بسم الله الرحمن الرحيم

بين يدي الموضوع

الأخ الدكتور / أحمد الدغشي ..مفكر وكاتب يمني ..يميل إلى التيار الأخواني العام ، ويعمل بالخط الفكري بعيداً عن أضواء العمل السياسي كمراقب للحركة الفكرية للجماعات الإسلامية في اليمن ..إلا أنه كرس جهده منذ فترة ليست باليسيره في متابعة قضايا المنهج السلفي ، وحركته العلمية ، ومواقفه الدعوية والاعتقادية ـ وإن اعتبرها الدكتور فكرية ـ ، وكاد أن يخرج عن إطار الإخوان في تهميش الحركة السلفية ، وعدم التعويل عليها كناشئ وند في الساحة الدعوية ، أو الاستهجان بها من أن تقوى أو تقف على قدم وساق ..في تلك الفترة الائتلافية مع الحكومة ..أيام كانوا متربعين على أجهزة الحكومة من وزارات ومكاتب حكومية في جوانب مهمة .
وقد عرفتُ الدكتور من خلال كتاباته النقدية اللاذعة للسلفيين كأشخاص ، أو للمنهج العقدي في الأسماء والصفات بالذات .. وغيرها من المسائل التي أثارها في صحف ومجلات منفتحة ، أو مناوئة للتيار السلفي .. وقرأتُ له وسمعتُ عنه من شيخنا ووالدنا محمد بن محمد المهدي الكثير ـ برؤيته المنصفة تجاه الدغشي ـ.
ثم زدت معرفة به أثناء زيارة له إلى مدينة إب بداية هذا العام 1429هـ ..فعرفتُ منه الهدوء والرزانة ، وعلمت بأنه كان لا يعرف السلفية عن قُرب ، ولم تكن له لقاءات بعلماء سلفيين .. وكأنه كان يتلقى تلك المعلومات من الخصوم للدعوة السلفية ، أو الناقلين للآراء السيارة المزودة بكثير من الترسبات المعلوماتية التي غطت عن الحقيقة .
وبين يديكم ايها الأخوة هذا المقال .. وسترون فيه غموضاً في بعض الجوانب ، وتحولات فكرية في جوانب أكثر لدى الدكتور خلافاً لما كنا نعهده عنه قبل فترات
والله الموفق .

السلفيون في اليمن
قراءة في تحوّلات الفكر والسياسة
(جمعية الحكمة اليمانية أنموذجاً)
د : أحمد محمد الدغشي- أستاذ أصول التربية وفلسفتها المشارك
كلية التربية- جامعة صنعاء

تمهيد:
تمثل السلفية في اليمن واحدة من الجماعات الإسلامية ذات الحضور الفاعل في المشهد الدعوي، منذ عودة مؤسسها الأول الشيخ مقبل بن هادي الوادعي
(ت: 1422هـ- 2002م) قبل مايقرب من ثلاثة عقود، من أرض الحرمين بالعربية السعودية، على إثر فتنة الحرم الشهيرة بقيادة جهيمان العتيبي. لكن بعض أبرز رجالات هذه الدعوة و وبعض كبار طلبة الشيخ الوادعي -وبعد مرور عقد واحد فقط- وبسبب اختلاف البيئة الفكرية والدعوية عن بيئة دماج (مسقط رأس الشيخ الوادعي ومنطلق دعوته وقبلة مرتاديه(، أحدثت بدايات تحوّل في مسار التفكير، وأساليب العمل، بما يتناسب وظروف البيئة الجديدة، التي غدا يعيش فيها هؤلاء أمثال: عبد المجيد الريمي، ومحمد المهدي، وعقيل المقطري، وعبد العزيز الدبعي، وعبد القادر الشيباني، ومحد الحداء، وعبد الله بن غالب الحميري، وغيرهم ، في أكثر من محافظة ومديرية وقرية. وقد أدرك هؤلاء مدى البون الشاسع الذي يفصل بيئة الشيخ الوادعي وذهنية مدرسته (الخاصة) عن الواقع وملابساته والمرحلة وتحدياتها، مما حرك لديهم الرغبة الجادة في تأسيس إطار مؤسسي يجمع شتات الدعوة السلفية وأنصارها، خارج معقلها الرئيس (دماج) وبعيدا عن مؤسسها الأول (الوادعي)، فكان الاتفاق على الإعلان عن جمعية الحكمة اليمانية في 1\3\1411هـ الموافق 21\8 1990م ، كإطار عام يضم شتات السلفيين.
البدايات واستحقاقات التحوّل:
غير أن هذا التحوّل لم يمض بسلام من قبل الشيخ الوادعي وتلامذته الملازمين لدرسه أو مدرسته الفكرية، فبعد محاولات حثيثة يائسة امتدت لفترة غير قصيرة - لعلها تربو على السنتين- هدفت إلى إثناء أولئك الشباب عن المضي في خطّهم التربوي والفكري الجديد؛ لم يجد الشيخ بدّاً من أن يخرِج ذلك الخلاف إلى العلن، ولكن في صورة حملات عنيفة متتابعة، عبر أشرطة مسجّلة(كاسيت) وكُتب وسواها، شُنّت على الخارجين عن نص توجيهاته وإطاره الخاص، متّهماً لهم بأبشع التهم، ونابزاً لتوجههم الجديد بأبشع الأوصاف، مما دفع بهم إلى الردّ عليه، عبر صفحات مجلة (الفرقان) الشهرية، وفي غير ما عدد من أعدادها في ذلك الحين.
وربما بدا الأمر للمراقب أن الجمعية معنية بالاهتمام بالعمل الخيري والدعوي ودعم الأنشطة ذات التوجّه السلفي الخالص، بعيداً عن البُعد الحركي، والنشاط السياسي، غير أن الأيام اللاحقة كشفت أن ذلك لم يخرج عن دائرة اهتماماتها، وإن بدا بدرجة ثانوية، كما كشفت مدى التفاعل الذي تجاوز حدود العمل الخيري والدعوي إلى الحركي والتنظيمي،على نحو ما ستشير إليه هذه القراءة لاحقاً . وبعد مرور مرحلة ليست بالطويلة حدث خلاف داخلي في إطار الجمعية، سببه- حسب تصريح أحد قيادات جمعية الإحسان لصاحب هذه السطور- َرفْض بعض الإملاءات الخارجية المفروضة من بعض الجمعيات المؤثّرة في الخليج، الهادفة إلى تعزيز التبعية للجمعية في بعض الاجتهادات غير المقنعة لقطاع واسع من قيادات جمعية الحكمة وأفرادها ، مما أسهم في تحويل نشاط جمعية ناشئة جديدة بحضرموت تسمى جمعية الإحسان الخيرية (تأسست في عام 1413هـ الموافق 1992م في مدينة المكلأ بمحافظة حضرموت) إلى إطار عام يشمل كل من لا يؤمن بمسار جمعية الحكمة، تلك التي غدت ذات اجتهادات تتسم بالمرونة السياسية، لاسيما فيما يسمّى باللعبة الديمقراطية ومفرزاتها، تبعاً لاتجاه جمعية إحياء التراث بالكويت- كما سيرد التفصيل- ، وفكر الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، المشتهر بمرونته السياسية اللافتة في هذا الإطار. ومع أن جمعية الإحسان كانت تعنى في بداية التأسيس بشئون محافظة حضرموت فحسب، ويقال إنها كانت قد اتفقت مع جمعية الحكمة- مع بداية ظهور بوادر الخلاف- على أن تظل غير قابلة للتنافس مع جمعية الحكمة؛ إلا أن ذلك أمر لم يتمّ تقيّد جمعية الحكمة به عملياً، حيث أسست لها فرعاً هنالك، مما اضطّر جمعية الإحسان لتمتد إلى ربوع اليمن، حتى بلغ عدد الفروع والمكاتب الفرعية (26) فرعاً ومكتباً.
وتميزت بعد ذلك كل جمعية برموز وأنشطة ومؤسسات. غير أننا في هذه السطور سنخصص الحديث لجمعية الحكمة اليمانية من زاوية التطوّر الفكري والسياسي، ولعلّ حديثاً آخر تُخص به جمعية الإحسان- بعون الله-.
النشأة :
أشار الكاتب في مستهل هذه القراءة إلى أن جمعية الحكمة هي أول إطار مؤسسي معلن للسلفية في اليمن . وبالنظر إلى زمن التأسيس فإنه جاء بعيد إعلان الوحدة اليمنية بين شطري البلاد، وهي الفترة التي شهدت إعلان العديد من الجمعيات والمراكز والجماعات،ذات التوجهات المتباينة، وميلاد عدد آخر من الأحزاب والتنظيمات، التي تلاشت عملياً باستثناء الأحزاب التقليدية العربية. أما جمعية الحكمة فقد أعلنت عن نفسها في ذلك الحين، على أساس أن مركزها الرئيس هو مدينة تعز (256كم) إلى الجنوب من العاصمة صنعاء؛ مع فتح فروع لها في بعض عواصم المحافظات، ولاسيما في مدينة إب، وحضرموت والعاصمة صنعاء. وقد كان أبرز المؤسسين الأوائل :عمر عبده قايد، وعبد القادر الشيباني، ومحمد المهدي، وعبد العزيز الدبعي، وأحمد المعلّم، وأحمد معوضة.
والجمعية -في الواقع- امتداد عملي لجمعية إحياء التراث بالكويت في ذلك الحين. ومن القرائن الدالة على ذلك: إنشاء مجلة( الفرقان) الشهرية التابعة لجمعية الحكمة في مدينة إب، في إشارة صريحة إلى تبعية فكرية وعملية لمجلة(الفرقان) الصادرة عن جمعية إحياء التراث بالكويت.و(الفرقا ن) اليمنية، -وإن توقفت بعد فترة غير طويلة من صدورها-؛ فإنما كان ذلك اكتفاء بالمجلة الأم ( المنتدى)، ووفقاً لحسابات داخلية في الجمعية. غير أن هذا العنوان( المنتدى) قد يبدو مشكلاً؛ إذ إنه لا يستقيم مع القول بأن تبعية جمعية الحكمة فكرياً وعملياً لجمعية إحياء التراث بالكويت يشير إلى اتجاه آخر يمثل ( جمعية الإحسان)، تلك التي تتبع في فكرها الخاص والعملي (المنتدى الإسلامي) في لندن، الذي يصدر مجلة (البيان) الشهرية،وهي المؤسسة التي تصنّف جمعية الإحسان عليها من الوجهة الفكرية والعملية ذاتيهما. والحق أن التسمية بـ(المنتدى) ترجع إلى زمن تأسيس الجمعية عام 1990م، وصدور العدد الأول منها في يوليو 1991م، حين كانت الدعوة السلفية المتمثلة في الجمعيتين جماعة واحدة غير متمايزة ، بيد أن التسمية بـ(الفرقان) جاءت بعد ذلك بسنوات، أي بعد أن حدث الانقسام بين الجمعيتين.
وقد ألمح الشيخ عبد القادر الشيباني الأمين العام الأسبق لجمعية الحكمة في حوار أجرته معه مجلة (الفرقان)عن حجم مشاريع جمعية إحياء التراث الكويتية لدى جمعية الحكمة فقال:" الحقيقة جمعية إحياء التراث جمعية سلفية دعوية، تهتم بنشر منهج السلف، وتهتم بمساعدة المسلمين أينما كانوا، وتهتم بتصحيح عقائد المسلمين والتعاون بيننا وبينهم في جميع المجالات، ليس في مجال المشاريع فقط، نحن نتعاون مع جمعية إحياء التراث من بدء التأسيس ...وهذه الجمعية من أفضل الجمعيات الخيرية الإسلامية في العالم، ولا أبالغ إن قلت: إنها أفضل جمعية إسلامية خيرية دعوية على الإطلاق."(1)
وقال في معرض الامتنان لهذه الجمعية:" بل عندما خرج صدام حسين من الكويت جاءنا وفد برئاسة رئيس جمعية إحياء التراث الشيخ\ طارق العيسى إلى اليمن واطلع على أحوال الجمعية ، ومباشرة بعد عودته إلى الكويت بدأ ينسق جهوده في إعانة إخوانه في اليمن، ثم بدأت الأعمال بيننا وبينهم تترى، وإلى الآن مستمرة. الآن مثلاً هم ينشئون مراكز ضخمة في اليمن لصالح جمعية الحكمة، ولصالح المجتمع المسلم في اليمن ..."(2). ثمّ إن مجلة (الفرقان) اليمنية تابعت مجلة (الفرقان) الكويتية باستهلال نشر كتاب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق (فصول في السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله) منذ العدد الثالث عشر الصادر في ربيع الثاني 1418هـ- أغسطس 1997م على حلقات مع مقدّمة تسويغية للنشر، أهمها الإشادة الكبيرة بالشيخ عبد الخالق، والتنديد بـ"الحملة العواء المسعورة التي تشار ضدّه، ممن جنّدوا أنفسهم لحرب المصلحين، وعبدة الولاة ، وجهلة المتعصّبين..."
الأهداف والأنشطة لجمعية الحكمة:
لقد تركّزت كل جهود جمعية الحكمة اليمانية على النشاط الدعوي والخيري بداية الأمر، وهذا ما نصت عليه الجمعية في أهداف نشأتها على النحو التالي:
- التعريف بالعقيدة الصحيحة للسلف الصالح رضي الله عنهم، والتحذير من البدع والخرافات التي شوهت جمال الإسلام وحالت دون تقدم المسلمين.
- إنشاء المشاريع الخيرية المختلفة ذات النفع العام، كالمساجد والمعاهد والمدارس والمستوصفات والطرق والآبار والمكتبات ونحوها .
- تقديم المساعدات المختلفة ذات النفع الخاص للمحتاجين كالزكوات والصدقات والإغاثة وكفالة الأيتام ورعاية الدعاة وطلاب العلم والأسر الفقيرة ونحوها .
- المساهمة في إبراز التراث الإسلامي، تحقيقاً ونشراً بالتعاون مع الهيئة العامة للآثار ودور الكتب.
- التعاون والتنسيق مع الهيئات والجمعيات المحلية والإقليمية والعالمية ذات الأهداف المماثلة بما يحقق الأهداف العامة للجمعية .(3)
وورد تلخيص ذلك في افتتاحية العدد الأول من مجلة المنتدى( لسان حال جمعية الحكمة يمانية)، في البند الثاني منها بالقول:" ارتضينا في هذه المرحلة من مسيرة الدعوة الإسلامية في اليمن أن تكون مجالات أنشطتنا قاصرة على الأمور الدعوية والخيرية"(4).
وقد سعت الجمعية لتحقيق أهدافها بجملة من المعاهد الشرعية، الخاصة بها، وإن تحوّلت فيما بعد إلى (مدارس) حكومية، تحت ضغط قانون التعليم العام رقم (45) لسنة 1413هـ- 1992م، القاضي في بعض بنوده بتوحيد التعليم في الجمهورية اليمنية في إطار التعليم الحكومي، وخضوع كل مقررات التعليم الأهلي والخاص لإشراف وزارة التربية والتعليم. وقد استجابت الجمعية لذلك، إلا أنها ظلت محتفظة بمناهجها الخاصة، إلى جانب المناهج الحكومية، كما صرّح بذلك بعض القائمين على مدرسة البيحاني ومؤسسة الإمام الشوكاني بمدينة إب لصاحب هذه السطور عند زيارته لها يوم 8\3\2008م. وتتوزع هذه المعاهد (المدارس) في عواصم بعض المحافظات كأمانة العاصمة (صنعاء) وإب وعدن. كما تمتلك مراكز شرعية متخصصة كمركز عاصم لعلوم القرآن، و مركز المنار لإحياء العلم الشرعي وإعداد الدعاة وتأهيله ، وكذا مركزي الإمام الشاطبي و عبد الله بن عمر، كما تمتلك الجمعية مركزا ثقافياً يسمى مركز الكلمة الطيبة للبحوث والدراسات العلمية ، ومقرّه صنعاء، يعنى بإصدار مجلة المنتدى الشهرية، وببعض الإصدارات الفكرية والثقافية غير الدورية، وقد تمكّن من إصدار العديد منها عملياً.
ويبدو أن طموح القائمين على الجمعية كان قد اتجه نحو الجموح زمن التأسيس وبعده، كما تبيّن عملياً بعد ذلك، إذ كان لدى المؤسسين رغبة في تأسيس كلية شرعية تسمّى ( كلية الفرقان للعلوم الشرعية)، تمثل مشروع نواة لجامعة سلفية في اليمن حسبما صرّح به الأمين العام الأسبق للجمعية الشيخ عبد القادر الشيباني في حواره المشار إليه آنفاً(5)؛ غير أنه اتضح أن الفكرة لم تكن واقعية، نظراً لما يتطلبه قيام مثل ذلك المشروع من مؤهلات أكاديمية عليا تنؤ بتوفيرها الجمعية حتى اليوم، وإن كانت عين المتابع لا تخطئ المحاولات الحثيثة الساعية إلى محاولة تأهيل أكبر عدد من عناصر الجمعية وأنصارها، وهو ما يبعث على التوجّس من أن يغدو السعي لتحقيق ذلك الهدف دافعاً نحو الحصول على (الشهادة)، حتى وإن لم تراع – أحياناً- بعض الشروط الأكاديمية اللازمة لذلك!
المنهح التربوي والفكري:
لا يخرج المنهج التربوي والفكري لمدرسة جمعية الحكمة يمانية في جوهره في بدايات مرحلة التأسيس -على وجه الخصوص- عن الاتجاه السائد في بلاد الحرمين بالعربية السعودية، حيث التركيز على مباحث التوحيد الشهيرة في هذه المدرسة، من ألوهية وربوبية، وأسماء وصفات، مع تركيز بيّن على مبحث الألوهية، و الموقف الحدّي مع المخالف، حتى في إطار المدرسة السنيّة ذاتها، بما في ذلك إخراج أكبر طائفة سنيّة على مستوى العالم الإسلامي من دائرة أهل السنة سواءً الأشاعرة (نسبة إلى أبي الحسن الأشعري(ت: 324هـ)) أم الماتوريدية (نسبة إلى أبي منصور الماتريدي(ت: 333هـ))، والوقوع – إلى حدّ ما- في شرك احتكار مفهومي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
وأمّا الفكر السياسي فلم يكن قد خرج كذلك عن السائد في اتجاه هذه المدرسة، حيث التأكيد على العلاقة التقليدية مع الحاكم- وإن لم يُعرف للقائمين على شئون الجمعية علاقة مميزة معه في الفترة السابقة بل بدت متذبذبة بعد التمايز- بعيداً عن فكرة المعارضة، ورفض مجرّد الحديث عن إنشاء أحزاب سياسية إسلامية، ناهيك عن أحزاب وطنية، أو قومية، أو ذات أيدلوجيات أخرى. وأما الموقف من الديمقراطية، فاتسم في بداياته بالموقف الحدّي كامل الرفض جملة وتفصيلاً، وكذا ما يترتب على القبول بها من انتخابات نيابية على وجه التحديد، فالتحريم هو الحكم المشتهر عن المدرسة السلفية بكل أطيافها- حيث لم تكن قد تمايزت في ذلك الحين- وعدّها جزءا من اللعبة الديمقراطية العلمانية، لاسيما قبل أن تنفصل جمعية الحكمة عن جمعية الإحسان. وقد عرفت تلك المرحلة كتاباً شهيراً يمثل لسان حال المدرسة السلفية جميعاً، وعنوانه( القول المفيد في أن دخول المجالس النيابية ينافي عقيدة التوحيد). ويتذكر صاحب هذه السطور أنه قد خاض في العام 1412هـ- 1992م، مناظرة جماهيرية مشهودة مع بعض رموز هذه المدرسة( الشيخ عبد المجيد الريمي والشيخ حسين عمر محفوظ وبحضور الشيخ محمّد المهدي)على خلفية تنسيق حزب التجمع اليمني للإصلاح مع حزب البعث – قطر اليمن (في ذلك الحين) على مواقف محدّدة. وقد تركّزت المناظرة من طرف ممثلي هذه المدرسة على رفض الديمقراطية شكلاً وموضوعاً، وكذا العملية الانتخابية، على نحو حاد وحاسم، مع التنديد غير المحدود بفكرة الحزبية، ووصفها بعدم المشروعية! حتى إنه قد ارتحل بعضهم إلى صعدة لمقابلة الشيخ الوادعي وأخذ رأيه المندّد بفكرة التنسيق ومتضمناته، مع وضع توقيعه- إلى جانب آخرين- من مختلف المحافظات والمناطق على وثيقة الرفض لعملية التنسيق تلك.
قد يقال إن هذا التعميم غير دقيق بدليل ما شهده العام 1988م أي قبل سنتين من إعلان جمعية الحكمة عن نفسها، حيث كان الشيخ عبد المجيد الريمي (من مؤسسي جمعية الحكمة، قبل أن يتحوّل إلى جمعية الإحسان) قد أعلن عن رغبته في تقديم نفسه مرشحاً عن التوجّه السلفي – وإن لم يُعْلَن عن ذلك صراحة- في انتخابات مجلس الشورى في شمال البلاد عام 1988م،بيد أنه تنازل بعد ذلك لصالح مرشح إخواني بارز هو الشيخ حمود هاشم الذارحي، بناء على تفاهم تم بهذا الشأن. غير أن هذا الموقف هو الاستثناء الذي أكّد القاعدة في ذلك الحين، بدليل أن الشيخ الريمي أخرج بعد فترة غير طويلة رسالة وسمها بـ(خمسون مفسدة في الديمقراطية) ، وهو بذلك إنما يشير صراحة إلى العملية الانتخابية ولوازمها. ولعل خير ما يؤكّد ذلك – عدا بعض الكتابات والأحاديث المتفرقة لبعض موز المدرسة، والمنتسبين إلى عضويتها- ما تبلور عنه الموقف من الانتخابات النيابية عام 1993م، حيث كان في غاية السلبية والتثبيط عن المشاركة في العملية الانتخابية، على الخلفية السابقة، إلى حدّ بلغ ببعضهم أن صوّر أمر السكوت- وليس المشاركة أو الحث على مناصرة طرف ما- صمتاً لا يجوز تأخيره وقت البيان، بوصفه الموقف الشرعي الوحيد!!
معالم التحوّل:
للتحوّل السلفي في اليمن معلمان أساسيان يتمثلان في: التحوّل الفكري، ثمّ التحوّل السياسي، وذلك على النحو التالي:
أولاً معالم التحوّل الفكري:
من العسير أن يقال إن الفكر الإسلامي -بصورة عامة- يتسم بحالة وحيدة من الصرامة والحدّية، بحيث لا يأتي عليه التغيير في أصوله أو في فروعه، فلا شك أن مرونته تتيح له التغيير المنضبط في إطار الفروع بشقيها المتعلقة بالعقيدة أم بالأحكام. وإذا كان من غير المستغرب على جمعية كالحكمة أن تتطور فكرياً وسياسياً، بل قد يكون ذلك نقطة مضيئة في مسارها، وآية نضج ينبغي عدّه شجاعة أدبية تفرض التقدير؛ وتدفع إلى مزيد من المراجعة الواعية المنضبطة؛ إلا أن جانباً من هذه المراجعة قد يستدعي مراجعة جديدة يمكن وصفها بمراجعة المراجعة، وأعني بعض ما يتصل منها بالموقف السياسي، وأسباب تحوّله وملابساته، إذ إننا هنا أمام حالة من التحوّل تداخلت فيه- بكل أسف – الأصول مع الفروع، و لا أعني بالأصول ما يتصل بالعقيدة بالضرورة، بل حتى ما يتصل بالمواقف السياسية التي كانت تصوّر حكماً شرعياً لا يجوز الخروج عنه بحال، أو محاولة تقديم اجتهاد مسوّغ فيه بالإطلاق!
مقارنات أولية :
وبمحاولة أولية لعقد مقارنة بين التوجّه الفكري في جانبه العقدي الذي ساد في تلك الحقبة وبين ما آل إليه الوضع اليوم فسنلفى تحوّلاً هائلاً، حيث لم يبق من الفكر العقدي التقليدي – في حقيقة الأمر- سوى جوهر مباحث التوحيد التقليدية في المدرسة السلفية، دون التعمّق الذي درجت عليه في عقود سالفة. وقد أُفسِح المجال لمقررات فكرية وثقافية جديدة، لم تكن ذات بال في مرحلة خلت . وفي اعتقاد كاتب هذه السطور أن للعلاقة التي تربط بين جمعية الحكمة ونظيراتها خارج اليمن، وكذا بعض الشخصيات العلمية الداعمة لمسار الجمعية مادياً عن طريق مباشر أو غير مباشر أثراً غير قليل في إبقاء شارة السلفية التقليدية، في مجال التوحيد والعقيدة ظاهرة، خاصة إذا تذكّرنا مدى المشاحنة التي طغت في الآونة الأخيرة بين بعض فصائل السلفية، واتهام بعضها للبعض الآخر بالميوعة العقدية، والتفريط في المحافظة على التراث السلفي، وركونها البعيد إلى التنظيم والحركية والنشاط الحزبي!
ونجد مرونة لافتة في التعامل مع أطياف العمل الإسلامي وغير الإسلامي. حتى تلك التي كانت تصنّف خارج دائرة السنّة كالزيدية والأشاعرة أو الماتوريدية ، فهاهو ذا أحد أبرز قيادات هذه المدرسة( الشيخ محمّد بن محمّد المهدي) يؤكّد في كثير من أحاديثه الموثّقة أو الخاصة أن لا مشكلة تحول دون الحوار والتآخي والتواصل مع الزيدية، مع تأكيده أنها فرقة شيعية، وأن عقيدتهم اعتزالية، لكن ذلك كله لا يؤثّر سلباً على الأخوة الإسلامية مطلقاً(6). كما بات يعتقد – مع جمهرة من قيادات الجمعية في مدينة إب - أن الأشاعرة لا تخرج عن دائرة أهل السنّة، رغم التأويل الذي اشتهرت به، واختلاف مدرسته معها في ذلك(7).
حوار على الطريق:
وقد قدّر لكاتب هذه السطور أن زار مدينة إب في يوم 2 ربيع أول 1429هـ -8 مارس 2008م – في إطار رحلة علمية أكاديمية- وكان أن التقى – على غير تنسيق مسبق- على مدى يومين متتابعين بنخبة ممتازة من قيادة جمعية الحكمة في تلك المدينة، كما دعي إلى زيارة مؤسسات الجمعية، التي أبدى إعجابه بوضعها، نظراً إلى ما تقدّمه من خدمة علمية ودعوية مقدّرة. ويعنينا هنا فحوى الحديث الذي دار في جلسة اليوم الثاني، إذ كان الاتفاق فيها هو السمت العام -بخلاف جلسة اليوم الأول-. وقد اكتفى كاتب هذه السطور بالاستماع حتى النهاية. ولمّا لمس روحاً طيبة في تقبّل المخالف- باستثناء الشيعة الاثني عشرية نظراً إلى تعمّق الخلاف تاريخياً وعملياً ولا سيما بسبب أحداث العراق وانعكاساتها في المنطقة- لم يجد بدّاً من المباركة والتأييد، وعدّ ذلك خطوة مباركة في الاتجاه الصحيح.
لقد شمل الحوار التأكيد على إعذار المخالفين من الأشاعرة وعدّهم جزءا لا يتجزأ من أهل السنة ، والحق أن هذا مثّل رأي كل من شارك في تلك الجلسة وفي مقدّمتهم الشيخ محمد المهدي إلى جانب ثلّة من رفاقه أذكر منهم السادة: محمد الحداء، وعبد الله بن غالب الحميري، وأمين الخياط، ومطيع الغيثي، ويحي الوجيه (8). وخلافاً لما كان يدور من لغط في بداية تأسيس جمعية الحكمة عن الموقف من المخالف في إطار المدرسة السنيّة العامة كالإخوان المسلمين- على سبيل المثال- فقد أعلن الشيخ المهدي – على سبيل المثال- في بعض حواراته الصحفية أنه يعدّ الإخوان بل والمؤتمر الشعبي العام، وكل من عدا الشيعة من أهل السنة. وهذا نص جوابه عن سؤال بهذا الصدد:
"أهل السنة مفهوم أوسع من السلفية.فهم بالمفهوم العام يشملون المذاهب الأربعة، والتنظيمات الإسلامية الآن مثل جماعة الإخوان المسلمين بما فيهم "حزب التجمع في اليمن"، والأحزاب الأخرى مثل "حزب المؤتمر"بصفة عامة ممن لم يتبنوا العلمانية منهجاً، والسلفيين وجميع المسلمين غير الشيعة"(9).
والحق أن هذا التعميم جدّ جدير بالتوقف والنقاش، من حيث إن مفهوم المخالفة فيه يفيد أن كل من كانوا يوصفون بالمنحرفين وأهل الأهواء والبدع العقدية كالمعتزلة و المدرسة العقلانية المعاصرة – بحسب التصنيف السلفي الشهير- وكذا الصوفية وغيرها يضمهم إطار فكري عام واحد هو أهل السنة، والخلاف معهم أيّاً ما بلغ لا يخرجهم عن هذه الدائرة . وإذا كان كاتب هذه السطور واحدا ممن يدعون منذ زمن إلى مثل هذه الروح فإن الأمل ليحدوه أن يظل الشيخ المهدي صامداً متابعاً جهوده التصحيحية لمسار المدرسة السلفية، دون أن يدفعه (إرهاب) فكري متوقّع- ولاسيما بعد قراءة مثل هذه الإشادة- إلى نكوص، أو تراجع، أو نسخ له بالشرح والتوضيح والبيان يخرجه عن دلالته العربية المبينة.
أمّا ما قد يبدو في حديثه من إقصاء لطائفة إسلامية كبرى هي الشيعة فلا يجوز أن يستدل من خلاله على إخراجهم من دائرة الإسلام، لكونه عدّهم خارج دائرة أهل السنة، فهذا لزوم مالا يلزم! كيف ذاك وقد عُرِفت أطاريح الشيخ المهدي فيما يتصّل بالزيدية - وهي واحدة من فِرق الشيعة- بالرفق وحسن الظن والدعوة إلى الحوار والمناصحة والتآخي، بوصفها أقرب الفرق الشيعية إلى أهل السنة. وهذا ما أكّد عليه في حوار صحفي مفتوح معه عن الزيدية في اليمن، حيث سئل بالنص؟" "أين تصنّفون المذهب الزيدي . هل هو سنّي أم شيعي؟ فقال:" لا يستطيع أحد أن يصنّف المذهب الزيدي مذهباً سنيّاً، فهو مذهب شيعي ابتداءً ونشأة..." (10). لكنه أعاد القول بأن الزيدية" أقرب نسباً إلى أهل السنة"(11). وحين سئل:" يصنّف علماء الزيدية ضمن فِرق البِدع هل هذا يعني تكفيرهم"؟ أجاب بتأكيده على كونهم فرقة شيعية ، لكن هذا لا يعني تكفيرهم على الإطلاق، بل قال:" وعلى هذا لا أعرف من يكفِّر الزيدية، بل إلى الآن لم يكفِّروا الرافضة تكفيراً مطلقاً..."(12). وقد أثبت الحوار معه في الجلسة الأولى المشار إليها مع صاحب هذه السطور أنه يحمل روحاً عالية في التحاور مع الجميع، وإن كانت العقدة الشيعية (الإمامية) لا تزال مسيطرة عليه إلى حدّ بعيد،غير أنّه قد صرّح أن ليس لديه ما يمنع من التعايش مع الشيعة الإمامية، في إطار الأخوّة الإسلامية العامة، وليس ثمة – عنده- ما يمنع كذلك من ترك الدعوة لتسنين الشيعة، في مقابل ترك الشيعة الدعوة لتشييع السنة، كما هو رأي الكثير من دعاة التقريب بين المذهبين(13).
والحق أن الشيخ المهدي يتميّز بحصافة نادرة في علاقاته وحواراته الفكرية، ولذلك يعوّل عليه -إلى حدّ بعيد- في تحقيق هدف الوحدة والائتلاف، رغم الخلاف .
ثانيا: معالم التحوّل السياسي:
وإذا كان ما تقدّم إشارة إلى جانب هام من التحوّل الفكري لدى مدرسة جمعية الحكمة ؛ فإن التحوّلات السياسية أكثر مدعاة للتوقف والنقاش.
تقارب مع السلطة :
ومما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق مراجعة الموقف من العلاقة التقليدية بالحاكم، تلك التي بدت متذبذبة في فترة سابقة بل كانت إلى المعارضة أقرب أحياناً (14)، على حين أننا نجدها في السنوات الأخيرة أقرب إلى الوفاق مع سياسات الحزب الحاكم. ولعلّ أبرز شخصية سلفية تمثّل الموقف العام لهذه المدرسة هو الشيخ محمّد المهدي، بوصفه أكثر الشخصيات تفاعلاً مع الحراك السياسي في البلاد، وأكثرهم حضوراً إعلامياً في الآونة الأخيرة بوجه خاص، ولذلك لا غرابة أن يكون عمدة في هذه القراءة.
وقد سئل في حوارات صحفية أخيرة عن علاقة جمعيته بالسلطة المحلية فقال:" هي علاقة الرعية بالراعي ، وعلى مبدأ السمع والطاعة في الخير ، وفي المعصية لا سمع ولا طاعة ... ولا أخفيك أنه قد توفر من المسئولين الصالحين في لواء إب ما لم يتوفر لمنطقة أخرى حسب معرفتي وعلاقتي".
وحين سئل عن الوضع الحالي ولاسيما في ظل الظروف المتوترة في المحافظات الجنوبية؟ أجاب:
"لست راضياً عن هذا الوضع ، وأنكر أسلوب طرفين : أسلوب الغلو في المعارضة ، وأسلوب الدعوة للانفصال والخروج على ولي الأمر . فلا أجيز لنفسي ولا لغيري في المجتمع أن نجعل من هذا الوضع سبباً للخروج والصراع السياسي لأن هذا هو مذهب أئمة المذاهب الأربعة . حتى نرى الكفر البواح . وإذا رأينا الكفر البواح وليست لنا قدرة على الخروج لم يجز لنا ذلك للمصلحة العامة . ونعمل في تصحيح الوضع بما يتيسر لنا "فالميسور لا يسقط بالمعسور" ".
وحين سئل كيف تنظر إلى مستقبل اللقاء المشترك ؟ ( تكتل أحزاب المعارضة الفاعلة في اليمن)أجاب: "اللقاء المشترك من خلال وضعه الحاصل لم يكن هو البديل القوي لدولة الرئيس ... فالمشترك بصفة عامة أرى أنه ليس هو البديل الناجح ، وإن كنت أرى أن فيه قيادات محترمة لهم مواقف جيدة لكنهم تبع لبرنامج المشترك . فالبديل للرئيس ـ وفقه الله لكل خير ـ ليس موجوداً في المشترك" (15). وأقرّ بأن موقفهم في الجمعية كان النصح بانتخاب الرئيس(16).
ويرى بعض خصوم جمعية الحكمة، كما بعض المراقبين أن ثمّة تحوّلاً لافتاً وواضحاً في إطار العلاقة بين الجمعية والسلطة. وقد سعى الشيخ المهدي في غير ما مناسبة ليدرأ عن نفسه وجمعيته أو جماعته تهمة الارتباط الانتهازي بالسلطة، ففي إجابة مطوّلة على صفحات مجلة المنتدى( لسان الحال) سئل :" اتخذتم منذ وقت طويل سياسة مستقرة بينكم وبين ممثلي السلطة في البلاد؟ هل تقدّمون هذا الموقف كنموذج للعلاقة مع السلطة؟ أم أن هذا راجع لضغوط تواجهها الدعوة السلفية؟..." ومما ورد في إجابته المطوّلة تقريره أن ذلك هو منهجه مذ عاد من الدراسة سنة 1398هـ، " حتى اتهمتُ في فترة من الفترات أنني من الدولة وإلى الدولة..." واستطرد في تكييف ذلك الموقف شرعياً بما حاصله أن هذا هو منهج أهل السنة في العلاقة مع الحكام، وأن ذلك هو مغزى تشديد أهل السنّة على مراعاة المصالح والمفاسد من كل نواحيها(17).
والجدير بالتوقف عنده مليّاً التأكيد على أن مسألة العلاقة مع السلطة في بلد كاليمن تتداخل فيه جملة عوامل دينية واجتماعية وقبلية وملابسات شتّى ليست بالأمر الذي يؤخذ –جوهرياً- سلباً على جمعية الحكمة في الحالة السلفية، بدليل أن حزباً إسلامياً كبيراً، بات يقود أحزاب المعارضة اليوم هو الإصلاح؛ ظل على علاقة جيّدة – بالمجمل- مع السلطة طيلة فترة حكم الرئيس علي عبدا الله صالح، حتى عام 2002م، على إثر الخلاف الشهير حول نتائج المجالس المحلية، الذي تطوّر إلى حدّ إعلان أمين عام الإصلاح – في ذلك الحين- السيّد محمد عبد الله اليدومي- من على شاشة قناة الجزيرة - إنهاء حالة التحالف الاستراتيجي بين الإصلاح وحزب المؤتمر الحاكم. هذا مع ما يتذكره المتابعون للشأن السياسي اليمني من طبيعة العلاقة الحميمة التي طبعت الانتخابات الرئاسية عام 1999م، حيث استبق حزب الإصلاح حزب الرئيس صالح (المؤتمر الحاكم) بإعلان (صالح) مرشحاً له في الانتحابات الرئاسية المقبلة(عام 9991م). وقدّم الإصلاح في سبيل إنجاح الرئيس صالح -عبر كل الوسائل المتاحة بما فيها تولّي أكبر شخصياته ورموزه قيادة الحملة الانتخابية في أرجاء البلاد- دعاية انتخابية لافتة! مع التذكير فحسب بأن الرئيس صالح قد حكم اليمن ما يربو على عشرين عاماً حتى ذلك الحين، أي منذ 1978-1999م، ولم ير الإصلاح تثريباً قبل ذلك يستدعي اتخاذ ذلك الموقف التاريخي أو قريب منه، مع ما يعلمه الجميع من أن اختلاف الوضعين بين 1999- 2002م ليس بأكثر من اختلاف نسبي في الدرجة لا يكاد يذكر!
الحوثية هي المشترك:
ولكن – من الجهة المقابلة- فإنه أياً ما حاول الشيخ المهدي تقديم مسوّغات تهدف للإقناع بأن الدوافع لتلك العلاقة شرعية علمية فحسب؛ فلا شك أن ثمّة اعتبارات أخرى، أهمها وجوهرها: ظهور الفتنة الحوثية في صعدة بدءاً منذ 16\8\2004م، وحتى الساعة. فذلك الموقف مثّل قاسماً مشتركاً ولقاءً تاريخياً بين السلطة التي تخشى انفلات الأمور من قبضتها، والسلفية التي تذكّرت تاريخها غير الجميل مع الشيعة الإمامية، تلك التي يصنّف الحوثيون عليها. ولا ننس أن ذلك تزامن مع مرحلة القطعية البائنة بين السلطة والإصلاح، فكان ظرفاً مناسباً من هذه الزاوية كذلك.
وقد دشّنت تلك العلاقة بين جمعية الحكمة والسلطة رسمياً باستقبال الرئيس علي عبد الله صالح ومعه نائبه عبد ربه منصور هادي يوم 4\3\2007م عددا من قيادات جمعية الحكمة.
وبحسب موقع المؤتمر نت ( لسان حال حزب المؤتمر الحاكم) فقد "أشاد رئيس جمعية الحكمة عبد العزيز عبد الله الدبعي وأعضاء الجمعية الذين تحدثوا في اللقاء بمواقف فخامة الرئيس وما يقدمه من الرعاية والاهتمام للعلماء والخطباء والمرشدين من أجل أداء رسالتهم في التوعية والإرشاد على أساس الوسطية والاعتدال وعدم الإفراط أو التفريط والدعوة إلى الخير والوحدة والوئام، وكل ما يوحد الصفوف ونبذ كل أشكال التعصب وإثارة الخلافات والفتن المذهبية والطائفية في المجتمع.وعبروا عن تقديرهم للمواقف الوطنية والقومية والإسلامية للأخ الرئيس المدافعة عن الدين والمناصرة لقضايا الأمة ، مشيرين إلى ما تشهده بلادنا من مناخات الحرية والشورى والازدهار والتقدم .واستعرضوا أهداف الجمعية والنشاطات التي تقوم بها في المجال الدعوي والاجتماعي والخيري، سائلين الله أن يجنب بلادنا كل الفتن والمحن، وأن يوفق فخامته لقيادة مسيرة الوطن ولكل ما فيه الخير والصلاح ويحقق آمال وتطلعات شعبنا على دروب الازدهار والانجاز والتقدم. وأشاد الرئيس بالجهود التي تبذلها الجمعية في مجالات العمل الدعوي والخيري والإنساني والدور الذي يضطلع به أعضاؤها في مجال التوعية والإرشاد، منوهاً بمواقفهم الوطنية المشرفة في كل الظروف ولكل ما فيه خير الوطن وتقدمه وازدهاره.وأشار إلى أن أعضاء جمعية الحكمة اليمانية جسدوا في منهجهم الاعتدال والوسطية ونبذ التعصب والغلو وابتغاء مرضاة الله في كل ما يقومون به من نشاط دعوي أو خيري وبعيدا عن اللهث وراء مطامع الدنيا والسلطة أو الجاه أو المال... وأضاف أن مجتمعنا اليمني مجتمع مسلم متماسك ومتعاضد ينبذ التطرف والغلو وكل أشكال التعصب والتفرقة والفتن ويتعايش أبنائه فيما بينهم البين في محبة ووئام وتسامح وتعاضد ووحدة، مؤكدا بان الدولة ستظل تدعم العلماء والمرشدين وترعاهم من اجل أداء رسالتهم لخدمة الدين والوطن وفق المنهج الصحيح ولما فيه الخير والصلاح للجميع " (18).
تباعد مع المعارضة:
إن هذا الموقف المتوائم مع السلطة صحبه موقف غير ودّي -بدرجات متفاوتة- مع أحزاب المعارضة المتمثلة في اللقاء المشترك. وواضح من خلال حديث الشيخ المهدي آنف الذكر في سياق علاقته مع الرئيس والحزب الحاكم ونظرته إلى مستقبل اللقاء المشترك صورة ذلك على نحو مجمل. لكنه فصّل في ذلك بالنسبة إلى الإصلاح، حين سئل في حوار صحيفة البلاغ الأخير عن خلافات جمعيته مع الإصلاح فأقرّ بوجود ذلك الخلاف قائلاً:" في نظري أن الإخوة في الإصلاح ما زال بعضهم يحمل العقلية التي ما قبل الوحدة لما كانوا متمكنين من بعض الوزارات كالتربية والأوقاف ، وكانت المعاهد العلمية بأيديهم . ولا يسمحون لأحد أن يستقل بمسجد من المساجد سواء كان من السلفيين أو الزيدية، لأنهم يرون أن هؤلاء يعتبرون جماعات ضرار. فالزيدي يقولون له : أنت تريد أن تعيد الإمامة، والسلفي يقولون له بأنه خارج عن الجماعة . والأصل أن هذه العقلية قد انتهت بعد الوحدة ، وبعد أن فقدوا تلك القوة . لكن رأيت أن الشيخ عبد الله صعتر في مقابلة له مع صحيفة (إيلاف) نفى هذا الكلام وطلب منا أمثلة . وأنا يمكن أن أضرب له أمثلة كثيرة في مدينة إب في المساجد التي حاولوا السطو عليها لما في عقليتهم من التصور بأنهم أولى بالإتباع والدعوة من غيرهم . وللإنصاف ففيهم خير ونفع الله تعالى على أيديهم بالمعاهد العلمية لكن نعيب فيهم التعصب والتحزب الزائدين . وقد يوجد من السلفيين ممن تأثر بالغلو فيتكلم على حزب الإصلاح لكن هذا الغلو موجود أيضاً داخل حزب الإصلاح تجاه السلفيين" . ولخصّ أبرز مؤاخذاته بالقول: " فالخلاصة أن أهم الأسباب هي : عدم اهتمامهم بالتربية الصحيحة ، وحب السيطرة على المساجد ، وإلغاء الآخرين أو تهميشهم . وهنا كان ينبغي أن يفهم الأخوة في الإصلاح أنه قد انتهى بعد الوحدة ، وأن يعترفوا بأنهم لم يعودوا إلا كغيرهم مجموعة من المجموعات في اليمن ، وأن لا يضيقوا بالرأي والرأي الآخر الذي يهتفون به ، وأن يفتحوا صدورهم تجاه الآخرين فنحن مستعدون لنتعاون معهم فيما يجوز فيه التعاون لأن هذا حقهم علينا. وحق الأخوة بيننا أعظم بكثير"(19).
ويبدو أن الطابع العام للعلاقة بين الإصلاح والحكمة تسوده السلبية والجفاء غالباً، على المستوى المؤسسي، وإن كان أخف كثيراً على المستوى الفردي. ولعله مما يشهد لهذا الاستنتاج ما لمسه كاتب هذه السطور من ودّ ظاهر بين بعض رموز الإصلاح وبين الشيخ المهدي على وجه الخصوص. وفي الجلسة الحوارية الثانية المشار إليها فيما تقدّم- وكان صاحب السطور ضيفها- وفي سياق اشتراط أحد الحضور – ممن هو مصنّف على الإصلاح- إتباع خطوات عملية لنجاح حوار كهذا يسارع الشيخ المهدي للتدخّل مبدياً موافقته قائلاً :" نحن ندعو إلى ذلك ، وقد طرحناه على أكثر من واحد بين إخواننا في (الإصلاح) ، وقد بدأنا بالتنسيق بين الجمعيات الخيرية على اختلاف الجماعات السنية". فانتهزت الفرصة لسؤال الشيخ :" وهل هناك تنسيق سياسي ؟"
فأجاب :"نتمنى من إخواننا أن يمدوا لنا أيديهم رغم أنهم قد ائتلفوا مع الأباعد . وهذا الدكتور فؤاد البعداني ( وقد كان حاضراً الجلسة) واحد ممن قد طرحت عليه هذا". فيعقّب الدكتور البعداني: "أشهد لله أن الشيخ محمد المهدي قد أخبرني أن عنده استعداداً للتعاون، وأخبرني أن أوصل هذا الكلام إلى الأخوة في قيادة الإصلاح في إب . فرأيت أن التقصير من الإخوة في الإصلاح، نظراً لانشغالات متداخلة" (20).
حزب سلفي متى ؟:
أما الموقف من التعدّدية فغاية ما قد يتحفظ عليه الاجتهاد الجديد في إطار جمعية الحكمة هو مشروعية قيام أحزاب لا تعتمد مرجعية الإسلام عقيدة لها وشريعة حاكمة في الفكر والسلوك، بخلاف الموقف من إنشاء الأحزاب الإسلامية، وما هو قريب منها كالأحزاب الوطنية، تلك التي لا تحمل أيدلوجيا مضادة للإسلام. وقد مرّ بنا وصف أحد رموز الجمعية لحزب المؤتمر الحاكم بأنه من أهل السنّة بصرف النظر عن أيّة استثناءات لا تغيّر من حقيقة الموقف شيئاً يذكر!
ويبقى السؤال الأكبر هنا: في ضوء التطوّرات المشار إلى أبرزها سواء على المستوى الفكري أم السياسي ؛ هل يعتزم فصيل جمعية الحكمة أن يتحوّل إلى حزب سلفي سياسي؟ أو أن يعلن القائمون على الجمعية تشكيل إطار سياسي باسمهم للاشتغال بالعمل السياسي رسمياً وعلنياً؟ فيما يظل لنشاط الجمعية الخيري والدعوي مساره، كما فعل آخرون؟
الواقع أن القائمين على شئون جمعية الحكمة مافتئوا يؤكّدون في غير ما مناسبة أن جمعيتهم دعوية خيرية وليست سياسية، ومن ذلك تصريح الشيخ عبد القادر الشيباني أمين عام الجمعية الأسبق منذ وقت مبكّر نسبياً أن جمعيته جمعية خيرية علمية دعوية اجتماعية وليست حزبا سياسياً (21). كما سئل الشيخ محمد المهدي: هل تنوون تأسيس حزب سياسي سلفي ؟ فأجاب :" ليس لنا نية في ذلك وقد تكلمنا عن هذا كثيراً في حوارات صحفية في عدة صحف ومنها : أخبار اليوم وصحيفة الناس ومجلة المنتدى".
وحين سئل:" ما الذي يمنعكم من ذلك" ؟
قال: " القانون يبيح لنا ذلك، ولكن هذه قناعتنا لأنها ستشغلنا عما هو أهم وأولى ، وندخل في مجال قد كفانا به غيرنا وليس هو فرض عين..."(22) .
أمّا الشيخ عمّار بن ناشر العريقي (أحد أبرز الوجوه الفكرية للجمعية في محافظة عدن) فقد أجاب عن السؤال وإن كان أتى في سياق الحديث عن العلاقة بالسلطة والمعارضة المتمثلة في اللقاء المشترك؟ قائلاً:
"المنتسبون للدعوة السلفية لا يخفى عدم اشتغالهم بالعمل السياسي الحزبي والتنظيمي ولا يملكون جمهوراً واسعاً كغيرهم ولا تنظيماً دولياً ولا مؤسسات إعلامية أو اقتصادية كبيرة. وقد تركزت جهودهم في نشر العلم وبيان الأحكام الشرعية وتصحيح العقيدة ومحاربة الشرك والبدعة والخرافة والدعوة إلى تحكيم الشريعة ومحاربة الانحرافات الأخلاقية في الإعلام والشارع، ومساندة جهود محاربة الفساد العام بغض النظر عن جهته ومسماه لما يملكونه من رؤى وتصورات فكرية وسياسية منضبطة بالشرع والدليل إن شاء الله" (23).
وأيّاً اختلفت الصيغ السلفية في فصيل الحكمة بشأن الموقف من العمل السياسي الحزبي في صورة كيان تنظيمي خاص بهم؛ بين مباشرة كما هو تصريح الشيباني، أو دبلوماسية كما ورد في إجابة المهدي وأكثر منه العريقي؛ فإن المراقب للحالة السلفية وتحوّلاتها لن يجد صعوبة في استنتاج أن أمر إعلان حزب رسمي علني مسألة وقت وظرف مرحلة ليس أكثر. ولعل تطوّرات داخلية أو خارجية تحدث هنا أو هناك في المنطقة، قد تسهم في التعجيل بإعلان ذلك. وليس عنّا ببعيد ما حدث في الكويت- على سبيل المثال- حين أعلن حزب سلفي (تجديدي) عن نفسه تحت مسمّى حزب (الأمّة) حزباً سياسياً رسمياً بقيادة الدكتور حاكم المطيري.
الديمقراطية مسألة اجتهادية:
فإذا جئنا إلى الموقف من العملية الديمقراطية وما يترتّب عليها من انتخابات نيابية على وجه الخصوص -عدا الاشتراك في الانتخابات والأنشطة النقابية والمهنية- فسنرى تلك الصرامة القديمة تحوّلت – بعد المراجعة- إلى مسألة اجتهادية، وإن ظل التحفّظ لدى بعضهم قائماً على المصطلح ذاته، أمّا عما كان يشكّل أبرز الجدل حول بعض متضمناته كالانتخابات النيابية – مثلاً-(24) فلا إشكال يذكر كما ورد تقرير ذلك في رسالة موسومة بـ( المختصر في أصول ومعالم الدعوة السلفية) وقد أعدّه وراجعه مجموعة من دعاة الجمعية وباحثيها، وقدّم له الشيخ\ أحمد بن حسن المعلّم: أحد أبرز قيادات الجمعية بصورة عامة وفي محافظة حضرموت بوجه أخص. ففي البند السابع من (منهج التغيير الدعوي) من الرسالة:" الوسائل التي تختلط فيها المصالح والمفاسد، كتولي الولايات في ظل الحكومات المعاصرة، والدخول إلى المجالس النيابية، في ظل الأنظمة المسمّاة بالديمقراطية، والانتساب إلى الاتحادات، والنقابات العمالية المهنية وما أشبهها؛ محلّ اجتهاد ونظر يقدِّره أهل الحلّ والعقد والاختصاص في كل زمان ومكان بحسبه" (25). أمّا الشيخ المهدي فقد عبّر عن أمر الانتخابات النيابية بالقول" وهي عندي مسألة اجتهادية فلا أنكر على من دخل فيها، ولا على من لم يشارك فيها، وهي لا تستحق عندي تكلفة تلك الأوراق المطبوعة"(26). أمّا عن غيرها من أنواع الانتخاب فقال "انتخابات المجالس المحلية والنقابات والجمعيات وغيرها لا خلاف في جوازها" (27) .
وحين سؤال: "هل هذا يُعد تحولاً منكم ؟" أجاب:
" ما غيّرنا رأينا . هذا ما كنت أراه في الانتخابات من قبل والحمد لله .. لم أكن ضد الانتخابات ولا متحمساً لها منذ بدأت . لكن لا يمنع أن أغير رأيي في مسألة إذا رأيت فيها الصواب لأن الرجوع إلى الحق من صفات المؤمنين . وعند ما أفضِّل عدم المشاركة في الانتخابات فقد أشارك فيها أحياناً بالطريقة التي أراها مناسبة "(28).
مراجعة أم تراجع؟:
والحقيقة أن ثمّة تحوّلاً -وإن شئت فقل مراجعة- فلم يكن هذا هو الموقف المعروف لدى السلفية بعامة- والحكمة منها قبل التمايز- . وقد يُحمل تصريح الشيخ المهدي بما تقدّم من عدم التغيير أو التبديل في الموقف، على أنّه رأي شخصي له في أحسن الأحوال- مع أنه لم يكن ذلك مشتهراً عنه، ولا متميّزاً به، حسب المتابعة المتواضعة لكاتب السطور، ثم إنه لم ير بأساً بتغيير الموقف رجوعاً إلى الحق. وعلى أي حال فإن أحداً من المتابعين والمهتمين لا يمكنه أن ينسى الموقف الحادّ العنيف لشباب بعض رموز الجمعية – ولاسيما في أمانة العاصمة- إبّان الانتخابات النيابية 1993م، من حيث موقف التشكيك بمشروعية الانتخابات من أساسها، ومواجهة المخالف بالاتهام في الدّين، ومحاولة تحريض الجماهير على ذلك، مستخدماً بعضهم منابر المساجد، من منطلق القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف في وجه اللعبة الديمقراطية العلمانية!
غير أن ذلك الموقف اختلف بعد ذلك، إذ تحوّل الإنكار في انتخابات عام 1993م إلى موقف الصمت العام في انتخابات 1997م، وهو ما يومئ بالرضا الضمني، الذي ينمّ عن مراجعة مقدّرة للمسار. بل لقد بلغ الأمر في محافظة حضرموت درجة من التعاون الظاهر مع حزب التجمع اليمني للإصلاح ،تمثل في الدفع بشباب الجمعية ومناصريها إلى دعم مرشحيهم. وكان لذلك دوره الإيجابي الذي لا ينكر، في تحقيق نصر مقدّر لمرشحي الإصلاح هنالك. وكذا تكرّر الأمر في انتخابات 2003م.
إن المراجعة الأدبية الشجاعة أمر يحمد عليه صاحبه، ومن المكابرة بمكان أن تأخذ بعض المراجعين العزّة بالخطأ، ليتحوّل من موقع التقدّم على أكثر من صعيد ، إلى المربع الأول، حيث النكوص والتراجع السلبي. إذ يخيّل إليه أنّ في ذلك تشفّياً وتسجيلاً سلبياً من قِبل الخصوم والمتربّصين.
ولِم لا يقتفي مَن يعاني مِن هذا الهاجس غير المبرّر منهج أحد أبرز الوجوه الفكرية المستنيرة في هذه المدرسة -وهو الشيخ عمّار بن ناشر العريقي- الذي يُعلن في غير ما مواربة أن ثمّة مراجعات حقيقية في إطار المدرسة السلفية –بوجه خاص-، إذ يورد في إطار موضوع معمّق وسمه بـ( المنهج المثل لتجديد الخطاب الدعوي:فقه المراجعات) جملة من المراجعات التي تمّت ومنها قوله :" كما تشهد الدعوة مراجعات في الحدّ من الاعتماد على الإمكانات المادية في كثير من مجالات الدعوة والتربية، كما خفّت حدّة قضية المجالس النيابية،وقرّر جواز المشاركة فيها،أو وجوبها علماء مصر والحجاز ونجد والشام واليمن، إلا القليل وهي مسألة اجتهادية" (29).
وكان الشيخ العريقي قد صرّح بأكثر من ذلك في عدد سابق من (المنتدى)، إذ قال- في معرض مناقشته لظاهرة السطحية التي تهدّد مسيرة الدعوة ومؤسساتها وبعد أن أشاد بتجربة حزب العدالة والتنمية بتركيا عادّا لاجتهاداتها عين العقل والحكمة، وموافقة لأصول الشرع وقواعده-: "واليوم يعترض بعض الدعاة مشاركة بعض الإسلاميين في مجلس النواب، بحجّة أن هذا إقرار بالديمقراطية الكفرية! ورأيي أن في بعض الديمقراطية كثيراً من الإيجابيات التي لا تخالف الشريعة من ناحية، ثمّ هي خير من الديكتاتورية الكفرية، التي تقضي حتى على مصالح الدين والدعوة..."( 30).
ومع تأكيد التقدير لِنَفَس المراجعات الداخلية في مسار الجمعية؛ فلا ينبغي إنكار دور بعض المؤثّرات الخارجية في إطار العلاقة الوثيقة التي تربط بين جمعية الحكمة في اليمن، وجمعية إحياء التراث في الكويت، مع الإشارة إلى علاقة المتغيّر التابع بالمتغيّر المستقل . وقد يغدو من قبيل الاستقراء التام أو شبهه استخلاص أن ما يمسي في جمعية إحياء التراث بالكويت يصبح في جمعية الحكمة باليمن ! ولعل لبعض ما ورد في حوار الشيخ ناظم المسباح عضو مجلس إدارة جمعية إحياء التراث الكويتية مدلوله في هذا السياق، حيث أورد في حواره مع مجلة (المنتدى) المراحل التي مرّت بها جمعيته. فبعد أن أشار إلى مراحل التطوّر في مسار العمل السلفي هناك، انتقل إلى تجربته في الاشتراك في عدد من تجارب العمل النقابي، على مستويات عِدّة أردف ذلك ثمّ أردف بالقول:"بعد ذلك توسّع العمل فدخلنا في المجلس النيابي( مجلس الأمة)، والحمد لله حقّقنا أموراً عظيمة..."( 31)
الهوامش:
(1) مجلة الفرقان، العدد (14)،شعبان 1418هـ- ديسمبر 1997م، ص 32
(2) المرجع السابق، ص32.
(3) انظر موقع جمعية الحكمة يمانية: al-hikma-yecom
(4) نفسه، ص 30.
(5) مجلة المنتدى، العدد الأول، ذو الحجة، 1411هـ- يوليو 1991، ص 4.
(6) راجع – على سبيل المثال- الزيدية في اليمن : حوار مفتوح : مقابلة علمية و فكرية مع الشيخ محمد بن محمد المهدي أجراها أنور الخضري، 1429هـ- 2008م،ط أولى، صنعاء: مركز الكلمة الطيبة للبحوث والدراسات العلمية، ص 31-35،78، وحواره بتاريخ 4\3\1429هـ مع صحيفة البلاغ (اليمنية) المنشور في موقع الشيخ http://www.almhdy.com وقد أجراها: بسّام قائد، وانظر كذلك :محمد بن محمد المهدي(تقديم)، نظرة الإمامية الاثنا عشرية إلى الزيدية بين حقيقة الأمس وتقية اليوم،محمّد الخضر،1423هـ، إب:مركز الإيمان الخيري للشريط الإسلامي،ص 23،39.
(7) قال الشيخ المهدي ذلك أمام كاتب هذه السطور ومعه في الجلسة ثلّة من المثقفين والشيوخ وطلبة العلم يوم 2 ربيع أول 1429هـ -8 مارس 2008م في منزل الدكتور فؤاد البعداني بمدينة إب ، وأكّده مع بقية رفاقه في جلسة اليوم التالي في ضيافته.
(8) وقد نشر فحوى الجلسة الثانية على وجه التحديد في موقع الشيخ محمد المهدي: http://www.almhdy.com/xpages/show.aspx? ... 6&depid=66 بعنوان حوار الشيخ مع مجموعة من الكتاب، تحرير آدم الجماعي ،و موقع المجلس اليمني http://www.al-yemen.org/.
(9) راجع نص الحوار في موقع الشيخ : المرجع السابق.
(10) الزيدية في اليمن : حوار مفتوح، مرجع سابق، ص 31.
(11) المرجع السابق، ص 32، وانظر: ص35، 78، و بقية حواره في سياق الجواب عن سؤال صحيفة البلاغ، موقع الشيخ، مرجع سابق، وكذا حواره مع المنتدى، أجراه الخضر عبد الملك الشيباني، العددان(87، 88)، شعبان – رمضان\ 1425هـ- سبتمبر- أكتوبر\2004، ص 50.
(12) الزيدية في اليمن، مرجع السابق، ص 58.
(13) راجع حوار الجلسة الأولى في موقع الشيخ المهدي، مرجع سابق. وإن كان مدوّن الجلسة قد اعترف بأنه لم يكن حاضرا لمجرياتها، فاقتصر على إيجاز خطوطها العريضة.
(14) راجع على سبيل المثال: المقالات التالية في مجلتي المنتدى والفرقان لسان حال الجمعية: أبو عبد الله الخضرمي، الازدواجية بين النظرية والتطبيق في البرنامج السياسي للمؤتمر الشعبي العام، المنتدى، العدد (23)، ربيع أول 1416هـ، ص 41-43،و لطفي الشنيك، طاعة الحكام، المنتدى،العدد(41-42)، ذو الحجة 1416- محرّم 1417هـ،ص 9-14،و محمّد الزهيري، تقييم الانتخابات في اليمن(1997م)، الفرقان، العدد(13)، ربيع الثاني 1418هـ- أغسطس 1997م، ص 61-64.
(15) حوار صحيفة البلاغ، مرجع سابق، وانظر حواره مع صحيفة الأهالي (اليمنية) بتاريخ 22\4\2008م، المثبت على موقع الشيخ.
(16) المرجع السابق.
(17) مجلة المنتدى ، العددان 87،88، مرجع سابق، ص 47-49.
(18) موقع المؤتمر نت: http://www.almotamar.net/news/41153.htm، وانظر: حوار الشيخ المهدي في تأكيد ذلك مع صحيفة الأهالي، مرجع سابق.
(19) حوار صحيفة البلاغ، مرجع سابق.
(20) راجع موقع الشيخ المهدي، مرجع سابق.
(21) مجلة الفرقان، العدد (14)، مرجع سابق، ص 32.
(22) حوار صحيفة البلاغ، مرجع سابق، وانظر: مزيدا من التفاصيل في حواره مع موقع المجلس اليمني، مرجع سابق.
(23) حوار صحيفة النّاس مع عمّار بن ناشر العريقي، بتاريخ 1\4\2008 ، صنعاء، مؤسسة الناس، أجراه سلمان العمّاري، انظر: موقع الناس بريس http://www.nasspress.com/.
(24) انظر حوار صحيفة البلاغ، مرجع سابق.
(25) مجموعة من الدعاة والباحثين، المختصر في أصول ومعالم الدعوة السلفية، 1426هـ- 2005م،ط الأولى، صنعاء: مركز الكلمة الطيّبة للبحوث والدراسات العلمية، ص 57. وتعدّ هذه الرسالة أشبه بدستور العمل الفكري والدعوي والسياسي بجمعية الحكمة يمانية. ولعل مما يؤكّد على ذلك حرص القائمين على الجمعية عبر مركز الكلمة الطيّبة للبحوث والدراسات العلمية على توزيعها على عدد منتقى من الشخصيات العلمية والفكرية- وقد تشرف صاحب هذه السطور بتسلّم نسخة منها- بغية مراجعتها وتنقيحها وتقديم الملحوظات التي من شأنها أن تخرجها- بعد ذلك- في أحسن حلّة ومضمون، ولا نزال في انتظار محصّلة ذلك.
(26)حوار صحيفة البلاغ، مرجع سابق.
(27) نفسه.
(28) المرجع السابق، وانظر حواره كذلك مع صحيفة الأهالي، مرجع سابق.
(29) المنتدى، العدد(94)، جمادي الأولى 1426هـ- يونيو 2005م، ص 30.
(30) المنتدى، العددان( 88،87)، مرجع سابق، ص 58.
(31) المنتدى، العدد(79)، شعبان 1424هـ- أكتوبر 2003م، ص 39.
بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم