انظروا إلى من هو أسفل منكم


كثيرا ما يجري الإنسان قياسات ومقاربات بينه وبين الآخرين في أمور الدنيا، سواء في شكله وهيئته، أو في وظيفته وعمله، أو في صحة بدنه، أو في مكتسباته وممتلكاته، لكن تلك المقارنات قد تفضي إلى آثار سلبية؛ لأن الإنسان يجري المقارنة بالنظر إلى من هو أعلى منه في المال والحظوة، فيرتد عليه هذا النظر بالإحباط، والحزن، وربما الحسد، بل قد يجره الأمر إلى أن لا يرى نعمة الله عليه في شيء من شأنه، فيأتي التوجيه النبوي الحكيم، إلى عكس هذا الحال، وذلك بالنظر والمقارنة بمن هو دونه، فتنعكس الآثار السابقة إلى رضا وطمأنينة، وسعادة، وإعظام للنعمة يبعث على شكرها.

ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله» ».

وهذا الحديث من جوامع الكلم النبوي، فالخلق متفاضلون في أرزاقهم، كما قال تعالى ( {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} ) ( [سورة الزخرف: 32] ).
ولما كان الخلق بهذا التفاوت، والإنسان زائغ البصر، كثير التطلع لما ليس في يده، ندبنا الموجه الأعظم -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا الأدب السامي، بهذا الحديث الجامع.

قال ابن حجر: وفي معناه -أي الحديث السابق- ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير رفعَهُ: «أقِلُّوا الدخول على الأغنياء؛ فإنه أحرى أن لا تَزْدَرُوا نعمة الله».
قال بن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير. أ.هـ

ونقل القاضي عياض عن الطبري قوله: هذا حديث جامع للخير؛ لأن العبد إذا رأى من فوقه في الخير طالت نفسه باللحاق به، واستقصر حاله التي هو عليها، واجتهد في الزيادة، وإذا نظر في دنياه إلى من هو دونه تبين نعم الله عليه، فألزم نفسه الشكر. أ.هـ

ومما يرشد إليه هذا الحديث: التنفير من إدامة النظر في دنيا الناس، وإطالة النظر في النعم التي بيد الآخرين، فهو حال منهي عنه، كما قال الله تعالى ( { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ) ( [سورة طه: 131] ) فهذا حال المفتونين بالدنيا، فهم في شرَهٍ دائم، ومقارنات مستمرة.
ويرشد الحديث إلى علاج هذا الحال بالنظر في أحوال الأقل منه رزقاً، وصحةً، ومالاً وولداً، فهذا أنفع لقلبه، وأرضى لنفسه، وأصلح لحاله، فكل ناظر في أحوال غيره ممن هو دونه سيجد من هو أعظم منه بلاء، وأصغر منه مسكنا، وأقل منه مالا وولدا، سيجد من يدخل عليه قوته بعمل أشق من عمله، وهكذا إن استمر في علاج قلبه بمثل هذا الهدي النبوي لانَ قلبُه، ورضيت نفسه، وعرف كم هو غني ومعافى بالنسبة لخلائق لا يحصون.
قال العراقي في طرح التثريب: وهذا أدبٌ حسنٌ أدبنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم - وفيه مصلحة ديننا ودنيانا، وعقولنا وأبداننا، وراحة قلوبنا، فجزاه الله عن نصيحته أفضل ما جزى به نبيا.
وفي الحديث إشارة بمجافاة مجالس أهل الغنى، فإن رؤية زخرفهم وزينتهم فتنة للقلب، وسخط النفس على القدر، وتتحرك بمخالطتهم داعيةُ الرغبة في الدنيا، بخلاف مخالطة الفقراء والبسطاء، فإنها تريح القلب، وتذهب الكَلَفَة، يقول العراقي أيضاً: ومن هنا ينبغي للإنسان اجتناب الاختلاط بأهل الدنيا والتوسع منها ومن كسبها ونعيمها؛ لأنه قد يؤدي إلى هذه المفسدة.
فالإنسان غيور حسود بطبعه، إذا رأى ما بأيدي الناس، حركته الغيرة، وغمَّه الحسد، وقد لا يصل إلى ما وصل إليه الأغنياء، فيعيش مهموماً من غير موجِب، ولو نظر لمن هو دونه لذهب داؤه، وارتفعت علتُه.
ولهذا قال ابن عون: صحبت الأغنياء فلم أرّ أحداً أكثر همَّاً مني، أرى دابَّةً خيراً من دابتي، وثوباً خيراً من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت. أ.هـ
منقول