الوعي الحضاري



د. عمرو عبدالكريم
معركة الوعي: سؤال الحداثة




سؤال الحداثة أحد أهم أسئلة وإشكالات الوعي الحضاري في عالمنا المعاصر، وخاصة في عالمنا العربي الإسلامي.

فمنذ أكثر من قرنين والمواجهة الحضارية بين عالم المسلمين الذي استكان لقرون عدة، وعالم الغرب الاستعماري المنفتح على ثروات وإمكانات العالم وخاصة الإسلامي منه دائرة على أشدها.

فلم تكن المواجهة بين الفرنسيين والمماليك في شوارع القاهرة في الحملة الفرنسية على مصر عام مواجهة بين جيشين، بل كانت مواجهة حضارية ضارية بين تكوينين حضاريين: حضارة هامدة في طور الأفول، وحضارة شرسة في طور الانفتاح والإعداد القوي للسيطرة على ثروات العالم الإسلامي والتحكم في طرق التجارة العالمية وممراتها المائية من مضايق وبحار.

الحداثة مصطلح برز في المجالين الثقافي والفكري التاريخي ليدل على مرحلة التطور التي طبعت أوروبا بشكل خاص في مرحلة العصور الحديثة، حيث يمكن في هذا الإطار تقسيم التاريخ إلى خمسة أجزاء: ما قبل التاريخ، التاريخ القديم، العصور الوسطى، العصر الحديث والعصر ما بعد الحديث.

ومن ثم فابتداء من التعريف أو تحديد الماهية أضحت مشكلة الحداثة الكبرى هي مركزيتها الأوروبية الطاغية التي جعلت من المعايير الأوروبية أو الغربية هي المعيار الذي تقاس به الأشياء والأفكار والأحداث، بل والقيم، وأصبحت الحضارة الغربية: فكرا ومفاهيم وقيما ومنتجات هي الحكم على ما عداها من حضارات العالم.

إذن: جوهر مفهوم الحداثة هو جملة التحولات العميقة التي طرأت على العالم الغربي مشكلة ما نطلق عليه: النمط الحضاري الغربي، تلك التحولات التي بدأت في القرن السادس عشر مع النهضة والإصلاح الديني، وترسخت الحداثة: مفاهيما ووجودا مع ثقافات عصر التنوير، ومع الثورة الفرنسية، ثم أخذت تتوسع مع الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية، ومع ثورة الاتصالات توسع المفهوم ليشمل العالم كله وتفرض منهجا على فكر العالم وواقعه.

وفي هذا الإطار قامت الأسس الفكرية للحداثة على ثلاثة مبادئ أساسية:

الأول: مبدأ العقلانية، والمقصود به هو إعلاء شأن العقل، واعتبار أنه لا سلطان على العقل إلا العقل، واعتباره هو الحكم الذي تعلو سلطته جميع السلطات، ومن ثم لا مدخل للوحي الإلهي في اعتبار الحقائق، لقد قصرت الحداثة اشتغالها على الإنسان وكفى.

ثم المبدأ الثاني: مبدأ العلمانية أو الدنيوية، بمعنى قصر اهتمام الحداثة على الدنيا دون الآخرة، فليس في التصور الحداثي عالم آخر، وليس فيه موت ولا حياة، ولا بعث ولا نشور، ولا حساب ولا جزاء، ولا دار آخرة.

المبدأ الثالث: هو أولوية الذاتية الإنسانية بما يعنيه ذلك من إقرار بفردانية الفرد وحريته ومسؤوليته وحقه في نقد ما يتلقى أو ما يفرض عليه من طرف سُلط التقليد، واستقلاليته في الفعل.

وترتكز الأفكار الرئيسية للحداثة في السياق الحضاري الغربي على فكرتين مركزيتين هما: فكرة الثورة ضد التقليد، والثانية: فكرة مركزية العقل.

لذا تعد مشكلة الحداثة الغربية الأساسية أنها تجاوزت أطرها وبيئتها المكانية والزمانية وفرضت نفسها منهجا وحيدا للانفكاك من عصور التخلف، وكانت من القوة بمكان أنها فرضت تصوراتها للإنسان والكون والحياة على مختلف حضارات العالم.

ولعل ذلك ما جعل من فكرة الحداثة محلا للاستهداف حتى من داخل الإطار الفكري الغربي ذاته، وكان الاشتباك في كثير من حالاته اشتباكا مع منتجات الحداثة أكثر من نقد الحداثة نفسها: أصولا وجوهرا ومنهجا.

ونعرض هنا لصوتين مهمين في نقد الحداثة، صوت من العالم الغربي، وآخر من عالم المسلمين: فالمفكر الفرنسي آلان تورين وهو أحد أهم نقاد الحداثة في التشكيل الحضاري الغربي ركز في كتابه «نقد الحداثة» على رفض الاستسلام للتقنية الذي يورث الكوارث في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.

لقد حاول تورين تقديم جهد نظري في إصلاح الحداثة، أو إن شئنا الدقة إنقاذها بالعودة إلى الأصول التي انطلقت منها كمرجعية أساسية لتصحيح مسارها الخاطئ الذي أدى إلى التوتر والأزمة؛ حيث طرح الحداثة كمخرج من الحداثة التي انكشفت عن أزمات كبرى.

لقد وضع تورين يده على عمق جرح الحداثة حينما قال: إن مأساة الحداثة أنها تطورت ضد ذاتها. وهذا يعني أنها وجدت من أجل تحرير الإنسان ولكنها وفي سياق تطورها وضعته في أقفاص عبودية جديدة هي عبودية العقل والعقلانية، لقد أصبحت الذات الإنسانية في سياق هذا التطور موضعا للعلم والعقلانية، وتم استلاب هذه الذات من مقومات وجودها الإنسانية.

ويرى تورين أن الحداثة بقدر ما تنتصر بقدر ما تفقد قدرتها على التحرير، إن دعوة التنوير مؤثرة عندما يكون العالم غارقا في الظلام والجهل والعبودية.

ومن أجل تفسير هذا التناقض يقول تورين حول شرح إشكالية التحرير والعبودية فيما بين عصر التقاليد وعصر الحداثة: «كنا نعيش في الصمت صرنا نعيش في الضجيج، كنا معزولين فصرنا ضائعين وسط الزحام، كنا نتسلم قليلا من الرسائل والآن تنهمر علينا كوابل من نار، لقد انتزعتنا الحداثة من الحدود الضيقة للثقافة التقليدية المحلية التي كنا نحياها وألقت بنا في جحيم الحرية الفردية، لقد ناضلنا ضد نظم الحكم القديمة الفاسدة وميراثها، أما في القرن العشرين فضد الأنظمة الجديدة والمجتمع الجديد والإنسان الجديد».

وبينما تورين يحاول نقد الحداثة من على ذات الأرضية الحداثية يقع العالم الغربي في متاهات ما بعد الحداثة والعدمية وتشيؤ الإنسان وتلاشي منظومة العلاقات الاجتماعية والإنسانية وسيطرة المفاهيم المادية وبروز حضارة الإنسان ذات البعد الواحد.

أما أهم الأصوات الناقدة للحداثة الغربية من عالمنا فهو أستاذنا الدكتور عبدالوهاب المسيري (رحمه الله) الذي كان أحد أهم الأصوات العربية في نقد مفاهيم وأفكار الحداثة الغربية، بل ورفض الفرض القسري لأزمات الحداثة على مجتمعاتنا التي لم تشهد التحولات الفكرية الكبرى التي عاشتها المنظومة الفكرية الغربية بمختلف مراحلها: النهضة، الأنوار، الحداثة، ما بعد الحداثة، فليس هناك لمعنى من مجابهة فكر لم نعان أزمنته بنظريات لم ننتجها!

وكان مساهمة المسيري الفكرية الكبرى هو تقديمه لما سماه بالحداثة الإنسانية الإسلامية والتي يراها حلا لا للعالم الإسلامي فقط، بل حلا للإنسانية جمعاء بعيدا عن تحيزات الخطاب الإسلامي بمختلف أشكالها.

في كتابه: دراسات معرفية في الحداثة الغربية حاول الدكتور المسيري استجلاء وتفكيك معالم فكر الحداثة والحضارة الغربية والنموذج المعرفي الكامن وراء نظرياتها ومنتجاتها الحضارية، كما تناول بعض قضايا المنهج المتصلة بقضية دراسة الحضارة وعلاقة الأفكار بالواقع.

وفي هذا الكتاب دراسات عن الحضارة الغربية الحديثة والنموذج المعرفي الكامن وراء بعض نظرياتها ومنتجاتها الحضارية، وعن بعض أهم المفاهيم المحورية فيها مثل: «الإنسان الطبيعي»، و«الاستنارة»، و«العلمانية».

كما حاول المسيري تحديد سمات هذا النموذج الأساسية، فيذهب إلى أن الحداثة الغربية حداثة منفصلة عن القيمة (value-free)، والتي يشير لها المسيري بصفتها الحداثة المادية أو الحداثة الداروينية؛ لأنها تجعل «الصراع» هو جوهر العلاقات الإنسانية. وبيّن المسيري خطر تبديات النموذج الحضاري الغربي على مجمل حياة الإنسان، العامة والخاصة، في الشرق والغرب.

ودراسة الظواهر الحضارية المركبة مختلفة عن دراسة الظواهر الطبيعية المادية والظواهر الإنسانية البسيطة؛ فالنتائج التي يصل إليها الدارس هي نتائج في معظمها احتمالية. ولتوضيح هذه القضية يقدم المسيري ثلاث دراسات في فكر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، والهدف منها توضيح منهجه في دراسة الظواهر الحضارية الحديثة، فهو يستخدم النماذج المركبة متعددة الأبعاد ليفسر ظواهر مثل الرأسمالية والعلمانية، ويبين علاقتهما بحركة الإصلاح الديني في الغرب.




في المفاهيم والمصطلحات الحضارية

مفهوم الحضارة عند الدكتور حسين مؤنس

د. عمرو عبد الكريم

الحضارة ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته؛ سواء أكان هذا الجهد مقصودا أو غير مقصود، وسواء أكانت هذه الثمرة مادية أو معنوية.

مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي

إن الحضارة هي روح الشعب، وإنها الفيْصَل بين الإنسانية والبدائية، وإن مشكلة أي أمة إنما هي مشكلة حضارية.

وثمة ثلاثة عوالـم أساسية تبني التاريخ، الذي يصنع بدوره الحضارة؛ وهي عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء. وليس بمقدور هذه العوالم التأثير والاشتغال إلا إذا ترابطت وتلازمتْ، وأي خَلل يطال أحدها أو بعضها فمعناه التعطل عن العمل أو العمل الناقص.

مفهوم الحضارة عند ابن خلدون

الحضارة إنما هي تفنُّن في الترف وإحْكام الصنائع المستعْمَلة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفَرْش والأبْنية وسائر عوائِد المنزل وأحواله.



مقولات في الوعي الحضاري

«حياة الإنسان لا تقاس بطول السنين بل بعرض الأحداث».

الشيخ علي الطنطاوي

«ليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية وتأثيرها الاجتماعي».

مالك بن نبي

إن المبادئ والأفكار في ذاتها - بلا عقيدة دافعة - مجرد كلمات خاوية أو على الأكثر معان ميتة! والذي يمنحها الحياة هي حرارة الإيمان المشعة من قلب إنسان! لن يؤمن الآخرون بمبدأ أو فكرة تنبت في ذهن بارد لا في قلب مشع.

الشيخ محمد الغزالي




عرض كتاب

روح الحداثة (المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية)

د. طه عبدالرحمن

الرباط: المركز الثقافي العربي، 2006 م، 287 صفحة.

طه عبدالرحمن هو أحد أهم الفلاسفة العرب المعاصرين والذين يبدعون مفاهيمهم وينحتون أفكارهم ويقفون على أرض صلبة من المعارف والعلوم تسمح لهم بالتفاعل الحر الواعي مع فضاءات الفلسفة الغربية (تحديدا) تفاعلا متمكنا.

يرى المؤلف أن المجتمع المسلم يعيش حالة من التيه الفكري، حيث تتوارد عليه كثرة من مثل هذه المفاهيم التي تضعها المجتمعات الأخرى، لا قدرة له على استيعابها ولا طاقة له على صرفها. والواقع أن المجتمع المسلم مالم يهتدِ إلى إبداع مفاهيمه أو إعادة إبداع مفاهيم غيره حتى كأنها من إبداعه ابتداءً، فلا مطمع في أن يخرج من هذا التيه المُهلِك الذي أصاب العقول. ونحن نرى بعض فئات مجتمعنا تدّعي أنها استطاعت أن تهتدي في هذا التيه. ويرى المؤلف أن هذه الفئة ما هي إلا الفئة المقلّدة. وهم على نوعين، مقلّدة المتقدمين ومقلّدة المتأخرين من غير المسلمين. ومما لاشك فيه أن التقليد ليس فيه شيء من الإبداع.

ويبدع طه عبدالرحمن مفاهيم إجرائية من داخل التراث الإسلامي ويتّبع في هذا الإبداع قاعدتين منهجيتين هو من وضعهما:

1- كل أمر منقول مُعتَرض عليه، حتى تَثبُت بالدليل صحته. وبمقتضى هذه القاعدة يكون السؤال: بم تثبت المفاهيم المنقولة؟ ويسميه المؤلف «النقد الإثباتي».

2- كل أمر مأصول مُسلّم به، حتى يَثبُت بالدليل فساده. وبمقتضى هذه القاعدة يكون السؤال: بم تبطُل المفاهيم المأصولة؟ ويسميه المؤلف «النقد الإبطالي».

والحداثة أحد أهم مفاهيم الحضارة الغربية، واختلف مفكرو الأمة الإسلامية وعلماؤها في كيفية التعامل معها ابتداء ومع منتجاتها انتهاء، ومن الاختلاف حولها من أول التعريف حتى الماهية، ومن المقدمات حتى النتائج.

يفرق طه عبدالرحمن بين روح الحداثة وواقع الحداثة. فيرى أن الحداثة عبارة عن إمكانات متعددة، وليست كما رسخ في الأذهان إمكانا واحدا، ويستدل على ذلك بأن المشهد الحداثي الغربي فيه من التنوع ما يجعلنا نقول أن هناك حداثات وليست حداثة واحدة، بل يمكن اعتبار أن نموذج الحداثة الغربية هو أحد تجليات روح الحداثة، وليس التجلي الوحيد.

ومن هذا المنطلق لا مانع لديه من أن تكون هناك حداثة إسلامية، فكل جديد نافع له في الإسلام نسب، وله بالدين المنزل صلة.

ويؤكد طه عبدالرحمن أن لروح الحداثة مبادئ ثلاثة أساسية هي:

مبدأ الرشد: ومعناه أن الأصل في الحداثة الانتقال من حال القصور إلى حال الرشد. والمقصود بالقصور هنا هو اختيار التبعية للغير. وهذا المبدأ يقوم على ركنين رئيسين:

الأول الاستقلال: وهو أن يستغني الإنسان الراشد عن كل وصاية فيما يحق له أن يُفكّر فيه.

والثاني: الإبداع: وهو أن يسعى الإنسان الراشد إلى أن يُبدع أفكاره وأقواله وأفعاله، ويؤسسها على قيم جديدة يُبدعها من عنده أو على قيم سابقة يعيد إبداعها.

مبدأ النقد: ومعناه أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد، والمراد بالاعتقاد هو التسليم بالشيء من غير وجود دليل عليه، ويقوم هذا المبدأ على ركنين رئيسين:

الأول: هو التعقيل ويعني إخضاع ظواهر العالم ومؤسسات المجتمع وسلوكيات الإنسان كلها إلى مبادئ العقلانية.

والثاني التفصيل: والمقصود به نقل الشيء من صفة التجانس إلى صفة التغاير، بحيث تتحول عناصره المتشابهة إلى عناصر متباينة وذلك من أجل ضبط آليات كل عنصر منها.

مبدأ الشمول: ومعناه أن الأصل في الحداثة الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول، والمراد بالخصوص شيئان هما: «وجود الشيء في دائرة محدودة» و«وجود الشيء بصفات محددّة»، ويقوم هذا المبدأ على ركنين رئيسين:

الأول: التوسّع فلا تنحصر أفعال الحداثة في مجال أو مجالات معينة، بل إنها تنفذ في كل مجالات الحياة ومستويات السلوك.

والثاني: التعميم ويعني أن لا تبقى الحداثة حبيسة المجتمع الذي نشأت فيه، بل إن منتجاتها وقيمها ترتحل إلى ما سواها من المجتمعات.

ثم انتقل المؤلف من التنظير إلى التطبيق فطبق مفاهيم ومقولات مبدأ النقد على نموذجين هما: نظام العولمة، ونظام الأسرة.

ثم طبق مفاهيم مبدأ الرشد على نموذجين هما: الترجمة الحداثية، والقراءة الحداثية للقرآن.


ثم كان التطبيق عن مبدأ الشمول على نموذجين هما: «حق المواطنة»، و«واجب التضامن».