فقه الأولويات في حياة الدعاة

ناجي الخرس

من استقرأ القرآن والسنة علم بأن فقه الأولويات له أهمية كبرى في فهم الإسلام ولذلك تجد النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة ومن سيرة السلف الصالح ما يدلنا على أن هذا الأمر ليس عندهم فيه غموض بل إنه واضح فهما وعملا واعتقادا، وقبل الدخول في الموضوع، تعال معي أيها القارئ وتأمل هذا النموذج كيف فهمه السلف الصالح وقاموا بتطبيقه دون تردد أو مراجعة وكأنه بدهية من بدهيات المسائل. وإليك هذا المثال الذي يجسد مفهوم فقه الأولويات كتمهيد لهذا الموضوع: خرج عبدالله بن المبارك (رحمه الله) مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك. وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا بنت قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته وأسرعت به إلى الدار. فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، قد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل. فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطاها الباقي وقال: فهذا أفضل من حجنا في هذا العام ثم رجع. البداية والنهاية بتصرف (10/178).

ذكر ابن مفلح في الفروع أن الإمام أحمد (رحمه الله) سئل: أيحج نفلا أم يصل قرابته؟ قال: إن كانوا محتاجين يصلهم أحب إلي. وفي رواية أخرى قال: يضعها في أكباد جائعة.

أهمية الموضوع

واضح من عرض هذه القصة أن من حج فرضه وكان عنده كفاية من المال ويريد الخير والأجر، ينبغي أن يضع أمامه ميزان الشرع ماذا يفعل وكيف يتصرف، وخاصة إذا تزاحمت القربات والطاعات مع بعضها البعض، من الأولى بالتقديم ومن الأولى بالتأخير وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) هذه الأولوية بأنها حقيقة الدين فقال: فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل.

الأولويات في مصطلح أهل العلم: هي الأعمال والأنشطة التي حقها التقديم على غيرها. وتقديم الأهم على المهم والفاضل على المفضول هي حقيقة شرعية، وبدهية عقلية. أما كونها بدهية عقلية: فلأن العقول السليمة أجمعت على تقديم ما منفعته غالبة، أو ما مصلحته راجحة على ما منفعته ضعيفة أو مصلحته مرجوحة. أما كونها حقيقة شرعية: فلأن نصوص الكتاب والسنة قد دلت على ذلك، ففي كتاب الله قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (التوبة:19). ففاضلت الآية بين أمرين كلاهما طاعة وقربة، وبينت أنهما لا يستويان عند الله تعالى. وأما في السنة فقد صح عن النبي " صلى الله عليه وسلم" قوله: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (1) وكما صح عن أبي هريرة "رضي الله عنه" أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم" سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (2).

وفي المقابل بينت أحاديث عديدة كون الذنوب أنواعا ومراتب، فعن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال - ثلاثا -: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور».

وكذلك مصالح العباد متفاوتة؛ فقد بين الأصوليون أنها ثلاث مراتب: فأعلاها الضروريات، تليها الحاجيات، ثم التحسينيات.

مفاسد غياب فقه الأولويات

غياب فقه الأولويات باب من أبواب الانحراف والاضطراب، ويؤدي إلى مفاسد عظيمة على مستوى الأفراد والمؤسسات، وفي تشبيه لطيف يبين (ستيفن كوفي) معضلة تحديد الأولويات بقوله «يمكن إيضاح معضلة وضع الأشياء الأهم أولا بالمقارنة بين أداتين لهما وظيفة التوجيه: الساعة والبوصلة، فالساعة تمثل مواعيدنا والتزاماتنا وجداولنا وأهدافنا وأنشطتنا، أي: كيف ننفق وقتنا ونوزعه، أما البوصلة فهي تمثل ما نحمله داخلنا من رؤية وقيم ومبادئ ومهام ووعي وتوجه، أي: ما هي الأشياء ذات الأولوية في حياتنا، وما هو المنهج الذي ننهجه في إدارة تلك الحياة، يأتي التعارض عندما نشعر بالفجوة بين الساعة والبوصلة، أي: عندما نجد ما نقوم به لا يسهم كثيرا في إنجاز ما نعتبره الأهم في حياتنا» (3).

وأهم هذه المفاسد

1 - سوء فهم الشريعة (إدخال ما ليس من الشريعة فيها)


حيث تنزل الشريعة في غير منازلها المأمور بها؛ وذلك «يؤدي إلى فوضى فكرية عارمة تشوه الشريعة وتخل بتوازنها، ولقد أرسى الشرع بين المأمورات والمنهيات توازنا لا يجوز الإخلال به؛ تماما كنسب الدواء الواحد، قد يؤدي تغيرها إلى إفساده وإلغاء خصائصه، إن لم ينقلب إلى سم قاتل (4).

مثاله: أخرج الإمام البخاري في صحيحه قال: حدثنا أبوالنعمان حدثنا حماد بن زيد عن الأزرق بن قيس قال: «كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبوبرزة الأسلمي على فرس فصلى وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها، فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله " صلى الله عليه وسلم" ، وقال: إن منزلي متراخ، فلو صليت وتركته لم آت أهلي إلى الليل، وذكر أنه قد صحب النبي " صلى الله عليه وسلم" فرأى من تيسيره». تأمل فعل هذا الصحابي الذي تربى على يد النبي " صلى الله عليه وسلم" كيف وازن بين عبادة الله وهي الصلاة وبين خوفه على ماله وأهله فقدم ما يفوت ولا يمكن تداركه وبين الذي لا يفوت ويمكن تداركه.

2 – تقديم المفضول على الفاضل


فالجاهل بمراتب الأعمال يهتم بالعمل قليل الأجر على حساب كثير الأجر، ويضيع الجهد الكبير للحصول على حسنات قليلة، وهناك طائفة أخرى تظن أن الأجر الكثير على قدر المشقة، وهذا مفهوم غير صحيح بل الأجر على قدر المنفعة. كحديث شعب الإيمان، وحديث الذكر الذي يكون بعد صلاة الفجر: سبحان الله وبحمده عدد خلقه... وإليك هذا المثال الذى ذكره الإمام الغزالي (رحمه الله) في كتابه الإحياء وهو يتكلم عن أصناف المغرورين في التعبد فقال: ومنهم ربما يحرصون على إنفاق المال في الحج فيحجون مرة بعد الأخرى، وربما تركوا جيرانهم جياعا، ولذلك قال ابن مسعود: في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب، يهون عليهم السفر ويبسط لهم في الرزق ويرجعون محرومين مسلوبين، يهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه. وقال أبونصر التمار: إن رجلا جاء يودع بشر بن الحارث وقال: قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء؟ فقال له: كم أعددت للنفقة؟ فقال: ألفي درهم. قال بشر: فأي شيء تبتغي بحجك؟ تزهدا أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال: ابتغاء مرضاة الله، قال: فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: اذهب فأعطها عشرة أنفس: مديون يقضي دينه، وفقير يرم شعثه، ومعيل يغني عياله، ومربي يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحدا فافعل فإن إدخالك السرور على قلب المسلم وإغاثة اللهفان وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام، قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك؟ فقال: يا أبا ناصر سفري أقوى في قلبي، فتبسم بشر رحمه الله وأقبل عليه وقال له: المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطرا فأظهرت الأعمال الصالحات، وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين (5).

3 – التفريط أو الإفراط في الحقوق


وهذا يشمل كل الحقوق وإن كان بعض الحقوق أولى من بعض وكل بحسبه، والضابط في هذا ما جاء في شرع الله، لأن الله تعالى حكيم في حكمه وأحكامه حيث وضع الموازين التي توزن بها الأعمال بدقة متناهية، فهي صنع الله كما قال تعالى {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} (النمل:88).

4 - البعد عن مدارج الكمال


فكلما اشتغل المرء بالمفضول على حساب الفاضل، وبالمهم على حساب الأهم؛ ابتعد عن مدارج الكمال، ومنازل العلو والرفعة. قال الإمام أبوعبيدة: «من شغل نفسه بغير المهم أضر بالمهم» (6).

وكلام أبي عبيدة هذا قاعدة إدارية في غاية الأهمية يقول بها بعض الإداريين المعاصرين، ففي كتاب: «إدارة الأولويات: الأهم أولا» صدر المؤلفون أحد أبواب الكتاب بالعبارة الآتية: «إن غياب الوعي بما هو مهم هو التزام بما هو غير مهم» ص 37.

وللإمام ابن القيم كلام متين جامع في بيان العقبات التي يسعى الشيطان للظفر بها من العبد، وذكر العقبة السادسة وهي: «عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره الشيطان بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا؛ لأنه عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له (7).

ضوابط تحديد الأولويات

1 - الاعتماد على المصادر

الأصيلة في الاستدلال والتلقي

لقد بليت الأمة الإسلامية بألوان وألوان من التفرق والاختلاف، ولا مخرج للأمة من هذه الكبوة إلا بالعودة الصادقة إلى المصادر الأصيلة للاستدلال والتلقي، وهي الكتاب والسنة، أو ما دل عليه الكتاب والسنة كالإجماع والقياس ونحوهما، ومن ثم تحدد الأولويات الدعوية بالرجوع إلى هذه المنابع الكريمة التي لم تكدرها شوائب البدع والضلالات والأهواء. قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (آل عمران:101)،

وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (الأنعام:153).

2 - النظرة الشمولية للإسلام

إن من فضل الله تعالى على أمة الإسلام أن جعل هذا الدين دينا شاملا لجميع شؤون الحياة، ولا يجوز بحال قصر الدين على شعبة من شعبه وإهمال شعبه الأخرى؛ ولذا قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (البقرة:208)، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «يقول الله تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك» (8).

وهناك مثال تطبيقي جاء في كتاب الله تعالى في سورة كاملة وهي سورة الماعون، ففي هذه السورة نموذج لشمولية الإسلام حيث ذكرت العقيدة {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } والأمور الاجتماعية {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) } والعبادة {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } (الماعون 1-5)، حيث بينت السورة أن بينها ترابطا فعبادة القلب مرتبطة بعبادة الجوارح وكذلك العبادة الفردية مرتبطة بالعبادة الاجتماعية.. وهذا واضح جدا لمن تدبر هذه السورة وأن هناك فرقا بين الإيمان التقليدي الذي ليس له أثر في الحياة وبين الإيمان الصادق الذي يوافق فعل صاحبه وقوله ما يعتقده؛ وكما قال صاحب الظلال: «إن الدين ليس أجزاء وتفاريق موزعة منفصلة، يؤدي منها الإنسان ما يشاء، ويدع منها ما يشاء.. إنما هو منهج متكامل، تتعاون عباداته وشعائره، وتكاليفه الفردية والاجتماعية، حيث تنتهي كلها إلى غاية تعود كلها على البشر.. غاية تتطهر معها القلوب، وتصلح الحياة، ويتعاون الناس ويتكافلون في الخير والصلاح والنماء.. ولقد يقول الإنسان بلسانه: إنه مسلم وإنه مصدق بهذا الدين وقضاياه. وقد يصلي، وقد يؤدي شعائر أخرى غير الصلاة ولكن حقيقة الإيمان وحقيقة التصديق بالدين تظل بعيدة عنه ويظل بعيدا عنها. لأن لهذه الحقيقة علامات تدل على وجودها وتحققها».

3 - تقديم ما قدمه الشارع الحكيم

فالدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، ونبذ الشرك والبراءة منه ومن أهله هي المنطلق والأساس الذي بدأ به جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25)، ولما بعث النبي " صلى الله عليه وسلم" معاذا إلى اليمن قال له: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة... الحديث».

4 - معالجة حاجات البيئة: (العلم بمعرفة الواقع)

تختلف البيئات من حيث احتياجاتها الدعوية، ومن حيث الانحرافات السائدة فيها، ولهذا يجب أن تحدد الأولويات الدعوية التي تتصدر لها المؤسسات والمراكز الإسلامية بناء على حاجات كل بيئة. فما يجب تقديمه في البيئة العربية قد يختلف عن البيئة في أوروبا الشرقية أو الغربية أو إفريقيا...

وهكذا؛ ولهذا كانت وصية النبي " صلى الله عليه وسلم" لمعاذ بن جبل "رضي الله عنه" حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله... الحديث» (9).

فبصَّره رسول الله " صلى الله عليه وسلم" بالواقع الذي سيبلغ فيه دين الله عز وجل؛ ليكون على بينة من أمره، ولهذا قال ابن حجر: (قوله: «ستأتي قوما أهل كتاب» هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان).

5 - الموازنة بين المصالح والمفاسد

من المسائل الدقيقة المهمة التي تعين في تحديد الأولويات: الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين» (10).

وقال الإمام ابن القيم: «إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء، فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض، قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبا للشرع» (11).

6 - تقديم الأعمال ذات النفع المتعدي إلى الآخرين على النفع الخاص:

من تمام الفقه والبصيرة في دين الله تعالى تقديم الأعمال ذات النفع المتعدي على الأعمال ذات النفع الخاص؛ قال الله عزوجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)} (التوبة:19-20).

فسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من أعمال البر المحمودة؛ لكن الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله أعظم درجة عند الله تعالى لأن نفعها أعظم للأمة، ولهذا قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم" : «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا» (12).

7- مراعاة قدرات الأشخاص

تختلف قدرات الناس وملكاتهم باختلاف أشخاصهم؛ فما يصلح لبعضهم قد لا يصلح للآخرين؛ ولهذا تنوعت إجابات الرسول " صلى الله عليه وسلم" لأصحابه لما كان يسأل عن أفضل الأعمال، وفسر الحافظ ابن حجر سبب ذلك بقوله: «اختلف لاختلاف أحوال السائلين؛ بأن أعلم " صلى الله عليه وسلم" كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره» (13).

وكما قال عمر عبيد حسنة في تقديمه لكتاب الأمة الذي كان بعنوان: إحياء الفروض الكفائية حيث قال:.. ولهذا كان " صلى الله عليه وسلم" يؤكد تنوع القابليات والقدرات والمؤهلات في تقسيمه للأعمال وتكليفه لأصحابه الكرام بالمهمات المتنوعة، فمن يصلح لأمر قد لا يصلح لآخر، بل ويوجه إلى ذلك بقوله " صلى الله عليه وسلم" : «أرحم أمتي بأمتي أبوبكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبوعبيدة بن الجراح» (14).

وهو القائل " صلى الله عليه وسلم" : «فكل ميسر لما خلق له»، فإذا عرف الناس إمكاناتهم وقابلياتهم، وعرفوا أعمالهم وأحسنوا اختيارها، والتوجه إليها، استقامت الحياة، وانسجمت العلاقات (15).

وهذا الإمام مالك (رحمه الله) الفقيه المجتهد، عندما كتب إليه عبدالله العمري يحضه على الانفراد والعمل، رد عليه قائلا: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له بالصوم، وآخر فتح له بالصدقة ولم يفتح له بالصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير» (16).

ومثال آخر وهو: تولية الأصلح وإن كان غيره أفضل منه. قال ابن القيم (رحمه الله):

وبهذا مضت سنة رسول الله " صلى الله عليه وسلم" ، فإنه كان يولي الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه، كما ولّى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو، وقدمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار، مثل عبدالرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة، وعبدالله ابن عمر، وهؤلاء ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل، وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وخالد كان ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحجبي، ثم إنه فعل مع بني جذيمة ما تبرأ النبي " صلى الله عليه وسلم" منه حين رفع يديه إلى السماء، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، ومع هذا فلم يعزله، وكان أبوذر من أسبق السابقين وقال له: «يا أبا ذر، إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال اليتيم»، وأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، لأنه كان يقصد أخواله بني عذرة، فعلم أنهم يطيعونه ما لا يطيعون غيره للقرابة. وقدم زيدا في الولاية على جعفر ابن عمه مع أنه مولى، لكنه من أسبق الناس إسلاما قبل جعفر، ولم يلتفت إلى طعن الناس في إمارة أسامة وزيد، وقال: «إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله إن كان خليقا للإمارة ومن أحب الناس إلي». والمقصود أن هديه " صلى الله عليه وسلم" تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه (17).

8 - الإعراض عن المسائل التي لا ينبني عليها عمل جاد

الاشتغال بالمسائل النظرية التي لا ينبني عليها عمل جاد سبيل من سبل البطالين العجزة الذين يهدرون أوقاتهم وأوقات مؤسساتهم فيما لا نفع فيه للأمة، قال الإمام الشاطبي: «كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا؛ والدليل على ذلك استقراء الشريعة؛ فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملا مكلفا به؛ ففي القرآن الكريم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (البقرة:189)، فوقع الجواب بما يتعلق به العمل، إعراضا عما قصده السائل من السؤال عن الهلال».

9 – ترشيد الاختلاف لواجب الإتلاف

جاء عن ابن تيمية في الفتوى المصرية قوله:

«مراعاة الائتلاف هي الحق، فيجهر بالبسملة أحيانا لمصلحة راجحة، ويسوغ ترك الأفضل لتأليف القلوب، كما ترك النبي " صلى الله عليه وسلم" بناء البيت من خشية تنفيرهم، نص الأئمة كأحمد على ذلك في البسملة ووصل الوتر وغيره، مما فيه العدول من الأفضل إلى الجائز، مراعاة للائتلاف أو لتعريف بالسنة، أو أمثال ذلك» (18). وراجع: بيان الأفضل من العبادات، لشيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه؟

فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك (رحمهما الله)؟

هناك أمور ترشد الاختلاف وهي على النحو التالي:

أ - الموازنة بين قول الحق ووحدة الصف.

ب - الاعتدال في الحكم على الأخطاء (الإنصاف).

ج - الفصل بين الأشخاص والمواقف (اعرف الحق تعرف رجاله).

د - الحذر من الاشتغال بعيوب الناس.

هـ - البعد عن تضخيم الخلاف.

10 – النظرة إلى مآلات الأمور

معناه قصد الشارع الحكيم أن يكون مآل الأمر موافقا لما قصد به.

من أمثلة هذا الضابط من فقه الأولويات:

أ – تنزيل السبب منزلة المسبب في الاعتبار.

مثاله: نصب اليهود للشباك تحيلا، تحريم سب والدي الغير.

ب - دفع أعظم المفسدتين بتحمل أدناهما.

مثاله: الترخيص في الكذب للمصلحة، الامتناع عن قتل المنافقين.

ج - الترخص في الممنوع لتوقف المشروع عليه.

مثاله: تقديم العشاء على العشاء، الأمر بالنظر إلى المخطوبة، الصلاة في وقت النهي.

د - منع المشروع لإفضائه إلى الممنوع.

مثاله: منع إطالة الصلاة إذا كانت جماعة، منع تناجي اثنين دون الثالث، النهي عن إقامة الحدود في الغزو.

هـ - من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

مثاله: حرمان القاتل من الميراث.

11 – العناية بإحياء فروض الكفاية

ونعني به: الواجبات التي تكفل المحافظة على المصالح العامة للأمة.

ولعل استفهام السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، يلفت النظر هنا عندما سألت الرسول " صلى الله عليه وسلم" : «أنـهـلك وفينـا الصالحون؟ قـال: نـعم، إذا كثـر الخبث» (أخرجه البخاري).

فمدافعة الظلم والفساد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحقيق الرقابة العامة على المجتمع والفرد والدولة، يأتي على رأس «الفروض الكفائية»، يقول الرسول " صلى الله عليه وسلم" : «إن النـاس إذا رأوا الظالم فلم يأخـذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (أخرجه الترمذي).

ومما ينبغي ملاحظته في هذا الضابط هو ما يلي:

أ - إن الشارع قد أعطى أهمية كبرى للواجبات الكفائية، فلم يكلف شخصا بعينه القيام بها، بل علق التكليف بالأمة جميعا، لتكون هي المسؤولة عن ذلك، كما تكون آثمة عند التقصير فيها.

ب - إن مقصود الشارع من الواجبات الكفائية حماية المصالح العامة للأمة، من جلب مصلحة ودرء مفسدة.

ج - إن الواجبات الكفائية، في القراءة الدينية المعاصرة، انحسرت أبعادها عن القضايا المصيرية للأمة، واقتصرت على قضايا المصير الفردي: كفن وجنازة ونحو ذلك.

د - عدم الاهتمام بالواجبات الكفائية، في مجال العلوم الكونية، أدى إلى تأخرنا في مجال التقنية والصناعة والاقتصاد، وفوت علينا فرص التسخير التي كان يمكن استخدامها لأغراض الدفاع ومقاصد الردع وتحقيق رفاهية الإنسان.

هـ - الاهتمام بالعلوم الإدارية والاقتصادية، لم يصل بعد إلى درجة الكفاية، حتى تسهم هذه العلوم في حل مشكلات الأمة الاقتصادية والإدارية.

و - ساد فهم لدى كثير من العقليات الدينية بأن المسؤولية عن الواجبات الكفائية تنتهي بمجرد تحمل شخص أو فئة لها، دون أن يشعر بمسؤولية المتابعة التي تتمثل في حمل القادر أو المتعين عليه الواجب الكفائي، وأن يصل أداؤه في ذلك إلى درجة الكفاية.

12- وجوب إشهار ما كان من شعائر الإسلام الظاهرة

ونعني به كل عبادة تؤدى على سبيل الاشتهار فإن حكمها الوجوب؛

ومثاله: صلاة العيدين، والأضحية، وصلاة الجماعة، والأذان.

ولهذا جاءت الأحكام الشرعية بمقاتلة من يمنع إقامة شعائر الإسلام الظاهرة، ولهذا بوب البخاري في صحيحه في كتاب الأذان: باب ما يحقن بالأذان من الدماء، فروى عن أنس بن مالك أن النبي " صلى الله عليه وسلم" كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر؛ فإن سمع أذانا كف عنهم وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم. قال الخطابي (رحمه الله): فيه أن الأذان شعار الإسلام، وأنه لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه. ولهذا قال ابن عبدالبر (رحمه الله): لا أعلم فيه خلافا.

الخاتمة

تبين لنا من خلال ما مر معنا أن مسألة الأولويات تعين الباحث على اكتشاف أسرار الشريعة وما فيها من مقاصد عظيمة ترشدنا إلى المعاني الأولى التي لها حق الاهتمام في الإسلام، وكيف فهم السلف الصالح الفهم الدقيق والعميق لروح النصوص وما تؤول إليه الأحكام من مصالح أو مفاسد، ولهذا يجب علينا أن نحيي فقه الأولويات في تأملاتنا واستنباطاتنا إذا قرأنا النصوص من الكتاب والسنة، وفي الختام نسأله تعالى أن يشرح صدورنا للحق ويرزقنا اتباعه، إنه هو ولي ذلك والقادر عليه.




الهوامش

1- أخرجه مسلم والبخاري.

2- أخرجه البخاري ومسلم.

3- كتاب (إدارة الأولويات: الأهم أولا)، تأليف ستيفن كوفي وصاحبيه، ترجمة د. السيد المتولي حسن، ص 17.

4- فقه مراتب الأعمال، د. سعد الدين العثماني، مقال منشور في مجلة البيان العدد (97).

5- احياء علوم الدين ج 3.

6- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي (2/160).

7- مدارج السالكين (2/225).

8- تفسير القرآن الكريم، (1/247).

9- أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، (3/357)، رقم (1496) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين (1/50)، رقم 19.

10- منهاج السنة النبوية، (118).

11- المرجع السابق، ص 347.

راجع: مذكرة فقه الموازنات

12- فتح الباري (2/13).

13-فتح الباري (2/13).

14- أخرجه الترمذي.

15- انظر: كتاب الأمة عدد (105).

16- سير أعلام النبلاء، (8/114).

17- إعلام الموقعين (1/114-115).

18- (22/436) مجموع الفتاوى.