​وله القلب



بلال المريسي






لا أجد في نفسي أعمق ولا أرق ولا أعذب معنى من الحب فأرسله إليك أخي القارئ الكريم، فهو روح المشاعر ونسيمها العذب.


وهو ذلك البلسم الذي يداوي جراح المتعبين، ويخفف آلام المحرومين، ويواسي قلوب المحزونين.


الحب هو ماء الحياة، وغذاء الروح، وقوت النفس، وربيع العمر، به تشرق الوجوه، وتبتسم الشفاه، وتتألق العيون، وتسكن الأفئدة، وتعم السعادة. إذا عاش في قلب إنسان، أشعل فيه جذوة الأمل، ورسم له خريطة النجاح، ودفعه في عزيمة وإصرار نحو تحقيق أهدافه، فنال بذلك أسمى المراتب وأرقى الدرجات، وتذوق معنى الحياة وطعمها الرائع الجميل.


مثله الشاعر إقبال بقوله: «الحب إذا تجرد منه إنسان كان صورة من لحم ودم، وإذا تجردت منه أمة كانت قطيعا من غنم، وإذا تجرد منه شعر كان كلاما موزونا مقفى فحسب، وإذا تجردت منه عبادة كانت طقسا من الطقوس وهيكلا بلا روح، وإذا تجرد منه كتاب كان حبرا على ورق، وإذا تجردت منه مدينة أصبحت تمثالا لا روح فيه، وإذا تجردت منه مدرسة أو نظام تعليم أصبح تقليدا أو تكليفا لا متعة فيه ولا حافز له، وإذا تجردت منه حياة كلت الطبائع، وجمدت القرائح، وأجدبت العقول، وانطفأت شعلة الحياة، واختنقت المواهب». فلله درك يا شاعر الإسلام، أدركت معناه وحقيقته، وذقت طعمه ونلت ثمرته، فذهبت تشدو به بين الناس، فليتهم عرفوه كما عرفته، وأدركوا سره وعذوبته.


قال ابن منظور: هو في اللغة: الوداد. وقال الجوهري: ينطق بضم الحاء وبكسرها، ويجمع أحباب وحبان، والحباب. والأنثى (حبة)، ومنه حديث فاطمة الزهراء حين قال لها " صلى الله عليه وسلم" عن عائشة: «إنها حبة أبيك».


وقال الراغب: ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرا، وهو ضربان: طبيعي؛ ويكون في الإنسان والحيوان وقد يكون في الجمادات. والآخر اختياري؛ ويختص به الإنسان.


وإنني في هذه اللحظات، التي أنسج فيها هذه الأسطر من أعماق قلبي، وأهديها إليك أخي القارئ الكريم مع عبق الزهور وأريج المسك والرياحين، لا أتصور أن مخلوقا على وجه الأرض خال من هذه المشاعر أو محروم من هذه المعاني.


إنني لن أخصص حديثي عن حب شخص لآخر أو حبه لجماعة أو فئة أو أسرة أو منطقة أو بلدة.. إنما أتحدث عن الحب الذي يلتحفه جميع الناس، لنعيش معا في رحاب الحياة الجميلة متذوقين طعمها الرائع. نعم، أتحدث عن ذلك الحب الذي نسجت أحرفه من النور، الحب الذي ينبع من القلب، ويحلو بالصدق، ويكبر بحسن الظن، لا ينتهي بالوداع وطول الغربة، بل هو شوق وترقب وانتظار.


وأعظم الحب وأحمده ما كان في الله ولله، فكل محبوب عذاب على محبه إلا الله عزوجل، ورسوله " صلى الله عليه وسلم" ، قال سيد قطب: «حب الله لعبد من عبيده، أمر هائل عظيم، وفضل غامر جزيل، لا يقدر على إدراك قيمته إلا من عرف الله سبحانه بصفاته كما وصف نفسه».


لن أضيف إليك بجديد أن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان؛ بل به تذق حلاوته وطعمه، وقد جاء الهدي النبوي في إخبار من تحب لتأنس نفسه، وتسكن مشاعره تجاهك، وتثمر تلك المحبة في الله وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؛ ويكفي من ذلك منابر من نور على عرصات القيامة.


وهذا الحب العظيم من غير اتباع دعوى فحسب، ومن غير إخلاص بلوى لا أكثر، ومن غير نجوى وقرب حسرة وندامة.


فإذا ما استقر حب الله ورسوله في القلب جاء الحب لما أحباه ومن ذلك: الصحابة الكرام، مشاعل الهداية، وخير الخليقة بعد الأنبياء، هم الراضون المرضيون، فتحوا الأمصار بسمو أخلاقهم، وعلو تربيتهم، ومما يؤلمني ويؤلم كل غيور على دينه ما نسمعه اليوم من بعض الخبثاء المارقين الذين يشوهون صورة أولئك الأبرار، ويوغلون في الصدور بغضهم وكراهيتهم، وما مثل هؤلاء إلا كذبابة وقعت على نخلة شامخة فلما أرادت أن ترحل عنها قالت: أيتها النخلة تماسكي فإني راحلة عنك! فأجابتها النخلة: وهل أحسست بك أصلا حين وقعتي علي؟! فاللهم إنا نشهدك أننا نحب صحابة رسولك كما أحبهم " صلى الله عليه وسلم" ، اللهم فاجعلنا خير خلف لخير سلف.


أخي القارئ الكريم، ليس يغيب عنك اليوم أن العالم اكتظ بمشاعر الأسى والبؤس، وبأمواج عاتية من اليأس والقنوط والحرمان، جعلت الكثير من الناس لا يوجد في قلوبهم مجال للحب ولا مساحة له، فما أحوج هذه اللحظات إلى قلب يهتف بالحب والإخاء.


ولكي يسود الحب بين البشر لابد أن يكون منطلقه من داخل الإنسان نفسه، فإذا استقر به قلبه، رقت مشاعره، وسمت نفسه، فيمتلئ قلبه رقة يعامل بها من حوله، فلا يصدر عنه إلا جميل الخصال، وحميد الخلال، ومحاسن الأفعال. ومن هنا تبدأ دائرة الحب بالتوسع، فتشمل ألصق الناس بك، وأحوج الناس إلى لين جانبك وحسن تعاملك «أهلك»، وفي مقدمتهم أمك، كيف لا وهي قسيمة الحياة، وموطن الشكوى، وعتاد البيت، وعاطفة الرجل، ومدار الوجدان، ومشرق السعادة، ومنبع السخاء، ومحل الهنا.


سئلت أمٌ: من أحب أبنائك إليك؟ فأجابت إجابة تشفي العليل قائلة: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود.. يا لروعة مشاعرها ورهافة حسها. ويأتي من بعدها الرجل الوحيد الذي لا يمانع في أن تكون خيرا منه، كما أنه لا ينسى أبدا شقاءه وعناءه في سبيلك، إلا أن يراك بارا مستقيما، فإذا ما وجدك على غير ذلك، فإن ندمه يبدأ عليك منذ ولادتك حتى يفارق أحدكما الحياة، فرد إليه محسنا بعض معروفه، وتذكر أن «الوالد أوسط أبواب الجنة» كما جاء في الحديث.


والأقربون الأقربون هم أولى الناس بمحبتك وعطفك. وإني لأعجب من إنسان يجعل حبه وخيره لغير أهله، ونسي هذا المسكين: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، إذ كيف يتصور بيت قائم على أركانه من دون حب، فالزوجة محتاجة إلى حبك وحنانك، يعوضها ما كانت فيه عند أهلها. وحبها والتودد إليها دليلان على الكمال الإنساني لمن يسعى إليه، فقد سئل " صلى الله عليه وسلم" : «من أحب الناس إليك؟»، فلم يستطع أن يكتم حب زوجته عائشة؛ فأعلنها على الملأ: «عائشة». هكذا باسمها؛ فكان أول حب في الإسلام، كما ذكر ذلك الزهري، وأما السيدة خديجة فقد قال " صلى الله عليه وسلم" : «إني رزقت حبها».


ولقد حاز الحب الدور الأسمى في تربية الأبناء؛ لما يثمره من الأخلاق الجميلة، والطباع العذبة الرائقة، والمعاني اللطيفة، والمشاعر المرهفة، والعبارات المهذبة. ومن هنا، لابد من التنبيه على أمرين يجعلهما الأبوان نصب أعينهما: الأول: إن الولد إذا يئس من عطفك عليه نشأ عاقا، وإذا طمع في عطفك عليه نشأ كسولا، وخير الآباء من لم يؤيس ولده من حنانه، ولم يطمعه في الاعتماد على إحسانه.


والثاني: من أخطر الأمور على الأسرة، وهو التمييز والتفضيل بين الأبناء في الحب والدلال والإغضاء عن الزلات، وأخطر من ذلك أن يعلن الأبوان كرههما لواحد من الأبناء وحبهما لآخر، فتلك والله بذرة العداء، ومنبت القطيعة والخصام، ولقد أوصى الأب المربي بالعدل بين الأبناء، وعدم التفضيل بينهما حتى في الأعطيات، وحديث النعمان بن بشير صريح في ذلك، إذ لم يوافقه على أن يعطي بشيرا حديقة دون أن يعطي إخوانه مثلها، وقال: «أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور».


ولكي يحبك من حولك فأفدهم من علمك، وأشركهم في مالك، وسعهم بأخلاقك، وناصحهم بدافع محبتك لهم، وكن عونا لهم عند كرباتهم، ومواسيا عند أحزانهم، ومشاركا لهم في أفراحهم يحبوك كثيرا.


صدقني، أخي القارئ الكريم، إن الحياة أفسح من لحظة غضب، أو جرعة غيظ، أو ساعة أسى... أفسح ما تكون في قلوب المحبين، وأروع ما تكون في لقائهم. هب أن صديقك ظلمك، أو قريبك شتمك، أو زميلك غدر بك، أو.... تخيل لو حصل كل ذلك في لحظة غضب عارمة، فإن الحب باستطاعته أن يداوي تلك الجراح، ويدفن تلك المآسي، المهم أن تدرك أن لحظات الأحزان سرعان ما تنطوي، وتبقى مشاعر الحب تنسفها نسفا مهما كانت تلك الأحزان كبيرة أو مؤثرة.


لقد خلقت السماوات والأرض بــــــالـــحــ ــق، وبالحب قامتا، فلولاه ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا تحركت الأجنة في أرحام الأمهات، ولا انصدع عن الحب النبات، ولا اضطربت البحار الزاخرات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها من أنواع المخلوقات، ولولاه لكانت الحياة لغزا لا يفهم معناه.


ولقد ضل من زعم أن العلماء يتفاضلون بقوة العلم، وكثرة المعلومات، وزيادة الذكاء. وأن الشعراء يتفاضلون بقوة الشاعرية، وحسن اختيار اللفظ، ودقة المعاني. وأن المؤلفين يتفاضلون بسعة الدراسة والمطالعة، وكثرة التأليف والإنتاج. وأن المعلمين يتفاضلون بحسن الإلقاء والمحاضرة، واستحضار المادة الدراسية، وكثرة المراجع. وأن المصلحين والزعماء يتفاضلون بالبراعة في الخطابة، وأساليب السياسة والحكمة واللباقة... إنما يتفاضل الجميع بقوة الحب، والإخلاص لغاياتهم.


ولعل أجمل ما قرأت عن أهمية الحب كلام للمفكر الإسلامي أبوالحسن الندوي، رحمه الله، قال فيه: «من تتبع التاريخ عرف أن الحب هو مصدر الشعر الرقيق، والعلم العميق، والحكمة الرائعة، والمعاني البديعة، والبطولة الفائقة، والشخصية الفذة، والعبقرية النادرة؛ وإليه يرجع الفضل في غالب عجائب الإنسانية، ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ».


تلك الكلمة لم يتنكر لها الإسلام، ولم تحاربها الشريعة، ولم يحذفها الدين من قاموسه، وإنما رفعها الإسلام وجعلها ثمنا لظلال العرش في عرصات القيامة، قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..»، وذكر منهم: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه»، بل جعل الإسلام درجة المحب في الجنة إلى درجة المحبوب حين يسبقه ويعلوه فقال: «المرء مع من أحب».


هكذا تعامل الإسلام مع الحب، فهذب معناه، وسما به، ونأى به عن أن يكون وسيلة لإثارة الشهوات، ودغدغة العواطف، وتهييج الغرائز، فليس الحب ما نسمعه ونراه اليوم على شاشات التلفاز بين عاشق ومعشوقة يتبادلان كلمات الحب والغرام في مشاهد ساخنة، وملابس فاضحة، وعلاقة آثمة من خلال فلم ماجن أو مسرحية ساقطة، وليس هو ما نسمعه في أغنية ماجنة لإحدى الداعرات.. إنما هؤلاء أبواق الشياطين يستخدمها أولياؤهم ليستميلوا بها صرعى العشق والهوى، قال الله عن مثل هؤلاء: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} (النساء:27). فكم من فتاة زلت قدمها بسبب الحب، وكم من شاب ضيع مستقبله ودفن أحلامه للسبب ذاته، وكم من العوانس يبكين ندما على فوات قطار الزواج لذات السبب، وكم... وكم.


فالإسلام يرفض الحب الذي تكون نهايته أن تبذل الفتاة أغلى ما عندها ثم لا تأخذ شيئا، بل تصير لعبة في يد عشيقها، ثم سرعان ما يتركها وينصرف إلى غيرها، كما هي الحال عند بعض شباب المسلمين اليوم وللأسف.


ولقد غرر بكثير من شبابنا اليوم بخدعة «الحب البريء»، فتلك والله مكيدة الشيطان وأولى خطواته، يستميل بها كل غافل بليد. وكان الناطق الرسمي لهذه الخديعة والمروج المحترف لها هم: سارقو العفة ومعلمو العشق والغرام – الممثلون والممثلات - فكم من خلق جميل فينا أماتوه ونحن لا نشعر، وكم من فتاة بريئة تعلمت دروس الحب الزائف من تلك العواطف الهائجة إثر مشاهدتها لذلك المسلسل أو الفيلم حين تكررت تلك المقاطع الخبيثة أمام ناظريها، فخلفت في نفسها توهجا عاطفيا لا تجد من تفرغ له هذه العواطف إلا زميل الدراسة أو العمل، فأصبح ما شاهدته تلك الفتاة واقعا مؤلما مرا.


والممثلون والممثلات يتحولون بهذه الجريمة إلى مجموعة لصوص، كما وصفهم بذلك الرافعي؛ فقال: «ترى أحدهم شريفا يأنف أن يكون لصا، وأن يسمى لصا، ثم لا يعمل إلا عمل اللص في استلاب العفاف، وسرقة الفتيات من تاريخهن الاجتماعي، وتراه نجدا يستنكف أن يكون فيه أوصاف قطاع الطرق، ثم يأبى إلا أن يقطع الطريق في حياء العذارى وشرف النساء».


فإن قال قائل: فما المخرج لمن أصيب بداء أفئدة الكرام «العشق والغرام»؟


نقول: المخرج له هو الحب الحلال، وطريقه الزواج، كما جاء في سنن ابن ماجه مرفوعا: «لم ير للمتحابين مثل النكاح»، وأن يكون على بصيرة بالفرق بين الحب والغرام؛ فالحب عطاء بلا ألم.. والغرام آلام بلا عطاء، الحب سفينة شاطئها الحلال.. والغرام سفينة شاطئها الحرام.


الحب مشاعر تذكر فتشكر، وتنشر ولا تستر.. والغرام شهوات تدفن فتحرق، وآهات تدوم ولا تتوقف.


الحب مروءة وكرامة وطريق نهايته مشرقة.. والغرام خسة ونذالة وطريق نهايته مؤلمة.


وأما عن أنواع الحب فثلاثة: حب إلهي؛ وفيه ضراعة المحب وشكر المحبوب. وحب إنساني؛ وفيه وفاء المحب وتقدير المحبوب. وحب حيواني؛ وفيه مراوغة المحب ولؤم المحبوب.


وبالجملة؛ فإن الحب وله القلب، فإن تعلق بحقير كان وله الأطفال، وإن تعلق بإثم كان وله الحمقى، وإن تعلق بفان كان وله المرضى، وإن تعلق بباق عظيم كان وله الأنبياء والصديقين.


وهذا الحب كالجاذبية بالنسبة إلى الأرض، به تروض النفس، وتهذب الأخلاق، ويصفى كدر القلب. وهو للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، وهو سر من أسرار الناجحين، وسمة من سمات العظماء البارزين، وبه تصنع المعجزات، ومن عجائبه أنه لا يحده جنس ولا مذهب ولا لون، اهتز لأجله جبل أحد فقال: «أحد يحبنا ونحبه»، وبه حن الجذع حين صنع المنبر لرسولنا الكريم فسمع الناس أزيزه فنزل إليه الحبيب وضمه ثم قال: «لقد حن إلى ما كان يتلى عليه من الذكر»، وصاح به حرام ابن ملحان قائلا: فزت ورب الكعبة، ودماؤه تسيل، وليس المهم أن يبقى الحب ملتصقا بالمصالح، فسرعان ما تنتهي وتعقبها الأحقاد، ولا أن يبقى حبيس القلب، ولكن الأهم أن تمتد مساحته إلى فقراء المشاعر الدافئة، والعواطف الحانية، فهم بأمس الحاجة إليه.



فعش بالحب، عش بالتسامح، عش كل لحظة وكأنها آخر لحظة في حياتك، فالحياة لا متسع فيها للأحقاد والكراهية، بل هي أفسح ما تكون في قلوب المحبين.


اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، وهب لنا عملا صالحا يبلغنا إليك.