مقاصد التاريخ في القرآن الكريم



د. مسعود صبري



باحث في الموسوعة الفقهية- الكويت





التاريخ حافظة الأمم، وسجل الزمان، به يعرف أخبار من غبر، وأحوال من مضى، ويستمد منه الناس معالم القوة لحاضرهم، وآفاق البقاء لمستقبلهم، ولذا، فقد كانت عناية الأمة به حاضرة، والأمر فيه كما قال ابن خلدون في مقدمته إن: «فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. والأنبياء في سيرهم. والملوك في دولهم وسياستهم. حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق».


ولأهمية التاريخ، فقد حفل القرآن الكريم به كثيرا، حتى إنه يكاد ينال منه النصيب الأكبر والحظ الأوفر، وهو تنبيه إلهي لنا لإدراك أهمية التاريخ في حياة الأمم عامة، وفي حياة تلك الأمة المحمدية خاصة.


وقد تنوع ما ذكره القرآن الكريم من تاريخ عبر آياته، فمنه ما كان تاريخا للأنبياء - عليهم السلام - فقد ذكر قصص آدم وإدريس ونوح، وهود، ولوط، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وشعيب، وأيوب، وذي الكفل، ويونس، وموسى وهارون، وإلياس، واليسع، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى، ثم ختم بهم بمحمد صلوات الله عليهم أجمعين، كما ذكر القرآن قصصا تاريخية لغير الأنبياء، منها ما كان ذكرا لتاريخ بعض الجماعات، كأصحاب الأخدود، وأهل الكهف، وأصحاب الجنة، وأصحاب الفيل، ويأجوج ومأجوج، ومنها ما كان ذكرا لتاريخ بعض الأفراد، منهم من كان مؤمنا، كمؤمن آل فرعون، وذي القرنين، وملكة سبأ، والعبد الصالح مع موسى عليه السلام، ولقمان، وطالوت وغيرهم، كما كان منهم من كان كافرا، كقارون، وجالوت، وأبي لهب وامرأته، أو عاصيا كصاحب الجنة، ونحوهم.


وهي إشارة من القرآن الكريم في العناية بتدوين التاريخ بأنواعه، من التاريخ السياسي، والتاريخ الاجتماعي، وهو الذي غفل عنه كثير من المؤرخين.


مقاصد التاريخ في القرآن



وقد اعتنى القرآن الكريم بذكر تاريخ الأمم والأنبياء وذكر قصص بعض الجماعات والأفراد لمقاصد مهمة، منها:


أولا- الاعتبار



من جميل مقاصد القرآن الكريم فيما يورده من قصص التاريخ وفلسفته أنه تحدى حيز السرد والحكاية إلى ما وراءها من الدروس والعبر، والوقوف وراء الحدث تحليلا ونقدا وإدراكا ليتخطى الحدث ذاته إلى مقصوده من أخذ العبرة، وهذا ما يفصح عنه القرآن من بيان أحد مقاصد التاريخ فيه، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (يوسف:111)، فالقرآن يلفت الانتباه إلى «العبرة التاريخية» وهي العبور من الحدث وعدم الوقوف عنده مليا بالانشغال في تفاصيله إلى الوقوف على جذوره، حتى نصل إلى إدراك أسباب الحادثة، ثم تطبيق تلك الحادثة على ما يشابهها من حوادث متكررة، والاستفادة منها في واقعنا المعاصر، بل وفي استشراف المستقبل أيضا، ومن هنا كان التاريخ أحد كواشف خلود القرآن، وأنه ليس نصا تاريخيا، وإن احتوى حوادث تاريخية لا للوقوف عليها بل للاستفادة منها في غيرها من الحوادث التي لا تنتهي، وذلك من إعجاز القرآن.


ويلفت القرآن الانتباه إلى أن الوصول إلى مقصد «العبرة التاريخية» له شروط، أهمها: القائم بالكشف عن مقصد «العبرة التاريخية»، وهو جودة آلة التفكير من العقل (لأولي الألباب)، فليس كل أحد قادرا على اكتشاف العبرة التاريخية، وأن الوصول إلى تلك العبرة يجب أن يصل إلى حد الحقيقة لا مجرد الخرص والظن: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى}، وأنه يجري مجرى السنن التي وضعها الله تعالى في الكون والحياة {وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}، وأن العبرة التاريخية واضحة جلية تضيء للناس طريقهم حتى يعرفوا إلى أين هم صائرون، وفي أي اتجاه يخوضون: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى}، فهناك الهداية التاريخية التي تنير للأمة مسالكها ودروبها، ولذا، فهي تهديهم إلى الرحمة، {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وتلك الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين الصادقين.


ثانيا- التعاون الإنساني



إن الاطلاع على التجارب البشرية السابقة، وسبر أغوارها، والوقوف على الحوادث المتنوعة لها في مجالات الحياة، ليدفع المسلمين إلى اعتبار مقصد التعاون الإنساني، وأنهم لم يجيئوا لهذه الأرض - مفضلين على غيرهم بما أوتوا من الكتاب - ليعيشوا وحدهم، ولا أن يتسلطوا على غيرهم، ولا أن يسمحوا لغيرهم أن يتسلطوا عليهم، بل يدركون أن الحياة الدنيا مبنية على التعاون بين بني آدم جميعا، لأن الله تعالى أكسبهم الأرض مسلمهم وكافرهم، وأن في طيات ذكر تاريخ الأمم السابقة ما يحمل من أسباب الحياة الكريمة وبيان أسباب انهدام الحضارات وتلاشي نزول العذاب، وقد أكثر القرآن الكريم من تنبيه المسلمين إلى ما حصل لمن قبلهم، فذكر عشرات الآيات مقرونة بـ «من قبلهم»، و: «من قبلكم» و: «من قبل»، ليربط المسلمين بتاريخ الأمم جميعا، وأنه يجب التفريق بين ما هو عقدي لا يمكن التنازل عنه، ولا التقارب فيه، ولا اعتباره واحدا، وبين الاشتراك والتعاون على الأرض التي جعلنا الله تعالى جميعا فيها شركاء لتحقيق المصالح الدنيوية، وقد جاء الحث بالتعاون في سياق الحديث عن الخلاف بين المسلمين والمشركين، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2)، وقد جاء الأمر بالتعاون على البر، والبر اسم جامع لكل خير، والخير غير ممنوع عن الناس أيا كانت عقائدهم.


ثالثا- إثبات صدق النبوة



إن التاريخ الذي جاء به محمد " صلى الله عليه وسلم" في القرآن، لهو أكبر دليل على صدق نبوته، فمحمد بن عبدالله " صلى الله عليه وسلم" الذي نشأ في مكة أميا، لم يذهب إلى معلم، ولم يعرف عنه أنه قرأ أو كتب كتابا أو رسالة، أو قال شعرا كما هو معهود قومه وعشيرته، لكنه يأتي بنصوص تخبر عن تاريخ الأمم السابقة، بما لم يكن يعلمه العرب، ويغيب عن كثير ممن كان يعيش معه في زمنه؛ لهو دليل على صدق نبوته، وأنه ما كان حديثا يفترى، فالإعجاز التاريخي - كما ذكره السيوطي - هو ما انطوى عليه من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة ممَّا كان لا يَعْلَمُ منه القصَّة الواحدة إلّا الفذُّ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلُّم ذلك، فيورده رسول الله " صلى الله عليه وسلم" على وجهه، ويأتي به على نصِّه، وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب.


رابعا - علاج أمراض الأمم



إن النظر في تاريخ الأمم السابقة ليس ضربا من الماضي، وأن تلك هي حدوده الموقوف عندها، ذلك أن السنن الكونية في الشعوب والأمم واحدة، وأن تجارب الإنسان متكررة، وكما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه «نظرات في القرآن» (95-98): «فالإنسان هو الإنسان - من مائة قرن خَلَتْ إلى مائة قرن يلدها المستقبل المنظور أو أكثر - لن تتغيَّر طبيعته، ولن يتبدَّل جوهره؛ لذلك فقد حفظ القرآن قصص الأوَّلين مع أنبيائهم، وجدَّد على الناس ذكرها بعدما طَوَتِ الليالي أصحابَهَا؛ ليُدَاوِيَ بها عِلَلا متشابهة، وقد كثرت القصص لتحصي جملة كبيرة من الأمراض الاجتماعيَّة، وتستأصل جرثومتها بصنوف العِبَر وشتَّى النُّذُر».


خامسا- تعلم الثبات على الحق



إن القصص القرآني بما يحويه من تاريخ الأمم السابقة وما حدث لها من حوادث عبر الزمن، لهو زاد كبير للمؤمنين في الثبات على الحق، والحفاظ على الدين، باعتباره أحد مقاصد الشريعة الكبرى، وقد اختتم الله تعالى الحديث عن قصة هود عليه السلام في السورة التي سميت باسمه بقوله تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } (هود:120)، فجعل التذكير بتاريخ الأنبياء والصالحين من الوسائل المعينة على الثبات على الدين، وأن ما يلاقيه المسلمون من عنت وحرب وفتنة من أعدائهم هو من سنن الله تعالى في الصالحين، فيهون ذلك في نفوسهم، ومن جميل ما ذكر القرآن أنه جعل الثبات محله القلب: {نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}، ذلك أن الثبات على الدين من الحق الواجب اتباعه، وهو ذكرى للأمة حتى لا تنسى وتخالف سنن الصالحين عبر تاريخهم.


ويتكرر المعنى في سورة الأنعام، فيذكر الله تعالى رسوله بثبات الأنبياء على ما أوتوا من الشريعة والدين رغم ما لاقوه من تكذيب شعوبهم، لكنهم ما حادوا عن الحق، وصبروا على ما لاقوا من قومهم: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} ثم ختمت الآية باعتبار تلك القصص جزءا من التاريخ الذي يجب العناية به، والالتفات إليه، فقال: { وَلَقَدْ جَاءَك مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ } (الأنعام:34)، ولذلك نجد أن كثيرا من الناس قد يغير قلبه سماع بعض الحكايات متأثرا بها أكثر من الحديث المجرد، فهي كما قال الجنيد رحمه الله: الحكايات جند من جند الله عزوجل يقوي بها إيمان المريدين.


سادسا- معرفة سنن قيام الحضارات وهدمها



إن ما زخر به القرآن الكريم من ذكر قصص السابقين وتاريخ الأمم التي كانت قبلنا كان من أهم مقاصده معرفة السنن الكونية في بناء الحضارات وانهدامها، وزوال الممالك وبقائها، وهي عبر تمهد للأمة معرفة مواطن القوة ومواطن الخلل في مسيرتها الحضارية، بما يحفظ بقاءها وأسباب تماسكها الداخلي، وإدراك طبيعة العلاقة مع غيرها تعاونا وحذرا وجهادا وصدا للعدوان، وإعدادا لصد الخطر الذي قد يداهمها، ومد يد العون لغير المعتدين، والسعي والتعاون لبناء حضارة إنسانية راقية على منهج الإسلام، وذلك من خلال إعمال العقل فيما حفل به القرآن من تاريخ غيرهم، كما قال تعالى: {فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف:176).



إن القرآن الكريم كتاب هداية في المقام الأول، لكنه حفل بالحديث عن كثير من العلوم الإنسانية، منها: علم التاريخ، وهو يؤسس لمنهجية رائعة في التعاطي مع التاريخ، وكيفية التأسيس له، والاستفادة منه، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف:111).