من خلال سورة يوسف عليه السلام: مقاصد الحوار

سعيد عبيدي







ربما يكون التدافع الفكري والثقافي اليوم أبعد عن طابع التشنج والضيق بالمخالفين، وأقرب إلى الجدل بالتي هي أحسن، في فترة يشهد العالم كله إيثار سياسة الحوار والتفاهم على أسلوب العداء والتصارع؛ لهذا فإن النهج الجديد لسياسة الحوار مع الآخر أصبح من الفروض الاجتماعية؛ لإدارة الخلاف، سواء الداخلي أو الخارجي، والحمد لله أن القرآن الكريم لم يغفل عن أي مجال من مجالات حياة الإنسان، إذ لما كان هو كتاب الدعوة فقد اعتمد مجموعة من الأساليب لإنشاء عقيدة ضخمة (عقيدة التوحيد)، منها: الحوار، الجدل، القصة، التهديد، الترغيب، العبرة. فالحوار إذن من الأساليب التي اعتمدها الخطاب القرآني بقوة في مجموعة من القضايا التي تؤطر حياة الإنسان، وهو - القرآن الكريم - يزخر بمقامات الحوار التي عالج من خلالها مختلف القضايا، ونأخذ في هذا المقال، كمثال على ذلك، قصة يوسف عليه السلام، ونحاول الوقوف على أهم المحطات الحوارية التي أثيرت في القصة، ونكشف بعدها المقاصدي.

والحوار في اللغة من الحوْر: وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء. وفي الحديث: من دعا رجلا بالكفر وليس كذلك، حار عليه؛ أي رجع إليه ما نسب إليه. والمحاورة: المجاوبة. والتحاور: التجاوب. وتقول كلمته: فما أحار إلي جوابا، وما رجع إلي حويرا ولا حويرة، ولا محورة ولا حوارا؛ أي ما رد جوابا. كما أنها هي مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة وقد حاوره. والمحاورة مصدر كالمشورة في المشاورة (1).

وجاء في معجم مقاييس اللغة: الحاء والواو والراء ثلاثة أصول، أحدها: لون، والآخر: الرجوع، والثالث: أن يدور الشيء دورا... أما الرجوع فيقال: حار إلي؛ رجع، قال تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} (الانشقاق:14) (2).

وقال الفيروز آبادي: المُحاورة والمَحْورة والمَحُورة: الجواب، كالحوير والحوار ويكسر، والحيرة والحيرة: مراجعة النطق، وتحاورا: تراجعا الكلام بينهما (3).

أما في الاصطلاح فهو مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين. وعرفه بعضهم بأنه نوع في الحديث بين شخصين، أو فريقين، يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة، فلا يستأثر أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب، وهو ضرب من الأدب الرفيع وأسلوب من أساليبه (4).

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الحوار يتداخل مع مجموعة من المصطلحات الأخرى، وإن كان بين هذه المصطلحات خصوص وعموم؛ كالجدل والمناظرة والمناقشة.

إن الحديث عن الحوار في القرآن الكريم بصفة عامة، وقصة يوسف عليه السلام بصفة خاصة، يستلزم الحديث عن البعد المقاصدي، إذ يعتبر العنصر الأساسي في نجاح العملية الحوارية وتحقيق الثمرة المرجوة، وإلا سيكون الحوار عقيما بعيدا عن مرجعيتنا التي تقتضي التنظيم ورسم الهدف في مختلف القضايا قبل الإقبال عليها، وهي حقيقة يشترك فيها جميع المفكرين المسلمين، كما أن مواقع الحوار وقضاياه يجب ألا ينظر إليها بشكل مجتزأ، بل يجب أن تتناول في إطاره وسياقه العام؛ لارتباطه بالغرض الديني وأهداف القرآن العليا وبتصور الإسلام الأصيل. ويمكن تقسيم المقاصد المرجوة من قصة يوسف عليه السلام إلى ما يلي:

< المقاصد التربوية الأخلاقية


مما لاشك فيه أن هدف «التربية الأخلاقية» متأصل في كتاب الله تعالى، ويمكن أن نبرز بعض جوانبه من خلال بعض النماذج الحوارية التي سيقت في القصة كصورة للأخلاق المتجردة الخالصة الموصولة، كما تتجلى في سلوك عبدين صالحين من عباد الله المختارين؛ يوسف ويعقوب عليهما السلام.

خلق الصبر


وقد ضرب يوسف، عليه السلام، للناس المثل الأعلى في كثير من أنواع الصبر:

- صبر على إيذاء إخوته، وتجريدهم إياه من ثوبه وإلقائه في الجب بقصد إهلاكه.

- صبر على شهوة الفرج، وقد هيئت له في جيش من المغريات يحف به من كل ناحية.

- مسته الضراء وألقي في السجن فحالف الصبر الجميل، وسعة الصدر (5).

لقد كان عليه السلام متحليا في جميع مواقف القصة بفضيلة الصبر، وهي من أعظم الفضائل وأجلها قدرا.

كما نلمح في قول يعقوب، عليه السلام، حين أخبر بأن الذئب أكل حبيبه يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } (يوسف:18)

قمة الصبر، والاستعانة بالله على هذه المصيبة، وكان هذا عزاء له في مصابه (6). فالصبر والتقوى هما زاد المؤمن في الطريق إلى الله {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِي} (يوسف:90).

التحلي بفضيلة الشكر


والشكر: هو معرفة النعمة الحاصلة من المنعم، والفرح بها، والقيام بمقصود المنعم والعمل بما يحبه. وهذا الخلق عزيز في الناس، فيوسف، عليه السلام، يتحدث بنعم الله تعالى عليه وعلى آله وهو من الشاكرين، فإنه لما جاء أبواه رفعهما على العرش وخرا له سجدا (7) فقال: { قَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف:100)، وكان ختام قصته: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } (يوسف:101).

لقد كان يوسف، عليه السلام، سواء في مواقف الشدة أو الرخاء، متحليا بفضيلة الشكر. والتحلي بهذه المزية، كما هو معلوم، يورث الزيادة في الرزق والخير كله.

معاني الإيمان


فسيدنا يوسف على مدار القصة، نجده يقف موقفا إيمانيا موصولا بربه يحسه سبحانه قريبا منه مستجيبا له: «ففي موقف الفتنة والإغراء والغواية يهتف: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } (يوسف:23)، وفي الموقف الآخر، وهو يخشى على نفسه الضعف والميل، يهتف كذلك: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف:33)، وفي موقف تعريف نفسه لإخوته يبين فضل الله عليه ويشكر نعمته ويذكرها: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِي} (يوسف: 90).

فكل هذه المقاطع الجدلية تحمل إيحاءات في التربية الإيمانية، وربط كل قضايا الإنسان بخالقه واستحضاره في كل المواقف.

وأما يعقوب، عليه السلام، ففي قلبه تتجلى حقيقة ربه باهرة عميقة لطيفة مأنوسة في كل موقف وفي كل مناسبة، وكلما اشتد البلاء رشفت تلك الحقيقة في قلبه ورفت بمقدار ما تعمقت وبرزت، فمنذ البدء كان يوسف يقص عليه رؤياه في الوقت الذي كان فيه يذكر ربه ويشكر نعمته: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (يوسف:6).

وفي مواجهة الصدمة الأولى يتجه سيدنا يعقوب إلى ربه مستعينا به: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } (يوسف:18)

وفي مواجهة الصدمة الثانية في كبره وهرمه وضعفه وحزنه، لم يتسرب اليأس من رحمة ربه لحظة واحدة إلى قلبه؛ {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87).

ثم يبلغ تجلي الحقيقة في قلب يعقوب درجة البهاء والصفاء، وبنوه يؤنبونه على حزنه على يوسف وبكائه عليه حتى تبيض عيناه من الحزن، فيواجههم بأنه يجد حقيقة ربه في قلبه كما لا يجدونها، ويعلم من شأن ربه ما لا يعلمون، فمن هنا اتجاهه إليه وحده وشكواه له وبثه، ورجاؤه في رحمته وروحه: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } (يوسف:84-86).

إنها الصورة الباهرة لتجلي حقيقة الألوهية في قلب من قلوب الصفوة المختارة، وهي تحمل الإيمان المناسب لفترة الشدة في حياة الجماعة المسلمة في مكة، كما أنها تحمل الإيحاء الدائم بالحقيقة الإيمانية الكبيرة، بكل قلب يعمل في حقل الدعوة والحركة الإسلامية على مدار الزمان أيضا (8).

هذا هو المنهج التربوي الأخلاقي الذي يقوم اعوجاج النفس البشرية ويربيها على قيم وأخلاق جليلة في ارتباطها بالقصد الرباني وتحقيق واجب الخلافة في الأرض.

ومن ثم فالمقاصد الحوارية عامة، والتربوية الأخلاقية خاصة، منبثقة من قاعدة العقيدة والدينونة، وهي القاعدة التي تقوم عليها الرسالات.

المقاصد العقدية


كثيرة هي المجادلات القرآنية التي كان هدفها ومقصدها «الدعوة إلى الله»، وما أحوجنا إلى تمثل المنهج الرباني ببعده المقاصدي الذي رسمه الأنبياء والرسل في حياتنا اليوم في مواجهة الفوضى الدعوية وضبطها طبقا للهدف الرباني، فكثير في زماننا من نصبوا أنفسهم للدعوة وهم ليسوا بأهل لها، فزلوا وأزلوا، وضلوا وأضلوا لما زاغوا وخرجوا عن المنهج الرباني في الدعوة.

ومنذ بداية الدعوة الإسلامية من نوح عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام، واجه الأنبياء والرسل موضوع الشرك بالله مشكلة مطروحة، متمثلة في الأصنام الكثيرة التي يعبدها الناس من دون الله، وسنلتقي في هذا المقصد مع المنهج الإسلامي في الدعوة الذي يمثله سيدنا يوسف، الذي يجادل في فكرة التوحيد والشرك؛ لنستبين المقصد الحواري من هذه الصورة.

{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) } (يوسف:36-41).

ففي هذا الحوار يبرز جليا مقصد «الدعوة إلى الله»، وعلى وجه الخصوص التركيز على الجانب العقدي، حيث اعتصم النبي يوسف، عليه السلام، في حواره مع الفتيين بصفات جعلته المثل الكامل لهما وللبشرية كافة، إذ لم يشرع بعرض دعوته إلا بعدما أحسن الاستماع إليهما وهما يعرضان عليه رؤياهما؛ ليكون أكثر تأثيرا فيهما بأخلاقه وأدبه.

وتدرج، عليه السلام، في دعوته وألزمهم الحجة؛ بأن بين لهم رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة المتعددة، ثم برهن على أن ما يسمونه آلهة ويعبدونه من دون الله لا يستحق العبودية والألوهية، ثم نص على عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد، وذلك من الأسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله، حيث قدم الهداية والإشادة والنصيحة والموعظة، ثم شرع في تفسير رؤياهما بعد ذلك (9).

كما قد يعلم أن المقصد من كلام يوسف، عليه السلام، { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (يوسف:40)، هو أنه على الداعية أن يفخر بدينه ويدعو إليه بكل اعتزاز مادام هو الدين الحق «أي ذلك الذي أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله، هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه» (10)، وكذلك على الداعية المسلم أن يغتنم كل فرصة قد تسنح له لتبليغ الرسالة والدعوة إلى الله بمنهج حكيم وأسلوب لين منبثقين من مرجعية دينية.

والمقصد كل المقصد من قضية الدعوة في حوار سيدنا يوسف، عليه السلام، هو أن الحوار حينما يقام على أسس وضوابط يثمر فوائد عديدة، عكس الحوارات التي تقام للمراء والعناد، وقد قيل: «إذا أراد الله بقوم سوءا سلط عليهم كثرة الكلام ومنعهم العمل»، كما أن قضية الرسالة يجب أن تشغل تفكير كل فرد مسلم، ويجعلها همه في كل زمان ومكان، وأن يستفيد من كل فرصة تعرض له ويستغلها في أداء رسالته، ولا يبقى لقضاياه الشخصية إلا الشيء القليل، وتلكم هي قضية الأمانة التي حملها الإنسان.


خاتمة


من خلال هذه الإطلالة المركزة على قصة يوسف، عليه السلام، وعن مقاصد الحوار الذي دار فيها، نخلص إلى أن مهمة الحوار في القرآن الكريم جلية ومحددة ومرتبطة بأوثق رباط هو الدعوة إلى الله، والالتزام بشريعته، وبيان الحق من الباطل، كما أن مهمته تكمن في بيان مقاصد بعينها أراد الشارع سبحانه وتعالى إيصالها إلى عباده حتى ينقادوا نحو الطريق المستقيم.

الهوامش


1- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ح.4، ص: 217-219.

2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار إحياء التراث، الطبعة الأولى، 1422هـ، ص:269.

3- الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، 1424هـ، ص:381.

4- يحيى زمزمي، الحوار: آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، دار التراث والتربية، الطبعة الأولى، 1414هـ، ص:22.

5- عبدالوهاب النجار، «قصص الأنبياء»، ص:201-202.

6- عماد زهير حافظ، «القصص القرآني»، ص: 169.

7- عبدالوهاب النجار، «قصص الأنبياء»، ص:203.

8- أحمد فائز الحمصي، «قصص الرحمن في ظلال القرآن»، ص: 318-320.

9- على الصابوني، «صفوة التفاسير»، ص:551.

10- علي الصابوني، «صفوة التفاسير»، ص:551.