مروان بن الحَكَم (رضي الله عنه) المُفترى عليه
النتائج 1 إلى 5 من 5
1اعجابات
  • 1 Post By محمّد الأمين

الموضوع: مروان بن الحَكَم (رضي الله عنه) المُفترى عليه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    120

    افتراضي مروان بن الحَكَم (رضي الله عنه) المُفترى عليه

    مروان بن الحَكَم المُفترى عليه
    بسم الله الرحمن الرحيم

    مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي المدني t، أبو عبد الملك و يقال أبو القاسم و يقال أبو الحكم. ولد عام 2 هـ على قول الجماهير، وقيل عام 3 أو 4 وهو ضعيف. رأى رسول الله r عام الفتح سنة 8 هـ وعمره 6 سنوات، فمنهم من عده صحابياً (مثل الذهبي وابن حجر) ومنهم من استصغر سنه عند الرؤية فجعله من كبار التابعين، ذلك لأن أباه ما لبث أن تحوّل إلى الطائف ولم يسكن بالمدينة. توفي سنة 65 هـ بدمشق. روى عن عدد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب t. وروى عنه (أيام معاوية) سهل بن سعد وهو أكبر منه سنا وقدرا لأنه من الصحابة، وروى عنه عدد من أفاضل التابعين مثل علي بن الحسين (زين العابدين) وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب. وأخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي (وصححه) والنسائي وابن ماجه، وهو ثقة بإجماعهم، وكان يُعَد من الفقهاء. نزل إلى المدينة بعد وفاة رسول الله r، و كان كاتباً لعثمان t، وحاول منع قتله. ثم شهد الجمل مع أم المؤمنين عائشة، ثم صفين مع معاوية t. ثم ولي إمرة الحجاز. وعاش معظم حياته في المدينة حتى أخرجه منها أنصار ابن الزبير t أيام خلافة يزيد، فخرج إلى الشام. و بويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية، فسيطر على الشام ثم مصر، و كانت خلافته تسعة أشهر. قال ابن حجر: وقد اعتمد حتى مالك على حديثه ورأيه. وقال المؤرخ ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: «وكذلك كان مروان ابن الحكم وابنه -وإن كانوا ملوكا- لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل البطالة والبغي. إنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم، إلا في ضرورة تحملهم على بعضها، مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مقصد. يشهد لذلك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء، وما علم السلف من أحوالهم ومقاصدهم. فقد احتج مالك في الموطأ بعمل عبد الملك. وأما مروان فكان من الطبقة الأولى من التابعين، وعدالتهم معروفة».

    http://www.ibnamin.com/Tarikh/marwan.htm

    الشبهات التي أثيرت حوله:

    قصة خروج أبيه للطائف

    اتهامه بمعاداة أهل البيت

    دوره في فتنة مقتل عثمان

    دوره في مقتل طلحة

    تغيير الخطبة

    الخروج على عبد الله بن الزبير

    تخريج الأحاديث التي جاءت في ذمه
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    120

    افتراضي رد: مروان بن الحَكَم (رضي الله عنه) المُفترى عليه

    قصة خروج أبيه للطائف

    يزعم بعض أعداء بني أمية أن رسول الله r قد طرد الحكم (والد مروان) إلى الطائف، وسيأتي في تخريج الأسانيد أن هذا الزعم ليس له أي إسناد صحيح. وقد فند شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأسطورة وبيّن أن الحكم قد خرج طوعاً بعد إسلامه إلى الطائف وأقام هناك. فلما تولى عثمان الخلافة، استدعاه إلى المدينة. قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: «وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن نفي الحكم باطل. فإن النبي r لم ينفه إلى الطائف، بل هو ذهب بنفسه. وذكر بعض الناس أنه نفاه، ولم يذكروا إسنادا صحيحا بكيفية القصة وسببها».

    اتهامه بمعاداة أهل البيت

    وهذه كذبة شيعية، ليس لها إسناد صحيح. وكان مروان كثير التعظيم لبني هاشم، وكان على صلة قوية بهم. وما يردده بعض الجهلة من أنه كان يسب أهل البيت، هو أمر مناقض لما هو ثابت متواتر عنه من حبه لهم وحبهم له. فهو يروي الحديث عن علي بن أبي طالب t، ويروي عنه الحديث علي زين العابدين ابن الحسين t. وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (4|389): روى شعيب عن الزهري قال: «كان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته، وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وإلى عبد الملك». قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول: لما انهزم الناس بالبصرة يوم الجمل كان علي بن أبي طالب يسأل عن مروان بن الحكم فقال رجل يا أمير المؤمنين إنك لتكثر السؤال عن مروان بن الحكم، فقال: «تعطفني عليه رحم ماسة، وهو مع ذلك سيد من شباب قريش». وهذه القصص يرويها عدد من الضعفاء (من أمثال عمير بن إسحاق الذي قال عنه ابن معين: لا يساوي شيئاً، وقال الذهبي: فيه جهالة، والتشيع ظاهر في روايته). وقد ذكرت كثيراً من هذا في قسم الأحاديث النبوية، فانظره.

    دوره في فتنة مقتل عثمان

    كان كاتب عثمان في خلافته. وزعم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي أن عثمان كتب إلى والي مصر كتاباً بقتل زعيمهم، فرجعوا إلى المدينة وحاصروا عثمان حتى قتلوه. والكتاب المزعوم الذي قيل بأن مروان كتبه على لسان عثمان رضي الله عنه بقتل محمد بن أبي بكر ومن معه، كذب وزور وبهتان. فلم يكتب شيئاً. ولو صح ما زعموه، فيكف عرف أهل العراق بالكتاب المزعوم وقد ساروا ثلاثة أيام شرقاً وهؤلاء غرباً، ثم عادوا جميعا في وقت واحد على المدينة؟ وقد زوروا على لسان علي وعائشة وكثير من الصحابة كتبا مماثلة، فهل يبعد عنهم أن يزوروا على لسان عثمان رضي الله كتبا عديدة؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    120

    افتراضي رد: مروان بن الحَكَم (رضي الله عنه) المُفترى عليه

    دوره في مقتل طلحة

    يزعم الواقدي الكذاب أن مروان بن الحكم لما قاتل في يوم الجمل ثم رأى انكشاف الناس، نظر إلى طلحة بن عبيد الله (أحد العشرة المبشرين بالجنة) واقفاً، فقال: والله إن دم عثمان إلا عند هذا هو كان أشد الناس عليه! فرماه بسهم فقتله. وما أسمج هذه الكذبة. كيف يكون هو بجيش طلحة وكلاهما يقاتل دفاعا عن دم عثمان فيقوم ويغدر به فيقتله؟ ومروان يعلم علم اليقين أن طلحة بن عبيد الله لم يشارك في دم عثمان، خاصة أن مروان كان يدافع عن عثمان بالدار، وقد شاهد بعينه قتلة عثمان الذين حاصروه ودخلوا عليه. ومعلوم عند الجميع أن طلحة لم يحرض على عثمان أبداً، بل أرسله ولده محمد ليدافع عن عثمان من القتلة. ويشتهر أن محمد بن طلحة كان يقول : أنا ابن من حامي عليه بأحد ***ورد أحزابا على رغم معد. ولما قُتِلَ عثمان كان طلحة من أشد الناس سخطاً لمقتله، فخرج يطالب بدمه بعد ذلك ويبذل في ذلك روحه. وهذه الكذبة السمجة تريد الترويج لفكرة شيطانية هي أن الصحابة هم الذين تآمروا على عثمان بن عفان ليقتلوه. ويظهر لي أن عمدة هذه الأسطورة هم اثنان:

    1- عم يحيى بن سعيد الأنصاري

    أخرج ابن شبة في تاريخ المدينة (4|1172): حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير (206هـ) قال حدثنا جويرية (173هـ) قال حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري (ت144هـ): حدّثني عمّي-أو عمّ لي- (مجهول) قال: بينما أنا عند عائشة -وعثمان محصور، والناس مجهّزون للحجّ- إذ جاء مروان، فقال: «يا أُمّ المؤمنين، إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليكِ السلام ورحمة اللَّه، ويقول: "ردّي عنّي الناسَ؛ فإنّي فاعل وفاعل"»، فلم تُجِبه. فانصرف وهو يتمثّل ببيت الربيع بن زياد العبسي: وحَرّقَ قَيسٌ عَليَّ البِلا***دَ حتى إذا اشتَعلتْ أجذما. فقالت: «ردّوا عليّ هذا المتمثّل»، فرددناه. فقالت -وفي يدها غِرارة (وعاءٌ من الأوعية) لها تعالجها-: «واللَّه، لوددتُ أنّ صاحبَك الذي جئتَ من عنده في غرارتي هذه، فأوكيتُ عليها، فألقيتُها في البحر».

    قال ذلك العم المجهول: «بينما نحن متواقفون، إذ رمى مروان بن الحكم بسهم طلحة بن عبيد الله فشكل ساقه بجنب فرسه فقمص به الفرس موليا، والتفت إلى أبان بن عثمان وهو إلى جنبه فقال: "قد كفيتك أحد قتلة أبيك"».

    وأخرج الحاكم (3|418 #5593 ط. عطا) (4|452 #5646 ط. علوش): حدثني محمد بن ظفر الحافظ وأنا سألته حدثني الحسين بن عياش القطان ثنا الحسين ثنا يحيى بن عياش القطان (مجهول) ثنا الحسين بن يحيى المروزي (مجهول) ثنا غالب بن حَلْبس الكلبي أبو الهيثم (صدوق) ثنا جويرية بن أسماء عن يحيى بن سعيد ثنا عمي (مجهول) قال: لما كان يوم الجمل نادى علي في الناس: «لا ترموا أحدا بسهم ولا تطعنوا برمح ولا تضربوا بسيف ولا تطلبوا القوم، فإن هذا مقام من أفلح فيه فلح يوم القيامة» قال: فتوافقنا، ثم إن القوم قالوا بأجمع: «يا ثارات عثمان» قال: وابن الحنفية أمامنا بربوة معه اللواء، قال: فناداه علي قال: فأقبل علينا يعرض وجهه، فقال: «يا أمير المؤمنين يقولون "يا ثارات عثمان"». فمد علي يديه وقال: «اللهم أكب قتلة عثمان اليوم بوجوههم». ثم إن الزبير قال للأساورة كانوا معه قال: «أرموهم برشق». وكأنه أراد أن ينشب القتال. فلما نظر أصحابه إلى الإنتشاب، لم ينتظروا، وحملوا، فهزمهم الله. ورمى مروانُ بن الحكم طلحةَ بن عبيد الله بسهمٍ فشكّ ساقه بجنب فرسه، فقبض به الفرس، حتى لحِقه فذبحه! فالتفت مروان إلى أبان بن عثمان -وهو معه- فقال: «لقد كفيتك أحد قتلة أبيك».

    والملاحظ أن الحاكم على تشيعه وفرط تساهله، لم يصحح تلك الرواية. لكنها تكمّل رواية ابن شبة، والتي إسنادها صحيح، مع استغرابي لتفرد جويرية بهذا عن يحيى، مع أني لم أجد أحداً يذكره ضمن تلاميذ يحيى على كثرتهم. فربما نكارة الرواية منعت الناس من التحديث بها، والله أعلم. والذي نجده بوضوح في الرواية الأولى أنها تطعن الطعن الشديد بأمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وتتهمها بالتآمر لقتل عثمان. وهذه فرية افتراها عليها أتباع ابن سبأ اليهودي، وما زال الرافضة يرددونها إلى اليوم. وقد أقسمت وهي الصديقة البارة بأنها لم تحرض على عثمان. ونحن نصدق عائشة ونكذب هذا الرجل المجهول، ونقول لعنة الله على الكاذبين.

    والرواية الثانية لها نفس إسناد الأولى، لكن الثالثة (رواية الحاكم) أطول منها. ومتن هذه الرواية يخالف المشهور في حرب الجمل. ومن ذلك: أنها تذكر أن المعركة قد بدأت في النهار، وهذا غير صحيح بل بدأت في الليل وليس في النهار. والثاني تنص على أن الذي بدأ بالقتال هو الزبير t، وهذا كذب . بل الذي بدأ بالقتال هم قتلة عثمان المتمركزين في جيش علي، بعد أن وجدوا أن علياً قد تصالح مع طلحة والزبير وقرر إخراجهم من جيشه. وفيها كذلك تهمة واضحة للزبير t بأنه كان يريد القتال ويحرض عليه، وهذا كذب عليه، فلم يكن كذلك. كما أنها تناقض الروايات الأخرى في مقتل طلحة t، فهي تزعم أن مروان أصابه بسهم ثم ركض إليه وذبحه، وهذا لم يرد في أي رواية أخرى، بل الذي ورد هو ضربه بسهم ثم مات بعد فترة بسبب النزيف، ولم يرد في رواية أنه قام بعد ضربه بسهم بذبحه! وفيه تهمة واضحة لطلحة t أنه ممن أعان على قتل عثمان t، وهذا كذب كذلك! وكذلك أبان بن عثمان t لم ينكر ذلك على مروان t وكأنه شريكه في الجريمة، مما يؤكد التهمة بحق طلحة t، وهذا كذب.

    2- قيس بن أبي حازم (من رواية إسماعيل بن أبي خالد، تفرد بها)، وهو تابعي ثقة، لكنه كان يدلس، وقد جاوز المئة حتى "خرف وذهب عقله" كما يذكر إسماعيل راوي الخبر. وكان يحيى بن سعيد ينكر عليه أحاديث، منها حديث الحوأب الذي يطعن بأم المؤمنين عائشة. فإن كان قد حدّث به قبل خرفه، فهو دليل قاطع على أنه أرسله ولم يكن مع جيش عائشة. وقيس هذا مع كثرة إرساله، لم يشهد الجمل، كما نص عليه الإمام ابن المديني صراحة في العلل (ص50). وقيس عنه جاءت باقي المراسيل. ولعل الذي أخبره قد وهم، فمن الصعب أن يشاهد من أين جاء السهم، إلا إن كان بجانب مروان. كما أنه من المحتمل أن يكون السهم قد أصابه بالخطأ. فإن طلحة كان يقاتل مع مروان طلباً إقامة الحد على قتلة عثمان، فكيف يقتله مروان بدم عثمان؟!! مع أن أحداً لم يتهم طلحة بدم عثمان. ثم كيف بقي مروان فقيهاً يرجع الناس إليه ويروون عنه الحديث؟ ولا نعلم أن بنو طلحة ولا غيرهم من المسلمين طالبوا قط بدمه. وطلحة هو من العشرة المبشرين بالجنة ومن خير أهل الأرض آنذاك، فكيف لا يطالب أحد بدمه؟! هذا محال.

    أما من روى الأسطورة غير هؤلاء فكلهم كانوا صغاراً لم يدركوا المعركة أصلاً، فمروياتهم منقطعة بغير خلاف. منهم:

    محمد بن سيرين. ابن سيرين وقد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه أي سنة 32 هـ، فلا تقبل هذه الرواية كما هو معلوم، لأنه كان طفلاً رضيعاً لم يدك الأحداث، ولم يذكر من الذي حدثه بهذا الخبر، وربما يكون قيساً أو غيره. مع أن الإسناد إليه فيه كلام. قال خليفة: فحدثني أبو عبد الرحمن القرشي عن حماد بن زيد عن قرة بن خالد عن ابن سيرين. ولم يرد في شيوخ حماد بن زيد: قرة بن خالد، ولا في طلاب قرة بن خالد: حماد بن زيد. أي لم يسمع منه.

    عوف الأعرابي. ولد عام 60هـ بعد سنين طويلة من الأحداث. وقد صدّر خبره بقوله "بلغني أن..."، وهذا لا يُقبل لأنه لم يذكر من حدثه بذلك.

    الجارود بن أبي سبرة. وهذا قد توفي سنة 120هـ أي لو كان عمره 70 سنة، لكان مولده سنة خمسين، أي بعد معركة الجمل بسنين طويلة. فلا قيمة لروايته.

    نافع مولى ابن عمر. توفي سنة 117 أو بعدها، فقد ولد بعد تلك الأحداث بسنين طويلة، ولم يذكر من حدثه، فلا تُقبل روايته.

    فإن قيل هل تتقوى تلك المراسيل باجتماعها؟ والجواب لا، لأن الانقطاع هو في نفس الموضع، والظاهر أنه يرجع لنفس الرجل. والمُلاحظ أن تلك المراسيل قريبة من رواية قيس، وهي كلها تعارض رواية عم يحيى، ولذلك أميل لأن تكون رواية قيس هي مصدر باقي الروايات. وهناك روايات سخيفة وضعها الكذابون لينقلوا بها اعتراف مروان بأنه القاتل!

    1- أخرج ابن شبة في تاريخ المدينة (4|1170): حدثنا عبد الله بن عمرو قال، حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي فزارة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال، قال لي عبد الملك ابن مروان: أشهدت الدار؟ قلت: «نعم، فليسل أمير المؤمنين عما أحب»... قال (عبد الملك): «لولا أن أبي أخبرني يوم مرج راهط أنه قتل طلحة، ما تركت على وجه الأرض من بني تيم أحدا إلا قتلته».
    أبو فزارة فيه كلام، لكن علة الحديث هي في عمرو بن ثابت الكوفي الرافضي الخبيث. قال عنه الذهبي في الميزان (#6340): «عمرو بن ثابت أبي المقدام بن هرمز الكوفي، يكنى أبا ثابت. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال - مرة: ليس بثقة ولا مأمون . وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات. وقال أبو داود: رافضي. وقال البخاري: ليس بالقوى عندهم. وقال هناد: كتبت عنه كثيرا، فبلغني أنه كان عند حبان بن علي، فأخبرني من سمعه يقول: كفر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة. فقيل لحبان: ألا تنكر عليه؟ فقال حبان: هو جليسنا. ولما تكلم عمرو بهذا أخذ يتنادم - يعنى حبان. وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت، فإنه يسب السلف. وقال الفلاس: سألت عبد الرحمن عن حديث لعمرو بن ثابت، فأبى أن يحدث عنه. وروى معاوية بن صالح، عن يحيى، قال: عمرو بن ثابت لا يكذب في حديثه». وفي سؤالات الآجري: «أخبرنا داود عنه، قال: رافضي خبيث. وقد روى إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان عنه، كذا قال أبو داود، ثم قال: وهو المشئوم، ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة - يعني أنها مستقيمة».

    2- وأخرج ابن سعد في الطبقات (3|223): أخبرني من سمع أبا حباب الكلبي يقول حدثني شيخ من كلب قال سمعت عبد الملك بن مروان يقول: «لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه هو الذي قتل طلحة ما تركت من ولد طلحة أحدا إلا قتلته بعثمان بن عفان».
    ففيها أولا جهالة شيخ ابن سعد (ولعله الواقدي الكذاب). وكذلك فيها أبو جناب الكلبي (وليس أبا حباب فهذا لا وجود له أصلا) ، وأبو جناب الكلبي -كما في التقريب- "ضعفوه لكثرة تدليسه"، وشيخه مجهول. أي ظلمات بعضها فوق بعض.

    3- وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (60|423) في ترجمة موسى بن طلحة بن عبيد الله: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الفضل بن البقال أنا أبو الحسين بن بشران أنا عثمان بن أحمد نا حنبل بن إسحاق نا الحميدي نا سفيان عن عبد الملك بن (*) مروان قال دخل موسى بن طلحة على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: «ما دخلت علي قط إلا هممت بقتلك لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة». وفي الهامش: (*) كذا بالأصل، وفي "د" ، و "ز" ، و"م": بن أبي مروان.
    فإن كان المروي عنه عبد الملك بن مروان، فلم يدركه سفيان أساساً، فلا يصح الخبر. وإن كان الراوي عنه هو عبد الملك بن أبي مروان، فهو رجل مجهول لا يُعرف، ومن ثم لا يُعَوّل على خبره.

    4- وأخرج أيضاً في (69|261) في ترجمة: عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيدالله: قرأت في كتاب عن عبد الصمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن أبي يزيد الدمشقي نا معاوية بن صالح الأشعري حدثني عبد الرحمن بن شريك نا أبو بكر بن عيسى بن موسى بن طلحة قال: سمعت عائشة بنت موسى -وكانت تحت عبد الملك بن مروان- قالت: قال لي عبد الملك: «يا عائشة لولا أن مروان قتل طلحة ما تركت على ظهرها طلحيا إلا قتلته».
    أولا: ليس فيه تحديث ما بين ابن عساكر وعبد الصمد. وقد توفي عبد الصمد سنة 306 هـ، وابن عساكر 571 هـ، فبينهما أكثر من 250 عام. ثانيا: الكتاب الذي قرأه ووجد فيه هذا الخبر لا نعرفه. ثالثا: عائشة بنت موسى بن طلحة مجهولة. رابعا: الراوي عنها أبو بكر بن عيسى بن موسى بن طلحة مجهول. خامسا: عبد الرحمن بن شريك مجهول العين ليس له ترجمة، وهو غير النخعي الضعيف لاختلاف الطبقة. والنتيجة أن خبر عبد الملك بن مروان غير صحيح ولا يجوز التعويل عليه. كما أنه من غير المعقول أن يصدر ذلك من عبد الملك بن مروان لزوجته، فكيف يأمنها على نفسه وقد قتل والده جدها وهو يذكرها بجريمته النكراء؟ وكذلك هذا الخبر مفترى على عبد الملك (وهو المشهور بعدله)، فلماذا لا يبقي على وجه الأرض تيمياً؟ فهذا إثبات للتهمة التي ألصقت زورا وبهتانا بطلحة بأنه كان من المحرضين والمؤلبين على عثمان. مع أنه لا يُعرف عن عبد الملك أنه كان يبحث عن قتلة عثمان فضلاً أن يعاقب ذرياتهم وقبائلهم.

    وقصة اتهام مروان بقتل طلحة يلزم منها أمورً خطيرة، منها أن مروان بن الحكم مجرم وقاتل عمدا من غير تأويل، فهو ساقط العدالة، فلا يجوز أن تقبل له رواية. ومع هذا فقد روى له علماء الحديث جميع مروياته، واحتج به جميع فقهاء الأمصار. فكيف يحتجون بقاتل أحد العشرة المبشرين بالجنة؟ وكذلك فيه تهمة لأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه حيث جعله أمين سره وكاتبه وهو لا يستحق ذلك! وفيه تهمة لطلحة رضي الله عنه أنه كان ممن أعان على عثمان رضي الله عنه أو ألب عليه! وفيه تهمة خطيرة لمعاوية رضي الله عنه، إذ كيف يولي قاتلا فاسقا على خير بلاد المسلمين وهي المدينة المنورة! والقصة على نكارتها ليس فيها ولا حديث متصل واحد، إلا الذي ذكره ابن شبة عن رجل مجهول لا أحد يعرف اسمه أصلاً. كما أن قصة رمي مروان لطلحة (رضي الله عنهما) يوم الجمل، مستنكرة عند ذوي العقول. فوجود طلحة في الجيش كان محرضاً للناس على الالتحاق به، ومشكك للطرف الآخر في شرعية القتال، فكيف يقتل مروان (وهو صاحب عقل وفهم) صحابيا جليلا في صفه من خيرة قادة المسلمين؟ لو كان طلحة في صف قتلة عثمان، لكان في قتله مبرر، لكن أن يكون واقفاً مع مروان في نفس الجيش مطالباً بالقصاص من قتلة عثمان، فقصة قتله مستبعدة. وما أحسن ما قاله ابن كثير في البداية والنهاية: «ويقال إن الذي رماه بهذا السهم مروان بن الحكم، وقال لأبان بن عثمان: "قد كفيتك رجالا من قتلة عثمان". وقد قيل إن الذي رماه غيره، وهذا عندي أقرب، وإن كان الأول مشهوراً، والله أعلم». وهكذا المؤرخون الأذكياء لا يأخذون الأخبار إلا بعد تنقيتها وتنقيحها، بخلاف الإخباريين الحشوية الذين ينقلون الأخبار دون فهم ولا تحقيق.

    وقد يبقى السؤال، فمن قتل طلحة إذاً؟ والجواب أنه قاتله مجهول العين، لكنه معروف أنه من جيش علي. ولا يُعرف من أطلق ذلك السهم، لكن جهة إطلاقه معلومة. قال محمد بن سعد في الطبقات (3|225): أخبرنا الفضل بن دكين نا أبان بن عبد الله البجلي (جيد) حدثني نعيم بن أبي هند (ثقة) حدثني ربعي بن خراش (ثقة) قال: إني لعند علي جالس إذ جاء ابن طلحة فسلم على علي فرحب به علي فقال: «ترحب بي يا أمير المؤمنين وقد قتلت والدي وأخذت مالي». قال: «أما مالك فهو معزول في بيت المال فاغد إلى مالك فخذه. وأما قولك قتلت أبي فإني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله عز وجل {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}». فقال رجل من همدان أعور: «الله أعدل من ذلك». فصاح علي صيحة تداعى لها القصر قال: «فمن ذاك إذا لم نكن نحن أولئك؟». وهذا إسناده جيد، وهو أقوى حديث وأصرحه أن الذي قتل طلحة هو جماعة علي. وعلي رضي الله عنه لم ينكر ذلك. وهذا يُكذّب الخبر الشائع والمشهور عند المؤرخين أن قاتله هو مروان بن الحكم. وهو نصٌّ في محل النزاع. وكل ما سواه باطل لا يُعَوَّلُ عليه كما بَيَّنا سابقاً بعون الله تعالى.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    2,754

    افتراضي رد: مروان بن الحَكَم (رضي الله عنه) المُفترى عليه

    السلام عليكم
    الأستاذ محمّد الأمين [بتشديد الميم الذي يكتب في الملتقيات الأخرى]
    مدفوعًا بما كنت أقرأ لكم عن الراوي حفص بن سليمان، وغير ذلك دعني أقول لك:
    وما يضيرني أو يضيرك أن يكون مروان بن الحكم بريئًا البراءة التامة من كل ما لِيط به أو عليه منه شيء، هذه أمور فُرغ منها من زمن، بأن أفضى ذووها إلى [[الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين]]..
    صورة إجازتي في القراءات العشر من الشيخ مصباح الدسوقي


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    4,194

    افتراضي

    هل صح رمي مروان لطلحة بن عبيدالله يوم الجمل؟


    س: هل صح رمي مروان لطلحة بن عبيدالله يوم الجمل؟

    عبدالحميد الأزهري


    الجواب:نقول: بسمِ الله، والحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبعد:فقدِ اختَلف العلماءُ في صِحَّة نِسبة رمْي مرْوان لطلحةَ يوم الجمل إلى فريقين:الفريق الأول: مَن ذهَب إلى أنَّ مَرْوان بنَ الحكَم ليس بقاتلِ طلحة بن عُبَيدالله، منهم: أبو بكر بن العربي[1]، وابن كثير[2]، وظاهِر كلامِ ابنِ حزْم[3]. واستدلوا: بأنَّه لم يصحَّ أثَر في قِصَّة (رمْي مروان لطلحة). قال أبو بكر بن العربي: وقدْ رُوي أنَّ مروان لما وقعَتْ عينه في الاصطفافِ على طلحة، قال: لا أطلُب أثرًا بعد عَين، ورَماه بسهمٍ فقتَله، ومَن يعلم هذا إلاَّ علاَّمُ الغيوب؟![4] ولم ينقُلْه ثبْتٌ، وقد رُوي أنَّه أصابه سهمٌ بأمر مرْوان، لا أنَّه رماه، وقد خرَج كعبُ بن سور بمصحفٍ منشور بيدِه يُناشد الناسَ ألاَّ يريقوا دِماءَهم، فأصابه سهمٌ غرب فقتَلَه، ولعلَّ طلحةَ مِثله، ومعلومٌ أنَّه عند الفِتنة وفي ملحمة القتال، يتمكَّن أولو الإحَنِ والحقود، مِن حَلِّ العُرَى ونقض العهود، وكانت آجالاً حضرت، ومواعد انتجزَت. وقال ابنُ كثير: يُقال: إنَّ الذي رماه بهذا السهم مَرْوان بن الحَكم، وقال لأبان بن عثمان: قدْ كفيتُك رجالاً مِن قتَلَةِ عثمان، وقد قيل: إنَّ الذي رماه غيرُه، وهذا عندي أقربُ، وإنْ كان الأوَّل مشهورًا، والله أعلم. الفريق الثاني: مَن ذهَب إلى أنَّ مرْوان بن الحَكم هو قاتلُ طلحة بن عُبيدالله، منهم: ابن قتيبة[5]، والبلاذري[6]، وأحمد بن إسحاقَ اليعقوبي[7]، وابن حِبَّان[8]، والإسماعيلي[9]، والمطهِّر بن طاهِر[10]، وابن عبدالبر[11]، والذَّهبي[12]، والصَّفدي[13]، وابن حجر العَسقلاني[14]، والعيني[15]، وابن تَغرِي بَرْدي[16]، والسخاوي[17]، وغيرهم، واستدلوا بوفرةِ وشُهرة الأدلَّة التي تناقلها المؤرِّخون. وهـي:أولاً: طريق قيس بن أبي حازِم:أخرجه ابنُ سعد في "الطبقات الكبرى" (3/223)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (3/60 رقم12212)، (7/536 رقم38766) عن أبي أُسَامَةَ حمَّاد بن أُسامة، عن إسْمَاعِيلُ بن أبي خالِد، أَخْبَرَنَا قَيْس بن أبي حازم، قَالَ: "رَمَى مَرْوانُ بنُ الحكم يومَ الجَمل طلحةَ بسهمٍ في ركبته، قال: فجعل الدمُ يغدو يسيلُ، قال: فإذا أمسكوه استمسك، وإذا ترَكوه سال، قال: فقال: دعوه، قال: وجعلوا إذا أمسكوا فم الجرْح انتفختْ رُكبتُه، فقال: دعوه، فإنَّما هو سهمٌ أرسله الله، قال: فمات، قال: فدفناه على شاطِئ الكلاء، فرأى بعضُ أهله أنَّه قال: ألا تُريحونني من الماء، فإني قد غرقتُ - ثلاثَ مِرار يقولها - قال: فنبشوه فإذا هو أخضرُ كالسلق، فنَزفوا عنه الماءَ ثم استخرجوه، فإذَا ما يلي الأرض مِن لحيته ووجهه قد أكلتْه الأرض فاشتروا له دارًا من دور آل أبي بكر بعشرة آلاف فدفنوه فيها. ومن طريق ابن سعد أخرجه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (25/124). قلت: وسندُه صحيح إلى قيس بن أبي حازم، ولكنه معلول. وأخْرَجه ابنُ أبي شيبة في "مصنفه" (6/190 رقم31096)، (7/542 رقم38799)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (1/311 – 312)، والخلاَّل في "السنة" (3 /517 – 518 رقم839)، والطبراني في "المعجم الكبير" (1/113 رقم201)، والحاكم في "المستدرك ط الهنديَّة" (3/370)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (25/112) مِن طريق إسْمَاعِيلَ بنِ أبي خالِد، به. وقال الحافظُ ابنُ حجر في "الإصابة" (3/532): أخْرَجه يعقوبُ بن سفيان بسندٍ صحيح عن قيس بن أبي حازم، بِه. عِلَّة حديث قيس بن أبي حازم:قيس بن أبي حازم هو تابعيٌّ ثِقة، لكنَّه كان يدلِّس، وقدْ جاوز المائة حتى تغيَّر[18] - كما يذكر إسماعيل راوي الخبر - وقال ابنُ المدينيِّ عن يحيَى بن سعيد: منكر الحديث، ثم ذَكَر له حديثَ كلاب الحَوْأَب[19]، فإنْ كان قد حَدَّث به قَبل خرَفه، فهو دليلٌ قاطِع على أنَّه أرْسَله، ولم يكُن مع جيش عائشة، وقيس هذا مع كثرةِ إرساله، لم يَشهدِ الجملَ، كما نصَّ عليه الإمامُ ابن المديني صراحةً في "العلل"[20]، فمن الصَّعْب أن يشاهد مِن أين جاء السَّهم، إلا إنْ كان بجانب مَرْوان. كما أنَّه مِن المحتمل أن يكونَ السهم قد أصابَه بالخطأ، فإنَّ طلحة كان يقاتل مع مَرْوانَ طلبًا لإقامةِ الحدِّ على قتَلَة عثمان، فكيف يقتُله مرْوانُ بدمِ عثمان؟! مع أنَّ أحدًا لم يتَّهمْ طلحةَ بدمِ عثمان، ثم كيف بقِي مرْوان فقيهًا يرجِع الناس إليه ويَروون عنه الحديثَ، ولا نعلم أنَّ بني طلحة ولا غيرهم مِن المسلمين طالبوا قطُّ بدمه؟ وطلحةُ هو مِن العشرة المبشَّرين بالجنةِ، ومِن خيرِ أهلِ الأرض آنذاك، فكيف لا يُطالِب أحدٌ بدمه؟! هذا محال. ثانيًا: طريق عكراش بن ذؤيب:أخْرجَه الحاكمُ في "المُستدرَك" (3/ 417) عن محمَّد بن يعقوبَ الحافظِ، أنا محمد بن إسحاق الثقفيُّ، ثنا عَبَّادُ بن الوليد العنزيُّ، ثنا حِبَّانُ بن هلال، ثنا شَريكُ بن الحُباب[21]، حدَّثني عُتبةُ بنُ صَعصعةَ بنِ الأحنف[22]، عن عكراش بن ذؤيب [صحابي]، قال: كنا نُقاتِل عليًّا مع طلحةَ ومعنا مَرْوان، قال: فانهزمْنا، قال: فقال مَرْوانُ: لا أُدرك بثأري بعدَ اليوم مِن طلحة، قال: فرَماه بسهمٍ فقتَلَه. تعليق الذهبي قي التلخيص: سكَت عنه الذهبيُّ في التلخيص. وأخْرَجه البخاريُّ في "التاريخ الكبير" (7/89) عن حِبَّان بن هلال، عن شَريك بن الخَطَّاب، به مُعلَّقًا. قلت: هذا إسنادٌ ضعيف؛ فيه شريك بن الحُباب، وعُتبة بن صَعصعَة، مجهولا الحال. ثالثًا: طريق يَحيَى بن سعيد الأنصاري عن عمِّه:أخْرَجَه خليفةُ بنُ خيَّاط في "تاريخه" (1/181، 185)، ومِن طريقِهِ ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (18/416)، (25/113)، وعمر بن شبَّة في "تاريخ المدينة" (2/222 رقم 2034، 2035) جميعهم مختصرًا، والحاكِم في "المستدرك" (3/370 ط الهندية) مطولاً مِن طريق جُويريةَ بنِ أسماء، عن يَحيى بن سعيد، عن عمِّه، قال: لما كان يومُ الجمل نادَى عليٌّ في الناس: لا تَرْموا أحدًا بسهمٍ، ولا تطعنوا برمح، ولا تَضرِبوا بسيف، ولا تطلبوا القومَ؛ فإنَّ هذا مقام مَن أفلح يومَ القيامة، قال: فتوافقْنا، ثم إنَّ القوم قالوا بأجمع: يا ثارات عثمان، قال: وابن حنيفة إمامنا بربوةٍ معه اللواءُ، قال: فناداه عليٌّ، قال: فأقبل علينا يَعرِض وجهه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، يقولون: يا ثارات عثمان، فمدَّ عليٌّ يدَه، وقال: اللهمَّ أكبَّ قتَلَةَ عثمان اليومَ بوجوههم، ثم إنَّ الزُّبيرَ قال للأساورة كانوا معه، قال: ارموهم برشقٍ، وكأنَّه أراد أن ينشبَ القتال، فلمَّا نظر أصحابُه إلى الانتشاب، لم ينتظروا وحَمَلوا، فهزمهم الله، ورمَى مرْوان بنُ الحَكم طلحة بن عُبيدِ الله بسهمٍ فشَكَّ ساقه بجنب فرسه، فقبض به الفرس حتى لَحِقه فذبَحَه، فالتفتَ مَرْوانُ إلى أبان بن عثمان وهو معه، فقال: لقد كفيتُك أحَدَ قتَلَةِ أبيك"، وهذا لفظ الحاكم. وفي روايةِ عُمر بن شبَّة، قال: بينما أنا عندَ عائشة - رضي الله عنها - وعثمان - رضي الله عنه - محصورٌ، والناس مُجهزون للحجِّ، إذ جاءَ مَرْوانُ فقال: يا أم المؤمنين، إنَّ أمير المؤمنين يَقرأ عليكِ السلامَ ورحمة الله، ويقول: رُدِّي عنِّي الناس، فإنِّي فاعِلٌ وفاعِل، فلم تُجبْه، فانصرَف وهو يتمثَّل ببيتِ الربيع بن زِياد العبْسي: فقالت: ردُّوا عليَّ هذا المتمثِّلَ، فرددناه، فقالت - وفي يدها غرارة لها تعالجها -: واللهِ لوددتُ أنَّ صاحبك الذي جئتَ مِن عنده في غرارتي هذه، فأوكيتُ عليها فألقيتُها في البحر". إسناده ضعيف:قلت (عبدالحميد): لم يُتابع أحدٌ جويريةَ بنَ أسماء على رِواية هذا الحديثِ عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاري، وانفِراد جويرية بحديثٍ عن يحيَى، وهو لا يُعرَف بالرِّوايةِ عنه وانفراده به عن باقِي الآخِذين عنه - يُثير في النفس شيئًا، إلاَّ أنَّه صرَّح بأنَّه سَمِعه منه كما في بعضِ طُرقه. كما أنَّ عمَّ يَحيَى بنِ سعيدٍ الأنصاري (مجهول). كما أنَّ في هذا الحديثِ زِيادة تُنافي جميعَ الرِّوايات، وهو "أنَّ مَرْوانَ بعدما رَماه بسهمٍ فشكَّ ساقه بجنبِ فرسه، فقبَض به الفرس حتى لَحِقه فذبَحَه". كما أنَّ روايةَ ابن شبة تَطعَن في أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وتتهمها بالتآمُر لقتْل عُثمان، وهذه فِرية افتراها عليها أتباعُ ابن سبأ اليهودي، وما زال الرافضةُ يُردِّدونها إلى اليوم. رابعًا: طريق شيخ مِن كلب عن عبدالملك بن مروان:أخْرَجه ابنُ سعد في "الطبقات الكبرى" (3/223)، ومِن طريقِه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (68/155)، أخبَرني مَن سمع أبا جناب الكَلبي، يقول: حدَّثَني شيخٌ مِن كلب، قال: سمعتُ عبدالملك بن مَرْوان؛ يقول: "لولا أنَّ أميرَ المؤمنين مَرْوان أخبرني أنَّه هو الذي قتَل طلحةَ، ما تركتُ مِن ولد طلحة أحدًا إلاَّ قتَلته بعثمانَ بنِ عفَّان". قلت: إسناده ضعيف؛ فيه مجهولان، وهما (شيخ ابن سعد، وشيخ من كلب)، وأبو جناب الكلبي: قال عنه ابنُ حجر: ضعَّفوه؛ لكثرةِ تدليسِه[23]. خامسًا: طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى:أخْرَجَه عمرُ بن شبة في "تاريخ المدينة" (2/306) عن عبدِالله بن عمرٍو، قال، حَدَّثَنا عمرو بن ثابت، عن أبي فَزارة (راشد بن كيسان)، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: "قال لي عبدُالملك بن مَرْوان: أشهدتَ الدار؟ قلتُ: نعم، فلْيَسلْ أمير المؤمنين عمَّا أحبَّ، قال: أينَ كان عليٌّ؟ قلت: في دارِه، قال: فأينَ كان الزُّبَير؟ قلت: عندَ أحجار الزيت، قال: فأين كان طلحةُ؟ قلت: نظرتُ فإذا مِثل الحَرَّة السوداء، فقلت: ما هذا؟ قالوا: طلحةُ واقِفٌ، فإنْ حال حائل دون عثمان قاتَلَه. فقال: لولا أنَّ أبي أخبرني يومَ مرج راهط أنَّه قتَل طلحةَ، ما تركتُ على وجهِ الأرْض مِن بني تيم أحدًا إلا قتَلتُه". قلت: سندُه ضعيف؛ فيه عمرو بن ثابت، قال فيه ابنُ المبارك: لا تُحدِّثوا عن عمرِو بن ثابت؛ فإنَّه كان يسبُّ السَّلَف، وقال أبو حاتم: كان رَديء الرأي، شديدَ التشيُّع، وقال البخاريُّ: ليس بالقويِّ عندَهم، وقال أبو داود: رافِضي خبيث، وقال في موضِعٍ آخَر: رجل سوء، وقال في موضِعٍ آخَر: كان مِن شِرار الناس، وقال النَّسائي: متروك الحديث[24]. أمَّا مَن رَوى تلك القصة غير هؤلاء، فكلُّهم كانوا صِغارًا لم يُدرِكوا المعركة أصلاً، فمرويَّاتهم منقطعة، منهم:أولاً: طريق محمد بن سيرين:أخْرَجه ابنُ سعد في "الطبقات الكبرى" (3/223) عن سليمانَ بنِ حَرْبٍ، قال: أخبرَنا حمَّادُ بن زيد عن قُرَّة بن خالد عن محمَّد بن سيرين "أنَّ مَرْوان اعترَض طلحةَ لما جالَ الناس بسهمٍ، فأصابَه فقتَله". قلت: رُواته كلُّهم ثقات، غير أنِّي لم أَجِدْ حمادَ بن زيد فيمَن روَى عن قُرَّة بنِ خالد. وأخْرَجه "خليفة بن خيَّاط" في " تاريخه" (1/185)، ومِن طريقه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (25/113)، عن أبي عبدالرحمن القُرَشي، والخلاَّل في "السنة" (3/518 رقم840) مِن طريقِ محمَّد بن أبي بكر بن عليِّ بن مُقدّم، كلاهما (أبو عبدالرحمن القرشي، ومحمد بن أبي بكر) عن حمَّاد بن زيد، به. قلت: ومحمَّد بنُ سيرين لم يُدرِك الفتنةَ؛ (قال إسماعيل بن عُليَّة: كنَّا نسمع أنَّ ابن سيرين وُلِد في سنتين بقيتَا مِن إمارة عثمان، وقال ابن حبَّان: مولدُه لسنتين بقيتَا مِن خلافة عثمان)؛ أي: سَنة 33 هـ، فلا تقبل هذه الرِّواية كما هو معلوم؛ لأنَّه كان طفلاً رضيعًا لم يدركِ الأحداث، ولم يَذكُر مَن الذي حَدَّثَه بهذا الخبر[25]. ثانيًا: طريق الجارود بن أبي سبرة الهذلي:أخْرَجه أبو القاسِم البغويُّ في "معجم الصحابة" (3/411) عن عليِّ بن مسلم، نا أبو داود الطيالسيُّ، عن عِمْرَان الْقَطَّان، عن قتادةَ بنِ دِعامة، عن الجارود بن أبي سبرة، لما كان يومُ الجَمَل نظَر مَرْوان إلى طلحَة، فقال: لا أطلُب بثأري بعدَ اليوم، فنزع له سهمًا فقتَله - رضي الله عنه. قال الحافظُ ابن حجر في "الإصابة" (3/532): أخْرَجَهُ أبو القاسم البغويُّ بسندٍ صحيح عن الجارود بن أبي سبرة. قلت: رُواته كلُّهم ثِقات، غير أنَّ قتادة بن دعامة مدلِّس ولم يُصرِّح في أحدٍ مِن طرقه بالسماع. والجارود بن أبي سبرة: هذا قدْ تُوفِّي سنة 120هـ؛ أي: لو كان عمره 84 سنة يومَ مات، لكان رضيعًا، يوم الجَمَل، فلا قِيمةَ لرِوايته. وأخْرَجه خليفةُ بن خيَّاط في "تاريخه" (1/181، 185)، وابن أبي خَيْثَمة في "تاريخه" (2/76 رقم1800)، والخلاَّل في "السُّنة" (3/517 - 518 رقم839)، وابن عساكِر في "تاريخ دمشق" (25/112) مِن طريقِ قتادة بن دعامة، به. ثالثًا: طريق عوف الأعرابي:أخْرَجه ابنُ سعدٍ في "الطبقات الكبرى" (3/223)، ومِن طريقِه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (25/113)، عن رَوْحِ بنِ عُبادة، قال: أخبَرَنا عوفُ بن أبي جميلة الأعرابي، قال: بلغَنِي أنَّ مَرْوانَ بنَ الحَكَم رمَى طلحةَ يومَ الجمل وهو واقفٌ إلى جنب عائشةَ بسهمٍ، فأصاب ساقَه، ثم قال: واللهِ لا أطلب قاتِلَ عثمان بعدَك أبدًا، فقال طلحة لمولى له: ابْغني مكانًا، قال: لا أقْدِر عليه، قال: هذا واللهِ سهمٌ أرسلَه الله، اللهمَّ خُذْ لعثمان منِّي حتى ترضَى، ثم وسد حجرًا فمات. قلت: هذا منقطِع؛ فإنَّ عوفًا الأعرابيَّ بعيدُ العهد بواقعةِ الجَمل، فإنَّه وُلِد في حدود سنة60 هـ، وواقعة الجَمَل كانت سنة 36 هـ؛ قال أبو عاصم: دخلنا على عوفٍ الأعرابي سنَة ست وأربعين ومائة، فقلنا: كم أتَى لك؟ قال: ستٌّ وثمانون سَنَة[26]. رابعًا: طريق نافعٍ مولَى عبدالله بن عمر:أَخْرجَه ابنُ سعدٍ في "الطبقات الكبرى" (3/223) عن رَوْحِ بنِ عُبادة، قال: أخبَرَنا ابنُ عون، عن نافعٍ، قال: كان مَرْوانُ مع طلحةَ في الخيل فرَأى فُرجةً في دِرع طلحة، فرَماه بسهمٍ فقتَلَه. وأخْرَجه الحاكِم في "المستدرك - الهندية" (3/370) مِن طريق عن عبدالله بن عون، عن نافِع، به. قلت: إسنادُه صحيحٌ إلى نافعٍ، لكنَّه معلول: فنافِع مولَى ابنِ عُمر: تُوفِّي في حدودِ سنة 116 أو بعدَها، فعَلَى هذا يكون الأغلبُ في سماعِه لهذا الحديثِ أنَّه مِن قبيل المنقطع. وأخْرَجَه عمرُ بن شبة في "تاريخ المدينة" (2/306) مِن طريق قُرَّة بن خالد، قال: قال نافع: بلفظ: "رَمَى مَرْوانُ يومَ الجَمل طلحةَ بسهمٍ فأثْبَتَه في ثُغْرَةِ نَحْرِه، فقال له طلحةُ: قد رأيتُ ما صنعتَ، فقال: أتزعُم أني أخطأْتُ، قال: ما زلتَ تُخطي بعَمٍّ لَكَ منذُ اليوم". خامسًا: طريق إسحاق بن طلحة:أخْرَجه أبو نُعيمٍ في "معرفة الصحابة" (1/98): حدَّثَنا أبو مُحمَّد بنِ حيَّان، ثَنا محمَّد بن عبدالله بن رُسته، قال: ثَنا أبو أيُّوب، ثنا الواقِدي، قال إسحاق بن طلْحَة: "قُتِل هو يومئذٍ - يَعني: طلحة - ابن اثنتين وستِّين سَنة، ويقال: إنَّ سهمًا غربًا أتاه فوقَع في حلقِه، فقال: بسمِ الله {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38]، ويُقال: إنَّ مَرْوانَ بنَ الحَكم رَماه". قلت: في إسنادِه الواقدي؛ متروك[27]. سادسًا: طريق عوانة بن الحكم:أخْرَج أبو العربِ التميميُّ في "المحن" (1/107): وحَدَّثني غيرُ واحدٍ عن أسد (هو ابنُ الفُرات) عن زِياد (هو ابن عبدالله)، عن عوانة (هو ابنُ الحَكم)، قال: "أمَّا طلحة بن عُبيدالله، فرَماه مَرْوانُ بنُ الحَكم بسهمٍ فقتَله، ورجَع الزبيرُ إلى المدينة حتى بلَغ وادي السباع، قال: ولما رَأى الزبيرُ ابنَ جرموز حمَل عليه الزبيرُ، فقال له ابنُ جرموز: اللهَ الله يا زُبيرُ، فكفَّ عنه، ثم تغفَّله ابنُ جرموز فقتَله بالبَصْرَة، وأخَذ سيفَه وجاء إلى عليٍّ، فقال: أنا رسولُ الأحنف فدخَل عليه، فقال: أنا قاتِلُ الزبير، فأخَذ عليٌّ السيف، فقال: سيفٌ واللهِ طالَمَا جلى به عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكن الحين ومصارِع السُّوء". قلت: إسنادُه ضعيفٌ؛ لجهالةِ شيخ أبي العرب التميمي، كما أنَّ عوانةَ بن الحَكم مُتَّهم بوضعِ الأخبارِ لبَني أُميَّة[28]. سابعًا: طريق عائشة بنت موسى بن طلحة بن عُبَيدالله:وأَخْرَج ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (69/261) في ترجمة عائشةَ بنتِ موسى بنِ طلحة بنِ عُبيدِالله: قرأتُ في كتابٍ عن عبدالصمد بن عبدالله بن عبدالصمد، بن أبي يَزيد الدمشقي، نا معاويةُ بنُ صالح الأشعريُّ، حدَّثني عبدالرحمن بن شريك، نا أبو بكر بن عِيسى بن موسى بن طلحة، قال: سمعتُ عائشةَ بنت موسى - وكانتْ تحتَ عبدالملك بن مَرْوان - قالت: قال لي عبدُالملك: "يا عائشةُ، لولا أنَّ مَرْوانَ قتَل طلحةَ، ما تركتُ على ظهرِها طلحيًّا إلا قتلتُه". أولاً: ليس فيه تحديثٌ ما بيْن ابن عساكِر وعبدالصمد، وقدْ تُوفِّي عبدالصمد سنة (304هـ)، وابنُ عساكر 571 هـ، فبينهما أكثر مِن 250 عام. ثانيًا: الكِتاب الذي قرَأه ووجَد فيه هذا الخبر لا نَعرِفه. ثالثًا: عائشةُ بنت موسى بن طلحة مجهولة. رابعًا: الرَّاوي عنها أبو بكر بن عيسى بن موسى بن طلحة؛ مجهول. خامسًا: عبدالرحمن بن شريك؛ مجهول العين، ليس له ترجمة، وهو غيرُ النَّخَعيِّ الضعيف لاختلافِ الطبقة، والنتيجة أنَّ خبَر عبدالملك بْن مَرْوان غير صحيح، ولا يجوز التعويلُ عليه. كما أنَّه مِن غيرِ المعقول أنْ يصدُر ذلك من عبدِالملك بن مَرْوان لزوجتِه، فكيف يأمَنُها على نفسِه، وقد قَتَل والده جَدَّها وهو يُذكِّرها بجريمتِه النَّكْراء؟ وكذلك هذا الخبَر مفترًى على عبدالملك (وهو المشهور بعَدْله)؛ فلماذا لا يُبقِي على وجه الأرض تيميًّا؟ فهذا إثباتٌ للتُّهمة التي أُلصقتْ زُورًا وبهتانًا بطلحةَ بأنَّه كان مِن المحرِّضين والمؤلِّبين على عثمان، مع أنَّه لا يُعرَف عن عبدالملك أنَّه كان يَبحَث عن قتَلَةِ عثمان، فضلاً أن يُعاقِب ذُريَّاتهم وقبائلهم. وقِصَّة اتِّهام مَرْوان بقَتْل طلحة يَلزم منها أمورٌ خطيرة، منها أنَّ مَرْوانَ بنَ الحَكم مجرِم وقاتِل عمدًا مِن غير تأويل، فهو ساقطُ العدالة، فلا يجوز أن تُقبَل له رِواية، ومع هذا فقدْ رَوَى له علماءُ الحديث جميعَ مرويَّاتِه، واحتجَّ به جميعُ فقهاء الأمصار؛ فكيف يحتجُّون بقاتلِ أحدِ العشرةِ المبشَّرين بالجَنَّة؟! وكذلك فيه تُهمة لأميرِ المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - حيث جَعَله أمينَ سِرِّه وكاتبَه، وهو لا يستحقُّ ذلك! وفيه تهمة لطَلحةَ - رضي الله عنه - أنَّه كان ممَّن أعان على عثمانَ - رضي الله عنه - أو ألَّبَ عليه! وفيه تُهمةٌ خطيرةٌ لمعاوية - رضي الله عنه - إذ كيف يُولِّي قاتلاً فاسقًا على خيرِ بلادِ المسلمين، وهي المدينة المنوَّرة؟! والقِصَّة على نَكارتها ليس فيها ولا حديثٌ متَّصل واحد، إلاَّ الذي ذَكَره ابنُ شبة عن رجل مجهول، لا أحَدَ يعرِف اسمَه أصلاً. كما أنَّ قصَّة رمْي مَرْوان لطلحة - رضي الله عنهما - يومَ الجمل، مستنكَرة عندَ ذوي العقول، فوجودُ طلحةَ في الجيش كان مُحرِّضًا للناس على الالتِحاق به، ومُشكِّكًا للطرَف الآخر في شرعيةِ القِتال؛ فكيف يَقتُل مَرْوانُ (وهو صاحِب عقل وفَهم) صحابيًّا جليلاً في صفِّه مِن خِيرة قادة المسلمين؟! لو كان طلحة في صفِّ قتَلَةِ عثمان، لكان في قتْله مبرِّر، لكن أنْ يكون واقفًا مع مَرْوانَ في نفسِ الجيش مطالبًا بالقصاص مِن قتَلَةِ عثمان، فقِصَّة قتلِه مستبعَدة. كما جاءت بعضُ الآثار بسِياق تلك القصَّة بصيغة التمريض والضَّعْف، مثل: يُقَال، ذُكِرَ، وهكذا:أخْرَج أبو العرب في "المحن" (1/111 - 112): وحَدَّثَني محمَّدُ بنُ عمر، عن أبي الطاهِر، وحدَّثَنا عيسى بن مِسكين، عن سحنون، عن ابنِ وهب، عن يونس، عن ابنِ شِهاب، قال: "رُمِي طلحةُ بنُ عبيدالله بسهمٍ فقَطع لطاة في ظهرِه، فقال لمولًى له: ويلكَ! اجعلني على هذِه البغلةِ فائتِ بي هذه الدورَ حتى أموتَ فيها، قال: والله ما أَدْرِي أين أذْهَب بكَ؟ فلم يزَلْ به حتى حمَلَه وردفَه وأسْنَدَه إلى صدرِه، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطُّ لمضيعة دمِ شيخ، كان أمْر الله قدرًا مقدورًا مرَّتين، فأتى به دارَ رجل مِن ثقيف فمات فيها، فكان الحسنُ إذا ذَكَر هذا الحديث قال: لقد كنتَ في أمانٍ مِن الله واسع عليك، فما جاءَ بك؟". ويقال: إنَّ الذي رَماه مَرْوان بن الحَكم لما رأى الهزيمةَ، قال: لا أطلُب أثرًا بعدَ عين، لا أطلُب ثأري بعدَ اليوم، وأشعره سهمًا. وأخْرج ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (25/122): أخبَرَنا أبو البركاتِ الأنماطيُّ، أبو عبدالله البلخي، قالا: أنا أبو الحسينِ بن الطيوري، وثابِت بن بُندار، قالا: أنبأ أبو عبدالله الحسين بن جَعْفر، وأبو نَصْرٍ محمَّدُ بن الحسن، قالا: أنا الوليد بن بَكْر، أنا عليُّ بن أحمد بن زكريا، أنبأ صالِح بنُ أحمد بنِ صالح، حدَّثَني أبي، قال: طلحةُ بن عبيدالله قُتِل يوم الجمل يُقال: إنَّ مَرْوانَ قتَلَه. وأخْرَج ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (25/122) قرأتُ على أبي مُحمَّدٍ السُّلمي عن أبي محمَّدٍ التميمي، أنا مكيُّ بن محمَّد، أنا أبو سليمان بن زَبْر، قال: وفيها - يعني: سَنة ستٍّ وثلاثين - كانتْ وقعة الجَمل، وقُتِل طلحةُ بن عبيدالله في المعركة، ذُكِرَ أنَّ مَرْوانَ بنَ الحَكم قتَلَه، وكانت وقعةُ الجَمل يومَ الخميس لعشرٍ خَلَوْنَ مِن جُمادى الآخرة. الخلاصة: إنَّ الآثار التي جاءتْ في قِصَّة رمْي مَرْوانَ لطلحةَ لا تَثبُت، والذي أميل إليه أنَّه مات مِن سهم غرْب فقط، لا يُعرَف مَن أطلقه، كيف يكون هو بِجيشِ طلحةَ وكِلاهما يُقاتِل دفاعًا عن دمِ عثمانَ، فيقوم ويغدِر به فيقتله؟ ومَرْوان يَعلَم عِلمَ اليَقين أنَّ طلحةَ بن عُبيدالله لم يشاركْ في دمِ عثمان، خاصَّة أنَّ مَرْوانَ كان يدافع عن عثمانَ بالدار، وقد شاهَد بعينه قتلةَ عثمان الذين حاصروه ودَخَلوا عليه، ومعلومٌ عندَ الجميع أنَّ طلحة لم يُحرِّض على عثمانَ أبدًا، بل أَرْسل ولدَه محمَّدًا؛ ليدافعَ عن عثمانَ مِن القتلَة، ولما قُتِلَ عثمانُ كان طلحةُ مِن أشدِّ الناس سخطًا لمقتله، فخرَج يُطالِب بدمِه بعدَ ذلك، ويبذل في ذلك رُوحَه، وهذه الكذبة السَّمجة تُريد الترويجَ لفِكرة شيعيَّة شيطانيَّة، هي أنَّ الصحابة هم الذين تآمَروا على عثمانَ بنِ عفَّانَ؛ ليقتلوه، والله أعلم. كما جاءتْ بعضُ الآثار بأنَّ قتْل طلحة بن عبيد الله كان بسهمٍ غرب:أخْرج ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/223)، قال: أخبَرَنا رَوحُ بنُ عُبادة، قال: أخبَرَنا سعيدُ بن أبي عَروبة، عن قتادةَ، قال: رُمِي طلحة فأعنق فرسه فرَكَض، فمات في بَنِي تميم، فقال: بالله مَصْرَع شيخ أَضيع. قلت: إسنادُه صحيح إلى قتادة. وأخْرَج أبو العرب التميميُّ في "المحن" (1/110) قال: أخبَرَنا أصبغ (هو ابن الفرج)، عنِ ابن وهْب (هو عبدالله)، عن يونس (هو ابنُ يَزيد الأيلي)، عن ابنِ شِهاب، قال: "رُمِي طلحةُ وهو مُعتدِل في بعضِ الصُّفوفِ بسهمٍ غرب، فقطع مِن رجله عرقَ النَّسا، فنشجَ حتى نزَف فمات، ويُقال: إنَّه كان يومَ قُتِل ابنَ خمس وسَبعين".
    قلت: إسنادُه صحيحٌ إلى ابن شِهاب.


    [1] "العواصم مِن القواصم" (1/160).
    [2] "البداية والنهاية" (7/248).
    [3] "المحلَّى لابن حزم" (1/236).
    [4] قال محقق "العواصم من القواصم" (1/160): "آفَةُ الأخبار رُواتها، وفي العلومِ الإسلامية علاجُ آفةِ الكذِب الخبيثة، فإنَّ كلَّ راوي خبرٍ يطالبه الإسلامُ بأن يعيِّن مصدرَه على قاعدة: مِن أين لك هذا؟ ولا تعرف أمة مثل هذه الدقَّة في المطالبة بمصادرِ الأخبار كما عَرَفه المسلمون، ولا سيَّما أهل السنة منهم، وهذا الخبَر عن طلحة ومرْوان، لقيطٌ لا يُعرَف أبوه ولا صاحبه، وما دام لم ينقُلْه ثبت بسند معروف عن رِجال ثقات، فإنَّ للقاضي ابن العربي أن يقول بملءِ فيه: ومَن يعلم هذا إلاَّ علاَّم الغيوب؟!
    [5] المعارف (1/229).
    [6] أنساب الأشراف (1/311).
    [7] تاريخ اليعقوبي (2/182).
    [8] الثقات لابن حبان (2/283 ، 339).
    [9] هدي الساري (1/443).
    [10] "البدء والتاريخ" (5/82 ، 214).
    [11] "الاستيعاب" (2/766).
    [12] "العبر في خبَر مَن غَبَر" (1/37).
    [13] "الوافي بالوفيات" (16/272).
    [14] "فتح الباري" (7/82).
    [15] "عُمدة القاري" (16/226).
    [16] "النُّجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" (1/101).
    [17] "فتح المغيث" (3/327).
    [18] قال ابنُ حجر في "تهذيب التهذيب" (8/347): "وهو مُتقِن الرِّواية، وقد تَكلَّم أصحابنا فيه، فمِنهم مَن رفَع قدرَه وعظَّمه، وجعَل الحديثَ عنه من أصحِّ الإسناد، ومِنهم مَن حمَل عليه، وقال: له أحاديثُ مناكير.فمِمَّن وثَّقه: قال ابن حراش: كوفي جليل، وليس في التابعين أحد رَوَى عن العشرة إلا قيس بن أبي حازم، وقال ابنُ معين: هو أوثقُ مِن الزهري، وقال مرةً: ثِقة، وقال أبو سعيد الأشج: سمعتُ أبا خالد الأحمر يقول لعبدالله بن نمير: يا أبا هشام، أما تذكُر إسماعيل بن أبي خالد، وهو يقول: حدَّثنا قيس هذه الأسطوانة - يعني: في الثقة - وقال الذَّهبي: (تذكرة الحفاظ 1/61): حديثه محتجٌّ به في كلِّ دواوين الإسلام.وممَّن ضعَّفه؛ قال إسماعيل بن أبي خالد (رَاوي خبَر الباب عنه): كبر قيس حتى جاز المائة بسِنين كثيرة، حتى خرَف وذهَب عقلُه، وقال ابنُ المديني: قال لي يحيَى بن سعيد: ابن أبي حازم مُنكَر الحديث، ثم ذكَر له يحيى أحاديث مناكير منها حديث الحَوأب، وقال ابنُ عساكر (49/465)، والذَّهبي في "تاريخ الإسلام" عن إسماعيلَ بن أبي خالد، قال: كَبِر قيس بن أبي حازم حتى جاوز المائةَ بسِنين كثيرةٍ، حتى خرف وذهَب عقله، قال: فاشتروا له جاريةً سوداء أعجمية، قال: وجعل في عُنقها قلائد مِن عِهن وودَع وأجراس مِن نُحاس، قال: فجعلت معه في منزلِه، وأَغْلق عليه بابَه، قال: فكنا نَطَّلع إليه مِن وراء الباب وهو معها، قال فيأخُذ تلك القلائدَ فيُحرِّكها بيده ويَعجب منها ويضحَك في وجهها.
    [19] "الكاشف" للذهبي (2/138).
    [20] "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" (1/164)، ط مازن السرساوي.

    [21] شريك بن الحباب: هكذا في المطبوع مِن "المستدرك"، والصواب أنَّه ابنُ الخطاب كما نصَّ عليه البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان، ولم أقِفْ على أحدٍ ذَكَره بجرح ولا تعديل، إلا أنَّ ابن حبَّانَ ذَكَره في "الثقات"؛ انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (4/367) ، "الثقات" لابن حبان (8/311).
    [22] عُتْبة بن صَعْصعَة بن الأحْنف، لم أقِفْ على أحدٍ ذَكَره بجرح ولا تعديل، إلا أنَّ ابن حِبَّان ذَكَره في "الثقات". انظر: "التاريخ الكبير" (6/530)، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (6/371)، "الثقات" لابن حبان (5/250).
    [23] تقريب التهذيب (1/589).

    [24] تهذيب التهذيب (8/9).

    [25] التاريخ الكبير (1/91)، والتاريخ الصغير (1/245)، والثقات لابن حِبَّان (5/349)، وتهذيب الكمال (25/352).

    [26] تهذيب الكمال (22/440)، وتهذيب التهذيب (8/148).

    [27] تقريب التهذيب (1/498).

    [28] لسان الميزان (4/386).







    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/37162/#ixzz3zCzfDz00

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •