العــراق وعلمـاء الأمـة الرسميـون

محمد بن موسى الشريف



ما يجري في العراق اليوم أمر عجيب، يحار فيه اللبيب، فالعدو دهم البلد، واستحل ثرواته، وقتل رجاله، وانتهك عرض نسائه- وما أمر أبي غريب ببعيد - وفعل كل قبيح، وأصبحت البلاد تحته، وفي عداد ممتلكاته، فقامت طائفة من أسود العراق تناوش أولئك البغاة الطغاة، وتنازلهم في ميادين الجهاد، وتذيقهم الويلات والحسرات، وتثكل نساءهم، وتيتم أطفالهم، وعهدنا بأولئك الملاعين أنهم يثكلون وييتمون أما أن يثكلوا وييتموا فهذا ما لم نكن نعرفه إلا على يد أولئك الأشاوس الأبطال، وقد اتفقت الشرائع والملل على وجوب مقاومة الباغي المحتل، وطرده، وجاء الإسلام العظيم ليجعل ذلك ذروة سنامه، ومن أفضل أعماله، ونظرت الشعوب الإسلامية إلى أولئك الأبطال نظر التبجيل والتعظيم، وأنزلوهم في المحل اللائق، وارتضوا عملهم وأحبوه، وتمنوا أن لو كانوا معهم لينصروهم وليدفعوا عنهم ويؤازروهم لكن حال دون أمانيهم الحوائل والعوائق، ويمكن القول إن طوائف الأمة الملتزمة بالإسلام المستمسكة بأحكامه العظام قد اتفقت على أن الذي يجري في العراق من الجهاد أمر يرفع الرؤوس، ويسلي النفوس، ولم يشذ عنهم إلا فئات من هاهنا وهناك كان منهم - وهذا هو موطن العجب والحيرة - علماء الأمة الرسميون في طول العالم الإسلامي وعرضه الذين شغلوا مناصب الإفتاء والإمامة وإدارة المعاهد والجامعات والكليات الشرعية وغيرهم، فقد أطبق هؤلاء - إلا قليلاً - على خذلان المجاهدين، وقد تفاوتت مراتب خذلانهم على الوجه التالي:


- فمنهم طائفة - وهي الأغلب والأكثر - اختارت السكوت، فلم تنبس ببنت شفة عما يحدث لإخوانهم في العراق، ولم تصدر بياناً، ولم تدبج فتوى، ولم يسمع عنها أدنى اعتراض، وتعلق أسماع الأمة وأبصارها بهم فرجعت خاسئة وهي حسيرة كسيرة.


- ومنهم طائفة اختارت الطريقة العجيبة ألا وهي نفي أن يكون الذي يجري من أمر المقاومة أنه جهاد، وساوت بين أفعال المجاهدين العراقيين وغيرهم من السارقين واللصوص المفسدين، وسلوكهم جميعاً في سلك واحد، وجعلوا المجاهدين كالمجرمين!! وقالوا: إننا لا نرى إلا القتل والتدمير!! والتشويه لسمعة الإسلام والمسلمين!! وكأنهم نسوا أو تناسوا الفرق بين الطائفتين، وعدم استواء الفريقين، وأجروا حكماً واحداً عليهم مما يخالف دقة العلماء وتحري الفقهاء!! نعم هناك أعمال لا يقرها الإسلام يقوم بها خاطئون لكن هل هذا يبرر إنكار الجهاد بالكلية؟ وتسمية ما يجري كله أنه فوضى؟ أليس هذا غمطاً للمجاهدين؟!


- ومنهم طائفة قد أنكرت أن يكون هناك جهاد بلا إمام، وليت شعري من الإمام في العراق؟! أهو العلاوي الشيعي؟! أم الياور الذي ليس بيده شيء؟ أم من؟!


- ومنهم طائفة قالت: إن الحاصل هناك ليس جهاداً لأنه لا راية صافية هناك أو أن الراية عمية!! فكيف يجهلون أن جهاد الدفع يتم بكل شيء، وأن هذا الذي يشترطونه إنما هو في جهاد الطلب لا في جهاد الدفع، وأن العلماء نصوا على أن العدو إذا نزل بلداً خرجت المرأة بدون إذن زوجها، والرجل بدون إذن والديه، وأن العدو يدفع بكل ما يمكن دفعه مما يكون نفعه أكثر من ضرره.


- ومنهم ومنهم ومنهم، وأقول لهم: لقد فاتتكم سكتة إخوانكم، وكان يسعكم السكوت وهو أفضل بكثير من هذا الذي تكلمتم به إذ لا ينسب لساكت قول، على أن السكوت في مثل هذه الأحوال عار وتخاذل وأخشى أن يكون ذنباً إذ أين أخذه تعالى الميثاق على العلماء ببيان الحق؟!، فليت شعري يا عباد الله: هل كان هذا حال السلف؟! وهل تعاملوا مع قضايا الأمة العظام تعامل هؤلاء معها؟! هل نسي أولئك خروج العالم الفقيه الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ظاهر المدينة كل يوم في الحر ليتسقط أخبار المجاهدين في العراق؟!


- وهل نسي أولئك سيداً من سادة التابعين يوم حزن على تأخر أخبار جيش المجاهدين في الروم ألا وهو أبو مسلم الخولاني اليماني ثم الدمشقي؟!


- وهل نسي أولئك الفقيه الخاشع الزاهد أبا عثمان الحيري النيسابوري يوم بكى على رؤوس الأشهاد عندما تأخر حصول المال اللازم للمجاهدين؟!


- وهل نسي أولئك فقهاء الأمة وعلماءها الذين استشهدوا في ساحات الوغى والجهاد، وعددهم يقدر بمئات الآلاف من الأندلس إلى أطراف الصين.


- هل أصبح الإسلام أقوالاً وأفعالاً تؤثر بها السلامة؟! وينال بها المنصب ثم على الإسلام وأهله ومشكلاته وقضاياه السلام من بعيد.


هل نسيتم يا علماء الأمة الرسميون المواقف العظيمة، والبطولات الكريمة؟!


هذا شعب يباد، وأرض تنتقص، وأعراض تنتهك، وصليب مرفوع، وحقد مدفوع فمتى تتكلمون إذا لم تتكلموا الآن؟! ومتى تفصحون بكلامكم عن نصرة الإسلام إن لم تفصحوا الآن؟! نعم قد يكون لبعضكم نظر في هذا الجهاد القائم فبالله بينوا ما ترون من خلل حتى يستفيد الإخوة المجاهدون منه، لكن ليكن بيانكم من باب التكميل لا القطع، والتحسين لا التقبيح، وسد الثغرات لا كشف العورات، والتقويم لا التعيير، والنصح في الله تعالى، فإخوانكم جادوا بأنفسهم في سبيل الله تعالى أفلا تجودون عليهم بالنصح والتقويم والمساندة، خاصة أن كثيراً منهم لم يتشرف بحمل العلم الشرعي الذي تحملونه وهم في أمس الحاجة لتقويم المسيرة لا لإجهاض تلك الشعيرة.


وبعد فأصدقكم القول: إن المسلمين باتوا يتهامسون بل بعضهم صار يصيح بأعلى صوته: أين علماء الأمة؟ ولماذا يسكتون عما يجري في العراق منذ الاحتلال إلى الآن ومروراً بأبي غريب وغيره هذا السكوت المريب؟ ومن يتكلم إذا لم يتكلم العلماء الذين أخذ الله عليهم العهد بالبيان والإفصاح؟ّ! ولماذا يغيبون عن وسائل الإعلام المختلفة هذا الغياب؟!


فبادروا بارك الله فيكم وبكم بالنصح والتبيين، وكشف الحكم عما يجري بوضوح في العراق وفلسطين وكشمير والشيشان والفلبين وفطاني ودار فور وغير ذلك، وسارعوا لتبوأ مكانكم الصحيح في مقدمة صفوف الأمة هادين مرشدين فلهذا بوأكم الله ذلك المنصب ووضعكم في ذلك المكان.


أسأل الله لي ولكم الثبات والتوفيق في القول والعمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.