدأت الحياة على الأرض؟ من هو آدم؟ ثم كيف أنزل إلى الأرض؟ ولماذا؟! ثم ألا ترى أن الجميع يموت ويدفن؟!
    – نعم، الجميع يموت، وربما يدفن أو يحترق.
    – وماذا بعد الموت؟ هل تنتهي الحياة بالموت، ثم الدفن أو الحرق ونثر الرماد؟ لا يمكن أن تكون هذه هي النهاية، لابد أن نخرج من قبورنا ونحاسب على أعمالنا؛ فالمظلوم يأخذ حقه من الظالم وينال كل أحد جزاء عمله.
    ولكن لنرجع إلى نقطتنا الأولى وهي: أن جميع هذه الديانات التي حدثتني عنها، كلها من تشريع البشر، وأنا بشر، وأنت بشر، لماذا نعبد بشرا مثلنا، يأكلون وينامون ويتزوجون ويتناسلون ويموتون، أن أريد أن اتبع تعاليم من خلقني، وذلك أنه أعلم بما ينفعني وما يضرني؛ ولذلك هو أحق من يشرع لي، وهو الوحيد الذي يستحق أن أعبده، وأسجد له، وأتقرب إليه وأخاف منه، وأرجوه وأدعوه؛ لأن بيده مقاليد كل شيء، أما المخلوق فلا يملك شيئا من ذلك، فلماذا أعبده؟.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (15)


    د. أمير الحداد


    من محاسن الإسلام أنه ليس لأحد أن يتكلم بما شاء في قضايا الشريعة







    استكمالاً للمقال السابق في الحديث عن السيخ وحقيقة معتقداتهم، فقد سألني صاحبي عن العنف عند السيخ قائلاً:

    – ولماذا يوجد هذا الجانب (اللاسلمي) عند السيخ؟!

    – أظن أنهم تعرضوا للاضطهاد من قبل المغول؛ حيث أعدموا اثنين من معلميهم العشرة، ولاسيما نادر شاه المغولي، الذي هاجمهم 1738-1839، وألجأهم إلى الجبال والشعاب، ثم قويت شوكة السيخ، وحكموا البنجاب، وكانوا على صلة وثيقة بالإنجليز الذين أعطوهم امتيازات خاصة من أراض زراعية، وإيصال المياه لهم؛ فكانوا في رغد من العيش، وبعد الحرب العالمية الأولى ألغت الحكومة الهندية امتيازات السيخ؛ مما جعلهم في صدام مع الهندوس، وبلغ هذا الصدام ذروته عندما أمرت انديرا غاندي -رئيسة وزراء الهند- في شهر يونيو 1984 باقتحام المعبد الذهبي في أمرتيساب، ووقع أكثر من (2000) قتيل، ثم انتقم السيخ لقتلاهم واغتالوا غاندي في 31/10/1984.

    – هذا يفسر جانب العنف عندهم.

    – نعم.

    – والآن ما وضعهم؟!

    -لديهم معبد كبير يحجون إليه في مدينة (أمرتيسار) ويسمى (دبار صاحب)، أي ديوان السيد الملك، وباقي المعابد تسمى (كرو داوره) أي مركز الأستاذ.

    – ولكن اسمح لي أن أعلق قبل أن نصل إلى الفندق ونفترق، أصل هذه الديانة بشري، أي أن أحد البشر خطرت له فكرة (لا هندوس ولا مسلمون) أراد أن يوجد شيئاً جديدً من هذا وذلك، وأنا وأنت نعلم أن أي شيء مصدره البشر، فيه نقص مهما اجتهد أصحاب الفكرة، مثلاً نحن المسلمين تعاليمنا كلها من عند الله، حتى ما يخبرنا به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو من عند الله، هكذا يخبرنا ربنا، وهكذا يؤكد لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك تجد تعاليم الدين عندنا مفصلة ودقيقة في كل شيء، نعرف كيف نلبس ونأكل وننام؟ وكيف ندخل دار الخلاء؟ وكيف نفعل لنتطهر من أي قذر؟ هذا في الأمور الصغيرة اليومية الحياتية، التي ربما يعدها بعض الناس عادات فطرية، ديننا يخبرنا ماذا نفعل في هذه الأمور؟ ما الشعر الذي ينبغي حلقه؟ وما الذي ينبغي تركه؟ كل ذلك بتعاليم من عند الله -عز وجل- فضلا عن تفاصيل الصلاة، متى نصلي؟ كيف نصلي؟ ماذا نقول في صلاتنا؟ كيف نصوم؟ متى نحج؟ وكيف نحج؟ كيف ننمي أموالنا؟ وكيف نزكيها؟ ثم كيف نحقق الإيمان بالله؟ وماذا يجب علينا أن نؤمن به من الملائكة واليوم الآخر؟ وكيف ندعو ربنا؟ وكيف نتطهر من ذنوبنا؟ وإذا متنا ما الذي يحصل لنا، وإذا بعثنا ماذا سنرى؟ وكيف سيكون الأمر في ذلك اليوم؟ كل شيء بالتفصيل، وكل هذه التعاليم من عند الله وليست من عند أحد من البشر.

    – هذا كلام جميل، وكل ذلك موجود في كتابكم المقدس؟!

    – نعم، أصله موجود في القرآن، وتفصيله في أحاديث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا وذاك كله من عند الله، ولدينا أساليب علمية لإثبات أن الكلام قاله رسولنا، أم لم يقله، بمعنى آخر لا مجال لأحد أن يقول قولا وينسبه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه شرع ودين، وليس لأحد من البشر أن يتكلم بما شاء في قضايا الشريعة.

    – هذا كلام جميل.

    – نعم، نحن -والحمد لله- لدينا دين أرحنا من عناء الضلال والتخبط، كل شيء أتانا مفصلا من عند ربنا، وتعهد الله أن يحفظ كتابنا المقدس (القرآن)؛ فتجد طفلا في أبعد غابات أندونيسيا يرد على شيخ في أقصى صحاري المغرب، إذا هو أخطأ في حرف من القرآن.

    استغرب صاحبي كلامي هذا.

    – حقاً؟ أم إنك تبالغ قليلاً؟

    – أبداً، أبداً، لا أبالغ، كتاب الله يقرؤه الجميع هو ذاته في جميع بقاع الأرض لا يستطيع أحد أن يغير فيه حرفاً واحداً، وسيبقى كذلك؛ ولذلك لا أدري لماذا يتعب البشر أنفسهم في تأليف طرائق للتطهر من الذنوب والوصول إلى الجنة وعبادة الآلهة، ويتبعون تعاليم بشر فيهم من القصور ما فيهم، ألا ينبغي لكل من يتبع تعاليم بشرية أن يغير عقيدته إلى تعاليم الله عز وجل؟




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,066

    افتراضي رد: لماذا يغير المرء عقيدته؟

    لماذا يغير المرء عقيدته؟ (16)


    د. أمير الحداد



    – تطبيق الأحكام الشرعية سبيل السعادة الإنسانية





    مع بدء عملي في الجامعة كان يسكن بجواري أحد أعضاء هيئة التدريس هولندي الجنسية وكان يقوم بالتدريس في كلية العلوم الاجتماعية.

    التقينا في نادي أعضاء هيئة التدريس مع بداية السنة الثانية له فقال لي:

    – يعجبني في الكويت التزام أهلها بالعادات والتقاليد، ويعجبني كثيرا الترابط الأسري، حتى ضمن العائلة الكبيرة أبناء العمومة والأجداد، الجميع يزور الجميع، والكل يعرف الكل، والأهل جميعا يتزاورون في المناسبات، وهذه الخاصية لا توجد في مجتمعاتنا، حتى المتدينين منا لا يفعلونها.

    – نحن نفعلها بوصفها عادة وأمراً دينياً.

    – هل دينكم فيه تعاليم للاجتماع الأسري؟

    – بطريقة ما؟ نعم، لدينا شيء اسمه (صلة الرحم)، و(بر الوالدين)، أما (بر الوالدين) فمن أعظم ما يتقرب به أحدنا إلى الله، في ديننا (بر الوالدين) مقرون بعبادة الله وتوحيده، و(العاق لوالديه) له عقوبة في الدنيا والآخرة.

    استغرب صاحبي هذا الأمر.

    – هل هذه حقيقة أم أنك تبالغ فيها؟

    – لن أجيبك، ولكن خذها مني الآن، ثم ابحث عنها في الكتب وستجدها، وأظنك حصلت على نسخة من ترجمة تفسير القرآن.

    – نعم، ولكن لم أقرأ شيئاً بتركيز، فقط تصفحته.

    – اذهب وأقرأ تفسير الآية (23) من سورة الإسراء.

    – سأفعل.

    – وأيضا لدينا (صلة الرحم) وهي خاصية لا تجدها في أي تشريع آخر، وهي أيضاً من الأمور العظيمة في شريعتنا، ومن أساء فيها له عقاب عظيم، وإن كان يؤدي واجباته الشرعية من صلاة وغيرها.

    – هذه ميزة، لا توجد لدينا حتى في أوساط المتدينين من أهلنا، لدي سؤال: هل حقا تستيقظون قبل شروق الشمس بأكثر من ساعة لتذهبوا إلى المسجد لأداء الصلاة الأولى كل يوم؟

    – نعم، المحافظ منا على صلاته يفعل ذلك، وهي صلاة واجبة على جميع المسلمين، ولكن القليل منهم من يحافظ عليها.

    – أليس في الأمر صعوبة؟!

    – كلا، لا صعوبة في الأمر لمن رتب حياته أن تكون في طاعة الله ووفق أوامر الله عز وجل.

    – لا يمكن أن يؤجلها الإنسان فيصليها متى ما أفاق؟

    – كلا، ولكن إذا فاتته يصليها إذا أفاق ولا ينبغي أن يهمل أداءها في وقتها؛ ففي ذلك ذنب عظيم.

    – هذه من الأمور الصعبة، مثل امتناعكم عن الأكل والشرب لساعات النهار في شهر الصيام.

    – هذه القضايا التعبدية، ينبغي على العبد أن يمرن نفسه أن يفعلها؛ لأنها أركان الإسلام.

    – وما أهم ركن في الإسلام؟

    – التوحيد، وحدانية الله، عبادته وحده، لا شريك له، ولا مثيل له، ولا ولد له، ولا كفء له، في جميع أفعاله وصفاته وأسمائه، متفرد -سبحانه- ليس كمثله شيء، هو الخالق، وكل أحد غيره مخلوق هذا أهم ركن في اإسلام، بل في جميع الديانات السماوية.

    – جميل، ولكن هل تدري ما أهم شيء ألاحظه في مجتمعكم المسلم؟

    – ماهو؟

    – الراحة النفسية، الطمأنينة، التماسك الأسري، قلة الجرائم العنيفة، الأمان.

    – هذه قضايا أساسية للإنسان، يحتاج إليها حتى يعيش حياة هادئة.

    – هذه الأمور كلها نتائج للأحكام الشرعية، التي يجب أن نؤمن بها ونمارسها، بعضنا يمارس جزءاً منها، ويقصر في الجزء الآخر، وبعضنا يزيد، وبعضنا ينقص.

    – ولكنكم مجتمع فيه الكثير من التدين؛ أسمع صوت الأذان في أحيان كثيرة، وفي كل مكان تقريبا حتى في التلفاز والإذاعة، وفي رمضان تشعر أن الجو العام للبلد تغير تماماً، أنتم بالنسبة لنا مجتمع متدين.

    – لوسألتك ولو قررت أن تعتنق الإسلام، ما أهم شيء يدفعك لذلك؟

    – الراحة الذهنية، والطمأنينة النفسية، والتمسك الاجتماعي، عندما أرى أبنائي حولي كل أسبوع، وعندما أجتمع مع إخواني كل جمعة، وعندما أرى أبناء عمومتي، وأبناء أخواتي مرتين على الأقل في العام، هذا شيء رائع.

    – الآن أنا في الخمسين، لدي ابنتان، لم تتزوجا، ولكن إحداهما هاجرت إلى ألمانيا واستقرت هناك، والأخرى ذهبت إلى الولايات المتحدة، والدتي مازالت على قيد الحياة في بولندا، لم تجتمع أسرتنا منذ بلغت الصغرى من بناتي الثامنة عشرة، ولا أظن أننا سنلتقي، ولكن ربما إذا توفيت والدتي سنحضر جميعا جنازتها.

    إذا رجعت إلى بولندا، أشعر بالوحدة؛ ولذلك أفضل البقاء هنا، لقاءاتنا هناك إما في (بار) لشرب البيرة، أو منتزه مع زملاء العمل يحضر كل منا طبقه، ولكننا لا نتزاور بوصفنا جيرانا، ولا نلتقي بوصفنا أهلا، وليس من الواجب على الابن أن يلتزم بوالديه، ولا على الأخ أن يصل إخوانه، هذه أمور جميلة، بل رائعة.

    لو قررت أن أعتنق الإسلام فإني سأفعل من أجل الحصول على هذا النوع من الحياة الاجتماعية المستقرة.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •