حضارة الجمال!

محمد شعبان أيوب






على امتداد الأفق الجغرافي من الهند ووسط آسيا وتخوم الصين إلى الأندلس، ومن صقلية إلى جنوب الصحراء الكبرى تبرز الفنون الإسلامية بثوب قشيب أخاذ لايزال يأخذ بتلابيب ناظريه رغم مرور القرون على تلك الصروح والأبنية والصنائع والفنون.. حقيقة جعلت المؤرخ الأميركي ول ديورنت يقر بها؛ فيقول: «برهن أتباع محمد على أنهم أساتذة في فن البناء حيثما حلوا... غرناطة، والقاهرة، والقدس, وبغداد» (1). وبعد حديث جاذب في استعراض جمال الفنون الإسلامية في العمارة والزخرفة وغيرها يقف الرجل مشدوها فيقول: «ألا ما أوسع ميادين الفن الإسلامي وما أكثر غناه» (2)!

على أن المسلمين في حضارتهم لم يكونوا مجرد «مقاولين» حاذقين في فن العمارة، بل كانوا أساتذة في تكييف هذا البناء مع فلسفة الجمال التي كانت قد أصبحت جزءا من التصور الإسلامي للحياة؛ تصورا استمد معانيه الأساسية والأصيلة من القرآن الكريم والسنة النبوية!

الجمال في أصل الإسلام!

إننا نجد في كتاب الله وسنة رسوله آيات كريمة، وأحاديث شريفة، تبين أساسية الجمال في التهذيب والتقويم والتربية، فالأشجار والحدائق والثمار وما تبعثه من بهجة وجمال لا يقصد من ورائها الترف واللهو واللذة اللحظية العابرة، إنها علائم تكشف أن لها صانعا بديعا، {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (النمل:60).

لقد دلت آي الكتاب العظيم على أن للجمال دوره في تحفيز العقل، وتنشيط القلب، وتجديد الإيمان، ففي بلاغة لافتة، وصورة بديعة يأتي القرآن بلوحة خلابة مركبة فيقول: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:99). فيعلق الأستاذ سيد قطب رحمه الله على هذا المشهد قائلا: «الجمال هو السمة البارزة هنا.. الجمال الذي يبلغ حد الروعة الباهرة.. المشاهد منتقاة وملتقطة من الزاوية الجمالية، والعبارات كذلك في بنائها اللفظي الإيقاعي، وفي دلالتها. والمدلولات أيضا - على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في هذه العقيدة - تتناول هذه الحقيقة من الزاوية الجمالية.. فتبدو الحقيقة ذاتها وكأنما تتلألأ في بهاء! ومما يوحي بالسمت الجمالي السابغ ذلك التوجيه الرباني إلى تملي الجمال في ازدهار الحياة وازدهائها: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}.. فهو التوجيه المباشر إلى الجمال الباهر.. للنظر والتملي والاستمتاع الواعي» (3).

ولقد كان النبي " صلى الله عليه وسلم" حريصا على أمر الجمال، فقد ورد عنه أنه قال: «إن الله جميل يحب الجمال» (4)، ووردت كثير من الروايات الصحيحة والحسنة التي تذكر أن النبي " صلى الله عليه وسلم" كان إذا لم يعجبه الاسم غيره إلى ما هو خير منه؛ فعن ابن عمر «أن النبي غير اسم عاصية، وقال: أنت جميلة» (5). وغير اسم زحم بن معبد السدوسي إلى بشير (6)، وكان علي "رضي الله عنه" قد سمى الحسن حربا، فسماه النبي " صلى الله عليه وسلم" «الحسن»، ثم سمى الحسين حربا، فسماه النبي " صلى الله عليه وسلم" «الحسين» (7)!

جمال المعاني والمباني!

ولما كانت أصول الإسلام زاخرة بهذه الحقيقة، تجلت هذه التصورات الجمالية على ثقافتنا وحضارتنا، وأول ما نلحظه في هذا المضمار؛ عناوين مؤلفاتنا التي تزخر بالإبداع وحب الجمال، لقد كانت الموسوعة المهمة في التاريخ والبلدان - بعد تاريخ الطبري - هي كتاب المسعودي (ت 346هـ) فكان عنوانها «مروج الذهب ومعادن الجوهر». وكان تفسير الإمام الثعالبي بعنوان «الجواهر الحسان في تفسير القرآن». وللإمام ابن الجوزي كتاب في الوعظ سماه «بستان الواعظين ورياض السامعين». وحين كتب الإمام النووي كتابا حاول فيه جمع واستقصاء فضائل الإسلام وآدابه سماه «رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين». وفي الرقائق كتب الإمام ابن الجزري كتابه «الزهر الفاتح في من تنزه عن الذنوب والقبائح» (8)، وهذه اللمسات الجمالية في اختيار عناوين المصنفات كثيرة مطردة في التراث الإسلامي يلحظه كل أحد بيسر وسهولة.

وفي ميدان الأدب الإسلامي تجلى الجمال في علوم البلاغة التي قسمت إلى «البديع» و«البيان» و«المعاني»، وكلها تتناول تنمق اللفظ العربي ومعناه، تدرس منذ قرون في محاضن العلم الإسلامي، لتعلم الطلاب كيف يخرجون نصا عربيا في صورة رائقة؛ يمتاز بالأصالة، ويفوح بالخيال، فلا يكون جامدا صلدا غير أخاذ، و«رسائل القرن الرابع الهجري (على سبيل المثال) هي أدق آية من ازدهار الفن الإسلامي، ومادتها هي أنفس ما عالجته يد الفنان، وهي اللغة؛ ولو لم تصل إلينا آيات الفن الجميلة التي صنعتها أيدي الفنانين في ذلك العهد من الزجاج والمعادن لاستطعنا أن نرى في هذه الرسائل مبلغ تقدير المسلمين للرشاقة الرقيقة، وامتلاكهم لناصية البيان في صورته الصعبة، وتلاعبهم بذلك تلاعبا؛ وليس من محض الاتفاق أن كثيرا من الوزراء في ذلك العهد كانوا من أساتذة البيان وأعلامه، ولذلك استطاعت رسائلهم أن تنال من التقدير ما جعلها خليقة أن تنشر كتبا للناس» (9)!

أما الشعر العربي فجماليته تنبع من أمرين أصيلين فيه، أوله قوة التشبيه، وجودة البلاغة، وكثافة التصوير. وثانيه: موسيقاه التي لا تكاد توجد في أشعار الثقافات الأخرى، وهي موسيقى أطرها الخليل بن أحمد الفراهيدي اللغوي البارع منذ القرن الثاني الهجري في أبحر شعرية كانت ولاتزال أساس علم العروض إلى اليوم، وكفى بقول رسولنا عن البيان العربي وما يعمله في نفس مستمعه: «إن من البيان لسحرا» (10)؛ سحرا يأخذ الألباب، ويلذ الأسماع، ويطرب الأفئدة!

ونظرا لتحريم الإسلام للتصاوير والتماثيل، أبدع العقل الإسلامي فنونا جديدة أفاض فيها من ينابيع الجمال، فرأينا ذلك في روائع الخط العربي، وقد برزت أنواع مختلفة من الخطوط تلازمت مع تطور الحضارة الإسلامية ورقيها، وارتبطت هذه الخطوط غالبا بمناطقها التي ظهرت وانتشرت فيها، فظهر الكوفي والفارسي والأندلسي، ثم خطوط أخرى مثل الثلث والنسخ، ثم الطغراء والديواني، كلها تنضح بالجمال، ولقد ارتبط غلاء الكتب عند الوراقين قديما بجودة نسخها، وجمال خطوطها، وحسن تزويقها، ولاتزال النسخ الخزائنية، والمزوقة من مخطوطاتنا في مكتبات ومتاحف الفنون الإسلامية في الشرق والغرب تطالعك بهذا الجمال الذي يأخذ بألباب الزائرين!

وقد كان الاهتمام بالجمال الشخصي من أبرز ما يكشف كذلك، بدءا بالطهارة اليومية قبل الصلوات، وقد «كان العطر والبخور مألوفين بين الرجال والنساء، وقد اشتهرت بلاد العرب من أقدم الأزمان بالكندر والمر، وبلاد الفرس بزيت الورد والبنفسج والياسمين، وكان في كثير من البيوت حدائق غرست فيها أعشاب الزينة والأزهار وأشجار الفاكهة، وكانت الأزهار محببة للشعب وخاصة في فارس، وكانت تضفي على الحياة بهجة ومتعة» (11).

أما الاهتمام بالحدائق والبساتين فقد كان لافتا في حضارتنا لاسيما في الأندلس منذ عبدالرحمن الداخل الذي كانت أولى منشآته «قناة تحمل إلى مدينة قرطبة كفايتها من ماء الشرب تنقله إلى المنازل والحدائق، والفساقي والحمامات، واشتهرت المدينة بكثرة ما كان فيها من الحدائق والمتنزهات. وأنشأ الداخل في قرطبة بستانا عظيما شبيها بالقصر الريفي الذي قضى فيه أيام صباه بالقرب من دمشق، وشاد في هذا البستان قصره المعروف «بقصر الرصافة» (12). ويكفي الناظر أن يطالع اليوم قصر الحمراء في غرناطة وحدائقه الرائقة التي لاتزال كما هي منذ العهد الإسلامي!

كذلك ظهرت لمسات الجمال في حضارتنا في الزخارف والعمائر، حتى إن جوستاف لوبون شحن كتابه «حضارة العرب» بصور رائقة من هذا الجمال الأثري والفني بمختلف أنواعه، ثم صدح بانفعال وتأثر بالغين - نختم به مقالنا هذا - قائلا: «وما على القارئ إلا أن يتصفح صور هذا الكتاب؛ ليعلم قيمة آثار العرب الفنية العظيمة، وقوة الإبداع فيها، وقد استوقفت هذه الآثار أنظار جميع وارثي العرب، ولم يفعل الشرق منذ ظهور العرب على مسرح العالم غير تقليدها... وما على المرء إلا أن ينظر إلى آثار العرب الأدبية والفنية؛ ليعلم أنهم حاولوا تزيين الطبيعة دائما، وذلك لما اتصف به الفن العربي من الخيال والنضارة والبهاء وفيض الزخارف والتفنن في أدق الجزئيات... ولم يكن لأمة مثل تلك العجائب، ولكن؛ فهي وليدة جيل فتي مضى، وخيال خصب ذوى، ولا يطمعن أحد في قيام مثلها في الدور الحاضر المادي الفاتر الذي دخل البشر فيه» (13)!


الهوامش

1- ول ديورانت: قصة الحضارة 3/390. دار الجيل - بيروت، 1988م.

2- ديورانت: السابق 13/329.

3- في ظلال القرآن 2/1152. دار الشروق، الطبعة السابعة عشرة - القاهرة، 1412هـ.

4- صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (1/93 ح91).

5- مسلم: كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن (2139).

6- أبوداود: كتاب الجنائز، باب المشي بين القبور في النعل (3230).

7- رواه أحمد (769)، والبخاري في الأدب المفرد (823).

8- راغب السرجاني: ماذا قدم المسلمون للعالم 2/672- 674. مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية - القاهرة، 2009م.

9- آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبدالهادي أبوريدة 1/447. دار الكتاب العربي، الطبعة الخامسة - لبنان.

10- صحيح البخاري: باب إن من البيان لسحرا (5/2176 ح5434).

11- ديورانت: السابق 13/142.

12- ديورانت السابق 13/302.

13- جوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر ص522، 523. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة - القاهرة، 2013م.