سؤال وجواب في فتن آخر الزمان وسبل النجاة منها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: سؤال وجواب في فتن آخر الزمان وسبل النجاة منها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,256

    افتراضي سؤال وجواب في فتن آخر الزمان وسبل النجاة منها

    سؤال وجواب في فتن آخر الزمان وسبل النجاة منها (1)

    الشيخ.محمد الحمود النجدي

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وبعد: فالحديث عن أوصاف فتن آخر الزمان وأحوالها، وعن الموقف الأمثل للمسلم لاتقائها والسلامة منها، حديث مهم، وضروري للنجاة منها، والسلامة من شرها، ولا سيما في هذه الأيام العصيبة، التي توالت فيها الفتن وتنوعت، وعمّت وطمّت، عافانا الله جميعا من شرورها.

    وقد حذرنا الشرع المطهر من الفتن التي تقع في آخر الزمان، كما جاء ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : «يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويُلقى الشّح، ويَكثر الهَرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل». متفق عليه.

    ونظرا لكثرة الفتن، وشدة خطرها على العبد، فقد وردت نصوص عديدة تحذر من الوقوع فيها، وأفرد لها العلماء والمحدثون فصولاً وأبوابا في كتبهم ومصنفاتهم، للحديث عنها، وعرْضِ سبل النجاة منها.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنَّ عِظَمَ الجَزاءِ مع عظم البلاء، وإنّ الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن رَضِي فله الرضا، ومن سخط فله السُّخط». رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أنس رضي الله عنه .

    ونبدأ بالأسئلة بحول الله -تعالى- في هذا الموضوع المهم والخطير:

    س 1: ما الحِكمة من خَلق الفتن والبلايا ووجودها، ولا سيما فتن الدين؟

    ج 1: لقد خلق الله -تعالى- الخلق جميعاً لحكمٍ بالغة، وغايات سامية، كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات:56).

    فخلق الله -سبحانه- الثقلين: الجن والإنس لعبادته، وحده لا شريك له، والعبادة هي: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، فيجب تعلمها وأداؤها على وجهها والإخلاص فيها لله تعالى.

    ومن سنن الله -تعالى- في خلقه: ابتلاؤهم وامتحانهم، حتى يتبيّن الصادق في إيمانه، الصابر على بلائه، من ضده وهو الكاذب أو الضعيف في إيمانه، ومن يجزع عند بلائه فلا يصبر، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:2-3).

    أي: فليعلمن الله ذلك علما ظاهرا يظهر للوجود، ليترتب عليه الجزاء، ويظهر فيهم ما علمه الله منهم في الأزل بعلمه السابق؛ إذْ إنّ الله تعالى من رحمته: ألا يعاقب عباده على ما علم أنه سيكون منهم، قبل أنْ يعملوه، حتى يفعلوه ويكون منهم، فيؤاخذون به.

    وقال -سبحانه- {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} (الأنبياء:35).

    وكما قال نبيه صلى الله عليه وسلم : «إن عِظمَ الجَزاء مع عِظَم البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمن رَضِي فله الرضا، ومَنْ سخط فله السُّخط». أخرجه الترمذي وابن ماجة.

    ومعنى الفتنة في اللغة: الابتلاء والاختبار والامتحان.

    وأما في الاصطلاح: «فالفتنة ما يَعرض للعباد من بلايا ومحن، في أمور دينهم أو دنياهم، فتظهر سرائرهم، وتنكشف حقائقهم».

    وقد وردت الأخبار الكثيرة عن وقوع الفتن وكثرتها وشدتها آخر الزمان، وإنَّ من رحمة الله بنا أن أرسل إلينا نبيا كريماً رؤوفا ًرحيما، عليه الصلاة والسلام، وقد حذرنا من كثرة الفتن وشدتها، كما في قوله صلى الله عليه وسلم «يَتَقارب الزمان، ويُقبض العلم، وتَظهر الفتن، ويُلقى الشُّح، ويكثر الهَرْج». قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل» متفق عليه.

    وقال صلى الله عليه وسلم : «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المُظلم، يُصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل» رواه مسلم.

    ونظراً لكثرة الفتن وشدة خطرها على العبد، وما ورد من النصوص المبينة لها المحذرة من الوقوع فيها، أفردها العلماء بفصول وأبواب في كتبهم كأصحاب الصحيح والسنن كما سبق.

    س 2: ما أحوال فتن آخر الزمان وأوصافها، التي حذّر منها النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه؟

    ج 2: لقد جاء في الأحاديث المتنوعة وصف الفتن بصفات كثيرة، نظراً لتنوعها واختلافها وأحوالها.

    فمما وصفت به الفتن ما يلي:

    أولا - وَصْف الفتن بأنها كقطعِ الليل المظلم، أي: أجزاء الليل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم» رواه مسلم، فشبهت الفتن في ظلمتها ولبسها على العباد، بقطع الليل المظلم.


    ثانيا -وقوع الفتن كرياح الصيف، أي: في تتابعها، وسرعة مجيئها، وتنوعها كما في حديث حذيفة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال وهو يعد الفتن – «منهن ثلاثٌ لا يكدن يَذرن شيئا، ومنهن فتنٌ كرياحِ الصيف، منها صغارٌ ومنها كبار» رواه مسلم.


    ثالثا - أنها يُرقّق بعضُها بعضاً، أي: تتعاظم الفتن مع مرور الزمن، حتى تكون الفتنة السابقة كأنها رقيقة، أي: هينة قليلة، لشدة ما بعدها، وهكذا الأمر بازدياد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «إنه لم يكن نبيٌ قبلي، إلا كان حقاً عليه أنْ يدلّ أمته على خيرِ ما يعلمه لهم..» الحديث رواه مسلم.


    وفيه: «وتجيء فتنة فيرقّق بعضُها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه». أي: هذه التي ستهلكني.

    رابعا - أنها تَموج كموج البحر: كما ثبت في الحديث: أن عمر رضي الله عنه قال: أيُّكم يَحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقال حذيفة رضي الله عنه : أنا أحفظ كما قال، قال: هات، إنك لجريء! قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فتنةُ الرجلِ في أهله وماله وجاره، تُكفّرها الصلاةُ، والصدقةُ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». قال عمر: «ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر...» متفق عليه.


    وقد شبهت بذلك لشدة اضطرابها، واضطراب الناس فيها، واختلال أحوالهم معها.

    خامسا - أنها تُعرض على قلوب العباد فتنة فتنة، وشيئا فشيئا: وتختلف فيها أحوال العباد تجاهها، فمن تقبلها ضلّ وهلك، ومن ردّها ونفاها، فقد اهتدى ونجا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُودا، فأي قلب أشربها نُكت فيه نكته سوداء، وأي قلبٍ أنكرها نُكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفا، فلا تضرُّه فتنةٌ ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباداً، كالكوز مُجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه» الحديث متفق عليه.


    قال النووي رحمه الله: هذان الحرفان - عُوداً عُودا - مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه، أظهرها وأشهرها: ضم العين والدال المهملة، والثاني: فتح العين والدال المهملة أي «حرف الدال» أيضا، والثالث: فتح العين والدال المعجمة أي «حرف الذال»، ومعنى تعرض، أي: تلصق بعرض القلوب، أي: جانبها، كما تلصق الحصير بجنب النائم وتؤثر فيه بشدة التصاقها، ومعنى عودا عودا، أي: يعاد ويكرر شيئا بعد شيء.

    قال ابن السراج رحمه الله: ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منها، كما يقال: غفراً غفرا، أي: نسألك أنْ تعيذنا من ذلك وأنْ تغفر لنا.

    وقال الخطابي: معناه: تظهر على القلوب أي تظهر بها فتنة بعد أخرى، كما ينسج الحصير عوداً عودا وشطية بعد أخرى. قال القاضي عياض: وعلى هذا تتوجه رواية العين، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عوداً أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى، بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد واحد، انتهى.

    فإذا كان الأمر كذلك (فأي قلب أشربها) بصيغة المفعول، يقال: أشرب في قلبه حبه، أي: خالطه، فالمعنى: خالط الفتن واختلط بها، ودخلت فيه دخولاً تاما، ولزمها لزوما كاملا، وحلت منه محل الشراب في نفوذ المسام وتنفيذ المرام، ومنه قوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أي: حب العجل، والإشراب: خلطُ لونٍ بلون، كأن أحد اللونين شرب الآخر، وكسي لونا آخر. فالمعنى: جعل متأثرا بالفتن؛ بحيث يتداخل فيه حبها كما يتداخل الصبغ الثوب.

    وقوله «نُكتت» بصيغة المجهول، أي: نقطت وأثرت. «فيه» أي: في قلبه «نكتة سوداء» وأصل النكت ضرب الأرض بقضيب فيؤثر فيها». وأي قلبٍ أنكرها» أي: رد الفتن وامتنع من قبولها. «نكت فيه نكتة بيضاء» أي: إنْ لم تكن فيه ابتداء وإلا فمعنى نكتت أثبتت فيه ودامت واستمرت «حتى» غاية للأمرين «تصير» بالتاء الفوقية، وفي نسخة بالياء التحتية، أي: تصير قلوب أهل ذلك الزمان، أو يصير الإنسان باعتبار قلبه أو يصير قلبه «على قلبين» أي: نوعين أو صنفين «أبيض» بالرفع، أي: أحدهما أبيض «مثل الصفا» بالقصر أي: مثل الحجر المرمر الأملس من غاية البياض والصفا، أي: مماثلا ومشابها للصفا في النور والبهاء، «فلا تضره فتنة» ولا ظلمة وبلية «ما دامت السماوات والأرض»؛ لأنها قلوبٌ صافية، قد أنكرت تلك الفتن في ذلك الزمن، فحفظها الله -تعالى- عنها بعد تلك الساعة إلى يوم القيامة.

    قوله «والآخر أسود مربادا» بكسر الميم وبالدال المشددة: من ارباد كاحمار، أي صار كلون الر**ماد، من الربدة لون بين السواد والغبرة، وهو حال أو منصوب على الذم. «كالكوز»، أي: يشبه الآخر الكوز أي الكأس «مجخيا» أي: مائلا منكوسا، مشبها من هو خال من العلوم والمعارف، بكوز مائل لا يثبت فيه شيءٌ، ولا يستقر، وهذا معنى قوله «لا يعرف» أي: هذا القلب «معروفا ولا ينكر منكرا» والمعنى: لا يبقى فيه عرفان ما هو معروف، ولا إنكار ما هو منكر «إلا ما أشرب» أي: القلب «من هواه»، أي: فيتبعه طبعا وشهوة، من غير ملاحظة كونه معروفا أو منكراً شرعا، وهذا لضلاله واتباعه لهواه.


    هذا مجمل الكلام على هذا الحديث.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,256

    افتراضي رد: سؤال وجواب في فتن آخر الزمان وسبل النجاة منها

    سؤال وجواب في فتن آخر الزمان وسبل النجاة منها (2)

    الشيخ.محمد الحمود النجدي




    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وبعد: فالحديث عن أوصاف فتن آخر الزمان وأحوالها، وعن الموقف الأمثل للمسلم لاتقائها والسلامة منها، حديث مهم، وضروري للنجاة منها، والسلامة من شرها، ولا سيما في هذه الأيام العصيبة، التي توالت فيها الفتن وتنوعت، وعمّت وطمّت، عافانا الله جميعا من شرورها.



    وقد تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض فتن آخر الزمان وسبل النجاة منها، وذكرنا أجوبة بعض هذه الأسئلة التي ترد في هـذا الموضوع ونستكمل ما بقي لنا من هـذه الأسئلة وأجوبتها.

    السؤال الثالث: ما أسباب الوقوع في الفتن حتى يجتنبها المسلم فينجو؟

    - الجواب: أسباب الوقوع في الفتن كثيرة ومتنوعة، فمن أسباب الوقوع فيها:

    1- الجهل: والجهل سبب كبير للوقوع في الفتن، وهو آفةٌ عظيمة، وداءٌ عضال، وهو مع الظلمِ أصلُ كلّ شرٍ وبلية، كما قال تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } الأحزاب:72.

    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، إنْ أدوها أثابهم، وإنْ ضيعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } الأحزاب يعني: غراً بأمر الله.

    والمراد بالجهل: الجهل بالله وأسمائه وصفاته، وبدينه وشرعه، وبنبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته وهديه، وعدم معرفة ذلك على الحقيقة، وعدم فهم الدِّين كما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم، أهل العلم والتقى، والاستقامة على الصراط المستقيم، فمن لم يعرف الحق كيف يتبعه؟

    ومن لم يعلم السنن كيف يطبقها ويعمل بها؟ وكيف تكون له نية المتابعة وهو لا يعرف ما يتابع فيه؟

    فالجاهل يسير على غير هدى ولا علم ولا منهاج.

    2- اتباع الهوى: وهو سببٌ رئيس من أسباب الوقوع في الفتن والبلايا والمحن، والاستخفاف بالمحرمات، فاتباع الهوى يَطمس نور العقل، ويُعمي بصيرة القلب، ويصد عن اتباع الحق، ويضل عن الطريق المستقيم، والعبد إذا اتبع هواه فَسدَ رأيه ونظره، فأرته نفسه الحسنَ في صُورة القبيح؟! والقبيح في صورة الحسن؟! فيلتبس عليه الحق بالباطل، فأنَّى له الانتفاع بالتذكر والتفكر، أو بالعظة من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟!، وكلما ضعف نور الإيمان والعلم في القلب، كلما كانت الغلبة للهوى.

    واتباع الهوى يهوي بصاحبه في نار جهنم والعياذ بالله، إذْ صاحب الهوى ليس له إمامٌ يتبعه بحق، بل يتبع ما تهواه نفسه دون ضابط، والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.

    وهو أحد المهلكات الثلاث، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : «.. وثلاث مهلكات... وأما المهلكات فشحٌ مطاع، وهوى مُتبع، وإعجابُ المرءِ بنفسه».

    قال ابن فارس: وهوى النفس مأخوذ من المعنيين جميعا - أي من الخُلو والسقوط - لأنه خالٍ من كل شيء، ويهوي بصاحبه فيما لا ينبغي.

    قال الراغب: سُمي بذلك: لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا على كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية.

    وسئل الحسن البصري رحمه الله: أي الجهاد أفضل؟ فقال: جهادك هواك.

    وقد كثرت الآيات في التحذير من اتباع الهوى، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} (الجاثية: 23).

    معنى {اتخذَ إلهه هواه} أي: اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوى من شيء دون إله الحق، واتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه؛ لأنه لا يؤمن بالله تعالى، ولا يُحرّم ما حرم، ولا يحلل ما حلل، إنما دينه ما هوته نفسه يعمل به.

    وقوله: {وأضله الله على علم} يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجّة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية.

    وقال سبحانه: {إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} النجم:23.

    فيقول تعالى ذكره: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه الأسماء التي سموا بها آلهتهم، إلا الظنّ، لا اليقين {ومَا تَهْوَى الأنْفُسُ} يقول: وهوى أنفسهم، لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله -تعالى-، ولا عن رسول الله أخبرهم به، وإنما اختراع من قِبل أنفسهم، أو أخذوه عن آبائهم الذين كانوا على الكفر بالله تعالى على مثل ما هم عليه.

    ولقد جاءهم من ربهم الهدى في ذلك، والبيان بالوحي الذي أوحيناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فما انتفعوا به.

    فالمؤمن متبع للهدى، لا متبع للهوى، وقال تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم: 28.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «صاحب الهوى يُعميه الهوى ويُصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في الأمر، ولا يطلبه أصلاً، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يَغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصلَ ما يرضاه هواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه؟! فليس قصده أنْ يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصده الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو لغرض من الدنيا، فلم يكن لله غضبه، ولم يكن مجاهداً في سبيل الله!

    بل إنّ أصحاب الهوى يغضبون على مَن خالفهم، وإنْ كان مجتهداً معذوراً لا يغضب الله عليه! ويرضون عمَّن يوافقهم وإنْ كان جاهلاً سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد! فيفضي هذا إلى أنْ يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله! ويذموا مَنْ لم يذمّه الله ورسوله! وتصير موالاتهم ومعادتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله؟! انتهى كلامه رحمه الله.

    التحذير من اتباع الهوى:

    وقد حذّر الله تعالى في آيات كثيرة نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من اتباع الهوى، فقال تبارك وتعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} البقرة: 145.

    وقال سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} (الرعد: 37).

    وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين َ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } النساء: 135.

    وقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} المائدة:49.

    وقال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الجاثية: 18.

    وغيرها من الآيات الكثيرة.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الهوى، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من مُنْكرات الأخلاق والأعمال والأهواء».

    رواه الترمذي وصححه ابن حبان من حديث قطبة بن مالك الثعلبي رضي الله عنه .

    وقال صلى الله عليه وسلم : «إنّ مما أخشى عليكم بعدي: بطونكم، وفروجكم، ومضلات الأهواء». رواه ابن أبي عاصم في كتاب السُّنة عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه .

    3- التشدّد والتنطع في الدين: وذلك من أعظم أسباب الوقوع في البدع والفتن، والانحراف عن الصراط المستقيم، الذي هو شرع الله المبين، وطريق النبيين والمرسلين، وأوليائه المتقين.

    فالتشدد وتضييق الشريعة الواسعة السمحة الميسرة، يوقع صاحبه في الحرج والعسر، وهو مضادة للشريعة الحقة، ومخالفة لها، فقد قال الله تعالى عنها: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } الحج: 78.

    وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بكم العسر } البقرة: 185.

    وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} البقرة: 286.

    وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} الطلاق: 7.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنّ الدين يسرٌ، ولنْ يُشادّ الدين أحدٌ إلا غَلَبه، فسدِّدوا وقَاربوا، وأبْشروا، واسْتعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة» رواه البخاري.

    نقل الحافظ في الفتح عن ابن المنير عند شرحه للحديث: «في هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة» فقد رأينا ورأى الناس قبلنا: أنَّ كل متنطع في الدين ينقطع».

    وقد صدق ابن المنير رحمه الله، فقد شاهدنا في هذا العصر بعض الشباب المتحمسين الذين كان لهم غلو وتشدد، انتكسوا وانقطعوا، وتركوا التدين جملةً وانحرفوا إلى الإفراط أو التفريط، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وقال صلى الله عليه وسلم : «يسّروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» متفق عليه. وقال: «أرسلت بالحنيفية السمحة» رواه الإمام أحمد وغيره. والتنطع في الدين سبب للهلاك، كما قال صلى الله عليه وسلم : «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا. رواه مسلم.

    والتشدد هو التعمق والمبالغة في الأعمال الدينية، وترك الرفق، ولا يفعل ذلك أحدٌ إلا عجز وانقطع عن العمل، فيُغلب.

    وقال النووي: «المتنطعون: المُتعمّقون الغالون المجاوزون الحدود، في أقوالهم وأفعالهم».

    وقال الخطابي: «المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلّف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم». وقد ذكر أهل العلم أمثلة للتشدد والتنطع، منها:

    تكلف الشخص من العبادة ما لا يستطيع، فيؤدي به ذلك إلى فوات الأفضل، أو إلى السآمة والملل فينقطع الشخص. وذلك كمن يتكلف في قيام الليل ويطيل فيه، حتى يتعب من السهر، فتغلبه عيناه عن صلاة الفجر في الجماعة، أو عن أدائها في وقتها المختار أو الضروري.

    ومن ذلك الأخذ بالعزيمة في مواضع الرخصة، كمن يترك رخصة الفطر في حال السفر أو المرض، أو يترك التيمم فيستعمل الماء وهو يضره.

    ومن التنطع: كثرة الأسئلة عما لم يقع والتفريعات، وقد كان السلف الصالح يكرهون ذلك، فإذا سُئلوا عن شيءٍ لم يقع، يقولون: دعوه حتى يقع.

    ومن التشدد: التسرع في التكفير، وكذا التفسيق والتبديع للمخالف، دون بينةٍ ولا دليل ولا برهان، ودون النظر في تحقق شروط الحكم، وانتفاء موانعه.

    وكذا التسرع في تغيير المنكر، ولو كان في غير استطاعته، أو حدود مسؤوليته، ولو ترتب عليه منكر أعظم منه!

    وكذا المبالغة برفع بعض المستحبات إلى درجة الواجبات؟ أو بعض المكروهات إلى مقام المحرمات!

    4 – كيد أعداء الله لهذه الأمة العظيمة: ومن أسباب الوقوع في الفتن، كيد أعداء الله لهذه الأمة العظيمة، على اختلاف أصنافهم من يهود ونصارى، ومنافقين ومرجفين، وأهل بدعٍ وأهواء، وغيرهم من أعداء الإسلام والمسلمين، والآيات في هذا كثيرة:

    ا- قال تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } البقرة: 120.

    قال ابن جرير رحمه الله: وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله، في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.

    وقوله تعالى: {قل إن هدى الله هو الهدى} أي: قل يا محمد: إنْ هُدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني: هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.

    وقد استدلَّ كثيرٌ من الفقهاء بقوله تعالى: {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} - حيث أفرد الملَّة - على أنَّ الكفر ملَّة واحدة، كقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الكافرون: 6. وقال سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ } (البقرة: 109).

    فيحذِّر تعالى عباده المؤمنين من سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب، ويخبرهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم صلى الله عليه وسلم .

    ب - وقال تعالى أيضا: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ } (آل عمران: 72-73).


    ومعنى الآية: أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام - في أول النهار ثم اكفروا به آخره; فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه، فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون: إن أهل الكتاب أعلم به منا.

    وقال مقاتل: معناه أنهم جاؤوا محمداً صلى الله عليه وسلم أول النهار، ورجعوا من عنده فقالوا للسفلة: هو حقٌ فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا: قد نظرنا في التوراة فليس هو به.

    وإنما أرادوا أنْ يلبسوا على السفلة، وأن يشككوا فيه.

    ج - وقال تعالى أيضا: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} النساء: 89.

    فأهل الباطل يبغون للحق وأهله الغوائل، ويكيدون لهم المكائد، ظاهرا وباطنا، بالطعن في الدين والتشكيك فيه وفي معتقداته وشرائعه وأحكامه وسننه، وبث الشبهات، والدعايات المضللة، ليصدوا المسلمين عن دينهم، ويزينوا لهم الأديان الباطلة، والمذاهب الفاسدة، فهم أعوان إبليس، الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •