كيف كتب أجدادنا تاريخهم؟!​




في مقدمته الشهيرة شدد العلامة ولي الدين بن خلدون (ت808هـ) على أهمية التثبت في نقل وقائع التاريخ؛ لأن عدم التثبت ومجرد النقل دون تبصر، أو الكتابة الواهمة المنتقاة تفضي إلى نتائج كارثية أهمها ضياع الحقيقة، وانتشار الزيف، وتغييب الوعي، وتنشئة أجيال من المغيبين، يقول رحمه الله: «إن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب؛ فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط».


كيف كتب أجدادنا تاريخهم؟!


محمد شعبان أيوب


باحث في التاريخ والتراث


إن ما ذكره ابن خلدون يكشف حقيقة المأساة التي عاشتها أجيال متأخرة، ممن تربت على تشويه لحقائق التاريخ، فعرفته من منظور عاطفي أو دعائي أو كاذب منتحل، فانقلبت الحقائق في وعيها ولاتزال، ولربما يجد القارئ الواعي بالتاريخ صعوبة في إعادة بعثرة الحقائق أمام هؤلاء، فلا تجد إلا المقاومة والتسفيه، وهي مأساة بلاشك، تكشف كيف يمكن أن يشوه التاريخ المزيف أجيالا وأجيالا!


وخشية من فشو الكذب والتزييف والخداع، نهج المؤرخون الأولون من أجدادنا العظماء في جمع الأخبار وتدوينها نهجا اتسم بالاهتمام بالجانب الجمعي؛ فمن الملاحظ أن مجال التدوين التاريخي في القرون الثلاثة الأولى انصب على جمع الروايات وتدوينها وتصنيفها في كتب دون التدخل في نقدها وتمحيصها، ولذلك استشعر بعض المؤرخين ذلك العيب الخطير؛ ومنهم العلامة ابن جرير الطبري (ت310هـ) الذي قال في مقدمة تاريخه: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا».


ولم يكن الطبري الذي أعلن صراحة عن منهجه في جمع الروايات دون تمحيصها هو وحده الذي انتهج ذلك النهج دون غيره، إذ كان أمرا عاما بين الأخباريين وبعض المؤرخين، لكن جل ما عمله هؤلاء الأخباريون أنهم جمعوا الروايات المتعلقة بالموضوع الواحد ووضعوها في كتب مفردة، وكان أبرز هؤلاء الزهري وأبومخنف وسيف بن عمر والواقدي والمدائني.


ولذلك أصبح التاريخ بوتقة لكل أنواع الأخبار الصحيحة والضعيفة والموضوعة، وكل ما استطاع المؤرخون الأولون أن يقدموه لنا، أنهم جعلوا عهدة هذه الروايات على رواتها، ولذلك حرصوا على إيراد سلسلة الرواة وإن طالت، ولم يشذ عن هؤلاء إلا القليل ممن تعمد أو أغفل ذلك، واعتبروا ذكر رواة الأخبار أمرا أصيلا، فاطمأنت نفوسهم إلى ذلك؛ من حيث إن المدققين في هذه الروايات يستطيعون أن يقبلوا الأخبار من الرواة الثقاة، ويرفضوا ما دونها بالاعتماد على علوم الرجال والطبقات والأسانيد.


ويكفي للتدليل على ذلك بأني أحصيت عدد الروايات المتعلقة بقضية خروج الإمام الحسين واستشهاده في تاريخ الطبري، فوجدتها 101 رواية، روى منها أبومخنف الوضاع 76 رواية، وروى هشام بن محمد الكلبي صاحب «العجائب والأخبار التي لا أصول لها» 13 رواية؛ ليكون مجموع الروايات التي رويت عنهما 89 رواية من أصل 101 تحدثت عن هذه الواقعة، وهذا دليل على أن تشويه التاريخ أمر قديم ومقصود لأغراض عقائدية أو عرقية وسياسية.


ومن هنا يأتي على الخاطر سؤال مهم، هل يمكن تنقيح هذه الروايات التاريخية؟ وهل يمكن أن يكون بين أيدينا تاريخ صحيح نقي من كل عيب، مستصفى من كل كذب وتلفيق؟


إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب منا أن نوضح أمرا مهما حقا، وهو إذا تراءى لدى بعض القراء أن المؤلفات التاريخية الإسلامية تحمل فجوات أو تلفيقات، فيجب التنبيه على أن طريقة الإسناد وإيراد كافة الروايات المتعلقة بالموضوع الواحد، ليعد من الابتكارات الحقيقية للعقلية الإسلامية، فليس هناك مثل هذه الدراسات والقواعد والتحرزات في أي تاريخ أو شريعة أخرى سبقتنا، وقد تنبه الإمام ابن حزم رحمه الله (ت456هـ) إلى هذا الأمر، قائلا: «نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي شيء خص به المسلمون دون جميع الملل والنحل، أما مع الإرسال والإعضال فيوجد في اليهود، لكن لا يقربون به من موسى قربنا من نبينا، بل يقفون حيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين نفسا، وإنما يبلغون إلى نوح وشمعون، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق..».


وبالرغم من وجود هذه الثغرات والفجوات التي وجدت في تاريخنا الإسلامي، فإنه لا توجد مقارنة من حيث المنهجية ومن ثم الدقة مع ما كتبه اليهود والنصارى في كتبهم المقدسة، وشرائعهم، فضلا عن تاريخهم وتراثهم الإنساني، ولذلك يقول عالم الاجتماع الأميركي هاري بارنز: «في عهد الإمبراطورية الرومانية المتأخر أبدى بعض أبناء الكنيسة شكوكهم في صحة أفكار تقليدية معينة عن تأليف الكتاب المقدس، ولكن أول دارس أثار مسائل على جانب كبير من الأهمية من ناحية الآراء التقليدية كان عالم العهد الوسيط ابن عزرا الذي تحدى في سنة 1150م, فكرة تأليف موسى عليه السلام للأسفار الخمسة. وفي القرن السابع عشر أبدى الفيلسوف الناقد الشهير توماس هوبز شكه في تأليف موسى عليه السلام للأسفار على أساس اعتبارات منطقية ومفاهيم الإدراك العام لا على أساس الدراسة التاريخية للنصوص، وأشار إلى أنه ليس من المألوف أن يشير مؤلف وهو يكتب سيرته الذاتية إلى موته ويفخر بأنه قد أحسن دفنه إلى حد أنه لم يستطع أحد لمدة سنوات عدة أن يعرف موضع قبره!»


إن هذه الأسئلة والاستنتاجات التي حيرت عقول علماء الغرب لمدة طويلة - ومازالت – تؤكد لنا أن أخباريي المسلمين ومؤرخيهم تحروا قدر طاقتهم الدقة والصواب في إيراد الروايات المتعددة المتعلقة بالحادثة المراد التأريخ لها، وإن ضمت هذه الروايات كذبا وتلفيقا؛ لأنهم جعلوا الإسناد المحك الرئيس في قبول رواية ما أو رفضها، ولأهمية الإسناد في علم الحديث بصفة خاصة، وبقية العلوم ومنها التاريخ، نرى ابن المبارك يقول: «الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»، ولهذا يعجب المستشرق الألماني سبرنجر من هذه المنهجية، فيقول: «لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أمة من الأمم المعاصرة أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر الذي يتناول أحوال خمسمائة ألف رجل وشؤونهم».


وفي العصر الحديث حدثت ثورة في علوم المنهجية «الميثدولوجيا» التاريخية، وكان أول كتاب عربي يتناول هذه المنهجية، مستفيدا بما كتبه المؤرخون المسلمون في تاريخهم من قواعد وأصول علوم المصطلح الحديثي، ومن الغربيين الذين شرعوا في الاهتمام بهذا الجانب منذ عصر النهضة، كان المؤرخ اللبناني اللامع «أسد رستم» في كتابه القيم «مصطلح التاريخ» الذي ظهر في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم تتابعت الدراسات العربية المنهجية في علم التاريخ حتى يومنا هذا؛ كلها تضع القواعد، وترسم الأصول التي تعين المؤرخين والباحثين على الوصول إلى الحقيقة من خلال مناهج علمية دقيقة، وهي أعظم إفادة للتاريخ وللحقيقة بلا ريب.