الرد على المخالف وضوابطه وآدابه
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الرد على المخالف وضوابطه وآدابه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,614

    افتراضي الرد على المخالف وضوابطه وآدابه

    الرد على المخالف وضوابطه وآدابه (1)



    الشيخ.محمد الحمود النجدي


    الرد على المخالف، أصلٌ من أصول أهل السُّنة والجماعة، وعبادة عظيمة، ومقام جليل في الشريعة، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -عز وجل-، وهو الذي استحقّت به الأمة الإسلامية الخيرية على كل الأمم، كما قال -تعالى-: {كنتم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس تأمرونَ بالمعروف وتنهون عن المنكر} آل عمران: 110. ولولا الرد على المخالف، لقال مَن شاء ما شاء، كما قال السلف.



    قال الامام الذهبي -رحمه الله-: «فوالله، لولا الحُفّاظُ الأكابر، لخطبت الزَّنادقةُ على المنابر». سير أعلام النبلاء (82/11).

    لكن لا بد لمن أراد الدخول في هذه العبادة العظيمة، من مراعاة الضوابط الشرعية لها المأخوذة من الكتاب العزيز، والسنة النبوية الشريفة، وهدي سلفنا الصالح، ومن تبعهم بإحسان، التي بينها أهل العلم، وأئمة المسلمين.

    وفيما يلي بيانٌ لأهم هذه الضوابط الشرعية، والشروط المرعية:

    - أولا وثانيا: من شروط مَنْ يتصدّر للرد على المخالف: العلم والعدل، وضدهما الجهل والظلم.

    فلا شك أنَّ الرد على المخالف، يجب أنْ يكون بالعلم والعدل.

    وهذان الشرطان، من آكد ما يجب توفره في الراد على المخالف؛ فالرد على المخالف كما قلنا عبادة عظيمة، وهو من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كما سبق، الذي تكاثرت فيه النصوص من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة.

    ولذا يجب أنْ يضبط هذا الباب كما ذكرنا بــ(العلم) و( العدل).

    فيكون الكلام والنقد مبنيَّيْن على العلم بالوجوه كلها: من العلم بخطأ المخالف، وثبوت خطئه عليه، ووقوفه على البيّنات التي تثبته، والعلم بوجه الخطأ في قوله أو فعله.

    ويتصف الرد بالعدل، فلا يظلم في ردّه عليه ولا يتعدَّى، ولا يقوّله ما لم يَقل، ولا يُقوله لوازم قوله، ونحو ذلك مما يدخل في العدل والإنصاف.

    هذا دأب السلف ومنهاجهم، ومن يقف على أيِّ كتابٍ من كتبهم في الرد على المخالفين للحق من أهل الأهواء والبدع فضلاً عن غيرهم، يتبيّن له ذلك.

    وأيضاً: فإنّ مَنْ يرد على المخالف يجب أن يكون صادقاً في نُصرته للحق، ورغبته في إصابته وموافقته حكم الله -تعالى- وشرعه، وقد بلغ السلف من (التّجرّد) في ذلك، وسلامة القلوب والصدور، واستسلام النفوس للحق، ما ضربوا به أروع الأمثلة في ذلك.

    وما أحسن قول حاتم الأصم: «معي ثلاثُ خصال، أظهر بها على خصمي، قالوا: ما هي؟ قال: أفرحُ إذا أصاب خصمي، وأحْزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه». فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل فقال: «سبحان الله! ما كان أعقله من رجل». المنتظم لابن الجوزي.

    ولتأكيد اشتراط «العلم، والعدل» في الرد على المخالف، ولبيان أهميتهما، ننقل بعض ما سطّره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بعض كتبه، في بيان أهمية هذين الشرطين خاصة، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- من أكثر من ردّ على المخالفين من أهل الملّة، أو من خارج الملة، كما تدل كتبه ورسائله على ذلك.

    فمن تلك النقول المهمة المفيدة:

    1- ما قاله في الفتاوى (19/238): «ونحن نذكر قاعدةً جامعة في هذا الباب، لهم ولسائر الأمة، فنقول لا بدّ أنْ يكون مع الإنسان أصولٌ كلية، يَرد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلمٍ وعدل، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذبٍ وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم».

    علم وعدل

    2- وفي منهاج السنة (5/79) يبين أهمية العلم والعدل، ويوضح خطورة الجهل والظلم، في هذا الباب بقوله: «ومعلوم أنا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة، مثل الملوك المختلفين على المُلْك، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين، وجب أنْ يكون الكلام بعلم وعدل، لا بجهلٍ وظلم، فإنَّ العدل واجبٌ لكلّ أحدٍ على كل أحد، في كل حال، والظلم محرمٌ مطلقاً، لا يباح قط بحال، قال -تعالى- {ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على ألا تعْدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} سورة المائدة: 8. وهذه الآية: نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغضٌ مأمورٌ به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به، قد نهى صاحبه أنْ يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلمٍ بتأويل وشبهة؟ أو بهوى نفس؟ فهو أحقّ ألا يُظلم بل يعدل عليه، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحقّ من عدل عليهم، في القول والعمل، والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه، ومحبته والثناء على أهله، ومحبتهم، والظلم مما اتفقوا على بغضه، وذمه وتقبيحه، وذمّ أهله وبغضهم».

    حال الخلاف

    3- وفي منهاج السنة (5/86) يوضح هذه المسألة أكثر فيقول: «والمقصود هنا أنه إذا وجب فيما شَجَر بين عموم المؤمنين، ألا يتكلم إلا بعلمٍ وعدل، ويُرد ذلك إلى الله والرسول، فذاك في أمر الصحابة أظهر، فلو طعن طاعنٌ في بعض ولاة الأمور، من ملكٍ وحاكم وأمير وشيخ ونحو ذلك، وجعله كافراً، معتديا على غيره في ولاية أو غيرها، وجعل غيره هو العالم العادل، المبرّأ من كلّ خطأٍ وذنب، وجعل كل مَن أحبّ الأول وتولّاه كافراً أو ظالما مستحقاً للسبِّ، وأخذ يسبه، فإنه يجب الكلام في ذلك بعلم وعدل».

    الكتاب والسنة

    4 - وأيضا: في منهاج السنة (5/85) يُوضح أنّ العلم يكون في الرجوع للكتاب والسنة، ويشير إلى خطورة بناء بعض المسائل على تقرير علماء أو شيوخ واجتهادهم، دون أنْ يكون لهم أدلة من الكتاب أو السنة، فيقول: «فالأمور المشتركة بين الأمة، لا يَحكم فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحدٍ أنْ يلزم الناس بقول عالمٍ، ولا أمير، ولا شيخ، ولا ملك».

    الكلام بلا علم

    5 - وفي درء تعارض العقل والنقل (4/298) يسهب موضّحاً ضرورة التزام العلم والعدل في الرد، فيقول: «وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بيّنه الله وسوله مأمورٌ به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبه، وأما الكلام بلا علم فيذم، ومن تكلم بما يخالف الكتاب والسنة فقد تكلم بلا علم، وقد يتكلم بما يظنه علماً: إما برأي رآه، وإما بنقل بلغه، ويكون كلاماً بلا علم، وهذا قد يعذر صاحبه تارة وإنْ لم يتبع، وقد يذم صاحبه إذا ظلم غيره، وردّ الحق الذي معه بغياً، كما ذم الله ذلك بقوله: {وما اختلفَ الذين أُوتوا الكتابَ إلا منْ بعد ما جاءَهم العلمُ بغياً بينهم} آل عمران: 19.

    البغي مذموم

    فالبغي مذمومٌ مطلقاً، سواءً كان في أنْ يلزم الإنسان الناس بما لا يلزمهم، ويذمهم على تركه، أو بأنْ يذمّهم على ما هم معذورون فيه، والله يغفر لهم خطأهم فيه، فمن ذمّ الناس وعاقبهم على ما لم يذمهم الله -تعالى-، ويعاقبهم، فقد بغى عليهم، لا سيما إذا كان ذلك لأجل هواه.

    وقد قال -تعالى-: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} ص: 26.

    والله -تعالى- قد قال: {وحَملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولاً - ليُعذب الله المُنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} الأحزاب:72-73.

    التوبة من الجهل

    فالسعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه، وإلا فالإنسان ظلومٌ جهولٌ، وإذا وقع الظلم والجهل في الأمور العامة الكبار، أوجبت بين الناس العداوة والبغضاء؛ فعلى الإنسان أنْ يتحرى العلم والعدل فيما يقوله في مقالات الناس؛ فإنَّ الحكم بالعلم والعدل في ذلك أولى منه في الأمور الصغار.

    القضاة ثلاثة

    وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «القضاةُ ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة، رجلٌ عَلِم الحقَّ وقضى به، فهو في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ عَلِم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار».(أبوداود) فإذا كان هذا فيمن يقضي في درهمٍ وثوب، فكيف بمن يقضي في الأصول المتضمنة للكلام في رب العالمين؟! وخلقه وأمره وعده ووعيده».انتهى





    إبراز مفاسد كتب المبتدعة بالإنصاف




    ويبين القرافي وجوب إبراز مفاسد كتب المبتدعة وأحوالهم بالإنصاف، فيقول: «ويُنفَّر عن تلك المفاسد ما أمكن، بشرط ألا يتعدّى فيها الصدق، ولا يفتري على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال على المبتدع: إنه يشرب الخمر، ولا أنه يزني، ولا غير ذلك مما ليس فيه».

    - ومن العدل والإنصاف: ألا نجحد ما للعالم أو الشيخ من فضل وعلم، وأن يعذر من أخطأ بجهل أو بتأويل، وألا تفرح وتطير بخطؤه إذا أخطا، كما لو أذنب فلا تفرح بذنبه.

    - يقول الإمام ابن القيم: «ومن له علم بالشرع والواقع، يعلم قطعاً أنَّ الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قدم صالح, وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أنْ تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين».

    - ويقول أيضاً في وصف المنصف: «يتوجع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر حتى كأنه هو الذي عثر بها، ولا يشمت به».
    - ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومعلوم أنَّ شر الكفار والمرتدين والخوارج، أعظم من شر الظالم، وأما إذا لم يكونوا أي المبتدعون أو غيرهم يظلمون المسلمين، والمقاتل لهم يريد أن يظلمهم، فهذا عدوان منه فلا يُعاون على عدوان».
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,614

    افتراضي رد: الرد على المخالف وضوابطه وآدابه



    الرد على المخالف وضوابطه وآدابه (2)
    الاعتماد على الدليل الشرعي والبرهان العقلي والفطري



    الشيخ.محمد الحمود النجدي



    الرد على المخالف، أصلٌ من أصول أهل السُّنة والجماعة، وعبادة عظيمة، ومقام جليل في الشريعة، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -عز وجل-، وهو الذي استحقّت به الأمة الإسلامية الخيرية على كل الأمم، كما قال -تعالى-: {كنتم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس تأمرونَ بالمعروف وتنهون عن المنكر} آل عمران: 110. ولولا الرد على المخالف، لقال مَن شاء ما شاء، كما قال السلف.

    الرد على أهل الكلام

    ويقول ابن تيمية ردّاً على بعض أهل الكلام حين ذم أهل الحديث بقلة الفهم، وعدم التمييز بين صحيح الحديث من ضعيفه: «لا ريب أنَّ هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة, ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وقد رأيت من هذا عجائب، لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك، كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل، فكل شرٍّ في بعض المسلمين، فهو في غيرهم أكثر، وكل خيرٍ يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم». (كتاب علم الحديث) (44). وإذا تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها، فقد تكلف هؤلاء من القول بغير علم، ما هو أعظم من ذلك وأخطر.

    مجتهدو السلف والخلف

    - ويقول أيضاً: «كثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف، قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآياتٍ فهموا منها ما لم يُرد منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم».

    - ويقول الشوكاني: «دع عنك ما يقع من الاختلاف في المذاهب والمعتقدات؛ فإنه يبلغ الأمر إلى عداوة فوق عداوة أهل الملل المختلفة، فطالب الإنصاف لا يلتفت إلى شيء مما يقع من الجرح والتعديل بالمذاهب والنحل».

    - ويقول العلامة السعدي في تفسير قوله -تعالى-: {إذا اكتالُوا على الناس يَسْتوفون وإذا كالُوهم أو وزنوهم يُخسرون} المطففين: 2- 3: «يدخل في عموم هذا: الحجج والمقالات فكما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ما له من الحجج، فيجب عليه أيضاً أنْ يبين ما لخصمه من الحجة التي لا يعلمها، وأنْ ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يُعْرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه».

    الإنصاف الأدبي

    - ويقول الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-: «التزام الإنصاف الأدبي، بألا تجحد ما للإنسان من فضل، وإذا أذنب فلا تفرح بذنبه، ولا تتخذ الوقائع العارضة مُنهية لحال الشخص، وباتخاذها رصيداً ينفق منه الجرّاح في الثلب، والطعن وأن تدعو له بالهداية، أما التزايد عليه، وأما البحث عن هفواته، وتصيدها فذنوب مضافة أخرى. والرسوخ في الإنصاف، بحاجة إلى قَدْرٍ كبيرٍ من خُلق رفيع، ودين متين».

    - ثالثا: من الضوابط العظيمة لدى علماء السلف في الرد على المخالف: الاعتماد على الدليل الشرعي، والبرهان العقلي والفطري السليم، والتحاكم إليها. قال -تعالى-: {فإنْ تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا} النساء: 59. وقال -سبحانه-: {فلا وربّك لا يُؤمنون حتى يُحكموك فيما شَجَر بينهم ثم لا يَجدوا في أنفسهم حَرَجاً مما قضيتَ ويسلموا تسليما} النساء: 65.


    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تركتُ فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي». رواه الدارقطني والحاكم.


    - ومن الأمثلة على ذلك

    من فعل الصحابة:

    في قصة موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقول عمر - رضي الله عنه -: والله ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ثم خروج أبي بكر -رضي الله عنه- للناس وقوله: ألا مَن كان يعبد محمداً، فإنَّ محمداً قد مات، ومَنْ كان يعبد الله، فإن الله حيٌ لا يموت، وقرأ {إنك ميت وإنهم ميتون} الزمر: 30. وغيرها من الآيات، فَنَشج الناس يبكون».

    4- موقف ابن عباس من الخوارج وجدالهم؛ حيث قال لهم: «أرأيتكم إنْ أتيتكم من كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -، ما ينقض قولكم، أترجعون؟...».

    5- ما ثبت عن الأئمة الأربعة جميعاً من قولهم: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنة رسول الله، فقولوا بها، ودعوا ما قلته.

    - ومما قد ورد من نقول كثيرة عن العلماء في هذا الباب:


    1- يقول الحافظ ابن الجوزى في (تلبيس إبليس) (1/152): «والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط، إلا تنزيه الشريعة، والغَيرة عليها من الدَّخَل، وما علينا من القائل والفاعل، وإنما نُؤدي بذلك أمانة العلم، وما زال العلماء يُبين كل واحدٍ منهم غلط صاحبه، قصداً لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط، ولا اعتبار بقول جاهلٍ يقول: كيف يُرد على فلانٍ الزاهد المتبرك به، لأنَّ الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة، لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرجل من الأولياء، وأهل الجنة، وله غلطات، فلا تمنع منزلته بيان الله».

    2- ويقول الحافظ ابن رجب فى كتابه (الفرق بين النصيحة والتعبير) (ص11):» قد يظن مَن لا يعلم من الناس، ولا يضع الأمور مواضعها: أن هذا اغتيابٌ للعلماء، وطعن فى السلف، وذكر للموتى! وليس ذلك كما ظنوا؛ لأنَّ الغيبة سبُّ الناس بلئيم الأخلاق، وذكرهم بالفواحش والشائنات، وهذا من الأمر العظيم المشبه بأكل اللحوم الميتة.

    فأما هفوة فى حرفٍ، أوزلة فى معنى، أو إغفال أو وهم أو نسيان، فمعاذ الله أن يكون هذا من هذا الباب، أو أن يكون له مشاكل أو مقارب أو يكون المنبه عليه آثماً، بل يكون مأجورا عند الله، مشكوراً عند عباده الصالحين الذين لا يميل بهم هوى، ولاتداخلهم عصبية، ولا يجمعهم على الباطل تحزبٌ، ولايلفتهم عن استبانة الحق حسد.

    الاعتذار من العلم


    وقد كنا زماناً نعتذر فيه عن الجهل، فقد صرنا الأن نحتاج الاعتذار من العلم، وكنا نؤمّل شكر الناس بالتنبيه، والدلالة فصرنا نرضى بالسلامة! وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال ولاينكر مع تغير الزمان، وفى الله خلف وهو المستعان». هكذا يتألم الحافظ ابن رجب من حال أهل زمانه، وما حمل بعض الناس على التعصب لأئمتهم.

    ويقول ابن سعدي -رحمه الله- في تفسير: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} مبيناً معنى العدل في القول: «بمراعاة الصدق فيمن تحبون، ومن تكرهون، والإنصاف وعدم كتمان ما يلزم بيانه؛ فإنَّ الميل على من تكره بالكلام فيه، أو في مقالته، من الظلم المحرم، بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع فالواجب عليه أنْ يعطي كل ذي حق حقه، وأنْ يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبعدها منه».

    رحم الله السلف


    رحم الله -تعالى- سلفنا الصالح، ومن سلك طريقهم، واقتدى بهم، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وتلاميذهم وأصحابهم، ومن جاء بعدهم ممن اقتدى بهم، كالإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب وأبنائه وأحفاده وتلاميذه، ومن تبعهم، من علماء هذا الزمان كالإمام ابن باز وابن عثيمين وإخوانهم، وعلامة الشام الألباني، وعلامة مصر أحمد شاكر، وغيرهم كثير يعجز القلم عن حصرهم، رحمهم الله، ورفع درجتهم؛ فقد كانوا أهل علم وعدل، وهذه ردودهم المطبوعة والمنشورة، بفضل الله -عز وجل-، كانت على السبيل الأقوم، والطريق الأسلم، تبين الحق، وترحم الخلق، وقد ورَّثونا تراثاً عظيماً في هذا الباب العظيم، استفادوه من الكتاب العزيز، والسُنة النبوية، وآثار الصحب الكرام، والتابعين لهم بإحسان، فحُقَّ علينا أنْ نتأسى بهم وبالسلف الصالح؛ فإنَّ منهاجهم هو الأسْلم والأعْلم والأحكم. ومَن كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإنَّ الحي لا تؤمن عليه الفتنة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,614

    افتراضي رد: الرد على المخالف وضوابطه وآدابه

    الرد على المخالف وضوابطه وآدابه (3)
    الاعتماد على الأحاديث الصحيحة في الرد على المخالف
    الشيخ.محمد الحمود النجدي

    ذكرنا فيما سبق أن الضابط الثالث من ضوابط الرد على المخالف لدى علماء السلف: الاعتماد على الدليل الشرعي، والبرهان العقلي والفطري السليم، قال -تعالى-: {فإنْ تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحْسن تأويلا} (النساء: 59)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تركتُ فيكم أمْرين؛ لنْ تَضلُّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله، وسُنة نبيّه».

    وهذه فروع ذكرها العلماء، تدخل تحت هذا الضابط - وهو: الاعتماد على الدليل الشرعي - وهي إجمالاً كالآتي:
    1- إنْ كنتَ ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل.
    2- موافقة النصوص الشرعية لفظاً ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ.
    3- لا يجوز بتر الدليل والاستدلال بجزئه.
    4-الحق ما وافق الدليل بغض النظر عمن قاله أو أعرض عنه.
    5-السكوت عما سكت الله -تعالى- عنه ورسوله -صلى الله عليه وسلم -.
    6-الدليل المقدم، هو الدليل القطعي.
    7-الاستدلال على المسألة المتنازع فيها إنما يكون بالدليل المتفق عليه.
    8-الباطل لا يُرد بالباطل، بل بالحق.
    9-الامتناع عن مناظرة أهل السَّفْسطة.
    10- النقل الصحيح لا يمكن أنْ يتعارض مع العقل الصريح، والفطرة السليمة.
    11-درء التعارض بين نصوص الكتاب والسنة.
    وهذا تفصيلها:
    إنْ كنتَ ناقلاً فالصّحّة، أو مدعياً فالدليل
    - أولاً: كلُّ دعوى لابد من إقامة الدليل عليها، وإلا كانت مجرد دعوى، خالية عن البرهان والحجة، لا قيمة لها ولا وزن. والدليل إما أنْ يكون نقلاً أو عقلاً، والمطلوب في الدليل النقلي: تحرير صحته، وفي العقلي: إظهار صراحته، وبيان حجته، قال الله -تعالى-: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة: 111، فهذا عامٌ في كل دعوى، أنه لا بد من تأييدها بالدليل، وقال -تعالى-: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الأحقاف:4؛ فطالبهم أولا بالطريق العقلي، وثانيا بالطريق السمعي.
    الكتاب هو الكتاب
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالكتاب هو الكتاب – أي جنس الكتب المنزلة من عند الله – والأثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد، وقالوا: هي الخط أيضاً؛ إذْ الرواية والإسناد يكتبان بالخط، وذلك لأنّ الأثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد, ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره». درء تعارض العقل والنقل (1/57-58)، ومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة: إنْ كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل.
    مخالفة أهل البدع والأهواء
    وقد خالف أهل البدع والأهواء جميعاً في هذا الأمر، فتجد كثيراً منهم يؤصل لبدعته بغير دليل ولا برهان، أو يستدل على بدعته أو قوله وفعله، بنقل ضعيف, أو موضوع مكذوب، أو دلالة ضعيفة، أو عقلٍ فاسد.
    فأهل البدع يكثر عندهم الاستدلال بالنقول الموضوعة والضعيفة، وكذلك الدلالة الضعيفة، وهو أمرٌ يشترك فيه جميع طوائف أهل البدع والأهواء، فمنهم المُقل ومنهم المستكثر.
    أما أهل الفلسفة والكلام، فيَكثر عندهم الاستدلال بالأقيسة العقلية الفاسدة، أو الاحتمالات البعيدة، والتجويزات المستبعدة.
    حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف
    الصحيح أنه لا يصح ولا يجوز الاعتماد إلا على الحديث الثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، سواءً كان صحيحاً أم حسناً، وأما الأحاديث الضعيفة، فضلا عن الواهية والموضوعة، فإنه لا يعتمد عليها، وهذه هي الأدلة:
    أما من القرآن الكريم: فقد قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} الحجرات:6، فأمرنا الله سبحانه بالتثبّت في الأخبار، وألا نقبل إلا خبر الصادق العدل، الذي يُقَبل ما أَخبر به ويعمل به، وأما الكاذب فخبره مردودٌ، وأما الفاسق فخبره متوقفٌ فيه، فإنْ جاء ما يعضده ويقويه؛ قبلناه، وإلا لم نقبله.
    وقال -تعالى-: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} الأنعام: 116، «أخبر جل ثناؤه عن حال الذين نَهَى نبيه عن طاعتهم، فيما دعوه إليه في أنفسهم.
    {وإن هم إلا يخرصون}، يقول: ما هم إلا متخرِّصون، يظنون ويوقعون حَزْرًا، لا يقينَ علمٍ». تفسير الطبري.
    وقال -تعالى-: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم: 28، نفى الله -تعالى- العلم عنهم، وإن ما عندهم هو تخيل وتوهم؛ إذْ العلم لا يكون إلا عن دليل، فنفي العلم المراد به نفي الدليل، ونفي الإِغناء معناه نفي الإِفادة، أي لا يفيد شيئاً من الحق.
    - والمعنى: أن الحق حقائق الأشياء على ما هي عليه وإدراكها هو العلم «المعرف بأنه تصور المعلوم على ما هو عليه» والظن لا يفيد ذلك الإِدراك بذاته، فلو صادف الحق فذلك على وجه الصدفة والاتفاق، ولاسيما الظن المخطىء كما هنا.
    الأدلة من السنة النبوية
    عن أبي هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «سيكون في آخر الزمان أناسٌ؛ يُحدِّثونكم ما لمْ تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم».
    و في رواية: «يكون في آخر الزمان دجَّالُون كذَّابُون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلُّونكم ولا يفتنونكم». رواهما مسلم في مقدمة كتابه الصحيح (1/12) باب: النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.
    وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إياكم وكثرة الحديث عني، مَنْ قال عليَّ فلايقولَنَّ إلاَّحقاً أو صِدقاً، فمن قال عليَّ مالم أقل، فليتبوَّأْ مقعدَه من النار». رواه أحمد (5/297) وغيره.
    الآثار عن السلف وأهل العلم
    عن مُجاهدٍ قال: جاءَ بُشَيْرٌ العدَويُّ إلَى ابن عبَّاسٍ، فجعلَ يُحدِّثُ ويقولُ: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. فجعل ابن عباسٍ لا يأذنُ لحديثهِ، ولا يَنظُرُ إليهِ. فقال: يا ابن عباسٍ! مالِي لا أراكَ تسمعُ لحديثي؟ أُحدِّثُكَ عنْ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم - ولا تسْمعُ. فقال ابنُ عباسٍ: إنَّا كُنَّا مرَّةً إذا سمِعْنا رجُلاً يقُول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ابتدَرَتْهُ أبْصارُنا، وأصغَيْنا إليْهِ بآذاننا، فلمَّا ركبَ النَّاسُ الصَّعْبَ والذُّلولَ، لمْ نأخذْ مِن النَّاسِ إلاَّ ما نعْرِف. رواه مسلم في المقدمة (1/13)، وعن محمد بن سيرين قال: إنَّ هذا العلمَ دينٌ، فانظُروا عمن تأخذون دينكم؟ المصدر السابق.
    والعلم المقصود هو: حديث النبي -صلى الله عليه وسلم -، فلا يُؤخذ إلا عن الثقات الأثبات، أهل الصدق والأمانة.
    السؤال عن الإسناد
    وقال أيضاً: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رِجالَكمْ، فَيُنْظر إلى أهل السنة فيُؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثُهم. المصدر السابق.
    وقال الحافظ ابن حزم -رحمه الله-: «ما نقل أهلُ المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم -، إلا إن كان في الطريق رجل مجروح بكذب، أو غفلة، أو مجهول الحال، فهذا يقول به بعض المسلمين، ولا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه». الفصل في الملل والنحل.
    و قال الحافظ ابن رجب في شرح الترمذي: «و ظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه الصحيح، يقتضي أنه لا تُروى أحاديث الترغيب والترهيب، إلا عمن تروى عنه الأحكام».
    الحق الذي سار عليه الأئمة
    وهذا هو الحق الذي سار عليه أئمة الحق عبر القرون، فما كان من حديث صحيح احتجوا به والتزموه، وما كان من حديث ضعيف طرحوه، وإلا فما معنى قول الأئمة الأربعة - واتفقوا على هذه المقالة -: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي»؟. أي: صح الحديث ذهبنا إليه، وهذا واضح عند ذوي البصائر.
    ثم الحديث الضعيف يفيد الظن المرجوح بلا خلاف، وإذا كان كذلك؛ فكيف يقال بجواز العمل به؟! والله قد خاطب الكفار بقوله: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} الأنعام:148. أي: هل عندكم علم أن الله راض عنكم فيما أنتم به فتخرجوه لنا؟ الجواب: لا؛ لأنهم يتبعون الخيال والوهم، وقال -تعالى-: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم: 28. فأخبر -تعالى-: أن الظن لا يفيد علماً، ولا يفيد حقاً. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إياكمْ والظن، فإنَّ الظنَّ أكذَبُ الحديثِ». متفق عليه.

    فلا يجوز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً، لا في الأحكام، ولا في العقائد، ولا في الفضائل والمستحبات؛ لأنّ المستحب أيضاً حكم تكليفي، والحكم التكليفي لا يثبت إلا بدليل صحيح، كما قال المحقق جلال الدين الدواني: «اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا يثبت به الأحكام الخمسة الشرعية، ومنها: الاستحباب».
    والعجب بعد ذلك أن يدَّعي بعضهم: أن العمل بالحديث الشريف في فضائل الأعمال؛ عليه جمهور أهل العلم! وأنه يجوز روايته دون بيان ضعفها!، انظر مقدمة: صحيح الجامع الصغير ( ص 51).
    وللحديث بقية
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,614

    افتراضي رد: الرد على المخالف وضوابطه وآدابه

    الرد على المخالف وضوابطه وآدابه (4)
    بيان الضعف في الحديث الضعيف واجبٌ؛ لأنّ ترك البيان يُوهم المطلع عليه أنه حديثٌ صحيح

    الشيخ.محمد الحمود النجدي

    ذكرنا فيما سبق أن الضابط الثالث من ضوابط الرد على المخالف لدى علماء السلف: الاعتماد على الدليل الشرعي، والبرهان العقلي والفطري السليم، وذكرنا أن العلماء وضعوا بعض القواعد المتعلقة بهذا الضابط، وذكرنا منها قولهم: (إنْ كنتَ ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل)، واليوم نستكمل الحديث عن آثار السلف في عدم جواز الاستدلال بالحديث الضعيف.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (مجموع الفتاوى) (1/250) في (القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة):

    ولا يجوز أنْ يُعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوَّزوا أنْ يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب، وذلك أنّ العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي، وروي حديث لا يعلم أنه كذب، جاز أنْ يكون الثواب حقاً، ولم يقل أحدٌ من الأئمة: إنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديثٍ ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع، فيجوز أنْ يُروى في الترغيب والترهيب ما لم يُعلم أنه كذب، ولكن فيما علم أن الله رغَّب فيه أو رهب منه، بدليل آخر غير هذا المجهول حاله اهـ.

    عدم الجواز مطلقًا

    وقال القاضي أبو بكر بن العربي بعدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً، لا في فضائل الأعمال ولا في غيرها.. انظر في ذلك تدريب الراوي (1/252).

    بيان الضعف

    وقال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- في الباعث الحثيث: «والذي أراه أنَّ بيان الضعف في الحديث الضعيف: واجبٌ في كلّ حال، لأنّ ترك البيان يُوهم المطلع عليه أنه حديثٌ صحيح خصوصاً إذا كان الناقل له من علماء الحديث، الذين يرجع إلى قولهم في ذلك».

    الرد على تسويغ بعضهم

    وقد يسوغ بعضهم ذلك بقوله: يجوز رواية الأحاديث الضعيفة في المواعظ والترغيب والترهيب، وما أشبه ذلك، وممن روي عنه التساهل في روايتها من المتقدمين: سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل.

    فنقول: قد بيَّن العلماء أن التساهل المذكور إنما هو الأخذ بالحديث الحسن، لا الضعيف المردود:ـ

    قال العلامة أحمد شاكر: «وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبدالرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك: «إذا روينا في الحلال شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا» فإنما يريدون به فيما أرجح -والله أعلم- أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح؛ والحسن لم يكن في عصرهم مستقراً واضحاً، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط». انتهى (المصدر السابق).

    وما قاله أحمد شاكر قد قاله قبله الحافظ ابن رجب الحنبلي في (شرح علل الترمذي)(ص 259) فقد قال: «وكان الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريبٌ من مراد الترمذي بالحسن»، وهذا واضح ولله الحمد.

    عدم اعتماد الأئمة على الضعيف

    ثم قال (ص 85): «وما كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة، ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف؛ الذي ليس بصحيح ولا حسن، فقد غلط عليه...».


    وقال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر كلام أحمد شاكر السابق: «وجملة القول: إننا ننصح إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يَدَعوا العمل بالأحاديث الضعيفة مطلقاً، وأنْ يوجهوا همَّتهم إلى العمل بما ثبت منها عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ففيها ما يُغني عن الضعيفة، وفي ذلك منجاةٌ من الوقوع في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأننا نعرف بالتجربة أنَّ الذين يخالفون في هذا قد وقعوا فيما ذكرنا من الكذب؛ لأنهم يعملون بكل ما هبَّ ودبّ من الحديث! وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: «كفى بالمرءِ كذباً؛ أن يحدِّث بكلِّ ما سمعَ».

    وعليه أقول: كفى بالمرء ضلالاً أن يعملَ بكلِّ ما سمع، وتحقيقاً مني للنصح المذكور، صنفت ولا أزال أصنف من الكتب ما به يستعين القراء على تمييز الصحيح من الضعيف، والطيب من الخبيث، مما يدور على ألسنة الناس، أو سُجّل في بطون الكتب من الحديث»، مقدمة: صحيح الجامع الصغير.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •