كيف نجاهد أنفسنا
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: كيف نجاهد أنفسنا

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,187

    افتراضي كيف نجاهد أنفسنا

    كيف نجاهد أنفسنا(1)


    علي محمد محفوظ

    الْحَمْدُ لِلَّهِ نحمده و نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه ُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وحده لا شريك له ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أما بعد:
    المقدمة:
    كثيرا ما نقرأ موضوعات غريبة، أو نطلع على مشكلات خطيرة بالأمس وفي الأيام الماضية قرأنا عن فتيات خدعن بذئاب بشرية، وارتكبت بعضهن الفواحش والموبقات ووقعن في الزنى باختيارهن وسموه بالزواج العرفي!
    واطلعنا على مشاكل للبنات والأولاد و الكل يشتكي من الوقوع في مختلف الذنوب و المنكرات كالاطلاع على الأفلام أو المواقع الإباحية، والكل يتسائل ماذا نفعل وكيف يتصرف الأبوان؟
    الشباب يجري وراء المغريات، ويرتكب الذنوب، ويقترف المعاصي، وبعضهم يفتخر بفعل المنكرات وبعضهم يجهر بارتكاب المحرمات، ويتنافسون في التفنن في إيقاع الفتيات الساذجات، وقد يستيقظ بعضهم ويسأل أو يتساءل، كيف ابتعد عن السوء وأهله وكيف أستقم على طاعة الله، الأم تتسائل كيفي يمكنني إشغال الأولاد بالخير والحق. وإبعادهم عن الشر والسوء .
    والشاب أو الفتاة الداخلة لطريق التوبة تستفهم كيف أستمر على فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات
    فكنت أجيب باختصار، ثم فكرت أن أكتب موضوعا مطولا يرشدنا جميعا لكيفية جهاد أنفسنا.
    التمهيد: أهمية مجاهدة النفس:
    فلابد للأب والأم، ولابد للجميع الشباب والفتيات العمل على مجاهدة النفس وتزكيتها والانتصار عليها.
    فالبشر يقعون في المعاصي، ويرتكبون الذنوب والمخالفات وكل بني آدم خطاء، وقد يرزق الإنسان بصديق صالح يساعده على الخير ويبعده عن الشر أحيانا، ولكن بين أعضاءه تعيش في جنباته وتستولي على خلجاته، نفسه التي تحتاج لمجهود شاق وتعلم مستمر، هذا الموضوع مهم للجميع و لمن لم يفلح في تربية نفسه وإلزامها طاعة الله تعالى، مهم للأباء والأمهات والشباب، والفتيات، بل للأولاد والبنات أو لأولياء أمورهم وذلك لسبب مهم جدا وهو أن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، والنفس البشرية بطبيعتها تحب الراحة والكسل وتميل إلى الدعة والسكون ، وتنفر من البذل والاجتهاد والعطاء ، فهي تأمر بكل سوء وتنهي عن كل خير ،وهذه الحقيقة قررها لنا رب العزة والجلال بقوله إن النفس لأمارة بالسوء ) [ يوسف : 53] وما دام الأمر كذلك فاعلم يا أخي/ أختي أنك متى تركت لنفسك الزمام وأرخيت لها العنان، وأعطيتها ما تشتهي وأجبتها إلي كل ما تريد ؛ فإنها تقودك إلي كل شر وبلاء وتؤدي بك إلي التهلكة، ومن هنا يتعين على المرء أن يجاهد نفسه على طاعة الله ويكرها عليها، ولو نفرت منها، ويجبرها على ملازمة الإيمان والتقوى، من المعلوم أن للنفس صفات سيئة وأخلاقاً مذمومة، وأنه ينبغي السعي لإزالتها، ولكن صفات النفس الذميمة لا تزول بالأماني ولا بمجرد الاطلاع على حكم تزكيتها أو قراءة كتب الأخلاق والسلوك، بل لابد لها فوق ذلك من مجاهدة وتزكية عملية ، وفَطْمٍ لنزواتها الجامحة وشهواتها العارمة.
    والنفسُ كالطفلِ إنْ تُهملهُ شبَّ على حُبِّ الرضاعِ وإنْ تفطمهُ ينفطمِ
    والموضوع قسمته إلى عناصر بخلاف المقدمة والتمهيد، وذلك لتغطية الموضوع بصورة شبه كاملة وأرجو ممن يقرأه أن يدعو لي بظهر الغيب، وينشره، و يمكن أن يطبعه، ويوزعه بصورة غير تجارية لنشر الخير، وجزاكم الله خيرا.
    أولا: في معنى المجاهدة والجهاد ومراتبه، ومعنى النفس في اللغة والشرع.
    المجاهدة لغة: مصدر جاهد يجاهد جهاداً ومجاهدة، وهو مأخوذ من مادة ( ج هـ د ) التي تدل على المشقة، وبذل الجهد.
    أما الجهاد في الشرع فيدور معناه عند أغلب الفقهاء: على قتال المسلمين للكفار بعد دعوتهم إلى الإسلام أو الجزية ثم إبائهم، وهناك أنواع أخرى قد أطلق عليها الشارع اسم الجهاد مع خلوها من القتال كجهاد المنافقين، وجهاد النفس .
    الانتصار على النفس أولاً:
    ولما كان جهاد أعداءِ الله فرعًا على جهادِ العبد نفسه في ذاتِ الله ، كان جهادُ النفس مُقدَّماَ على جهاد العدوِّ ؛ فإن من لم ينجح في جهاد نفسه أولاً لتفعل ما أُمِرَتْ به، وتترك ما نُهيت عنه، ويُحارِبها في الله، لم يستطع جهادُ عدوه ، فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه ، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه في الله، بل لا يمكن الخروجُ إلى العدو ، حتى يُجاهد نفسه على الخروج•
    العدو الثالث: فهذان عدوَّانِ قد امتُحِنَ العبدُ بجهادهما (النفس والأعداء)، وبينهما عدوٌ ثالث، لا يمكنه جهادُهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثَبِّطُ العبدَ عن جهادهما، ويُخَذِّلُه، ويُرجِفُ به، ولا يزالُ يُخَيِّل له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوت اللذات، والمشتهيات، ولا يُمكنه أن يُجاهِدَ هذين العدويْنِ إلا بجهاده، فكان جهادُه هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان؛ قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً )(فاطر: من الآية6). والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنَّهُ عدو لا يفتر،ولا يُقصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس .
    مراتب الجهاد:
    ذكر العلماء أن للجهاد أربع مراتب:جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
    فجهاد النفس أربع مراتب أيضاً:
    إحداها: أن يجاهدها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت في الدَّارين•
    الثانية: أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها•
    الثالثة: أن يُجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهُدى والبينات، ولا ينفعه علمُهُ، ولا يُنجِيه من عذاب الله•
    الرابعة: أن يُجاهدها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله لله• فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الرَّبَّانِيينَ ؛ فإن السلف مجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يستحقُّ أن يُسمى ربانيًا حتى يعرف الحقَّ، ويعمل به، ويُعَلِّمَه، فمن علم وعَمِلَ وعلَّمَ فذاك يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات•
    وأما جهاد الشيطان، فمرتبتان:
    إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوكِ القادحة في الإيمان•
    الثانية: جِهادهُ على دفع ما يُلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات ، فالجهادُ الأول يكون بعُدة اليقين، والثاني يكون بعُدة الصبر؛ قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24).
    وأما تعريف المجاهدة: فطام النفس عن الشهوات، ونزع القلب عن الأماني والشهوات. فالمجاهدة هي تقوية الإرادة ، وتدريب النفس على ترك المحرّمات ، وأداء الواجبات ، واكتساب الفضائل ، وتحاشي الوقوع في الرذائل . لذلك كانت المجاهـدة عملية شـاقّة (كما سيأتي) ، ومرتبة عالية من مراتب الجهاد ، لأنها محاولة عقلية وإرادية للانتصار على الذات والغريزة ، وترويضها على قبول الحق وفعل الخير والبعد المنكر .
    وتعريف النفْس في اللغة تطلق على الروح، والدم والجسد والعين.
    وفي الاصطلاح: هي الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس و الحركة الإرادية.
    مجاهدة النفس هي إذن: فطمها وحملها على خلاف هواها المذموم وإلزامها تطبيق شرع الله تعالى أمراً ونهياً.
    ومجاهدة النفس كذلك: هي ترويض النفس وتدريبها وتربيتها على الالتزام بخط الإسلام، والتطابق الإرادي والنفسي مع منهاجه القويم .
    ودليلها من الكتاب قوله تعالى: ( والذينَ جاهدوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا ) . وهذه الآية من سورة العنكبوت ، وهي سورة مكية ، ومن المعلوم أن جهاد الكافرين شرع في المدينة النبوية ، وهذا يدل على أن المراد من الجهاد هنا جهاد النفس ، وبما أن تزكية النفس فرض عين ، وهي لا تتمّ إلا بالمجاهدة ، فإن المجاهدة تكون فرض عين ، إذ إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن مجاهدة النفس وإكراهها على الطاعات من أفضل أنواع الجهاد في سبيل الله ، وسيأتي الدليل على ذلك الدليل من السنة .
    وتربية النفس وتزكيتها ضرورة واجبة، وهو استجابة لأمر الله عز وجل ؛ إذ إن الله تعالى قد أمرنا أجمعين أن نزكي أنفسنا، وأن نقيها الذنوب والمعاصي حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾، وقد ربط الله عز وجل فلاح هذه الأنفس بتزكيتها وتربيتها في غير ما موطن في القرآن الكريم، فيقول الله تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) .
    وإلى اللقاء في الحلقة القادمة لبيان كيفية مجاهدة النفس.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,187

    افتراضي رد: كيف نجاهد أنفسنا

    كيف نجاهد أنفسنا(2)


    علي محمد محفوظ


    ثانيا: الأمر بالمجاهدة في القرآن الكريم :
    وقد أمرنا الله تعالى بمجاهدة أنفسنا لله فقال تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج )[سورة الحج:77-78]، وحق الجهاد يكون بفعل مراتب الجهاد الأربع السابقة .

    نتيجة المجاهدة : وعد الله تعالى من جاهد نفسه وخالف هواه وجعل هدفه السعي إلى مرضاة الله ؛ وعده الله تعالى بالمعونة والنصر والتأييد والهداية للطريق القويم ، فقال سبحانه وتعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) [ العنكبوت : 69]

    ثالثا ـ الأمر بالمجاهدة في الحديث والآثار : وعن " فضالة بن عبيد " رضى الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( والمجاهد من جاهد نفسه في الله ) [ رواه ابن حبان والترمذي في كتاب فضائل الجهاد وصححه ورواه أحمد وانظر السلسة الصحيحة للألباني (549)] ،
    و قال " عمر بن عبد العزيز " رحمه الله :" أحب الأعمال إلي الله ما أكرهت عليه النفوس " .
    وقال عبد الله بن المبارك " رحمه الله : " إن الصالحين قبلنا كانت تواتيهم أنفسهم ( أي تعينهم وتوافقهم ) على فعل الخير ونحن لا تواتينا أنفسنا إلا أن نكرها " فسبحان الله ماذا سيقول ابن المبارك لو أدرك زماننا هذا ؟!!

    رابعاـ خطورة عدم مجاهدة النفس :
    فقد اتفق علماء السلف على أن النفس تحجز بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنها لا تستطيع أن تصل إلى مرضاة الله عز وجل والنجاة يوم القيامة إلا بعد تهذيبها والسيطرة عليها، قال تعالى:(ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ،قد أفلح من زكاها ،وقد خاب من دساها ) الشمس : 7_ 10وقال تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ) آل عمران :30.

    تتمثل خطورة ترك مجاهدة النفس في أن صلاحها وفسادها لا يؤثر على حياة الفرد ومصيره فحسب، بل يؤثر على المسلمين عامة وعلى الدعاة خاصة.
    والمثال على ذلك ما أصاب المسلمين في غزوة أحد ما أصابهم من القرح الشديد حيث قتل سبعون من الصحابة وجرح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وتساءل بعض الصحابة رضوان الله عليهم ما سبب الهزيمة ألسنا نقاتل في سبيل الله ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وعدنا الله تعالى بالنصر؟ فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) آل عمران : 165سبب الهزيمة من أنفسكم، بسبب مخالفة الرماة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أيها الأخوة الكرام/ أيتها الأخوات الفاضلات:
    إنه بالرغم ما للنفس من خطورة وأهمية كبيرة إلا أنه وللأسف
    1. يترك كثير من الناس نفوسهم ولا يهتمون بتزكيتها ومجاهدتها ولا تطهيرها.
    2. ومن الناس من يعرف في نفسه الصفات الذميمة والأمراض الكثيرة كالبخل أو الكبر أو الرياء أو حب الرياسة والسيطرة على الآخرين أو حب الانتصار للنفس في الباطل أو العجب وحب الظهور أو الاعتزاز الشديد بالرأي الشخصي، ولكنه لا يقاوم تلك الصفات، بل ويتساهل مع ما تدفعه إليه من أعمال، فتنمو تلك الصفات، ويصعب عليه السيطرة على نفسه.
    3. والصنف الثالث من الناس لا يملك قوة على مواجهة نفسه ولا يريد أن يعترف أنه مصاب بتلك الصفات الذميمة، وبالتالي لا يفكر أساسا في علاجها، فهل هذه حال أناس يدركون أهمية صلاح نفوسهم؟

    الوقوف مع النفس : إننا يجب أن نعيد النظر في اهتمامنا بتزكية النفس لنقضي على تلك المظاهر السابقة أو لتقليلها في صفوف المسلمين، وإلا فالنتيجة وخيمة لا يرضى بها إلا عدو، وليس من المبالغة في القول إننا يجب أن نقف كثيرا مع نفوسنا نحاسبها كما يحاسب الشريك المتخوف شريكه، وأن نخطو بقوة وعزيمة كما يخطو الجندي المهاجم على عدوه، ولعل المقام يسمح بإلقاء الضوء على بعض خطوات إصلاح وتزكية النفس.

    خامساً ـ خطوات إصلاح النفس وبيان أنواعها :
    أما الخطوة الأولى لإصلاح النفس وتزكيتها : هي معرفة موقع النفس ودرجتها، لقد وصف الله سبحانه تعالى النفس في القرآن الكريم بثلاثة صفات أو ذكر لها ثلاث درجات.

    أما الصفة الأولى وهي أدنى وأخس درجة هي النفس الأمارة، وهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من الشهوات والملذات الحسية ، أو تأمر صاحبها بالأخلاق القبيحة كالظلم أو الحقد أو الفخر وغير ذلك من مخالفات للشرع، فإن أطاعها العبد قادته لكل قبيح ومكروه قال تعالى: (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) يوسف : 53، فأخبر سبحانه وتعالى عن تلك النفس أنها أمارة وليست آمرة لكثرة ما تأمر بالسوء، ولأن ميلها للشهوات والمطامع صار عادة فيها إلا إذا رحمها الله عز وجل وهداها رشدها ، وهذه هي النفس التي يجب مجاهدتها .

    أما الصفة الثانية أو الدرجة التي يمكن للنفس أن تعلو إليها فهي النفس اللوامة، وهي النفس التي تندم على ما فات وتلوم عليه، وهذه نفس رجل لا تثبت على حال فهي كثيرة التقلب والتلون، فتذكر مرة وتغفل مرة، تقاوم الصفات الخبيثة مرة، وتنقاد لها مرة، ترضي شهواتها تارة، وتوقفها عند الحد الشرعي تارة.

    أما الصفة الثالثة أو أعلى مرتبة يمكن أن تصل إليها نفسك وترقى هي النفس المطمئنة، وهي تلك النفس التي سكنت إلى الله تعالى واطمأنت بذكره وأنابت إليه وأطاعت أمره واستسلمت لشرعه واشتاقت إلى لقائه، كرهت كل معصية وأحبت كل طاعة وتخلصت من الصفات الخبيثة من الشح والأنانية واللؤم والخيانة واستقرت على ذلك فهي مطمئنة، وهذه النفس هي التي يقال لها عند الوفاة (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) .

    هذه هي أحوال النفس التي تتردد عليها والنفس تكون تارة أمارة وتارة لوامة وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا ، وها هنا موضع مجاهدة النفس وتزكيتها فمجاهدة النفس تعني أن تنقل نفسك من حمأة النفس الأمارة إلى يقظة النفس اللوامة ثم إلى نقاء وطهارة النفس المطمئنة والثبات على ذلك وحتى تعرف أين موقع نفسك أمام هذه الدرجات وأين يقف المؤشر فانظر إلى الصفة الغالبة.

    الخطوة الثانية: في إصلاح نفسك: هي الاعتراف بالعيوب والتعرف عليها، فإن اعتراف الإنسان أن به عيوبا خطوة هامة في طريق الإصلاح لأن الإعراض عن معرفة العيوب هو ضعف ونقص وفقدان للشجاعة في مواجهة النفس، بل هي إحدى صفات المعرضين عن رسل الله عز وجل حيث قال تعالى: (ولكن لا تحبون الناصحين ) وإن مما يجعلك ترفض الاعتراف بالعيب الشعور بأنك قد بلغت مرحلة من الصلاح لا تحتاج فيها إلى تذكير ونصح لكثرة ما قرأت وعلمت في إصلاح النفوس، وتطمئن إلى هذه المعرفة دون أن تقف مع نفسك وقفة حازمة لترى هل تخلصت فعلا من الأخلاق الذميمة، لقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المبشر بالجنة يقول:"رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي"، وكان يذهب إلى حذيفة ليعرف هل هو من المنافقين أم لا، وكان أحد تلاميذ سفيان الثوري يدعو الله عز وجل ويقول: اللهم عرفني نفسي. وقال محمد بن كعب القرطي: إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال: فقها في الدين، وزهادة في الدنيا، وبصرا بعيوبه.

    هذا وإن من أهم الوسائل التي تعين على معرفة عيوب النفس باختصار : طلب العلم والمواظبة عليه، ومصاحبة الأخ الناصح الرفيق : الذي يبصرك بعيوبك ويرى أن ذلك واجبا عليه عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : (الدين النصيحة) , والاطلاع على كلام أعدائك وخصومك فإنهم يتلمسون دائما معايبك.

    الخطوة الثالثة: لإصلاح النفس ينبغي مجاهدة الصفات الذميمة أو القبيحة في النفس، والصفات الذميمة التي في النفس كثيرة مثل الحقد، الحسد، البخل، التكبر عن قبول الحق، الخيانة، الرياء، احتقار الآخرين لميزة يراها الإنسان في نفسه لعلم أو مال أو جاه، و الاغترار بالرأي الشخصي.

    ولتتمكن من مقاومة تلك الصفات عليك أن تثق تماما أنها ستمنعك مما فيه صلاحك في الدنيا والآخرة، وأنها ستجلب غضب الله عز وجل فلا تستجيب لندائها ولتفعل ما يقتضيه مخالفتها قال الشاعر:

    إذا طالبتك النفس يوما بشهوة و كان إليها للخلاف طريق
    فدعها وخالف ما هويت فإنما هواك عدو والخلاف صديق

    وخذ عندك مثلا لذلك، قد يهم الإنسان بالإنفاق في سبيل الله إعانة الدعوة أو التصدق على الفقراء والمساكين أو غير ذلك، فيحول الشح والبخل المتأصل في النفس دونك ودون الإنفاق، وتتولد في نفسك المعاذير لئلا تنفق، وتبدأ نفسك تكثر أمامك الحاجة الملحة للمال حتى تمسك يدك عن الإنفاق في سبيل الله.

    خذ مثالا آخر قد تتولد عندك في فترة من فترات الراحة والارتخاء دافع قوي للصلح مع ذلك الأخ الذي تشاحنت معه وتأزمت بينك وبينه العلاقة وتمثلت أمامك الآية التي يقول الله عز وجل فيها: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) فصلت : 34،35، وإذا بالنفس الأمارة وبكبرها وحقدها تقف أمامك لتحول بينك وبين مصالحة أخيك. كيف وكيف وكيف وهو الذي أخطأ في حقك ؟ كيف وأنت لم تمس له كرامة؟ وأنت الذي ما قصرت في حق من حقوقه؟ وإذا بهمتك المندفعة للخير تقف وتشل بفعل نفسك الأمارة إن لم تزدك حقدا . وقد يهم البعض بأن ينطلق في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم والتعلم، فلا يكاد يبدأ حتى تخرج عند طبيعة نفسية هي غلبة حب الكسل والراحة والخمول، فتقعده عن هذا المجال العظيم وتؤخره عنه، وقد يوجد عند بعض الناس في نفوسهم شيء من العجب أو الرياء، فلا ينشط إلا في المجالات التي يكون فيها فرصة للظهور والبروز، فإذا ما أصبح وحيدا كسل عن كثير من العبادات والطاعات والسنن التي كان يفعلها أمام الناس، فينبغي لمثل هذا أن يعلم أن نفسه ستوقعه في الهلاك وستهدم عليه كل ما يقيمه من أعمال إلا أن يقاومها ويجاهدها ويقف لها بالمرصاد وليكثر من عمل الطاعات في الخفاء ليعود نفسه الإخلاص والصدق في العمل.

    والنفس تعلم أني لا أصادقها ولست أرشد إلا حين أعصيها

    قال ابن الجوزي: وما زلت أغلب نفسي تارة وتغلبني تارة، فخلوت يوما بنفسي فقلت لها: ويحك اسمعي أحدثك إن جمعت شيئا من وجه فيه شبهة أ فأنت على يقين من إنفاقه؟ قالت: لا. قلت لها: فالمحنة عند الموت أن يحظى به غيرك ولا تنالين إلا الكدر العاجل والوزر. ويحك اتركي هذا الذي يمنع الورع لأجل الله، أَوَ مَا سمعت أن من ترك شيئا لله عوضه الله خير منه.

    ثم هذا هو يجاهد نفسه وقد أصابه نوع من العجب بعلمه قال: وجدت رأي نفسي في العلم حسنا إلا إني وجدتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم فصحت بها: فما الذي أفادك العلم؟ أين الخوف أين الحذر؟ أَوَمَا سمعت بأخبار الصالحين في تعبدهم واجتهادهم أَوَمَا كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ثم قام حتى ورمت قدماه؟ أما كان أبو بكر رضي الله عنه شجي النشيج كثير البكاء؟ أما كان في خد عمر رضي الله عنه خطان من آثار الدموع؟


    وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ومع الخطوة الرابعة في تزكية النفس



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,187

    افتراضي رد: كيف نجاهد أنفسنا

    كيف نجاهد أنفسنا(3)


    علي محمد محفوظ


    الخطوة الرابعة في تزكية النفس:
    هي تنمية الصفات الطيبة ورعايتها حتى يكون لها الغلبة، وذلك مثل صفات الحلم والكرم والتواضع، ولا يكفي لتنمية تلك الصفات ورعايتها في نفسك أن تقرأ فيها كتابا أو تحفظ في فضلها نصوصا وأشعارا، ولكن تحصيل تلك الصفات لابد له من مجاهدة وتمرن وتدريب ، ومثال ذلك من أراد أن يكون حليما فهذا ينبغي له أن يقو إيمانه ويزيد صبره ويكظم غيظه ويملك نفسه في مواقف الغضب، قال صلى الله عليه وسلم : (إنما الحلم بالتحلم).

    والصبر إذا تكلفته وتمرنت عليه اكتسبته وكما قالوا: المزاولات تعطي الملكات، ومعنى هذا أن من يزاول شيئا واعتاده وتمرن عليه صار ملكة وسجية وطبيعة ولا يزال العبد يتكلف الحلم والصبر والصدق حتى تصير له أخلاقا.
    ومما يعين على هذا تتبع خلق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، و النظر في أو قراءة سير الصالحين.

    الخطوة الخامسة: محاسبة النفس:
    والمحاسبة هي التمييز بين ما لك وما عليك قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) ، فأمر سبحانه العبد أن ينظر فيما قدم لغد وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك والنظر هل يصلح ما قدمه من عمل أن يلقى الله به أو لا يصلح.

    ومحاسبة النفس نوعان
    أولا: محاسبة قبل العمل، وهو أن تقف عند أول همك بالعمل وتنظر أهو لله أم لا؟ أهو موافق للشرع أم لا؟ قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله أمضاه وإن كان لغيره تأخر.
    أما النوع الثاني في محاسبة النفس: فهو بعد العمل محاسبتها على طاعة قصرت فيها، ومحاسبتها على معصية ارتكبتها ثم يحاسبها بما تكلمت به أو مشت رجلاه أو بطشت يداه أو سمعت أذناه، ماذا أرادت بذلك وكم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ قال تعالى: (فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون )وقال تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم )قال أحد السلف: فإذا سأل الله الصادقين فما بالك بالكاذبين.

    سادساً ـ المشقة في مجاهدة النفس :
    ومجاهدة النفس فيها عسر ومشقة، وفيها صعوبة، ولذلك يقول ابن قيم الجوزية - كما في (مفتاح دار السعادة) -: "لا يستطيع الإنسان أن يحقق المعالي من الأمور إلا بمجاهدة نفسه وجعلها عدوة له". ويؤكد هذا المعنى جلياً ابن رجب يرحمه الله - كما في شرحه لحديث (لبيك اللهم لبيك) - فيقول: "النفس تحتاج إلى محاربة ومجاهدة ومعاداة فإنها أعدى عدو لابن آدم، فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزّ بذلك؛ لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره وأسره واكتفى شره".

    وهذا كله تأكيد على مجاهدة النفس و محاربتها ، واتخاذها عدواً للإنسان؛ وما ذلك إلا لأنها قد جُبِلَت على أخلاق مشينة؛ ولأنه لا بد من تخليصها من أسر نفسها، وإنما كانت صعوبة مجاهدة النفس لمعنيين اثنين كشف عنهما الغزالي في (منهاج العابدين) بقوله: " فإنها أضر الأعداء، وبلاؤها أصعب البلاء؛ وإنما ذلك كان لأمرين:

    أحدهما: أنها عدو من داخل الجسد، واللص إذا كان من داخل البيت عزت الحيلة فيه وعظم الضرر.
    • والثاني: أنها عدو محبوب، والإنسان عمٍ عن عيوب محبوبه لا يكاد يبصر عيبه".

    وهذا كله مدعاة إلى عسر مجاهدة النفس ومحاربتها، وإلى عسر عركها ومعرفة عيبها، ويدل دلالة واضحة أن الناس أجناس، وما حصل هذا الفارق بين الأجناس إلا بحصول المجاهدة، فمن جاهد نفسه بعد همة فإن ذلك مدعاة إلى فلاحه.

    سابعاً ـالوصول للنجاح في مجاهدة النفس :
    ويخطئ كثيرون عندما يعتقدون أن المجاهدة غير متحققة للإنسان خصوصاً عندما تطل الشهوات والشبهات برأسها، وتستحكم الغربة ويذوق الإنسان مرارتها.
    وهذا كله لا يصح؛ لأن الله تعالى لم يأمرنا إلا بما تستطيعه النفس البشرية والقدرة التكليفية، وليستحضر الإنسان حتى يسهل عليه مجاهدة هذه النفس أنه مثاب في عراك النفس ومحاربتها، وأنه مأجور في مجاهدتها. يقول ابن تيمية يرحمه الله في كتابه المسمى بـ(تزكية النفس): "فإذا كانت النفس تهوى وتشتهي وهو ينهاها - أي صاحبها - كان نهيه إياها عبادة لله تعالى وعملاً صالحاً يثاب عليه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ) رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي في كتاب فضائل الجهاد وصححه .

    كيفية الوصول للنجاح:
    كما عرفنا: يعد جهاد النفس أقوى وأشد من مجاهدة العدو ،ومما يعين عليه أن يحدد الإنسان هدفه ،فهل يريد الدنيا الفانية التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة؟أم رضا الله والجنة؟ وإذا كان يريد الجنة فعليه أن يعلم أنها سلعة الله الغالية،ومن أجلها يجب أن يقدم الغالي والنفيس من الأوقات والأموال والجهد؛ ويتنازل عن الهوى والشهوات،ويستعي ن بالله على نفسه الأمارة بالسوء، ليطوِّعها ويجعل منها نفساً لوامة،وذلك بتربية الضمير لديه ومساعدته على الصبر على الحق والترفع عن الدنايا منذ نعومة أظفاره،كما ينبغي أن نحبب إليه الجميل من الأفعال ونبغِّض إليه القبيح منها.
    فإذا عرف هدفه وهو الفوز برضا الله وأحبه؛ عاش له و به، وأراح والديه وأسرته ومجتمعه واستراح .

    ثامناً: الاعتدال في مجاهدة النفس :
    ويخطئ كثيرون عندما يستأسدون على أنفسهم استئساداً يُخْرج المرء عن القصد والاعتدال ، ويجعل المرء يبتعد عن ما أمر الله تعالى به ، أو نبيه صلى الله عليه وسلم مع هذه الأرواح والأنفس فرُبَّ رجل أراد خيراً فوقع في الوزر، ورُبَّ مريد للخير لم يبلغه كما يقوله ابن مسعود رضي الله عنه، ويقول ابن الجوزي في (صيد خاطره) كاشفاً عن شيء من ذلك: "تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلفاً من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه؛ لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق وذلك غلط من وجهين:
    أما الأول: أنه رُبَّ مانعٍ لها شهوةً أعطاها بالمنع أوفى منها مثل أن يمنعها مباحاً فيشتهر بمنعه إياه ذلك فترضى النفس بالمنع؛ لأنها قد استبدلت به المدح….
    والثاني: أننا قد كُلِّفْنا حفظها، ومن أسباب الحفظ لها: ميلها إلى الأشياء التي تقيمها، فلا بد من إعطائها ما يقيمها".
    تاسعاً ـ التدرج في مجاهدة النفس :
    أيها الأخوة/ أيتها الأخوات إن تعويد النفس وتهذيبها وتزكيتها ومجاهدتها أمر شاق ، وكيف نصل إليه ؟ نصل بالتدرج ، فإن العبد إذا جاهد نفسه على طاعة ربه، وكفَّها عن معصيته، وألزمها التوبة من التقصير في حقه، وصبر على ذلك ابتغاء مرضاته؛ رغبة في الثواب، وخوفا من العقاب، وتعظيماُ لله وإجلالاً، انقادت نفسه لذلك شيئاً فشيئاً حتى تألف الطاعة، وتتلذذ بالعبادة، وتتذوق حلاوة الإيمان، وتصبح المعاصي والمخالفات من أكره الأشياء إليها، فإن الله تعالى إذا علم من عبده حسن النية وصدق القول، والرغبة في الخير، ومحبة القيام بما أوجب الله عليه، وظهر ذلك على جوارحه، أعانه الله وسدده، وهيأ له أسباب الهداية، وفتح له خزائن الخير، وحفظه في سمعه وبصره وسائر أعضائه، فبارك له فيها وأعاذه من شرها.

    قال تعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ،فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم )[الحجرات:7-8]. وبذلك تصبح النفس مطمئنة مبشرة بحسن الخاتمة، وهي على ظهر الأرض، يقال لها عند الموت: (يا أيتها النفس المطمئنة ،ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي ، وادخلي جنتي ،[سورة الفجر:27-30].

    عاشراً: ميادين المجاهدة :
    أيها الأخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات: جاهدوا أنفسكم على فعل الطاعات، وأداء الواجبات، وترك المحرمات، والبُعد عن المنكرات، ولزوم التوبة والاستغفار من السيئات، والتقصير في سائر الأوقات، تحشروا إلى الله تعالى في صف المهديين المحسنين، وتأمنوا مما توعد الله به الغافلين الهالكين؛ فإن مجاهدة النفس برهان الاجتباء، وصفة خاصة بالأولياء.
    أولى الطاعات التي نلزم النفس بها هي:

    المواظبة على طلب العلم الشرعي وسماعه وتحصيله، والحرص على القراءة ، فإن النفس تنفر من المواصلة في طلب العلم وتتثاقل عنه، ولو أن المرء لم يطلب العلم إلا إذا مالت نفسه إليه ورغبت فيه فربما لن يطلب العلم الشرعي أبداً طوال حياته ، أو على أحسن الأحوال سيطلب العلم لفترة قصيرة ثم يدعه ويعرض عنه ، لكن بالمجاهدة وإكراه النفس على تحصيل العلم وإرغامها على طلبه تلين النفس ، وتنقاد لهذا العلم وتحبه وتحرص عليه ، بل وتصبح عاشقة له تتلذذ بسماع مسائله وقراءة كتبه ومناقشة تفاصيله فأين المجاهدون الصادقون ؟

    المسارعة إلى الخيرات: فسارعوا يا إخواني إلى أداء فرائض الطاعات، وكملوها بما شرع الله وحسنوها بالنوافل المستحبات، واجتنبوا المخالفات واتقوا الشبهات، ولازموا الاستغفار، واسألوا الثبات على الحق في الحياة وعند الممات وبعد الممات.وعليكم بما يتعدى نفعه من الخير لعامة إخوانكم في الدين؛ كتعليم القرآن والسنة، وإرشاد الضال، وتذكير الغافل، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الجوار، والحث على صحبة، الأخيار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتذكير الناس بواجب السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين بالمعروف في العسر واليسر والمنشط والمكره، فكونوا سباقين إلى الخيرات، أئمة لأهل الإسلام في الطاعات وترك السيئات، بادروا بالأعمال، فإنكم في زمن الإمهال؛ فإن الفرصة لا تدوم، وصححوا أعمالكم، وسددوا، وابنوها على الإخلاص للحي القيوم، وابتعدوا عن الرياء والسمعة والمقاصد السيئة.

    نصائح عامة : فعلينا جميعا بالحرص على الطاعات كلها، والإخلاص لله تعالى وحسن أدائها. واحذروا المنهيات جميعها صغيرها وكبيرها، وما تقرب عبد إلى ربه تعالى بأحب مما افترض عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلى ربه بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه، ويقبل عليه، ويحفظه في سمعه وبصره وجوارحه، ويمن عليه باستعمالها فيما يرضيه، ويستجيب دعاءه، ويعيذه مما يؤذيه.
    وأخيراً : فيا إخواني اتقوا الله وحافظوا على سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم تهتدوا، وأخلصوا لله تعالى نياتكم تربحوا، واستبقوا الخيرات وابتعدوا عن المنكرات ،وتوبوا إلى ربكم من قريب عما أسلفتم من السيئات، تفوزوا بمغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض، وتزحزحوا عن النار يوم العرض. والله أسأل أن يغفر لنا وإياكم ذنوبنا ويستر عيوبنا ويختتم بالصالحات أعمالنا، (اللَّهُمَّ آتِ نُفوسنا تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا، اللَّهُمَّ إنا نعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) .
    وصلى اللهم وسلم عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

    المراجع:

    ومن أراد التوسع فليرجع للمراجع التالية ، (وسأبين بعض ما تناولته بتوسع وعرضناه هنا باختصار) :
    1) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ج4 ص 408 ـ 422 وجمع في تلك الصفحات بين معاتبة النفس ومجاهدتها ومعاقبتها ،وأورد بعض أوصاف للمجتهدين المهتمين بإصلاح القلوب ومجاهدة النفوس ، وذكر الكثير من القصص عن معاقبة النفس ومجاهدتها لبعض الصحابة والتابعين والصالحين ولا يخلو بعضها من مبالغات أنكرها بعض العلماء الذين لخصوا كتابه أو هذبوه أو تعقبوه ، ومع ذلك يحسن قراءتها لترقيق القلوب .والزهد في الدنيا ، والاستعداد لليوم الآخر مع البعد عن الحكايات المشتملة على مخالفات للشريعة السمحة ، أما من حذر من مطالعة كتاب الإحياء ، فالمقصود هو البعد عن تعلم العقائد منه ، ثم لاحتوائه على الكثير من الأحاديث الضعيفة فضلا عن الموضوعة ، وقد بينها الإمام العراقي فليحذر المسلم من إيرادها أو الاستدلال بها ، ثم للسبب المذكور سابقا ، ولذلك اختصره بعض العلماء وهذبه بعضهم لوضع منهج مستقل للسلف الصالح في علم السلوك والأخلاق وتهذيب النفس ، يبتعد فيه عن الإفراط والتفريط أو المبالغات والمفاهيم الصوفية المنحرفة.

    2) البحر الرائق في الزهد والرقائق : للدكتور أحمد فريد ، وهو يرسخ المنهج السلفي المستقل لإصلاح النفوس ومجاهدتها .
    3) التربية الجهادية في ضوء الكتاب والسنة: لعبد العزيز بن ناصر الجليل وقد توسع في بيان جهاد النفس ومراتبه التي ذكرناها باختصار فأوضح كيفية مجاهدة النفس على تعلم الهدى، ثم العمل بالعلم والتقرب إلى الله بالطاعات من الفرائض والنوافل والاهتمام أولاً : بأعمال القلوب من محبة وإخلاص وزهد في الدنيا وتوكل على الله ، ثم أعمال اللسان من ذكر ودعاء وتوبة واستغفار، ثم أعمال الجوارح والتي تساعد في تربية النفس وإعدادها للجهاد من المحافظة على أداء العبادات، والأخذ بمحاسن الأخلاق، ثم توسع في كيفية مجاهدة النفس على الدعوة إلى الهدى وتعليمه للناس فبين وجوب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم شرح كيف للنفس أن تصبر على ما سبق ، ثم عقب ببعض التنبيهات المهمة في آخر الكتاب وجاء كل ما سبق من ص 103 ـ 205.

    4) تهذيب موعظة المؤمنين: وفيه تلخيص جيد للموضوع في صفحة ونصف وهل تكفي للمتعجل اللبيب صاحب القلب المتيقظ ، وجاءت تحت عنوان توبيخ النفس ومعاتبتها من آخر كتاب المحاسبة والمراقبة .

    5) تهذيب مدارج السالكين :للشيخ عبد المنعم صالح العلي العزي وهو اختصار جيد وتهذيب موفق للكتاب الأصلي يبعده عن التوسع أو الاستطراد الذي يرد فيه ابن قيم الجوزية على المبتدعة ، ويعطي للقارئ المنهج الأخلاقي الإسلامي السلفي المستقل البعيد عن الشطحات الصوفية المعروفة ، ويمكن قراءة الموضوع في منزلة الإرادة ومنزلة المحاسبة ومنزلة التهذيب ومنزلة الفتوة .

    6) مختصر منهاج القاصدين:للشيخ أحمد بن قدامة المقدسي وقد لخص الموضوع في 4 صفحات ، وميز بين الحكايات أو القصص الجائز وغير الجائز المذكور في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي هو تهذيب جيد له .

    7) منهج الإسلام في تزكية النفوس للدكتور أنس أحمد كرزون ، ط ثانية ،دار ابن حزم بيروت ( في مجلدين ) وهو يرسخ المنهج السلفي المستقل لإصلاح النفوس ومجاهدتها وتهذيبها ، ويستعرض الأساليب العملية لمعالجة النفس في كل جزئية إسلامية ساهمت في ذلك من العقائد والعبادات والأخلاق والرقائق والمعاملات سواء من الفرائض أو النوافل ، مع بيان لأمراض النفس وطرق علاجها لتصل للسعادة في الدنيا والآخرة .

    8) موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وهي موسوعة معروفة ومشهورة لا نحتاج إلى التعريف بها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •